وصل نينغ إلى قاعة المهام لتجد كعادتها غاصّة بالمرتادين. وتنقل التلاميذ بين لوحات المهام بينما اصطفت طوابير عديدة أمام النوافذ. كعادته توجه نينغ صوب نافذة سي سيهوا قبل أن يبطئ خطاه حين لاحظ أمراً غريباً فيها. كانت تفرز حزمة من قصاصات المهام بيد واحدة وتدعم خدّها بكسل بالأخرى وبدت على حالها المعهود غير أن الهالة المحيطة بها غدت أثخن بوضوح.
تفحصها نينغ ههيهات قبل أن يبتسم قائلاً: "تهانينا بلوغ المرحلة السابعة أيتها الأخت الكبرى".
توقفت يد سي سيهوا. رفعت رأسها ببطء وحدقت إليه وأدرك نينغ سريعاً أن وجه من حققت للتو اختراقاً عظيماً خلا من البهجة بشكل لافت.
قالت بصوت حمل ثقلاً مشؤوماً: "يا نينغ".
أمش نينغ عينيه: "نعم؟".
سألت سي سيهوا ناظرة مباشرة إليه: "أحقّاً ما قيل؟".
تردد نينغ: "أحقا ماذا؟".
"كل ما أخبرتني به سابقاً من أنني لا أستطيع البقاء سمكة مملوحة للأبد ومن أن العمل الجاد الآن سيتيح لي الاسترخاء حقاً لاحقاً ومن أن بلوغ مرتبة زراعة أعلى سيمنحني عمراً أطول أقضيه في فعل لا شيء على الإطلاق".
مالت سي سيهوا أكثر فوق النافذة أثناء كلامها وبدا تعبيرها أكثر تظلماً باستمرار.
"إن كان كل ذلك صحيحاً فلماذا أعاني هذا القدر الآن؟".
تحول ابتسام نينغ إلى كلفة طفيفة: "آه".
قالت سي سيهوا: "وجدت أمي أنني شرعت أخيراً في أخذ الزراعة مأخذ الجد أتدري ما فعلت؟".
وقبل أن يتمكن نينغ من الإجابة صفعت بيلها على الطاولة وتابعت بمرارة: "صارت داعمة".
أمش نينغ عينيه. آباء داعمون في هذا الاقتصاد؟
"أولاً اشترت لي حبوباً وموارد زراعة. ثم شرعت في تفقد تقدمي كل بضع أيام".
بدأت سي سيهوا تعد مظالمها على أصابعها.
"وما إن بلغت المرحلة السابعة حتى رأت أنني بحاجة إلى تقنية قتال ملائمة. وتلتها فنون حركة وهي الآن ترتب لي تدريبات قتال فعلية".
أظلم وجهها حين بلغت ما بدا أنه أظلم الظلم قاطبة.
"أمس توجب عليّ قتال ثلاثة أشخاص".
أشاح نينغ بصره بهدوء: "هاها".
ضيقت سي سيهوا عينيها فوراً: "لا تضحك لي".
لجأ نينغ إلى عبارة سمعها هو نفسه مرات أكثر من اللزوم: "أيتها الأخت الكبرى هذا كله من أجل مستقبلك".
أجفلت سي سيهوا وانهارت على النافذة مستدركة: "كنت أعلم أنك ستفقول ذلك!".
ومضت تجذب نظرات فضولية من التلاميذ القريبين.
"ما كان لي أن أنخدع بكلماتك المعسولة في ذلك الحين. كانت حياتي رغيدة. أتيت إلى هنا وعملت عند النافذة وجمعت نقاط مساهمتي وعدت إلى منزلي وأكلت ونمت وزرعت أحياناً حين يملني السأم".
تنهدت بحسرة كأنها تستذكر جنة ضاعت للأبد: "كان الأمر هادئاً".
حاول نينغ تهدئة الفتاة الكسولة: "على الأقل بلغت مرحلة تكثيف تشي المتاخمة".
ردت سي سيهوا غير مقتنعة البتة بأن هذا يعد تحسناً: "والآن أتلقى الضرب بلا انقطاع".
