تجاهلت استفزازهم المتغطرس، وواصلت هجومي على القبة. لطالما كنت ممن لا يتبعون الأوامر عميانا. ثم إنني لم أكن من رعاياهم أصلا. فما الذي يخوّلهم إصدار الأوامر إلي؟ راقبت الملك والملكة من رجال البحر وهما يمران بطيف من المشاعر، من الصدمة إلى الرعب، قبل أن يستقرا أخيرا على الغضب. لعلّهما حاولا استخدام مهارة أو سمة علي. فقد كانا يأمران، في نهاية المطاف، مختلف أنواع المخلوقات البحرية الأخرى، مثل حوت النقل ذاك.
قال الملك آمرا: "اقتلوه!"
فانفجرت موجة من الطاقة حول كل رجل بحر حاضر.
وأضافت الملكة: "دافعوا عن وطننا!"
فانطلقت هالة مماثلة منها. تُرى، أذلك أثر شعار؟ قد تكون سمة، مثل أميرة النمل التي قتلتها. إذا اخترت الملكة كتطوري النهائي، فهل سأتمكن من تعزيز جميع [النوى الفرعية] لدي، أم أن الأمر يقتصر على الذرية؟ قاطعت تأملاتي الداخلية هجمة متجددة العنف ضدي. لم يكتف رجال البحر بالهجوم بقوة تقارب ضعف قوتهم السابقة، بل ازدادت قدرتهم على الصمود أيضا زيادة ملحوظة. ولمواجهة ذلك، شرعت [النوى الفرعية]
لدي في تعزيز أسلحتها بقدرات أخرى شتى من ترسانة [الهلام البدئي] لدي. أما الملك والملكة، فبدوا هجينين من محارب وساحر، إذ لم يكتفيا بامتلاك قوة جسدية مبهرة، بل كانا يشبعان ضرباتهما بأشكال مختلفة من السحر. لم يملك الملك سحر الماء فحسب، بل سحر الجليد أيضا، بينما كانت الملكة تستخدم البرق، وقد سخرت منه لشحن رمحها ثلاثي الشعب. كان كلا الأمرين سيشكل نقطة ضعف مروعة لي في الماضي، لكن [الهلام الجليدي]
و[الهلام الكهربي] أزالاها منذ زمن بعيد. وفوق ذلك، كانت الملكة تكبح قوتها كي لا تصيب رعاياها بنيران الاشتباك. لا مكان لـ[سحر البرق] تحت الماء، إلا إذا كنت تريد أن تتسبب في أضرار جانبية. حاولت إلقاء التعويذات بضع مرات، لكنني قوبلت بالتأثير التعطيلي نفسه، وإن كان مضاعفا. ظننت أن رجال البحر سيعانون الأمر نفسه، لكنهم بدوا بمنأى عنه تماما. لم تكن تلك إحدى سماتهم، وحتى حين حاولت تجهيز بعضهم بها، لم يتغير شيء.
تُرى، هل يستطيع الملك أو الملكة منحهم مناعة؟ على أي حال، أوشكت على اختراق هذه القبة! لم يتطلب الأمر أكثر من ثقب واحد. وما إن فتحت فيه فجوة حتى اندفع ضغط أعماق البحر عبرها كوحش هائج. باغتني الأمر إلى حد أنه شق ثقبا نافذا في هلامي نفسه، إذ كنت العقبة الأخيرة التي تحول دون بلوغه مجراه الطبيعي. لحسن الحظ، لم تكن هناك نوى في طريقه، وإلا لاضطررت إلى دفع فاتورة إصلاح. أنَّت القبة البلورية، ثم تشققت بخطوط مسننة أخذت تتسابق إلى الخارج في كل اتجاه.
وفي لحظة، انهارت القبة إلى الداخل، وتحطمت بينما اخترقها جدار هادر من الماء الداكن. انطوت القبة كلها كزجاج هش، وابتلعت التيارات العنيفة كل ما في داخلها. كان ضغط الأعماق خانقا حتى بالنسبة إلي، إلى أن استعرت سمة [عديم الغور]. وفجأة، شعرت أنني في قمة العالم، حاكم الأعماق! نظرت إلى رجال البحر أسفل مني وهم يحاولون استعادة عافيتهم. كل من لم يحمل طفرة الأعماق لم يكن في حال تسر.
