كانت فانيسا غاضبة. خلال غيابها القصير عن سيلفان، انقض رجال البحر الآخرون عليه كنسور جائعة. والأسوأ أنهم كانوا يستخدمون اسمها في ذلك، معرضين هدفها للخطر في الوقت نفسه. ولم يكن ذلك أسوأ ما في الأمر.
فبينما كانوا يعدون سيلفان بأن «هداياه»
ستعيدها في وقت أقرب، كانت الحقيقة الفعلية عكس ذلك تماما. كانوا يبذلون كل ما في وسعهم لتأخير عودتها! لقد قللت فانيسا حقا من شأن الجشع الذي يحرك الأمراء والأميرات، لكن لحسن الحظ، لم يكن كافيا لانتزاع سيلفان منها. وكانت منزعجة في الحقيقة أيضا لأنهم يأخذون أشياء تخصهما معا، لكن في نهاية المطاف، ما داما يملكان بعضهما، فبوسعهما كسب المزيد. مع سيلفان، أستطيع أن أصبح أفضل سيرينة!
ولشدة ارتياحها، لم يبد على سيلفان أنه منزعج كثيرا من أغراضه المفقودة، بل كان مسرورا بصدق لعودتها.
وسألته بفضول عن كل تلك الأغراض ومصدرها، فأجابها ببساطة: "لم أثق قط بنقابة المغامرين، لذلك أبقيتها معي."
تذكرت فانيسا على نحو مبهم الشائعة التي سمعتها عنه حين كانت تبحث عن المعلومات، وكانت منسجمة مع ما قاله للتو. وكان عدم ثقة سيلفان بالنقابة، إلى جانب انضمامه إليها حديثا وصعوده السريع إلى الشهرة، هو السبب الذي دفعها في البداية إلى البحث عنه. حسنا، إذا كان سيلفان يحتفظ بمعظم ثروته معه، فلست مضطرة إلى المخاطرة بمحاولة استردادها من النقابة. لم نكن قد قضينا معا وقتا كافيا قبل مأساتنا المدبرة، ولذلك سيكون غريبا أن أرغب في المطالبة بها بوصفها أرملته.
كانت فانيسا تعرف أنها خاطرت كثيرا حين أحضرته إليها بهذه السرعة، لكن كل غرائزها كانت تدفعها إلى ذلك. وكان أكبر مخاوفها أن يفقده توقه إلى المغامرة والترحال، إذ بدا أنه بدأ يمل سريعا من المهام البسيطة في جزيرة البركان. ما حدث قد حدث. سأصطحبه غدا في مغامرة صغيرة، وأوثق رابطتنا. أنا واثقة من أنني إذا جعلت دمه يغلي بمقاتلة بعض وحوش الخنادق، فسيرى كم نحن رائعان معا!
* * *
عادت فانيسا حين كنت لا أزال أتجول في أرجاء أزوليان السفلى. لم أستطع العثور على حورية بحر لأكمل مجموعتي للأسف، لكنني تركت ورائي الكثير من كرات تعاويذ لفخّي المستقبلي. في الوقت عينه، وُزِّعت قنابل أصغر حجماً كثيرة على سبيل الهدايا بتوجيه من ألفا و[تقمص الأوار]. بالمعدل الذي تسير به الأمور، سيصبح لدي قريباً ما يكفي من المتفجرات لنسف أزوليان في انفجار ضخم واحد! تسللت متراجعاً، حريصاً على إبقاء كل شيء محكماً، والتئم شملي بسيلفين في الوقت المناسب تماماً لأسمع خطط فانيسا.
أرادت منا الخروج للصيد لكي تبرز للجميع مدى براعتنا. وافقت بطبيعة الحال، إذ كنت أطمع في نقاط الخبرة وأي ملفات تعريف محتملة لوحوش أعماق البحار. بعد ذلك، أمضت بعض الوقت في الاختلاط بالآخرين قبل أن يتناولوا وجبة معاً. لحسن الحظ، لم تصبح الأمور حميمة أكثر من اللازم بينها وبين سيلفين، وإلا لكنت مضطراً للانسحاب مجدداً، إذ بدا أن فانيسا كانت تكبح جماح نفسها في الوقت الحالي.
