تعجّت الموانئ بالعمال وهم ينقلون الشحنات ذهاباً وإياباً. خُصص جزء كبير لصيادين أتوا بكل أنواع الخيرات المائية من المحيط المعطاء. وبدت البقية واردات متنوعة تعذر الحصول عليها هنا، وبحسب تفرّسي السريع، بدا أغلبها من المنسوجات. لم استغرق وقتاً طويلاً كي أجد وجهتي وأحدد مكان مسؤول الميناء الذي كان عليّ تقديم تقريري له. وعلى حسب مظهره المُرهَق والمجهَد، توقعت أن يكون وغداً، لكنه على العكس تماماً، سُرَّ بوجودي.
صاح بفرح: "ليبارك السّماويّون وجود ساحر لائق آخر في صفوفنا!"
لم أظن السحرة نادرين للغاية، لذا شعرت ببعض الارتباك من شدة سروره. وحتى بغض النظر عن مزيج سيلفان بين ساحر الماء وساحر الهواء، ألم يكن بإمكانهم إيجاد شخص ليُلقي عليهم بضعة تعاويذ على الأقل؟ أثناء جدولة مسؤول الميناء تعييني على إحدى سفن المؤونة، عرفت سبب ابتهاجه. السحرة منخفضو المستوى لم يصنعوا فارقاً يذكر إما لافتقارهم إلى القوة أو إلى سعة المانا لإحداث فرق. ثم، بمجرد بلوغهم مستوى عالياً كفاية، لم يعودوا يرغبون في القيام بهذا النوع من الأعمال الشاقة، إذ كان ذلك أدنى من مستواهم.
بصراحة، لا ألومهم. أشعر أنا أيضاً وبسرعة أن هذا أدنى من مستواي. لن أملك حتى فيّ لتؤنس وحدتي... كان أملي أنّه إن قمت بعمل جيد كفاية، فسيكون بإمكانم تسريع ترقيتي إلى أدوار أهم، لذا كنت أتخطط لبذل قصارى جهدي. أثناء انتظارنا، اقترب مني قبطان القارب ليقيس مهاراتي، وطلب مني أداء بضعة تعاويذ هواء بسيطة. كانت [عاصفة] أساس هذه العملية، لكني امتلكت القدرة على [التحكم بالهواء]
واستطعت إلقاء تعاويذ أكثر بكثير من الشخص العادي. وغني عن القول، لقد جعلته منبهراً لدرجة كادت فكّه تسقط أرضاً. فور تحميل قارب المؤونة، صعدت على متنه مع القبطان وشخصين آخرين. كان هؤلاء سيتبادلون نوبات العمل مع بعض الأشخاص الآخرين على متن البؤرة الاستيطانية العائمة. سُحبت الأشرعة، وتحررت حبال الإرساء، رُفع المُرساة، وبدأنا رحلة المغادرة. انتظرت إشارة القبطان ثم شرعت في إلقاء تعاويذ الهواء على الشراع.
سُرَّ القبطان بالسرعة، لكني شعرت بأني أستطيع فعل المزيد. كنا نفقِد الكثير من زخم الأمواج المتلاطمة، لذا وبفضل نوى المانا المائية خاصتي، بدأت أستخدم [التحكم بالماء] حولنا أيضاً. بدل مقاومة المد والجزر، أردت صنع مدّي الخاص لمساعدتنا، وملكت قوة سحرية أكثر من كافية للقيام بذلك. لاحظ القبطان فوراً أن ثمة أمراً مختلفاً وواجهني. اعترفت بنواياي، وبينما كان القبطان سعيداً في البداية، نما قلقه من أن أنزف طاقتي تماماً حتى قبل أن نبلغ البؤرة الاستيطانية.
ضحكت من ذلك وعرضت عليه رهاناً حول ما إذا كنت سأصمد أم لا، تاركاً شخصية سيلفان خاصتي تتبجح بغطرسة إلى أن وافق على الرهان عناداً.
اقترحت فيّ بعد أن ملّت الاستمتاع بنسيم البحر: "عليك جعل شخصيتك القادمة ساحر شقوق، حتى إذا احتجنا للنقل مجدداً، تستطيع نقل الأشياء آنياً فقط. تخيل كم من الوقت سنوفر".
رددت بتخاطر الأفكار: "حسناً، عليّ فتحها أولاً... قد يضع ذلك هدفاً عملاقاً على ظهري أيضاً. ربما كان أنا الماضي سيئ الحظ فحسب، لكني سُمّمت بسبب تقاربي البُعْديّ".
"صحيح... حسنّاً، بإمكانك دائماً خلق شخصية مستهلكة لاختبار الأجواء. إن لم ينجح الأمر، ننتقل آنياً بعيداً ولا نفعلها أبداً مجدداً".