لم ينفجروا، وهو ما ظننت أنه قد يحدث، لكن عددا غير قليل منهم فقدوا الوعي، بينما أخذ من ظلوا واعين يتلوون من الألم ويكافحون للحركة. إنهم وحوش، في نهاية المطاف. سيكون غريبا بعض الشيء ألا يتمتعوا بقدرة معقولة على الصمود. لم يكن الملك والملكة بين الجرحى. بل بدوا أقوى من أي وقت مضى. كان غريبا لو لم يحملا طفرة الأعماق، ولم أستطع إلا أن أتساءل أيّنا يملك السمة الأعلى مستوى.
حان وقت بدء المعركة الحقيقية!
* * *
حيرا المخلوقَ الغريبَ أمامَهُما ملكُ ميرمين وملكتُها. لم يشهد قطّ مثيلاً له طوال حياتِهما، فهو مسخٌ يجمع بين شتى أشكال الحياة البحريّة وحتى اللّيثان! حاولا تسخير سلطتهما الملكية لزجره، آملين أن يمنحهما ذلك فرصةً لإبعاده عن أزوليان على الأقلّ. لم يتخيّلا قط في أجمح أحلامهما أن تتهاوى قوّتهما المشتركة، بل والأنكى أن يكون هذا المسخ منيعاً ضدّها تماماً! ألم يكن هذا مخلوقاً بحريّاً؟
وإلى أين يرجع أصله إذن؟ لجأ ملك ميرمين إلى [التعرّف] علّه يظفر بتلميح، لكنّ النتيجة لم تقتصر على كونها مبهمة، بل كانت مرعبة أيضاً.
<مَسْخ خرافى المستوي ???> سأل الملكُ ملكَتَه: "يا للمل وك، أيّ مخلوق هذا؟"
فأجابت: "أياً يكن، ينبغي علينا القضاء عليه قبل فوات الأوان!"
خاضا المعركة ببأس، هاجسُهما الوحيد ألّا تطال هجماتُهما رعاياهم، والأهمّ من ذلك، ألّا تلحق ضرراً بالقبة الواقية. فمهما هلك من ميرمين يمكن تعويضهم، أما قبة أزوليان فلم تكن شيئاً يسهل ترميمه. احتدم القتال وتحقّق أسوأ كابوس راودهما. واصل المخلوق هجومه على القبة غير آبه بمن يهاجمونه. وما إن تصدّعت القبة حتى علت وجوهَ ميرمين أجمعين شهقاتُ الرعب. فلم تتردد أعماق المحيط في ابتلاع مدينتهما الفاتنة وفرد سيادتها عليها.
وما هي إلا لحظات حتى تملّكت الأعماقُ الملكَ والملكةَ بقوة بفضل خصائصهما، ومثلَهما فعل الكثير من الفرسان والأمراء. ومع ذلك، لم تكن هذه النهاية التي تمنيا ألا تحدث أبداً.
هتف الملك والملكة بصوت واحد: "اقتلوه!"
انبثق أورا حAمر من كليهما ليغلف الميرمين الناجين القادرين على القتال. ولم يكتفوا باكتساب قوة الأعماق، بل زال عنهم كبح الجماع تماماً. أطلق ميرمين الأعماق العنان لهجمات أشدّ فتكاً. لكن الرعب دبّ في قلوبهم عندما بدا أن المسخ يبذل قصارى جهده هو الآخر.
صرخت الملكة بفزع: "أهو مخلوق من الأعماق أيضاً!؟"
فزأر الملك بغضب: "لابدّ أن هذا سبب استماتته في تحطيم القبة!"
لم يكن أمامهم خيار سوى بذل قصارى جهدهم بغية القضاء على هذا المخلوق، فأمرا فرسان الأعماق بالشروع في إجلاء الجرحى من الرعايا. وفي الآن ذاته، استدعايا قواهما كاملة وتباعدا على عجل! بدا الزمان كأنّه يتباطأ حين أخذت الأعماق تتجمد حول الملك بينما تفجّرت طاقة كهربائية خطيرة محيطة بالملكة. ألوى الملك برمحه الثلاثي الشعب نحو المسخ، محاصراً إياه في سجن جليدي. وسددت الملكة رمحها إلى الأمام، فانطلق شعاع من البرق ليصطدم بالمخلوق السجين.
