حين اقتحمنا أرجاء القلعة، أول ما لاحظناه هو أن الأعداء استبدلوا بالكمّ الكيف. لم تعد هناك جموع من اليتي يتخلّلها الونديغو من حين لآخر؛ بل بدا أن هؤلاء الأخيرين ونسخهم النخبوية صاروا قوة القتال بأكملها. ليس هذا فحسب، بل عجّت طاقة القلعة ذاتها بالخبث، إذ بلغت الطاقة الملعونة مستويات مفزعة. لم تكن آثار هذه الطاقة المفسدة واضحة، رغم كفايتها لتجعل الجلد يقشعر. إلى أن رأينا وحشَيْ ونديغو يقتتلان في هياج أعمى، وأكل الفائز الخسيسَ بنهم وجوع بدائي.
لكن كلّما أكَل، بدا جسده يتداعى انكماشاً رداً على ذلك، ممّا أجّج أكله المسعور أكثر، حتى لم يبق شيء، وحينها تغيّر. أمام أعيننا، خضع الوحش لطفرة، فاشتد لحمه وتجوف بطنه. ما كان بالأمس ونديغو عادياً تحوّل بسرعة وأصبح إحدى النسخ النخبوية التي استقبلتنا عند البوابة. تحرّكتُ فوراً لمهاجمته، آملاً في مفاجأته قبل أن يألف قدراته المستجدة أو يجد وقتاً للتعافي، لكن ذلك بدا قليل الأهمية.
تكاد تحلف أن الوحش لم يترقّ للتو، إذ قاتل بغرائز مصقولة لكنها حيوانية. علاوة على ذلك، بدا أنه لم يكن منخفض الطاقة الملعونة بالقدر الذي افترضته أصلاً، وصار قتالاً طويلاً نسبياً أخذت أنحت فيه من مخزونه حتى انهار أخيراً. استراتيجيتنا بعدم قطع أي أطراف بدت فعّالة، إذ احتوت تلك الزوائد الشبحية داخل جسده حتى النهاية المريعة.
قالت في: "إنهم مزعجون للغاية، لكنهم يمنحون خبرة لا بأس بها"، وهي تستمتع بما لا بد أنه ارتقاء جديد في المستوى.
كانت استراتيجيتي الحالية استخدام شعاع الاستنزاف أو لمسة الاستنزاف لتسريع العملية، ثمّ عليّ طرد الطاقة بنفسي. وبعدما شهدت الوحشين يقتتلان، بدا أن محاربة النار بالنار خيار فعّال في هذه الحالة. لم أختبر أي أعراض جانبية لاحتواء الطاقة الملعونة، لكنني أبقيتها محصورة في نواة فرعية، تحسّباً لكل طارئ. لم يكن جنون العظمة ما يتحدث فيّ هذه الحالة، فبينما تجوّلنا في القلعة، رأينا مشهد تقشعر له الأبدان لفوج من الفئران تتشاجر وتلتهم بعضها بعضاً.
بدا أن الهالة المشؤومة المنبعثة من القلعة لم تكن للعرض فقط؛ بل كان لها آثار فعلية على الضعفاء وسريعي التأثّر. لم تتأثر فيّ ولا أنا بالطاقة، وهو ما اشتبهنا في أنه يرجع إما لمستوياتنا العالية نسبياً، أو ربما لتأثير حماية العقل الذي يتمتع به التاج الذي التهمته قبعتي. في كلتا الحالتين، وضعنا ذلك في حالة تأهب قصوى، وكنا نراقب أفكارنا وأفكار بعضنا بعضاً بحثاً عن أي غرابة.
حذّرت فيّ: "إن كانت هذه اللعنة تستهدف جوعك، فأنت في خطر حقيقي بالتأكيد".
فجرت فيّ غاضبة: "أوه أرجوك. أنت من امتلك تطور الهلام الشره ناهيك عن أنك من يعبث باللعنة ذاتها. لا أراك تمتصها".
"أجل، لكنني هلام. عادة ما أكون محصناً ضد معظم ذلك الهراء. وفوق هذا، إن نظرتِ إلى بطني، سترينها غارقة تماماً في الهلام. يمكنني قضاء أسابيع، إن لم يكن أشهر، بلا طعام وأظل بخير".
"نعم، نعم. نعلم جميعاً أن لديك وزناً أبعادياً كبيراً".
