مرّت الأيام القليلة التالية على وتيرة أعمال مشابهة. كلما أردت زيارة مصهر الصهارة طرأ طارئ أجبرني على التصدّي لأزمة تخصّ الجزيرة. راودتني الشكوك بالطبع في وجود إنّ وراء الأكمة. إلا أن فانيسا بدت منهارة لدرجة صعّبت عليَّ تصديق أنها تخفي نوايا خبيثة. وبما أنني لم أكن بحاجة ماسة إلى الحجر العميق المكرّر، لم أضغط عليها، وواصلت الأمل في أن يصادفني رجل سمك مع كل طلب من هذه الطلبات.
أضف إلى ذلك، إن تضمن الأمر أيّ وحوش، فقد كان يعني نقاط خبرة مجزية، وسرعان ما بلغت المستوى السادس والعشرين! <بلغ حدّ خبرة الفئة. عنصرانيّ هو الآن في المستوى 26.> <عشر نقاط مهارة متاحة الآن.> أربعة مستويات فقط وأبلغ الغاية. يا ترى متى أحظى بمستواي العرقي التالي؟ أعلم أنني خفضت توزيعه إلى الحد الأدنى، ولكن بما أنني وحش من الفئة الخامسة، سيستغرق الأمر دهراً على الأرجح.
ساورني ظن خفيّ أيضاً بأنه ما إن أبلغ محطتي التالية في عنصرانيّ، حتى يعيد الجدّ توزيع فئة وعرقي مناصفةً. ما زلت مندهشاً حقاً من سماحه لي بتغييره بهذه الطريقة من الأساس، وتساءلت عما إذا كان ذلك اتفاقاً عقده مع الأم. أمّا المهام التي أديتها لأجل فانيسا، فلم تكن كلها إبادة وحوش. طلبوا مني في إحدى المرات إخلاء بعض الأراضي، وفعلت ذلك باستخدام [سحر الهواء]. تمثّلت مهمة أخرى في استرجاع موارد من حطام سفينة مجاورة.
حظيت في المرة الأولى بطاقم صغير يعاونني، ولكن بعد ذلك، سُمح لي بتأدية مهام مشابهة وحدي، إذ كان وجودهم يعطلني لا غير. بفضل [التحكم بالماء], استطعت وحدي إنجاز أي شيء تقريباً تحت الماء، بما في ذلك الحصاد والصيد والجمع دفعة واحدة. كان تحكّمي بسحري مذهلاً، مما جعل المنطقة المحيطة نطاقي الخاص فعلياً. وهكذا صار هذا نمط حياتي لفترة قصيرة. بالطبع، عندما أكون وحدي، أحرز تقدماً نحو ابتكار [خطوة الأرض]، وحين أصاب بطريق مسدود أو يدركني الملل، أتحول إلى [الانتقال].
هذا، وكنت أستعمل [خطوة العناصر] متى سنحت الفرصة لرفع كفاءتها، إذ رغبت في عائد ضخم حين أطبق عليها [تفكيك المهارة]. بطبيعة الحال، كنت أتلقى دعوة للمكث مع فانيسا بعد كل مهمة. أحيانًا كانت [تقمص الأدوار] تقترح علي القبول، لكنني كنت أعطل المهارة دائماً وأرفضها في النهاية. الحق يقال، بدأ يساورني قلق طفيف حيال الطريقة التي أُريد لي أن أتصرّف بها قربها، وكان التحذير الذي تلقيته من لوريليا ألا أضيع في الاندماج ما زالت طازجة في ذهنني.
أمّا عن في، فبغضِ النظر عن مشاكساتها التي لا تنتهي بشأن هذا الوضع، فقد عثرت فعلاً على بضع جزر دخلت قائمتها المختصرة. بيد أننا لم نكن نستقر بعد، لذا واصلت البحث علّها تجد ما هو أفضل. من جهة أخرى، اكتسبت مهمتها مؤخراً علامة تعجب إضافية، رغم أن أياً منا لم يدر كيف يطرق بابها فعلياً. بلغنا الموقع المفترض، لكننا لم نشمّ حتى رائحة لرجال السمك، مما أفضى بنا إلى طريق مسدود ما لم تقدّم المهمة مزيداً من المعلومات.