أومأ نينغ بتعاطف: "غالباً ما يصاحب التقدم تضحيات".
رمقته سي سيهوا بنظرة طويلة: "أنت التضحية التي أفكر فيها".
ارتأى نينغ بحكمة أن تهنئتها بأي قدر إضافي قد ينطوي على خطر بينما لم يستطع في قرارة نفسه إلا أن يشعر بنوع من الإنصاف. كانت الأخت الكبرى سي تتقاعس بحق. لم تقم بأي أمر مميز بل شرعت ببساطة في الزراعة بجد وبلغت المرحلة السابعة بسرعة مذهلة. وهذا وحده يشي بالكثير عن ضآلة الجهد الذي لابد أنها بذلته من قبل. بالطبع امتلك نينغ من غريزة البقاء ما يكفي للاحتفاظ بهذه الملاحظة لنفسه.
وعوضاً عن ذلك أخرج حزمة صغيرة ووضعها على النافذة. تحول انتباه سي سيهوا إليها فوراً وتلاشى قدر معتدل من السخط عن وجهها حين اختلست نظرة في الداخل واكتشفت الوجبات الخفيفة الروحية المألوفة.
أوضح نينغ: "المعتاد".
سحبت سي سيهوا الحزمة بهدوء نحوها. أومأ نينغ باستحسان. واصلت الوجبات الخفيفة إثبات فعاليتها المذهلة في الحفاظ على العلاقات الشخصية.
"على كل حال أيتها الأخت الكبرى أتيت لأكلف بمهمة معلومات أخرى".
عادت سي سيهوا أخيراً إلى ما يشبه المهنية والتقطت فرشاتها: "ما الذي تبحث عنه هذه المرة؟".
"كل ما يتعلق بفن الأصل النقي السباعي ولا سيما الطية الأولى. رؤى الزراعة الشخصية والمقاربات الفاشلة والتفسيرات غير المألوفة والسجلات التي تركها أشخاص زرعوه بعيداً جداً وأي شيء يصب في هذا الاتجاه".
أومأت سي سيهوا وشرعت في تسجيل الطلب. لم يكن هناك عائق في تكليف بمعلومات تخص تقنية طائفة ما طالما أن الشخص ناشر المهمة قد بادل بها عبر الطائفة مسبقاً. احتفظت قاعة المهام بسجلات لتلك المبادلات وستتحقق منها قبل قبول التكليف. وإلا لاستطاع التلاميذ تجميع أحجار الروح معاً وجعل شخص واحد يشتري تقنية ثم استخدام مهام المعلومات لتمرير محتواها ورؤى الزراعة حولها دون أن يبادل بها الجميع بأنفسهم.
بطبيعة الحال لم تكن الطائفة كريمة بالقدر الذي يترك ثغرة واضحة كهذه مفتوحة. لم يكن نينغ يتوقع أن يكشف شخص ما عن دليل سرّي معجزة سيحل كل شيء له فوراً. ما أثار اهتمامه هو الملاحظات الأصغر المتراكمة عبر سنين الممارسة والأخطاء المستبعدة من النص الرسمي والاختناقات المتكررة والتفاعلات غير المألوفة أثناء الجريان والتفسيرات التي قد تتيح له تفحص الطية الأولى من منظور آخر.
حتى التفسير الخاطئ قد ينفع إن فهم بالضبط لِمَ كان خاطئاً.
ما إن انتهت سي سيهوا من تسجيل التكليف حتى رفعت نظرها: "أي شيء آخر؟".
"في الواقع نعم. أهناك سبيل يسير لأتعلم أساسيات الطب الروحي؟".
توقفت فرشاتها مرة أخرى.
تفرست فيه سي سيهوا لثوانٍ معدودات قبل أن تضع فرشاتها ببطء: "ألسْت مزارعاً وخيميائياً بالفعل؟".
"نعم".
أومأ نينغ. ومما يذكر لعله يستطيع عدَّ نفسه طاهياً روحياً أيضاً. كان ثمة مهنة أخرى تقنياً يستطيع إضافتها إلى تلك القائمة. آثر نينغ ألا يفعل.
"والآن تريد أن تصبح طبيباً روحياً؟".