في اليوم التالي، وبينما كنت أترقب فانيسا، نلت شرف لقاء لويس، "الكلب الأكبر"
الحالي بين البشر. كنت أدردش مع نيك الذي جاء ليسألني عن سبب وجود هذا العدد الكبير من أمراء وأميرات التريتون الذين يقتربون مني طوال اليوم. في تلك اللحظة ظهر لويس واقحم نفسه في الحديث.
كان لويس متغطرسساً وممحوناً بغروره لدرجة أن جوناثان غرين أو غالان "قطرة الندى"
إيلارينوي مجتمعين لم يكونا لينافسا-ه.
كانت فكرتي الفورية "بعض الفتيان النبلاء المتغطرسين"، لكن الأمر لم يكن كذلك بشكل مفاجئ، أو على أصح القول، لم يكن يملك اسماً آخر.
"إذن أنت الحثالة التي أحضرتها فانيسا"، سخر لويس.
"لا أعرف لماذا قد تختار حورية بحر بهذا الوقار شخصاً مثلك".
<لويس؛ بشر مستوى 27؛ مانيومانسر (ساحر ماء) مستوى 48. التوافق العنصري: ماء، جليد.> إنه ينقصه الهواء… ألهذا السبب لا يمكنه التأهل لفئة كرايومانسر (ساحر جليد)؟ بغض النظر عن تأملاتي، لم أستطيع تبيّن أي سبب يجعله واثقاً إلى هذا الحد من نفسه. كان مستواه أعلى من باقي البشر، بلا شك، لكنه ظل أدنى من المستوى التنكري الذي منحته لسيلفين.
"أظن أننا وقعنا في حب بعضنا حتى أذنينا فقط"، أجاب سيلفين وهو يهز كتفيه.
"معك؟ أراهن أنك توسلت لتُجلب إلى هنا"، استهزأ لويس.
"تماما مثل نيك هنا وبقية غير المختارين".
قطب سيلفين جبينه وأخذ يطلق بعضاً من المانا خاصته بتهديد، بكمية يمكنها سحق لويس بسهولة. بدأ العرق يتصبب بغزارة من جبين لويس، وتلاشى ابتسامته الواثقة.
"لا تفعل"، حذر نيك بصوت خفيض.
"إنه يريدك غالباً أن تفعل شيئاً لتُعاقبك أميليا".
كنت متحمشاً للغاية لأفعل ذلك بالتحديد. إن حضرت أميليا، فسيُسلم ملف تعريف حورية بحر إلى عتبة داري مباشرة، لكنني كظمت غيظي حتى أتيقن تماماً من عزمي على شن هجومي. لم أكن قد رأيت ملك أو ملكة التريتون اللذين تدور حولهما الشائعات بعد، وظل هناك احتمال دائم بأن يشكلا تهديداً لي.
"ماذا؟ أأنت خائف؟"، استفزّه لويس.
تنهد سيلفين وضحك بخفة، هازّاً رأسه.
"سأذهب في رحلة صيد مع فانيسا قريباً، لذا لا أود إهدار طاقتي".
"أنت؟ تصطاد؟ هذه نكبة تثير الضحكة"، نخّر لويس بسخرية.
"ستكون رحلة زاخرة بلا شك. أنا متأكد من أننا سنجني بعض الجدارة، ففي نهاية المطاف، ومع وجود كل من ساحر الماء وساحر الرياح في جعبتي، سيكون الأمر بسيطاً بما يكفي"، ردّ سيلفين.
"هذا ادعاء جريء"، ردّ لويس، بدا جلياً أنه لم يصدّقه.
هزّ سيلفين كتفيه ومدّ إصبعه، لتتشكل [شفرة الفراغ] عند طرفه قبل أن تشق الأرض تحته. قطعت جرحاً نظيفاً في الأرض، مما جعل كلاً من نيك ولويس يصرخان من الصدمة.
"[سحر الرياح] ليس صعباً للغاية"، قال سيلفين بغرور.
"أنت—"، زمجر لويس.
"سيلفين، عذراً لتأخري"، قالت فانيسا، مقاطعة التوتر المتصاعد.