كان سبب تباعدهما العاجل واضحاً كالشمس—فما من أحد يطيق البقاء جوارهما حين يطلقان العنان لقواهما. كان المحيط نفسه يتجمد حول الملك بينما نذر برق الملكة بإهلاك كل من يقترب منها. تلك كانت سطوتهما! وتلك كانت بأسهما! والويل لمن يضطرهما إلى نزع القيود. واصلا إطلاق قواهما، غير آبهين بمن يقع في مرمى النيران. وإن لم تكن قوة الملك الجليدية كفيلة بالقضاء على المخلوق فوراً، فسيقوم برق الملكة المدمر بالمهمة.
تلك كانت ضربتُهما القاضية وبهما سادا المحيط.
قالت الملكة: "يبدو أنني فقدت مرونتي، أشعر وكأنني أتعرق قليلاً".
فاعترف الملك: "وأنا كذلك أشعر بحرارة نسبية..."
فسألته الملكة بعدم تصديق: "أنت؟"
ولكن قبل أن يسعف الردُّ الملكَ، تجلت الحقيقة الساطعة للموقف. فقد أخذ سجنه الجليدي بالذوبان، مطلقا حرارة لاهبة ذات أبعاد خارقة للطبيعة!
فزع الملك قائلاً: "أهو ليثان نار!؟"
فصرخت الملكة: "هذا مستحيل!"
كان الليثانات كائنات جبارة تشبه التنانين إلى حد كبير. بيد أنه بخلاف أبناء عمومتهم الناريين، كانت طاقاتهم غالباً مقتصرة على عناصر العواصف—الماء، والهواء، والجليد، والبرق. لم يُسمع بليثان نار قط، إلا إن كان اتحاد محرم بين تنانين وليثانات قد أنجب هذا المسخ.
أقر الملك على مضض: "أخشى أن يتوجب عليك وحدك ققتل هذا المخلوق، سأركز أنا على حمايتنا من الحرارة واللّهيب".
قالت الملكة: "حسناً، احرص على—"
قاطع صوتُ تمزق السماء كلامَ الملكة. كانت مألوفة لهذه الأصوات، إذ طالما أصدرت سحرها وقدراتها أصواتاً شبيهة، لكن هذا كان مغايراً لكل ما سمعته من قبل. انبثق عمود من البرق من المخلوق المسخ، ليقزم كل ذرة قوة استدعتها ويردّها إليها مباشرة. لم تملك وقتاً لتطلق صرخة رعب أو حتى لتتحرك، فقد أصابتها الضربة الجائرة بقوة. ورغم تباعدهما، بلغت القوة مبلغاً جعل الملك يتلقى ضرراً غير مباشر من التيارات المتدفقة.
صكّ على أسنانه بينما عبرت الطاقة العنيفة جسده. لم يشهد قطّ حدثاً مماثلاً طوال سنوات حكمه للمحيط! تردّدت أصداء أنين الملكة المتوجع حين تشتت تلك الطاقة أخيراً. فرغم سيطرتها على البرق وامتلاكها مناعة معتبرة ضده راكمتها عبر السنين، إلا أنها لم تكن منيعة تماماً أمامه. كان البرق نقطة ضعف شرسة وقاتلة لجميع وحوش الماء بلا استثناء، وما كانت هي استثناءً.
سألها الملك ونبرته تخلو بغرابة من التعاطف مع معاناتها: "أأنت بخير؟"
فرغم أنهما شريكان ظاهرياً، لم يكن أي منهما بحاجة للآخر فعلياً. بل في الواقع، إن هلك أحدهما، أمكن للآخر استدعاء رفيق جديد كبديل. ومع أن الملك أو الملكة المنصّب حديثاً سيكون أضعف ملحوظةً، لعدّت هذه النتيجة مفضلة لكليهما في الواقع. فمن ذا الذي لا يبتغي الانفراد بحكم المحيط؟
تمتمت الملكة: "سأبقى على قيد الحياة... بيد أن يبدو أن المخلوق يستطيع توظيف قوتي ضدي. وليس هذا فحسب، بل إنه ضاعفها أيضا!"
أومأ الملك برأسه: "أكاد أجزم بأن علينا الاستسلام والانسحاب".
وافقت الملكة باسترخاء كاره: "يبدو الأمر كذلك... على الأقل يبدو أنه استنفد تماماً الطاقة التي استلبت منه".
أومأ الملك شاعراً بارتياح جمّ. فلو استهدف المخلوقُ شخصَه عوضاً عنها، لما دار بينهما هذا الحديث من الأصل. استبدّ الرعب بالدّعين من هذا المخلوق. فلم يقتصر الأمر على قدرته على توليد حرارة تجعل الملك عاجزاً، بل استطاع بطريقة ما تحويل حتى البرق الموجه إليه إلى سلاح. وما عزى قلوبَهما سوى أن المسخ بدا عاجزاً عن عكس ما وُجّه إليه فحسب، إذ لم يستعمل هجوماً كهذا داخل أزوليان.