هز نينغ رأسه: "لا. أريد الأساسيات فحسب. التشريح والمسارات وكيفية استجابة أجزاء الجسم المختلفة للطاقة الروحية والتشخيص الأساسي وما شابه. ليس لدي نية لأصبح طبيباً روحياً ممارساً".
حدقت إليه سي سيهوا كأن ذلك زاد الوضع سوءاً بطريقة ما: "كم من العمل تنوي أن تلقي على عاتق نفسك؟".
ابتسم نينغ: "أنا أمارس ببساطة ما عظتك به".
أرادت سي سيهوا أن ترد لكنها عدِمت الحجة المضادة. فرغم كل العناء الذي جلبته نصيحته لها لربما كان نينغ نفسه أحد أكثر التلاميذ كداً بين من عرفتهم. وإن استحق أحد حق إخبرها بالعمل بجد الآن لتستمتع لاحقاً فهو للأسف هو.
تمتمت أخيراً: "هذا مختلف".
اتسعت ابتسامة نينغ: "أحقاً؟".
"لا تختبر حظي".
تابع نينغ: "هذا حقاً لن يتحول إلى مهنة رئيسية أخرى. أبتغي فقط قدراً كافياً من المعرفة التأسيسية لفهم الموضوع بملامحه الملائمة وسأدرسه متى توفر لدي وقت فراغ".
كان ذلك صحيحاً في مجمله. وما لم يذكره نينغ هو أن الفكرة راودته بسبب مهارة اعرِف نفسك. أتاحت له موهبته مراقبة جسده بتفصيل استثنائي. استطاع تتبع مساراته وجريان تشي لديه وتفحص عضلاته وأعضائه ومشاهدة التغيرات الدقيقة الناجمة عن تقنيات الزراعة. المشكلة أن رؤية أمر ما لا تعني بالضرورة فهمه. ساعدته معرفته الحديثة بالتشريح وعبّت سنون الزراعة بعض الفجوات المتعلقة بالمسارات والطاقة الروحية بيد أن معظم تلك المعرفة جُمِعت متفرقة.
كان من شأن أساس سليم في الطب الروحي أن يتيح له تفسير ما تعرضه عليه اعرِف نفسك بفعالية أكبر بكثير. ففهم تلف المسارات والإصابات الداخلية وتفاعلات تشي غير الطبيعية والتفاعل بين الطاقة الروحية والجسد سيساعد في كل شيء بدءاً من زراعة الجسد وتجارب التقنيات وصولاً إلى تقييم تأثيرات الحبوب والطعام الروحي. ومراعاةً لمدى تكرار تجارب نينغ على نفسه كان تعلم الأساسيات محض منطق سليم في هذه المرحلة.
إلا أن سي سيهوا لم تكن تعلم شيئاً من هذا. ومن منظورها كان نينغ يحاول ببساطة إضافة مادة أخرى إلى قائمة سخيفة بالفعل.
قالت أخيراً: "توخ الحذر فقط. أنت تفعل ما يكفي من الأمور بالفعل. لا تواصل الإضافة حتى يعجز حتى جدولك السخيف عن استيعابها".
أومأ نينغ: "أعلم. ولهذا قلت إنني سأدرسه في وقت فراغي. لن أغير جدولي من أجل هذا".
تفرست فيه سي سيهوا لبرهة.
"...أأنت تتبع ذلك الشيء حقاً أليس كذلك؟".
لقد رأت جدول نينغ المكتوب مرة. قُسِّمت كل فترة من يومه بأناقة بما في ذلك الاستراحات المخصصة. وظنت سي سيهوا في البداية أنه نوع من جدول العقوبات. ثم أبلغها نينغ بفخر أنه صاغه بنفسه. وما زاد الطين بلة أنه كان يتبعه حقاً.
بدا نينغ مستاءً طفيفاً: "بالطبع. لماذا لا يثق بي أحد؟".
آثرت سي سيهوا ألا تجيب على ذلك: "توفر قاعة الطب نصوصاً تمهيدية متاحة للتلاميذ الداخليين. إنها في الغالب ذات المواد التي يدرسها المتدربون حين يبدؤون التعلم أول مرة. يمكنك مبادلة أحجار الروح بنسخ كما يعقدون محاضرات تمهيدية من حين لآخر".