"بالنسبة لك، الانتظار يستحق العناء دائماً"، ردّ سيلفين، ملتفتاً إليها ومتجاهلاً لويس فوراً.
فتح لويس فمه ليقول شيئاً، لكن شيئاً لم يصدر عنه. رمقهم بنظرة حقد أخيرة قبل أن يهرول هارباً. يبدو أنه لن يسبب أي مشكلات أمام فانيسا. لا يمكنني إلا تخيل أن غايته كانت أن يكون كلامه مقابل كلامي، وحتى لو كان لدي نيك يدعمني، فلن يكون ذلك كافياً. ملوّحاً للوداع لنيك، تبعت فانيسا بينما توجهنا خارج قسم الهواء. ألقيت [فقاعة] على نفسي مجدداً حين غادرنا نحو الماء، وكانت وجهتنا إحدى المخارج نحو المحيط.
"كن حذراً وأنت تحت فترة الاختبار"، حذرت.
"كانت أميليا تافهة دائماً، والآن تشعر بالتهديد منا".
"سأفعل"، وافق سيلفين فوراً.
"أحضرت لك هدية… رغم أنها أحرى بضمان سلامتك بمجرد أن نغادر المدينة"، قالت فانيسا.
"أوه؟"، سأل سيلفين بفضول.
أومأت فانيسا برأسها وأخرجت قلادة، كان قلادتها على شكل قوقعة نوتيلوس ومغطاة بما بدت حجر أعماق مكرراً. مدت يدها داخل الفقاعة ووضعتها فوق رأس سيلفين، ليتدلى الغرض عند رقبته.
"ستبقيك هذه بأمان في حال فشل تعويذتك؛ وإلا فقد لا يستطيع جسدك النجاة في أعماق المحيط"، شّرحت فانيسا.
"وماذا عنك؟"، سأل سيلفين، والقلق بائن في عينيه.
قهقهت فانيسا وأخرجت واحدة أخرى.
"أملك واحدة أنا أيضاً. لا تقلق".
تنهد سيلفين بارتياح، وتبدد القلق مفسحاً المجال لابتسامة دافئة. أقسم أن ألفا و[تقمص الأوار] أصبحا بارعين جداً في هذا الأمر. إنني أتعرض للخداع حتى أنا. ألقيت نظرة على القلادة، التي كانت الجزء المسحور الوحيد في الغرض، وأصابني الحيرة فوراً مما رأيته. استطعت تمييز أنها تعويذة مائية بوضوح مبهم، لكن الرونز لم تكن المعيار القياسي الذي أألفه البتّة. بالنظر إلى أن غنائم الزنزانة نفسها بدت مطابقة لنفس معيار السحر، فقد كان الأمر محيراً بحق.
كانت مغادرة أزوليان أ أبسط مما تخيلت، وقريباً كنا خارج القبة وفي المحيط العميق المظلم. بالطبع، كانت فانيسا تعلم مسبقاً أنني أملك [رؤية الظلام] منذ أن كانت تطرح الأسئلة لتمضية الوقت، لذا لن يوقفنا شيء عن المغامرة بالخروج. لقد توجب عليّ تعزيز [فقاعتي] فور خروجم تقريباً، كما حذرتني فانيسا، وكان ذلك أحد أسباب القلادة. كانت مهمة بسيطة، وبدت فانيسا مسرورة بمدى سرعة تداركي للمشكلة.
"كنت أعلم أن أياً من الآخرين لا يقترب من قدراتك. أميليا ولويس ليس لديهما أدنى فكرة عمن يعبثان معه"، ضحكت فانيسا بمكر.
"بالطبع. فقط أشيرِ وسأعتني بأي مشاكل من أجلك"، أجاب سيلفين بثقة.
"اتبعني، أنا واثقة من أنك تستطيع مواكبة الإيقاع"، قالت فانيسا وبدأت تسبح مبتعدة.