تبّاً. لقد مشيت إلى الفخ بنفسي... كانت مداعباتنا العرضية علامة جيدة على أن كللينا بخير، وتوسّمنا أيضاً أن يلعب رباط الرفيق دوراً في رصد أي خطب محتمل. مع ذلك، لم تكن حالتنا العقلية هي المشكلة الوحيدة، إذ أدركنا أننا نظرياً قد نخضع لحدّ زمني خلال هذه المرحلة.
سألت فيّ بعد أن انتهينا من هزيمة وحش آخر: "ما رأيك فيما يحدث إذا التقى اثنان من تلك النخبة وتقاتلا؟ أيلتهم الفائز ليصبح فائض النخبة؟".
عادة، كنت لأرحب بمثل هذا الخسيس بسعادة، لكن بالطريقة المزعجة التي اضطررنا للقتال بها، مضافة إلى عجزي عن أكلها بشكل صحيح من أجل ملف تعريفي، أصبحت غير شهية تماماً. كان خيالي يغذي قلقي أيضاً، إذ قد تسمح لها طفرة أخرى باستخدام تلك الأطراف الشبحية من دون تقطيع. بالطبع،عنى ذلك أيضاً خبرة أكبر، لكنني صرت أكثر حذراً حيال السعي المتهور وراء المكاسب بحضور فيّ. كانت حياتي تزخر بالنسخ الاحتياطية، لكن لا يمكن قول الشيء نفسه عن رفيقتي العنكبوتية.
إن حدث لها أي مكروه، فلن أسامح نفسي على الأرجح...
هتفت فيّ فجيئاً: "وه, أتحول سلافة ملعونة عليّ؟ ما قصة كل هذه الأفكار السلبية؟".
صفعتُ نفسي عقلياً وابتسمت باطمئنان.
"آسف. مررت بلحظة وسواسية صغيرة".
ضحكت فيّ قبل أن تحول دفة الموضوع: "طالما اعترفت بذلك، أعتقد أن الأمر בסير. على أي حال، إن كان لدينا حدّ زمني حقاً، أينبغي لنا استدعاء التعزيزات لتطهير هذا المكان، أم نتوجه مباشرة إلى غرفة العرش؟".
"غرفة العرش؟".
"حسناً، من الواضح أن الزعيم سيكون هناك، أليس كذلك؟ بعض أباطرة الونديغو الملوك الذين كانوا يفسدون جميع رعاياهم سراً من وراء الكواليس لجني القوة الملعونة لأنفسهم".
"يبدو ذلك معقولاً... رغم أن لمَ لا تكون إمبراطورة ملكة؟".
"لأن ذلك يبدو مقرفاً للغاية. أيمكنك تخيل التدلي؟"، سالت فيّ، قبل أن تصدر أصوات تقيؤ مبالغ فيها ومتنوعة.
لم أستطع منع نفسي من الضحك على حماقاتها، لكنها كانت على حق. سواء أردنا ذلك أم لا، كان لدينا نوع من الحد الزمني بين أيدينا. وتجاهل ذلك أيضاً احتمال أن يؤدي السماح للكثير من الوحوش بالأكل والتطور إلى إحداث نوع آخر من الفشل، يرسلُنا فوراً إلى نقطة البداية. التوجه مباشرة إلى الزعيم يحمل مخاطره الخاصة؛ فلا يقتصر الأمر على احتمال إعادة ضبط تقدمنا، بل إن جُذبت الوحوش الأخرى وصادف أن التهمها الزعيم، فما العمل حينئذ؟
قد يكتسب الزعيم قوة إضافية، أو يُشفى تماماً، أو الأسوأ من ذلك.
وافقت: "أعتقد أن الوقت قد حان لاستدعاء الفرسان".
"تبّاً للفرسان، نحتاج جنرالات الهلام!".
وهكذا أطلقت النداء، وبفضل رسالتي السابقة، بدؤوا بسرعة في إيداع أنويتهم، ولم يتركوا سوى واحدة خلفهم في كيلد، وباي التي ما زالت بالطبع على الجزيرة. كان ذلك لازماً، إذ لم تستطع الأنوية تخزين نفسها بنفسها، وإلا لكانوا يعيدون تمثيل حادثة كابا المؤسفة. لكن بما أن هذا سيعمل أيضاً كنقطتي إحياء طارئتين، لم يكن الأمر سيئاً تماماً. كانت سيلبيرا أول الواصلين، وأشرقت فور رؤية فيّ قبل أن تفحص محيطها الغريب.