"هذا مثالي".
كان ذلك أكثر من كافٍ لنينغ في الوقت الحالي. ثم تذكر غرضه الآخر من الزيارة.
"صحيح أيتها الأخت الكبرى. هل استجاب أحد لمهمتي الخاصة ببلورة لهيب الشمس الأبيض؟".
"آه تلك".
انحنت سي سيهوا وفتشت في إحدى حجرات التخزين أسفل النافذة.
"لربما كنت أحد القلائل من التلاميذ الذين يرتادون قاعة المهام بما يكفي لأتذكر نصف تكاليفك دون تحقق. أكمل أحدهم تلك الصباح اليوم".
أشرقت عينا نينغ فوراً رغم أن الجزء الأول من إجابتها تركه في حيرة طفيفة. لقد لاحظ منذ فترة أن غالبية التلاميذ يبدون مقصرين في استخدام قاعة المهام. يأتي الكثيرون إلى هنا لقبول المهام وكسب نقاط المساهمة لكن القليل نسبياً ينشرون تكاليف خاصة بهم ما لم يحتاجوا إلى شيء محدد للغاية. لم يستطع نينغ فهم السبب. ضمت الطائفة آلاف التلاميذ المنتشرعين في قاعات ومهن ومستويات زراعة ومجالات خبرة مختلفة.
وغالباً ما وجد بينهم شخص يمتلك المعلومات أو المادة أو المهارة التي يحتاجها. قد يستغرق العثور على هذا الشخص بنفسه أيّاماً أو أسابيع؛ أما نشر مهمة فيتيح له تقديم مكافأة معقولة ووضع المشكلة أمام آلاف الأشخاص الذين قد يكون بمقدورهم حلها. لعل معظم المزارعين اعتادوا ببساطة على اعتبار قاعة المهام مكاناً يأتون إليه للعمل لا مكاناً يمكنهم جعل الآخرين يعملون لأجلهم فيه. حسناً لم يكن نينغ ليشتكي.
فإن أراد الجميع التقصير في استخدام أحد أنظمة الطائفة الأكثر ملاءمة فتلك خسارتهم.
سرعان ما اعتدلت سي سيهوا حاملة صندوقاً صغيروضعته على النافذة: "ها هو ذا".
نسي نينغ فوراً الاستخدام المشكوك فيه لقاعة المهام من قِبل الآخرين. أزالت الختم كاشفة عن بلورة بحجم الجوز ترقد في الداخل. كانت بيضاء تماماً تقريباً باستثناء عروق رقيقة من ذهب شاحب تجري عبر جوفها وارتفعت درجة الحرارة المحيطة طفيفاً إثر تسرب طاقة روحية مركزة ذات سمة نار من الوعاء. كانت بلورة لهيب الشمس الأبيض التي يحتاجها فينجهوانغ للتقدم.
أوضحت سي سيهوا وهي تعيد ختم الصندوق: "المكافأة الإجمالية كانت ألفاً ومئتي حجر روح. أودعت أربعمائة حين نشرت المهمة لذا لا تزال مدينًا بثمانمائة".
أدرك نينغ بالطبع أن هذا باهظ الثمن للغاية. لحسن الحظ لم يكن فقيراً كما كان قبل بضعة أيام. لقد عمل الشيخ شين بسرعة مذهلة عند استعادة أحجار الروح من الشيخ شين كوو. وبعد بضعة أيام فحسب ظهر الشيخ شين بادياً في غاية الغطرسة ومناحاً نينغ نصيبه دون شرح كيفية حصوله عليها. ومراعاة لشخصية الشيخ شين اشتبه نينغ في أن الشيخ شين كوو لم يُهزم بمناورة على الإطلاق. لقد اكتسب العجوز سبباً مشروعاً لمضايقته بلا هوادة لذا لربما رأى الشيخ شين كوو أن عدة آلاف من أحجار الروح سعر معقول لقاء السلام.
