أطال إيثان النظر في الأغراض المتفرقة التي بعثرها الشاب فوق مكتبه. ودّ لو يستطيع القول إنّ هذا المشهد نادر الحدوث، لكنّه شهد مثله مراراً وسمع قصصاً كثيرة عنه من زملائه موظفي الاستقبال. يعتقد المستقلّون والمرتزقة وصائدو الجوائز وأمثالهم جميعاً أن نقابة المغامرين تتصيّدُهم لسرقة غنائمهم. لقد بلغ بهم الريب مبلغاً يفضلون معه الاحتفاظ بكل ممتلكاتهم على أجسادهم بدلاً من إيداعها في مصرف.
لن تفاجئني رؤية هذا المدعو سيلفاين وهو ينام وفوق سريره كومة من المال.
لكنّ ما أثار حيرة إيثان حقاً هو ارتباط هذا السلوك عادة بالشخصيات الأكثر «همجية»، أولئك الذين نشأوا على هوامش المجتمع، في حين أن سيلفاين ساحر.
يتوقع المرء ويأمل أن يكون من يكفيه ذكاءً للخوض في الفنون الغامضة مالكاً لعقل راجح.
رد إيثان وهو يعود إلى عمله: "يسعدني صرف هذه النقود لك فور إتمام تسجيلك رسمياً. هل ترغب في اختبار تقاربك وقدراتك؟"
بدا أن سيلفاين يزن الأمر ملياً، ففرك ذقنه وهو يفكّر.
"لا شكراً. أملك عنصري الماء والهواء."
سيعشقه البحارة، فنحن لا نلتقي كل يوم بشخص يملك العنصرين معاً وبهذا المستوى اللائق. يا للأسف لرفضه الخضوع للاختبار، لكن امتلاك مهنة الساحر المائي يعد دليلاً كافياً في حد ذاته. رغم أنني لا أظنهم سيستأجرون أحداً لم يتخلص من صدئه بعد.
أوضح إيثان قائلاً: "نظراً لعدم وجود سجل سابق لك معنا، فسيكون من الصعب منحك رتبة أعلى من البرونزية."
رد سيلفاين: "هذا سيء، لكنه منطقي"، ورغم ذلك بدا غير مبالٍ البتة.
عرض إيثان: "يمكننا منحك رتبة فضية مؤقتة نظراً لمستواك الاستثنائي وشارتك. رغم أنك ستحتاج أيضاً إلى تقديم استعراض لمهاراتك السحرية أمام أحد سحرتنا المحليين."
لم يكن هذا الإجراء مألوفاً، لكن إجبار شخص عالي المستوى ومجرب في القتال على تجرّع مرارة الرتب الدنيا واسترخاص احتمال خسارته في الطريق أمور أرادت النقابة تفاديها بشتى الطرق. حتى لو اكتسب سيلفاين ذلك باستغلال زنزانة منخفضة المستوى، فإن القول أسهل بكثير من الفعل. وفوق ذلك، فقد زكّاه مايك. ومايك يحسن الحكم على البشر، ولا بد أنه اجتاز أي تحريات جنائية.
رد سيلفاين ممّا أراح إيثان كثيراً: "بالتأكيد، لا مانع لدي."
فقد ظلت هناك دائماً احتمال لكونه شديد الريبة لدرجة تمنعه من كشف مواهبه السحرية، نظراً لسلوكه مع المال. أرسل إيثان طلباً لاستدعاء أحد سحرة الطاقم للتقييم، وشرع في هذه الأثناء بجرَد قطع الغنائم العشوائية فوق مكتبه. وبصرف النظر عن المعادن الخام، بدا أن هناك بضع قطع تحمل سحراً شائعاً، وبحكم رائحتها، فلا بد أنها أتيَت بها من الموتى الأنداد. مكّنه دمج [التقييم] مع شارة [موظف النقابة]
من حساب الأسعار بسرعة فائقة، وببراعة متمرسة، بدأ يضع أسعاراً معقولة لكل شيء. الجحيم، لربما كان سخياً بعض الشيء، لكنه لمريد تجنب خسارته كمجند. يعلم الملِك وحده كم تحتاج سولتسبورت إلى سحرة ماء وهواء بالقدر الذي يمكننا جمعه. ما إن فرغ من عمله حتى ناول القائمة إلى سيلفاين. أخذها الرجل وأخذ يمحصها. وبينما كان مشغولاً، استغل إيثان الوقت ليقيمّه تقييماً غير رسمي بنفسه. لم تكن مهارات إيثان في مستواها الأسمى، لكنها منحته ما يكفي للخروج بانطباع لائق، وإن جاء كل ذلك للأسف مقارنةً بنفسه وحده.