وما إن هما بالانسحاب حتى تنامى إلى سمعهما صوت طقطقة. كان شبيهاً بصوت البرق، لكنه مكتوم. لمح الملك ما يقع؛ فقد أخذت طاقات سحرية تتكاثف باحكام حول المخلوق وتضربه مراراً وتكراراً. شهق الملك ثم رمق الملكة بنظرة غاضبة مشتعلة.
"أَتُلقين المزيد من التعاويذ ضده!؟"
فاعترفت مرددة: "ل-لا!"
ورغم أن الفكرة راودتها برهة، فقد غلبتها الخشية من أن يعيد المسخ توجيهها مباشرة إليه عوضاً عن الملك. أبصر الملك خلوّ محيطها من أي طاقات سحرية، ممّا يعني صحّة قولها. ولم يحتمل الأمر سوى تفسير واحد—أن المخلوق قد تكيف بطريقة ما وتعلم مما ألقياه عليه.
سأل الملك مأخوذاً بالرعب: "أ-أقمنا بجعله أشدّ قوة عن غير قصد؟"
ارتجفت الملكة رعباً. فاستجابةً للجليد، أنبت حرارة، بينما ردّ برقَها إلينا مضاعفاً! وها هو المخلوق الآن يبادر من تلقاء نفسه إلى ضرب ذاته [بسحر البرق]، مرجحاً أنه يسعى لمضاعفة هجوم آخر يشنه عليهما.
قال الملك: "أسرعا، أفسدا السحر!"
فسارعت الملكة إلى مشاركته، متوافقة معه في التردد ببراعة متمرسة، وبدأت مانا العالم من حولهما تتموج وتلتوي. أمكن التغلب على التشويش السحر للأمراء والأميرات بحصر الإلقاء ضمن أورام المانا الشخصية، لكن ذلك لا ينطبق على ملك وملكة! أجل، مجتمعين، لم يكن بمقدور حتى حلقة كاملة من سحرة الجن الإلف إلقاء تعاويذهم أمامهما! ولكن... واصلت التعاويذ التدفق وتغذية المسخ أكثر فأكثر.
لم يكونا غبيين، فقد درا عيب تشويشهما السحري الوحيد. فإن امتنع المخلوق عن إطلاق المانا أو استخدامها في العالم قط، عجزا عن التشويش عليه!
سألتم الملكة بعدم تصديق: "أيعمد لإلقاء تعاويذ داخل جوفه؟"
كان التفسير الوحيد المنطقي، لكن كيف لمخلوق أن يلقي تعاويذ داخل جسده؟ وحتى بغض النظر عن هذه الاستحالة، كيف أفلح المسخ في اكتشاف طريقة لصدّ تشويشهما السحري بمثل هذه السهولة؟ أيّ مسخ مرعب هذا القادر على التكيف بمثل هذه الحرية، والتعلم بكل هذه السرعة؟ هذا، إلى جانب قدرته العالية على التجدد وحتى تحول أطرافه المبتورة إلى أسلحة ضد خصومه، جعله كارثة حية. لم يشهد أحدهما قط مخلوقاً مشابهاً، فحتى [أسياد الأبراج المحصنة]
لا يملكون طاقة كهذه! والأدهى، أنهما ساهما في تطوره دون علم بتسديد الهجمات ضده وتعليمه سبلاً جديدة للتكيف والتدمير! عادةً ما لا يأبه الهُمام المسخون بنظام العالم، لكنهم ما إن يبلغوا مستويات محددة، حتى يدركوا وجود كيان واحد يعلو الكل ويهابونه أشد الهيبة—الملوك! فإن استجلبا سخطهم، مُحيا من الوجود. تبادل الملكان نظرة خاطفة، فصعد خوف ممزوج بالذنب في صدريهما. أتراهما ساهما عن غير قصد في نشوء كارثة مستقبلية؟
إن صح ذلك، فستكون العقوبة أفظع من الموت. جرع الملك ريقه بصعوبة.
"أيّ مصير أطلقناه على العالم؟"
عجزت الملكة عن النطق بردّ، إذ أبت الإقرار بأنها شاركت بصنيع هذا الكابوس الحي.