استطاع نينغ تخيل حدوث ذلك بسهولة. أحصى أحجار الروح المتبقية البالغة ثمانمائة وسلمها. تحققت سي سيهوا من الكمية قبل أن تناوله الصندوق المختوم الذي خزنه نينغ بعناية.
وقبل مغادرته رمق نينغ حزمة الوجبات الخفيفة التي رتبتها سي سيهوا بأمان بالفعل على جانبها من النافذة ومنحها ابتسامة مشجعة: "أتمنى أن تثابري أكثر قليلاً في هذا الدرب أيتها الأخت الكبرى".
تفرست فيه سي سيهوا ثم في الوجبات الخفيفة قبل أن تتنهد: "لم يعد هناك خيار حقاً. أمي تعلم أنني قادرة على العمل بجد الآن".
كظم نينغ ألمه. كان ذلك لا رجعة فيه حقاً.
"حظاً سعيداً أيتها الأخت الكبرى".
تنهدت سي سيهوا: "سأنجو بطريقة ما".
غادر نينغ قاعة المهام في مزاج ممتاز. وعين عودته إلى المزرعة وجد فينجهوانغ يقوم بجولاته فوق الحقول. حلق الغراب منخفضاً بين الرقع مطلقاً دفعات صغيرة من لهيب أبيض ليحرق الأعشاب الضارة ضارة الضرر أينما بدأت في البزوغ. لاحظ فينجهوانغ نينغ فوراً تقريبا وطار نحوه. غير أن انتباهه تحول اللحظة التي أخرج فيها نينغ الصندوق المختوم من حقيبة تخزينه لتتسمر عيناه عليه في الحال.
"كاك؟".
"أخبار سارة".
انتعش فينجهوانغ فوراً وحين فتح نينغ الصندوق بما يكفي لتسرب هالة بلورة لهيب الشمس الأبيض ذات سمة النار كاد الغراب ينقض عليها.
"اهدأ. دعني أفحصها أولاً".
توقف فينجهوانغ رغم أن طريقته في الاقتراب أكثر فأكثر جعلت صبره غير مقنع إلى حد ما. فحص نينغ البلورة بحسه الروحي وقارن مظهرها وهالتها بالوصف المرفق بالمهمة. طابق كل شيء ما طلبه لذا وبعد تأكيده أن قاعة المهام قد وثقت المادة مسبقاً أخرجها من الصندوق ومدها أمامه. ابتلع فينجهوانغ البلورة بأكملها قبل أن يتمكن نينغ من قول أي شيء.
حدق إليه نينغ: "كنت على وشك شرح كيفية استخدامها".
"كاك".
"بالطبع أنت تعلم مسبقاً".
لفترة قصيرة وقف فينجهوانغ هناك ببساطة. ثم اهتز ريشه إذ بدأت ألسنة لهيب بيضاء تظهر في أنحاء جسده دون استدعاء واعٍ خافتة في البداية قبل أن تزداد سطوعاً تدريجياً مع انتشار الطاقة الروحية داخل بلورة لهيب الشمس الأبيض عبره. ارتفعت هالته وهبطت مرات عدة وكان نينغ يستعد للتدخل إن حدث خطأ ما حين استرخى وضعية فينجهوانغ فجأة. تأرجح الغراب وهبط على الأرض وأطلق نعيقاً أنعس ملحوظاً.
وفي غضون دقيقة كان نائماً. انحنى نينغ بجانبه وتفحص حالته بحسه الروحي. ظلت تنفس فينجهوانغ منتظماً ولم تظهر هالته أي علامة على عدم الاستقرار ورسم اللهب الأبيض المغطي لِرِيشه ينحسر تدريجياً للداخل عوضاً عن النمو بلا كبح. طابق كل شيء المعلومات التي جمعها نينغ سلفاً بشأن ترقي غربان اللهب الأبيض. على عكس المزارعين البشريين اعتمدت الوحوش الروحية بدرجة أكبر بكثير على أجسادها وسلالاتها الموروثة عند الترقي.