جاءت النتائج مفاجئة، وإن لم تكن غير متوقعة تماماً. تفوّق سيلفاين جسدياً عليه في كل الفئات. ومع أنه ساحر، فلا بد أن مستوى عرقه هو السبب، أو أنه خاض في مهن أخرى. لكنّ الأمر المدهش حقاً كان مانا سيلفاين.
لم يكن وصف المقارنة غير الرسمية بينه وبين السحر المجهول ممكناً إلا بكلمة «فلكية».
لابد أنه عبقري سحري سماوي طبيعي. ولو وضعت نقابة السحرة مخالبها عليه فلن تتركه أبداً. ثم شرع يتفحص ملابس الرجل الواقف أمامه. بدا كل شيء مسحوراً، وبحسب مظهره، فقد أُنجز ذلك باتقان. لم يكن هناك أثر لوسخ، أو تمزق، أو حتى خيط متدلٍ. ورغم خلوّه من أي تدريب رسمي كصانع سحر أو تاجر، فقد عرف إيثان أنها تضم خاصية الإصلاح الذاتي على الأقل، وربما حمايات جسدية أيضاً. لربما كانت غنائم زنزانة، أو أنه سلبها من وحوش قتلت نبيلًا.
وهو ما يفسر نفوره من التسجيل. لقد قضى ميثاق الغنائم على معظم المشكلات، لكنّ بعض الصفوة المتعجرفين ما زالوا يحاولون الالتفاف حوله. وأخيراً، نظر إيثان إلى قطعة العتاد الأخيرة، ويا له من تحفة فنية. بدا القبعة المهيبة المستقرة فوق رأسه وكأنها مُحاكة خصيصاً له، تشبه إلى حد ما ما يعادله فستان زفاف من حيث شدة تميزها. لقد كانت قبعة ساحر كلاسيكية ذات حافة، ليست ضخمة بالمرة وبحجم مثالي تماماً.
حكّ إيثان يده لا إرادياً على رأسه وخلل شعره، متسائلاً عما إذا كان سيبدو بهذه الوسامة وهو يرتدي قبعة. ليتني أملك قبعة تبدو بجمال يعادل نصف هذا الجمال... ثم لمّح بصره العنكبوت الصغير الرابض على حافتها. تفاجأ في البداية بهذا المنظر بعض الشيء، لكنه بدا مع ذلك طبيعياً تماماً، كأن العنكبوت ينتمي إلى ذلك المكان حقاً. كان صغيراً جداً لدرجة تجعله حيواناً أليفاً أو حتى مرافقاً غير رسمي، وبدا وكأنه ينظر إلى عينيه مباشرة.
يا له من مخلوق لطيف وصغير.
قال سيلفاين جاعلاً إيثان يعود بانتباهه إليه: "يبدو الأمر جيداً بالنسبة لي."
ودون أن يدري، وما إن غادرت عيناه العنكبوت، حتى نسي تماماً تقريباً أنه رآه، وكأنه تحول إلى مجرد خاطر عابر في طي ذاكرته.
"رائع. سأقوم بإيداعه في حسابك. وحتى إن لم تحظَ برخصتك الفضية المؤقتة، فسيكون بإمكانك الوصول إليه عبر شارتك البرونزية."
أوضح إيثان ذلك. ثم وصلت سامارا؛ وبدا واضحاً أنها الشخص المكلف بتقييمه. عرف إيثان أنها امرأة جميلة لا تعرف المزاح، وهو ما يعني أنه لو نجح في إثارة إعجابها، فسيضمن الحصول على الرخصة المؤقتة دون عناء. وبعدها علينا فقط تكليفه ببعض مهام المراكب ليتعود على الأجواء. وإن سارت تلك على ما يرام، فسيمكننا إزالة القيد المؤقت، وسرعان ما سيطير في مراتب النقابة صاروخاً. علينا فقط التأكد من عدم محاولة أي شركات خطفه، رغم أننا قد نكون في جانب الأمان إن كان حقاً مستكشفاً بالقدر الذي يدعيه.