لكي نواكبها، اضطررنا لاستخدام إما [التحريك المائي] أو [خطوة الموجة]. مع الأخيرة، شعرت بقلق لحظي من احتمال وجود عدم توافق ما مع [فقاعة]، لكن لحسن الحظ، لم يكن هناك أي شيء. طالما أنني أبقيت [الفقاعة] مقيدة، أشبه بطبقة طلاء منها بوعاء، فقد تصرفت بشكل مثالي. بالطبع افتقر تعديل الطلاء القريب هذا إلى خصائص الحماية التي تمنحها التعويذة عادة، لكن مع [التحريك المائي]، شعرت بالأمان من أنه لن يقترب مني شيء إلا إذا أردت ذلك.
لأجل صيدنا، كانت فانيسا تشبه كلب أثر تقريباً، تحدد الكائنات والوحوش بدقة وسهولة. كان التنوع المعروض مذهلاً، بكائنات بدت فضائية واقعياً—من العظمي إلى الشاحب والهلامي، وكل ما بين ذلك. كان هدفنا ضمان سلامة محيط المدينة وإحضار الطعام في الوقت ذاته.
بفضل "حقائب التخزين"
الخاصة بي، تطوعت لحمل كل شيء، مما يعني أنني استطعت قضم كل ما نصادفه كوجبات خفيفة. القشريات، ثعابين البحر، قناديل البحر، أسماك القرش، رأسيات الأرجل، وأكثر، حرصنا على جمعها كلها. كنت أتمعن دائماً في السمات بحثاً عن أي شيء مثير، لكن الأمر في هذه المرحلة كان يتلخص غالباً في جمع أعضاء وأشكال جديدة لأجل التحولات المستقبلية. كنت أعتقد أنني بلغت الذروة من حيث سمات وحوش المحيط مما حصلت عليه من قليلي التريتون الذين تخلصت منهم سراً.
كان ذلك حتى صادفت اسم سمة معين خطف نظري.
لقد جاء من كائن متواضع يُعرف بـ "سمكة الجريث"، وأعتقد بصراحة أنني قرأت الاسم بشكل خاطئ في البداية.
<[مخاط واسع] ينتج جسدك مركباً مخاطياً متخصصاً يتفاعل بشكل متفجّر عند تعرضه للماء. عند إطلاقه، تتضاعف المادة بسرعة في الحجم، متمددة لتصبح كتلة كثيفة وهلامية قادرة على ملء الفراغات، أو سد الفجوات، أو إرهاق المهاجمين. يتحسن معدل تمدد المخاط اللزج بناءً على مستوى السمة.> سمة سلايم (هلام)؟! لقد ربحت الجائزة الكبرى! لو استطعت تحويل الماء إلى سلايم، لاستطعت التمدد بلا حدود.
كان هذا أفضل حتى من [تحول السلايم]! حاولت شراءها فوراً. <سمة [مخاط واسع] غير متوافقة مع عرقك.> كيف؟! أنا سلايم يا اللعنة! لقد استشطت غضباً لدرجة أنه لولا ألفا و[تقمص الأوار] اللذان حافظا على تماسك العرض، لتم كشف غطائنا. حاولت شرائها فوراً مراراً وتكراراً، رافضاً تصديق هذه الرسالة. <سمة [مخاط واسع] غير متوافقة مع عرقك.> … <سمة [مخاط واسع] غير متوافقة مع عرقك.> … … … <تمت إعادة تسمية سمة [مخاط واسع]
إلى [مخاط متمدد].> يا الجبان! امنحني إياها! إنها تحتوي على كلمة سلايم في الاسم! <سمة [مخاط متمدد] غير متوافقة مع عرقك.> ولكن، بغض النظر عن مدى صراخي بغضب، لم يكن النظام ليسمح بذلك.
بمنطق العقل، كنت أعلم أنه لابد أنها مجرد خطأ في التسمية، إذ لم تكن تحمل سطر "متوافق مع سمات السلايم الأخرى"
المألوف في الوصف، لكن قلبي لم يكن ليسمح بذلك. حاولت بلا انقطاع بينما استمر سيلفين في تتبع إرشادات فانيسا، ولكن للأسف، بدا أن الجد لم يكن ليترك هذا يفلت. شعرت بالهزيمة بظلم، فاستمررت في التبرم طوال ما تبقى من اليوم. محيط غبي. سمكة جريث غبيّة. جد غبي… سوف أنسف هذا كله!