بينما هذّب البشر الطاقة الروحية تعمداً عبر تقنيات الزراعة وطوروا مساراتهم ومجالاتهم الواعية بوعي كان النمو الطبيعي للوحش الروحي أقرب إلى نضج كامن مدمج سلفاً في سلالته. لم يعني ذلك أن الوحوش الروحية لا تستطيع الزراعة عمداً. فقد تستطيع الوحوش الذكية تعلم التقنيات والتدرب وتقوية نفسها تماماً كالمزارعين. بيد أن ترقيها الطبيعي ظل معتمداً بشدة على تجميع طاقة كافية والحصول على الموارد الملائمة لتعبير أجسادها عن مزيد من إمكاناتها الموروثة.
وغالباً ما طلبت السلالات الأقوى المزيد في المقابل؛ فقد تظل الوحوش النادرة عالقة لسنين لمجرد أن الكنز اللازم لتحولها التالي كان عصي المنال للغاية. وبالنسبة لفينگهوانغ كانت بلورة لهيب الشمس الأبيض أحد تلك الموارد. إذ توافق جوهر نارها بشدة مع سلالة غربان اللهب الأبيض موفراً ما يطلبه جسده للمرحلة التالية من النضج. ومواكبةً لاستهلاكها احتاج إلى تحكم واعٍ ضئيل. فقد أرشدت سلالته التحول بينما أتاح له النوم العميق تكريس جسده بالكامل للعملية تقريباً.
حدق نينغ إلى الغراب النائم بمشاعر مختلطة. لقد أمضى ساعات لا تحصى في الزراعة ودراسة التقنيات ومحاولة فهم مبادئ الزراعة المعقدة باستمرار لمجرد التقدم خطوة واحدة في كل مرة. بينما أكل فينجهوانغ صخرة وخلد إلى النوم. لم يستطع نينغ إنكار شعور طفيف بالغيرة.
"ذات يوم سأكتشف كيفية الزراعة هكذا أنا الآخر".
ومراعاة لخططه للزراعة الآلية لم يكن الأمر مزحة بالكامل. رفع نينغ الغراب النائم بعناية وحمله إلى الداخل. لقد أصبح جسد فينجهوانغ أدفأ بوضوح مع ظهور ألسنة لهيب بيضاء خافتة أحياناً بين ريشه مع مواصلة جوهر البلورة الاندماج معه. ونظراً لجهله بالمدة التي سيستغرقها الترقي أعد مكاناً آمنماً لنوم فينجهوانغ ورتب تدابير حماية بسيطة قليلة لضمان عدم إزعاجه بأي شيء. وما إن تفحص كل شيء مرة أخرى استرخى نينغ أخيراً.
بدو فينجهوانغ مسالماً بشكل ملحوظ لشخص ابتلع للتو ألفاً ومئتي حجر روح.
تنهد نينغ: "وبطريقة ما أنا من يدعونه بالشاب السيد".
واصل الغراب النوم غير آبه البتة بالعواقب المالية لمرارته. ... نادراً ما سنحت لنينغ أسباب لزيارة قاعة الخيمياء الرئيسية. فقد جرت معظم ممارساته الخيميائية تحت إشراف لينغ شين وأمكنه عادة الحصول على أي مواد أو مرافق احتاج إليها دون القدوم إلى هنا شخصياً. غير أن اليوم كان مختلفاً. لقد أفرغت القاعة الرئيسية لجمع إذ وقف عشرات الخيميائيين في مجموعات صغيرة بينما احتل الشيوخ والتلاميذ الكبار المقاعد الأقرب للمقدمة.
تبع نينغ لينغ شين إلى الداخل وسرعان ما لاحظ أمراً غريباً. كان الناس يتجنبونهما. لم يكن الأمر فاضحاً لدرجة أن يستدير أحدهم ويمشي مبتعداً لحظة اقتراب لينغ شين. فما زال عدة خيميائيين يحيطونها بأدب وتبادل بعضهم كلمات موجزة معها لكن أحداً لم يمططل طويلاً. وأينما حلت بدا أن جيباً صغيراً من الفراغ يتشكل طبيعياً حولها. لم يكن نينغ متأكداً تماماً مما إذا كان ذلك أمراً جيداً خاصة وأنه استطاع استشعار نظرات غير قليلة موجهة نحوه أيضاً.