لا يزال بحر فايلسيان يحمل العديد من كنوز الأعماق التي تنتظر من يجرؤ على استكشاف قاعه. عرّفت سامارا بنفسها، فرد سيلفاين بأدب. ثم رافقاه معاً إلى غرفة يمكنه فيها إطلاق العنان لقدراته بعيداً عن العيون المتطفلة، بينما سألته هي بضع أسئلة حول خلفيته وما إن تلقى أي تدريب سحري رسمي. بدا سيلفاين صادقاً في إجابته، إذ قال إنه اكتفى باتباع المهن والمهارات التي منحها إياه النظام.
وبدت سامارا مستخفة تماماً بهذه الإجابة، بل ورمت إيثان بنظرة حارقة. غير أنه تقبل الأمر بصدر رحب، فقد أخبره حدسه أن هذا الساحر المائي المتجول هو جوهرة لم تُصقل بعد. وصلا إلى الغرفة المحصنة حيث يرقد أحد آليي كيلدينار الدامغين. كانت تحفاً فنية حقيقية صنعها مغامر أسطوري برتبة ماسية، ونعمة حقيقية للنقابة للتدريب والتقييم على حد سواء. لا يملك الجميع القدرة على توفير معالج قادر على إلقاء [درع الموت]
في حالة الاستعداد لأجل تقييمات شخصية أكثر، وقد سمح هذا للجميع بتجنب التعرض لإصابات محتملة، أو تشوهات، أو ما هو أسوأ.
قالت سامارا وهي تشير إلى الآلي وتصفق بيديها: "ألقِ تعويذتك لأسارع بأخذ استراحة الغداء."
بدا وكأنه يستيقظ متخذاً وضعية دفاعية.
سأل سيلفاين: "ماء أم هواء؟"
أجابت: "لا يهم حقاً. أيهما أفضل لديك."
أراد إيثان خنق المرأة؛ فلو جعلت مجنده الجديد يغير رأيه فلن يجعلها تسمع نهاية لذلك أبدول.
سأل سيلفاين: "هل يمكنني فعل الاثنين معاً؟"
ردت المرأة رافعة حاجبها بفضول: "حقاً...؟"
ابتسم سيلفاين، وصفق بيديه معاً، وأطلق زفيراً. وبعد أخذ نفس عميق، شرع في تشكيل تعويذته بسرعة فائقة. لم يكن إيثان ساحراً، لكنه رأى الكثيرين منهم يلقون التعويذات من قبل وكان قد فتح [حاسة المانا] الخاصة به نظراً لمساعدتها في التقييمات. ما كان سيلفاين يصنعه لم يشبه أي شيء رآه من قبل؛ لقد كان نسيجاً من الرموز الغامضة التي بدت غريبة تماماً للرجل. حتى سامارا بدت مذهولة لدرجة أنها كادت تغص ببعض لعابها، ورغم سعالها ظلت عيناها مسمرتين فيما كانت تشهده.
اكتمل صنع سيلفاين قبل أن يتمكن إيثان من رد الفعل حتى، ثم وجّه الرجل إصبعاً واحداً نحو الآلي حين تلاحمت التعويذة وانطلقت. انطلق شعاع مائي رفيع للغاية لدرجة ظنه قطعة خيط، واختفى طائراً عبر الغرفة ليخترق الآلي بسرعة جعلته بالكاد يطرف جفنيه.
اعتذر سيلفاين وهو يفرك مؤخرة رأسه باستحياء: "تباً، عذراً بشأن الجدار."
تساءلت سامارا بغضب: "انس أمر الجدار، بحق الجحيم، ماذا فعلت للتو!؟"
أوضح سيلفاين: "استخدمت بعض [سحر الهواء] لتعزيز تعويذة [نفث الماء]. ظننت أنها الطريقة الوحيدة لاختراق دفاع الآلي."
وبينما كانت سامارا تفقد صوابها، كان إيثان يتخيل بالفعل زيادة مستقبلية في راتبه أو ربما ترقية إن تمكن من تجنيد سيلفاين وتعيينه كمشرف عليه.
سألت: "من علّمك الإلقاء بهذه الطريقة؟"
هز كتفيه قائلاً: "لا أحد."
أردفت سامارا: "لم تحضر إلى نقابة السحرة أبداً؟"
هز سيلفاين رأسه.
قالت: "كتحذير فقط، سيظهر الأمر في تسجيلك إن كانت لك أي انتماءات سابقة."
قال سيلفاين بحزم: "يا سيدتي، لم أكن يوماً جزءاً من نقابة السحرة، أستطيع أن أقسم لك على ذلك."
بدت سامارا وكأنها على وشك الاسترسال، لكن إيثان جذب كمّها بسرعة.