أعطيت موافقة غير ملتزمة للفكرة، فحتى لو كانت فكرة لائقة، لم أكن أرغب حقاً في جلب ذلك القدر من الاهتمام إلى شخصياتي المستقبلية. في حين لم يكن سيلفان وسيلفستر نكرتين، فلن يُرسل ضدهم قتلة ومؤامرات مثل سيل القزم. مع استمرار الوقت دون أي إشارة على تباطؤ القارب، راقبت وجه القبطان وهو يزداد تجهُّماً. لم أستطع سوى افتراض أنه أدرك أنني لم أكن أكذب بشأن مخزوني الهائل من المانا وأنه سيخسر بعض القطع النقدية.
كنت لأدعها معه وأتعامل مع الأمر كدعابة، لكن سيلفان لم يكن ليمنح مالاً مجانياً أبداً.
أخيراً، وفي الأفق، رأيت وجهتنا، القلعة العائمة الضخمة من القوارب والتي تُدعى "بيغي".
سألت عن سبب امتلاكها اسماً غريباً هكذا، وكانت الإجابة "كل القوارب نساء"
من القبطان. وافقته فيّ الرأي، لذا قررت تجاهل الأمر وتقبله وحسب. على حسب المسافة التي استطعت رؤية بيغي منها، عرفت أنها ضخمة، لكن عندما صرنا ضمن المدى، أدركت كم بالغت في الاستهانة بالقلعة العائمة. بدت كبلدة صغيرة، محصنة بتعوايد واسعة النطاق على بنيتها. اتبعت أوامر القبطان وأبطأنا السرعة بحيث بدا عند وصولنا كأن سفينتنا الصغيرة أُحطيت بعناق ناعم ولطيف من بيغي. لم يكن قاربنا هو الوحيد المربوط، مما جعلني أدرك مدى صحة كلمات أن كل بؤرة استيطانية عائمة هي محور صغير خاص بها.
شرع الطاقم فوراً في تأمين قاربنا بالقلعة قبل إلقاء السلالم وبكرات الرفع إلينا. شكرني الركاب على رحلة سريعة وسلسة كهذه قبل صعودهم على متن بيغي. شكرني القبطان أيضاً قبل تسليم رهاننا على مضض.
قلت بابتسامة خبيثة: "يمكننا دائماً الذهاب بمضاعفة الرهان أو لا شيء لرحلة العودة"، لكن القبطان هزّ رأسه سريعاً وأمرني ببدء التسلق.
عند وصولنا على متن بيغي، استقبلنا رجل عجوز يشبه الدب بلحية خشنة بدا حائراً ومبتهجاً في آن معاً بوصولنا.
صاح: "القبطان سميثرز، لقد وصلت قبل الموعد المحدد!"
رد القبطان مؤدياً تحية سريعة: "الأميرال ناثانيال".
وأردف: "يعود الفضل في وصولنا في الوقت المحدد إلى سيلفان هنا من نقابة المغامرين".
أجبت مؤدياً محاولة ضعيفة لكن ودودة للتحية: "مرحباً، أيها الأميرال".
سأل الأميرال: "يا للآلهة يا رجل، ما الذي تفعلة في مهمة قوارب؟"
أجبت: "فضة مؤقتة إلى أن أعتاد الأمر".
تذمر الأميرال: "قواعد غبية. ثم يتساءلون لمَ يتركنا أي ساحر لائق في أقرب وقت ممكن".
تدخلت فيّ: "يبدو أن سيلفان بحاجة لمصادقة هذا الأميرال من أجل مسار مهني سهل".
وافقت بصمت، إذ لم أرد مقاطعة أدائي بالتحدث إليها.
ضحكت بخفة: "حسناً، إن تمكنت من جعل الأمر مثيراً بالنسبة لي، فربما لن أصبحت أحد الهاربين".
أنّ القبطان: "أرجوك لا تتحدث عن خرق القواعد أمامي مباشرة. على عكسك عليّ العودة إلى سالتبورت والتعامل مع العواقب".
قال الأميرال وهو يهز رأسه: "سميثرز محق. ما رايك أن نمشي ونتحدث؟ بإمكاني منحك جولة في بيغي العجوز هذه في الوقت ذاته".
وافقت بسرعة: "يبدو هذا جيداً بالنسبة لي!"
أّن القبطان، لكنه كان يبتسم وهو يهز رأسه. وبوضوح، لم يكن يمانع حقاً طالما لم يكن مسؤولاً كشاهد. تبادلت أنا والأميرال بعض المجاملات وعرّفنا بأنفسنا. قدمت له لمحة سريعة عن خلفية سيلفان بينما عبرت عن اهتماماتي بالاستكشاف، والقتال، والكنوز. تجنبت هذه المرة ذكر رغبتي في قتال رجال الماء، إذ كان ذلك قد أت بنتيجة عكسية مسبقاً.