وكأي شيء أخرجته من تخزين النواة بينما كنت داخل الكرة الثلجية، خضعت فوراً للقواعد وصغرت حجماً. ليس أنها لاحظت ذلك، إلا إن صادف واستخدمت الاستشعار المكاني ولاحظت الشذوذ. قريباً، صار الفريق بأكمله معنا، وشرعت أنا وفيّ في إحاطتهم بالوضع الحالي. أردنا تطهير القلعة من كل الوحوش قبل التصدي لغرفة العرش، على افتراض أن شيئاً لم يتغير أو لم نُقذف إلى نقطة البداية. انتهى المطاف بفيّ بقضاء وقت طويل متذمرة من كرهها المستجد للحلقات وما مررنا به.
كانت ردود الفعل على كل شيء متباينة. أبدت سيلبيرا تعاطفاً مع فيّ، بينما بدا سيلفان وسيلثايرين مهتمين بالمعارك القادمة فحسب. وفي الوقت نفسه، بدا سيلفستر الوحيد المفتون بالغموض والأعمال الداخلية لهذا الشيء بأكمله.
سألت فيّ أخيراً: "حسناً، إذن ما هي الخطة؟".
أجاب سيلثايرين، مكسِباً تأييد الشخصيات الأخرى: "فرق تسد".
وافق سيلفستر: "سيكون أفضل في هذه الظروف. بدلاً من التجوال كحزب ضخم، سيكون أفضل تشكيل أحزابنا غير الرسمية باستخدام تحريك الهلام".
أضافت سيلبيرا بسرعة: "رغم أنه لا يزال يتعين علينا تشكيل حزب حتى نتمكن من التبرع بالخبرة لصالح الآنسة فيّ".
بدا سيلفان منزعجاً قليلاً من ذلك، لكن فيّ تكلمت مسرعة: "لا تقلقوا، أنا أوشك على بلوغها. بمجرد أن أصيبها، يمكنكم أخذ كل الخبرة المتبقية".
ضحك سيلفان: "قد تندمين على ذلك إن أبلغناك إياها قبل معركة الزعيم. تخيلي فقط الكمية الكبيرة التي سيعطيها زعيم من هذا المكان".
قال سيلثايرين بنخرة: "نأمل أن تكون أكثر من ذلك الشيطان".
بعد ذلك، شكلنا حزباً وعدلنا التوزيع بشكل مناسب. كانت القلعة كبيرة، لكننا حظينا بمشاركين أكثر من كافين، خاصة وأنني كنت أُخرج ذئاب ونمل الهلام أيضاً. ولكي لا يكون أقل شأناً، بدأ سيلفستر في سحب غولماته، التي كانت مناسبة الحجم أيضاً بفضل الكرة الثلجية. ولو كانت بطريقة ما منيعة ضد التصغير، لشرح ذلك كيف غزا كيلدينار هذا المكان بهذه السهولة. أما عن غولمات سيلفستر، فامتلك هذه المرة أكثر من تلك المصنوعة من الصقيع الدائم وحدها، رغم أنه مع العدو الذي نواجهه، ربما كان الأفضل له الالتزام بالجليد.
ومع ذلك، مقارنة بما أخرجه في متاهة الشياطين، تجلّى أنه يعمل بجهد فائض ليطور نفسه، إذ حتى أبسط غولماته حملت على الأقل بعض السحر الطفيف منقوشاً عليها.
قال سيلفان: "أظن أنه وقت العرض"، وشرع في خلق أتباعه الخاصين.
بينما اتجهت أنا نحو أتباع جموع يقودهم زعيم، بدا سيلفان متجهاً نحو النهج المعكس، مقتبساً صفحة من الزنزانة المائية التي غزوناها. ومع ذلك ووقته الخاص في المحيط، كانت مجموعتنا من ملفات مخلوقات البحر هائلة. ورغم وفرة ما يمكن الاختيار منه، صنع سيلفان مخلوقات مشابهة لحراس الززنانة؛ مركّزاً على الكيف لا الكم، فكان لديه ح حفنة من رجال القرش، وفي داخل كل منهم نواة فرعية مخفية.
وكأنه مستفز بأفعاله، صنع سيلثايرين أتباعاً أيضاً، وقريباً صار هناك العديد من وحوش القطط الكبيرة. ناسب ذلك تماماً الزعيم المفترض لفايريل، وبدا أحدهم يشبه الرفيق المرتبط من ذلك اليوم المأساوي.
قالت فيّ بتلميح من الحسد: "تبّاً، ألا يملك الجميع سواي أتباعاً يستطيعون إخراجهم من جيوبهم؟".
أجابت سيلبيرا بثقة: "لا تقلقي، آنستي فيّ، لقد جهزت لمثل هذا الحتم".