"أترين أنه اجتاز تقييمه؟"
كظت سامارا على أنيابها وقالت: "نجل. ورغم أقسم أنه إن كانت هذه مزحة لإيقاعي في مقلب، فلن أضحك."
كان إيثان على وشك دحض اتهامها حين أُوقف؛ فقد بدأ الآلي يسير نحو سيلفاين.
هTف بذعر: "تباً، هل غضب مما فعلته؟"
وبدأ في حياكة تعويذة أخرى.
صرخ إيثان: "لا! إنها مكافأة!"
حدق إيثان بريبة وشرع في تبديد المانا التي جمعها.
"إن كنت مخطئاً وقتلني، فأقسم أنني سأطاردك."
أراد إيثان أن يضحك، رغم شعوره بتهديد غريب مما ظنها مزحة. غير أن الآلي توقف على بعد خطوات من سيلفاين ومَدّ شيئين: خاتماً ونقشاً.
أجاب إيثان وهو يبتلع ريقه بعصبية: "أوه، خاتم وما هذا؟"
أجابت سامارا، ويمكن للمرء سماع الحسد ينقط من صوتها فعلياً: "خاتم تجديد مانا..."
وأجاب إيثان: "وهذه دعوة إلى مملكة كيلد... رغم أنني أتمنى ألا تستخدمها قريباً جداً."
هز سيلفاين كتفيه: "لدي كنوز تحت الماء لاستكشافها. لا أخطط للذهاب إلى مملكة مشبوهة ما."
واستدار ليواجه الآلي الذي بدأ يعود إلى حالة السكون مجدداً.
"لا عداوة."
لم يرد الآلي بطبيعة الحال، لكن إيثان شعرت بالارتياح. لقد كان سعيداً لطبيعة الساحر المريبة للمرة الأولى.
ردت سامارا قبل أن تندفع مغادرة: "حسنٌ. إذن يمكنك منحه الرخصة المؤقتة وحسب. أنا ذاهبة إلى الغداء."
تنفس إيثان الصعداء وأعاد سيلفاين إلى مكتبه. بعد ذلك، مر التسجيل بيسر وسهولة، رغم استمراره في الاعتذار عن الضرر وكأنه يتوقع اضطراره للدفع مقابله، بغض النظر عن عدد مرات إخبار إيثان له بعدم القلق بشأنه. لقد بدا متوتراً للغاية أثناء التسجيل حين لامس البلورة. لا أظن أنني رأيت أحداً خائفاً من أن نسلب منه أمواله بهذا الشكل أبداً. كما لم يُظهر تسجيله أي انتماءات سابقة، ورغم إصرار سامارا، فمن الواضح أنه لم يكن يوماً مع نقابة السحرة.
ولم يمتلك أي سجل سابق ولو مع شركة مرتزقة صغيرة، كأنه ظهر من العدم. في الماضي، لربما كان هذا مدعاة للريبة، لكن بعض أعظم المغامرين كانوا نكرات ظهروا من العدم ظاهرياً. حتى ساحر الآليين الأسطوري نفسه كان حالة شاذة تماماً في المملكة، كأنه سقط من السماء. ضحك إيثان في سره قبل أن يناول سيلفاين شارتة المؤقتة. وقدم شرحاً موجزاً لطريقة عملها ثم اقترح بعض المؤسسات للإقامة فيها، وعرض عليه أيضاً مساعدته في اختيار أي مهام جيدة.
قال إيثان: "إن أكملت مهمة رئيسية واحدة، فيمكنك إزالة وضعك المؤقت دفعة واحدة. وأنا أعرف بضعة قباطنة سيسرهم جداً وجود ساحر على متن سفنهم."
سأل سيلفاين: "أيٌّ منهم صائد كنوز أو غواص انتشال؟"
أومأ إيثان برأسه، شارحاً بعض المهن البحرية المتنوعة، بدءاً من صيد الأسماك والانتشال وصولاً إلى صيد الجوائز. كما حاول إغواء سيلفاين بذكر أن النقابة قادرة على تزويده بمواقع بضعة زنزانات مائية، سواء على جزر أو غارقة، بمجرد أن يكف عن كون رتبته الفضية مؤقتة فحسب. شكره سيلفاين ثم غادر، لكن ليس قبل إلقاء نظرة سريعة على لوحة المهام. كان بإمكان إيثان شمّ رائحة ترقيته أو زيادة راتبه فعلياً.
أنا مدين لمايك بشراب بالتأكيد!