حتى إننا جربنا التوجع جهاراً من خيبة أملنا، آملين أن يثير ذلك تحديثاً في المهمة إن صادف وجود إحدى الملوك وهي تراقب، لكن نداءاتنا ذهبت أدراج الرياح. أو لربما كان العمّ محجوباً من قِبل الجدّ أو الأم، وهو أمر عجزنا عن فعل أي شيء حياله بالطبع. في الجانب الإيجابي، سررت تماماً بتقدمي وشهدت ارتفاع عدة مهارات خلال هذه المدة. <[خطوة العناصر (أساسي) المستوى 4]
[براعة مائية المستوى 5]
[تحول العناصر المستوى 8]
[تلفيق الهوية المستوى 8]> لم تشهد سماتي تقدماً يماثل ذلك، لكن طرأ عليها تغير طفيف، وحصلت على مستوى غير متوقع في [تخزين النواة]
مع كل الهلام الذي خزنته، بفضل تدفق لحوم الوحوش. كنت مجدداً وافر المؤونة وقادراً على تفجير دودة أو دوتين دون قلق. ومع بلوغ [تخزين النواة] المستوى السابع، تساءلت عما إن كانت قد تلقت أي ميزات جديدة تتجاوز التوسع الهائل في سعتها القصوى، كالمعتاد. منحني ترقية سابقة القدرة على فرز الهلام والاحتفاظ به في حالات شتى، غير أن شيئاً لم يبرز فجأة هذه المرة. ظللت أجرب أموراً عدة وكنت على وشك صرف النظر عنها واعتبارها مجرد ترقية في الحجم، حين خزنت فجأة [نواة فرعية]
داخل الفضاء. كان أمراً جربته بعشوائية شديدة لدرجة أنني لم أترقب أي نتيجة، ومع ذلك ثبت خطئي فجأة. بهذا، لا أعد بحاجة إلى القلق المفرط بشأن حجم الهلام الأدنى الخاص بي، إذ بإمكاني إبقاؤهم في المخزن إن لزم الأمر حقاً! المثير للاهتمام، مع ذلك، هو بقاؤهم متصلين ونشطين أثناء وجودهم في المخزن. جربت فوراً تجارب بضع، مثل استطلاع قدرتهم على المساعدة في إطلاق التعاويذ، لكنهم لسوء الحظ عجزوا عن التفاعل مع العالم الخارجي بتاتاً.
الشيء الوحيد الذي قدروا على فعله هو التفاعل مع كل الهلام في مخزني وتنفيذ عمليات تنقية، وتغييرات في الكثافة، بل وصنع أسلحة هلامية لي. جعلتني هذه الميزة وحدها في غاية السعادة، فلو تركت بعض العمال هناك الآن، سأستغني عن الحاجة إلى سحب الهلام للتلاعب به. حاولت معرفة ما إذا كان بإمكاني جعلهم يطلقون التعاويذ داخل المخزن، لكن ذلك لم ينجح. ولو حدث، لتوفرت لي طريقة للتدرب في الخفاء، غير أن كل شيء بدا في حالة جمود، بما في ذلك المانا، عدا الهلام.
انزعجت قليلاً، إذ راودتني فكرة ممتعة إلى حد ما تتمثل في إطلاق تعاويذ ضخمة داخل المخزن ثم إخراجها. ستبدو لخصومي كأنها تجسدت في الحال، وهو أمر افترضت أنه سيكسر أي توقعات لديهم. بما أنهم الأحدث عهدًا في المجموعة، وقد ولت مهام مصارعة في منذ زمن، فقد رميت لامدا ومو ونو وكسي في المخزن ليكونوا فريق الصناعة المخصص. وبناءً على ما ستؤول إليه الأمور، سألقي بالمزيد هناك، أو ربما أشتري مزيداً من [النوى الفرعية].