وكما هو متوقع من أفعالها، راحت تخلق أتباع هلام أيضاً، إلا أنهم هذه المرة كانوا كلهم عناكب. إبصار فوج من عناكب الهلام يتخذ شكلاً بدا مقززاً بعض الشيء مقارنة بالأتباع الآخرين، ولدهشتنا، كانت العنكبوت نفسها أول من انهار.
صاحت فيّ شاتمة: "كلا! لا عناكب! مرفوض!".
ترهلت سيلبيرا بوضوح رداً على ذلك.
"لكن... كنت سأجعلك تقودينهن. أليس ذلك ملائماً جداً؟".
"كلا. من يحتاج إلى أتباع؟ أنا قادرة تماماً على القتال بمفردي. علاوة على ذلك، سيبطئونني فقط، ولا مجال لأن يجاروني وخطوات حجابي!".
ثم بدأت فيّ تضحك ضحكة استخفاف، وكأن الأمر برمته كان نكتة كبيرة. بدا لسبب ما أنها لم تكن من محبي العناكب الأخرى، وهو أمر غريب بالنظر إلى أنها بدت مستمتاعة بوقتها مع كيليكيث. أأنهن عناكب هلام؟ أيوَقظ ذلك صدمتها القديمة حين ظننت أنني سألتهمها، أو ربما طريقة تشكلهن وتنقلهن مفرطة عليها؟
قالت سيلبيرا، وبدا صوتها محبطاً قليلاً بعد رفض فيّ القاطع: "همم... لست متأكدة ممّا يجب عليّ اختياره لدمى الهلام إذن...".
طبعاً، ككائنات هلامية، لم نكن بحاجة إلى شكل، لكن من الجميل امتلاك شكل أساسي للعمل منه. بالتأكيد، كانت الكتل عديمة الشكل من الممحاة تعمل بشكل مثالي تماماً، لكن بالتمسك ولو لشكل مبهم، يمكننا الاستفادة من التجسد الخرافي للقيام بالكثير من الجهد الثقيلة نيابة عنا. لم يمكن الاستخفاف بالسمة ودعمها من النظام، لكنني استنتجت أيضاً تفسيري الخاص لسبب مساعدتها. فمثلاً، ككلام هلامي بلا شكل، إن أردت التحرك فحسب، ربما وُجدت مئات التبديلات لحل تلك المهمة.
بينما لو كنت على شكل مخلوق، كنت مقيداً بطريقة تنقل ذلك المخلوق. في نهاية المطاف، جعلت الخيارات أبسط عبر سحق الاحتمالات. عادة، لن يهم ذلك كثيراً، لكن حين عملنا مع تحريك الهلام وكمية هائلة من الأتباع، صار كل جزء من عبء العمل العقلي الذي يمكن تقليصه نعمة. بالعودة إلى معضلة سيلبيرا، وجد عدد من الأشياء التي تستطيع فعلها. اقترحتُ فوراً أن تخلق أقزاماً مزيفين، أو أي بشري آخر ثم تجهزهم بالأسلحة والدروع، لكنها رفضت تلك الفكرة بسرعة.
لأي سبب كان، لم تكن شخصياتي سعيدة جداً بخلق أشخاص وهميين، وانضمت إليهم فيّ لتعلن أنه أمر غريب، تاركة إياي وحدي.
"حسناً... إذن ماذا عن السمندل؟ سيتطابق ذلك على الأقل مع سحرك الناري، وقد أثبت أنها تستطيع الاستمرار في استخدام جيب الجحيم وما شابه دون النقاط المخصصة بعد الانفصال".
ضحكت فيّ: "سيكون لديك جيش من التنانين الصغيرة المزيفة".
أجابت سيلبيرا بابتسامة متألقة تعلو وجهها: "أحب تلك الفكرة. شكراً لك، يا سيّدي!".
شرعت في العمل بسرعة بعد ذلك، وصار لديها قريباً فريقها الصغير من السمندل، متخذة نهجاً وسطياً بين حشد قطط سيلثايرين ورجال قرش سيلفان النخبويين. لقد أمضينا وقتاً لا بأس به في اللحاق بالركب والدردشة والتخطيط، لكننا أملنا أن نعوض الوقت المستنفد بسرعة بنهجنا الجديد. اختار كل منا اتجاهات، مع وجود اتجاه فيّ بين سيلبيرا وبيني، وبدأن هجومنا الفعلي على القلعة. لأيام، رأينا هذه البلدة مكتسحة باليتي والونديغو، لكن القلعة كانت تُغزى الآن بجيش من وحوش الهلام، بشتى الأشكال والأحجام.