ظهر السؤال البديهي "لمَ لم تنضم إلى النقابة عاجلاً"، والذي قدمت عليه عرضاً إضافياً لنوبة سرقتي للمال.
وعلى عكس إيثان الذي تألم لقصتي، قهقه ناثانيال بضحكات مدوية حيالها بل وأقر بأنه يملك آراء مشابهة.
اعترف: "لهذا السبب لم أنضم قط إلى النقابة عندما كنت أصغر سناً. ناهيك عن أن رتب المغامرين المعدنية بأكملها بدت هراء. تعلم هنا على الأقل أنك تنتقل من ملازم إلى قائد إلى قبطان إلى أميرال".
وافقت في الواقع على رأيه بشأن الرتب، إذ مع امتلاكي [سلايم معدني] الآن، لم أستطع فهم لمَ اعتبر الفضة والذهب أسمى من الحديد والنحاس. بالطبع، عرفت أن لهما قيمة نقدية أكبر، لكن لمَ قد يهم ذلك المغامرين؟ كان يجب أن يستند الأمر إلى القوة، وذلك بغض النظر عن كون الألماس لم يكن معدناً حتى! بدت جولة بيغي مثيرة للاهتمام أيضاً، إذ اتضح بسرعة كيف كانت حرفياً بلدتها الصغرى العائمة على المحيط.
امتلكت تقريباً كل ما قد تطلبه، ولم يبدو السكان غير سعيدين بوقتهم، نظراً للمزيج الصحي من المقاتلين والأفراد المدنيين. حتى أنني لمحت بعض الأطفال على متنها، وافترضت أن عائلات كاملة تعيش هنا. أما بالنسبة لحديثي مع الأميرال بشأن المهام، فقد بدا حريصاً على إيجاد استخدام أفضل لي. أقر على مضض بأنني سأحتاج مع ذلك إلى القيام برحلة أو رحلتين أخريين، وربما دورية واحدة على الأقل في المياه الضحلة، لكن بعد ذلك، بإمكاني طلب التموضع هنا، وستكون لديه الصلاحية لاستغلالي بشكل أفضل.
حتى إنه حاول تحلية الصفقة عبر عرض وراء بعض الغرف الشخصية الفارهة للغاية والتي عادة ما تُخصص للققاطنة، أو زملائه الأميرالات، أو النبلاء الزائرين. تظاهرت بالتقدير للعرض، إذ بدا كأمر سيتأثر به سيلفان. عندما اقتربت الجولة من نهايتها، جذبت فيّ انتباهي.
"أظنني سأبدأ الاستكشاف حول المكان".
سألت بسرعة عبر التخاطر: "أمتأكدة أنت؟"
"نجل، لقد رأيت قارباً واحداً، فقد رأيتها كلها. بما أنني أظن أنك ستعود إلى سالتبورت فسأقابلكم في غرفتنا الليلة. إن بدأت بالعيش على بيغي، فسنحتاج على الأرجح لإيجاد موقع آمن لأنتقل إليه آنياً أولاً ومن ثم يمكنني استخدام [خطوة الحجاب] للوصول إلى غرفتك".
"حسناً. كوني حذرة".
زقزقت فيّ: "علم يا قبطان!"، قبل أن أرها تتلاشى ببطء.
شعرت بها تبتعد بسرعة عبر الرابط إلى أن غدت مجرد وميض ضئيل في مؤخرة عقلي. تمنيت لو استطعت منحها [نوى فرعية] لحمايتها أو شيئاً من هذا القبيل. ربما حين يصل [التجمع النبوي] إلى عشرة؟ على الرغم من فقدان عنكبوت كامل من قبعتي، لم يبدو أن أحداً لاحظ، ولم يفقد الأميرال إيقاعاً واحداً قط من محادثته. لم أستطع سوى الأمل أن تعمل حماية القبعة الخفية أيضاً لو قررت فيّ العودة بمفاجأة إلى مكانها.
دعاني الأميرال والقبطان بعد ذلك لتناول الغداء، ولم أستطع منع نفسي من الضحخك على فيّ، التي غادرت لتوها قبل وليمة صغيرة. ومن ناحية أخرى، أعفاني ذلك من اختبار حدود محاولة إطعام قبعتي أثناء محادثة، أو تفسير لمَ كان الطعام يختفي سحراً إن كانت فيّ تنقله آنياً. أظن أنه يمكننا التعامل مع هذا أيضاً كنوع من المنافسة بيننا. من سيفوز: فيّ باستكشافها ذي القوة الغاشمة عبر الانتقال، أم أنا بالتسلُّل المخطَّط له؟
ما لم تحتظ فيّ بحظ وافر حقاً، فأعتقد أن فكرتي أفضل، لكني أفترض أن علينا الانتظار لنرى.