لو لم أكن بحاجة إلى ادخار النقاط لرفع سقف المستويات، لاشتريت المزيد الآن. تباً، هذا سيء… أحتج إلى طريقة لأكسب مزيداً من نقاط السمات غير الارتقاء بالمستويات. في عدا ذلك، تمثل التقدّم الوحيد في عناصرِي المشتقة، التي بلغت محطة مهمة للغاية. <اكتسبت كفاءة. تحسّن [العنصر المشتق (صهارة) المستوى 9] إلى [العنصر المشتق (صهارة) المستوى الأقصى].> <بُلغ الحد الأقصى للألفة المشتقة، أترغب في دمج الألفة بشكل دائم؟> لم أجد مبرراً لرفض دمجها فوراً، ففعلت، مكتسباً إياها بصفة دائمة ومنظفاً ملفي الشخصي الضخم بضربة واحدة.
بلغت الصهارة تلك المرحلة أسرع من البقية، لكونها حقل تجاربي في تفكيك المهارات السحرية… وهو أمر نسيت أمره بسبب الاكتشافات الأخيرة. ما زلت أرغب في العودة إليه، لكنني لم أعثر فعلياً على لحظة مواتية لإطلاق التعاويذ. أما عن عنصري البخار والغبار المشتقين، فقد بلغا المستوى الثامن والسابع تباعاً، نتيجة صعودهما التلقائي. ودرت أنني سأحتاج إلى العمل عليهما لاختلاق [سحر العناصر المتوسط]
نظراً لحاجتهما إلى التوافق مع مستويات مهارتي في سحر الجليد والبرق. لا بأس. سأقوم بكل ذلك على هامش صنعنا لجزيرتنا المأوى. كنت أشرع في التأقلم، وكادت مصهر الصهارة تفارق ذهني تماماً، إلى أن تطرقت فانيسا إليه فجأة ذات يوم.
قالت وهي ترفرف بأهدابها: "شكراً مجدداً على كل جهدك الشاق، سيلفين. أعتقد أنك تستحق عن جدارة استراحة وزيارة لمصهر الصهارة".
رددت مندهشاً تماماً لعدم إقحامي في موقف آخر بوصف الحل الشامل: "أحقاً؟"
قالت فانيسا وهي تبطّن شفتيها بعبوس: "نجل، حقاً. لم أرد استنزاف الكثير من وقتك، لكنك حللت لنا بلا عناء مشكلات عدة كأنها هباء. كنا نخشى أن تفارقنا، لذا أردنا استغلال الوقت المحدود المتاح لنا لأقصى حد".
أهذا هو السبب؟ يبدو ذلك منطقياً على ما أظن…
ضحكت قائلاً: "ليس لدي أي مخططات راهنة للفرار. بصراحة، ما زلت أتطلع إلى مزيد من المهام الخطرة".
أجابت فانيسا وهي تبدو شارحة الصدر شيئاً ما: "ربما نرى بشأن ذلك بعد هذا…"
جُررت بمواكبة إلى ورشة بُنيت في خاصرة البركان، بينما كانت فانيسا تدندن طوال الطريق. بدت نافرة عن بقية البلدة، إذ شُيدت بما بدا أفضل المادتين المتوفرة. بل إن جودتها كادت تذكرني بأحد مساير الحدادة القزمية التي زرتها من قبل.
أوضحت فانيسا بحماس: "من هنا ينطلق السحر".
اختلفت طريقة استغلالهم للصهارة عما توقعته. بالنظر إلى الخسائر التي ألمحوا إليها أثناء العملية، ظننت أنهم يغطسون الحجر العميق في الصخر المنصهر لتصفيته. ما كانوا يفعلونه في الواقع كان مغايراً تماماً: فقد حفروا قنوات قابلة للفتح والإغلاق لإطلاق الصخر المنصهر، واستخدموه ببساطة بديلاً للنار. راقبت أحد العمال بينما كان يكرّر بعض الحجر العميق، لكنه بدا كمن يسخنه فحسب حتى يلين، ثم يطقه على هيئة قضيب.
تملكني الارتباك فوراً. أهذا كل ما في الأمر؟ ولماذا تطلب الأمر صهارة؟ وأين ذهبت الخسارة في المادة؟ لم يمنحني أي من هذا أي معنى؛ في الواقع، انطباعي الحالي هو أن الأمر برمته خدعة رتبتها المستوطنة لسرقة الحجر العميق خلسة. وبينما كنت أتأمل في ذلك، شرعت فانيسا، التي كانت ما زالت تدندن لنفسها، في الغناء فجأة. كان صوتها لحنياً وجميلاً، كشيء لم أسمعه قط. حتى إن عازف البريق الإلفي ديودروب بدا هاوياً بالمقارنة.
مع اضطراري إلى الاعتراف بأن الأداء كان ممتعاً، لم يكن هذا أبداً الوقت ولا المكان المناسبين له. ثم لاحظت أن العمال غارقون في نشوة سحرية وشعرت أن شيئاً ما على غير ما يرام. <اكتشاف [الفتنة].> ماذا!؟ <تمت مقاومة [الإغواء].> أفزعني الإشعار الأول، وكاد الثاني يدفعني إلى جنون القتل. كنت على بعد أجزاء من الثانية من مهاجمة فانيسا حين صرخت [تقمص الأدوار] في وجهي فجأة لكي أتوقف.
لم أختبر سلوكها هكذا من قبل، فكظمت غريزتي القاتلة وحاولت تبين ما ترومه، مما أدى إلى كسبها ترقية غير متوقعة. <اكتسبت كفاءة. تحسن [تقمص الأدوار المستوى 6] إلى [تقمص الأدوار المستوى 7].> برؤية ذلك، عقدت العزم على الوثوق بالمهارة وتركها تتولى القيادة الكاملة رغم ارتيابي. وفظلت ممسكاً بزمام الأمور بإحكام، مستعداً لاستعادة السيطرة وإطلاق العنان لغضبي الهلامي الكامل إن لزم الأمر.
جعلت [تقمص الأدوار] سيلفين يتقمص مظهراً مسترخياً ومبتهجاً، مع استرخاء طفيف في كتفيه وامتلاء نظراته بالعشق. كنت أتساءل عن جدوى كل هذا حين توقفت فانيسا أخيراً عن الغناء واقتربت. راحت تداعب وجه سيلفين بينما كانت تبتسم ابتسامة مفترس ظفر بفريسته.
قالت بقهقهة: "بدأت أقلق من فقدان لمستي، لكن يبدو أن حتى السحرة الكبار صلصال بين يدي".
بما أنني تنازلت عن السيطرة، بدا الأمر كأنني أراقبه يحدث لشخص آخر، مما سهل عليَّ تجرّع التجربة كثيراً. لو أنها لمستني بتلك البسمة الشيطانية، لكنت أطلقت [كرة نار] من مسافة الصفر في تلك اللحظة بالذات. أظن أن هذه هي القوة الكاملة لـ[تقمص الأدوار]... لكنني أتسايل عما تأمل تحقيقه بمسايرة الأمر؟
سألت فانيسا: "سيلفين عزيزي، أيمكنك مناولتي ما تبقى من حجرك العميق من فضلك؟"
قال سيلفين، مبتهجاً حقاً بتلقي الطلب: "بالطبع، كله لك!"
راقبت كيف جعلت [تقمص الأدوار] سيلفين يخرج كيساً آخر، ممتلئاً بمزيد من الحجر العميق. لم يكن كل ما أملكه، مما أشعرني بالارتياح لبقاء [تقمص الأدوار] في صفي. سرّت فانيسا وألقت بالكيس نحو أحد العمال.
أوامرت: "نقّه فوراً! لدينا أماكن نقصُدها".
أجاب العامل: "حاضر، أيتها السيدّة!"
باذلاً قصارى جهده لتنقية كل الحجر العميق الذي بحوزته. شرع عامل آخر في جمع وتوزيع الحجر العميق في كوملتين، مع ذهاب حصة الأسد إلى فانيسا جلياً. أدركت فوراً أين تكمن خسارة الستين بالمائة حقاً. بينما كنت أراقب ذلك، لم أستطع كبح تساؤلي عما إذا كان هذا هو سبب رغبة [تقمص الأدوار] في عودتي إلى المنزل معها كل تلك المرات. أيكونت قد كشفت خيانتها بطريقة ما؟ لكن ما هي غايتها القصوى؟
أعتقد أن علي مراقبة الأمور ومتابعتها لمعرفة إلى أين ستفضي. والبصيص الوحيد للأمل هو أنني لا أشعر بمشاركتي في هذا، بل كمجرد مراقب خارجي… أهذا ما حذرتني منه لوريليا؟