فقد جعلته عروضه في برج الأصل السماوي أكثر قابلية للتمييز داخل الطائفة وجذب كونه التلميذ الوحيد للينغ شين فضولاً إضافياً داخل قاعة الخيمياء بالطبع. ولحسن الحظ بدا معظم الناس أشد حذراً حيال الاقتراب من معلّمته مقارنة باهتمامهم بالاقتراب منه.
جانب نينغ بصره: "يا معلّمتي تبدين غير مرغوبة البتة هنا".
لم تبد لينغ شين منزعجة على الإطلاق: "إنهم يغارون فحسب".
وقبل أن يتمكن من استفسار هذا التفسير اقتربت امرأة من إحدى المجموعات القريبة. بدت أكبر سناً بعض الشيء من لينغ شين وتحلت بوقار مسيطر رغم أن النظرة التي رمقت بها لينغ شين أشارت إلى أن هذا لن يكون حديثاً ساراً للغاية.
"لينغ شين تفاجأت بحضورك حقاً هذه المرة. عادة ما تتجاهلين تجمعات كهذه".
أومأت لينغ شين بتحية: "أهلاً بالأخت الكبرى كاي. اليوم مناسبة خاصّة. من جهة أخرى لست مفاجأة برؤيتك هنا".
نخرت كاي يون: "ما زلت متعجرفة كالمعتاد".
"شكراً لك".
خفضت لينغ شين رأسها قليلاً وفركت مؤخرة عنقها كأنها تتلقى مديحاً.
تسطح تعبير كاي يون: "لم يكن ذلك مديحاً".
رفعت لينغ شين بصرها بابتسامة بريئة. وسرعان ما تحول انتباه كاي يون نحو نينغ.
"إذن فهذا هو التلميذ الذي تبنيته؟ سمعت القليل عنه مؤخراً".
شبك نينغ يديه: "تحياتي أيتها العمة الكبرى كاي".
كان نينغ يعلم بالفعل القليل عن كاي يون من المعلومات التي جمعها سلفاً. كانت هي ولينغ شين تلميذتين لفوان شوان مما جعل كاي يون عمته الكبرى وفقاً للأقدمية في الطائفة. قبلت فوان شوان عدة تلاميذ عبر السنين وكانت لينغ شين أصغرهم سناً والأكثر موهبة على نطاق واسع. وللأسف كانت أيضاً وفقاً لما رآه نينغ حتى الآن الأكثر إثارة للمشاكل على الأرجح. لم تجعل تلك التركيبة منها محبوبة لدى الجميع بالتأكيد.
كان لأي سلالة خيميائية عدد محدود من الموارد لتوزيعها بين أعضائها. فالتصاميم النادرة والمواد الطبية واللهب الروحي والأفران الملائمة وإرشاد فوان شوان الشخصي والموارد اللازمة للاختراقات الكبرى لاحقاً كانت كلها محدودة. ومع موهبة لينغ شين كان متوقعاً بالطبع أن تحصل على حصة معتبرة. ولم يكن صعباً فهم سبب وجود مشاعر مختلطة لدى بعض زملائها التلاميذ تجاهها. تفرست كاي يون في نينغ لفترة وجيزة قبل أن تعود بجهتها نحو لينغ شين.
"حقق تلميذي تقدماً حسناً للغاية مؤخراً. تستطيع يوي تشان بالفعل تنقية حبوب من الدرجة الأولى عالية الجودة باطراد".
خطت الشابة الواقفة خلفها إلى الأمام لدى ذكر اسمها وشبكت يديها باحترام.
ابتسمت لها لينغ شين قبل أن تتفحص يوي تشان باهتمام حقيقي: "هذا جيد للغاية".
اكتسب تعبير كاي يون مسحة من الرضا.
"وهي لم تتعلم لفترة طويلة أيضاً. وبهذا المعدل ينبغي أن تكون جاهزة لمحاولة الشهادة التالية في القريب العاجل".
أومأت لينغ شين متفكرة: "تعلم نينغ الخيمياء لمدة عام تقريباً هو الآخر. لم يبلغ ذلك المستوى بعد لكنه طوّر حبة خاصة به بالفعل".
تلاشت مسحة الرضا عن وجه كاي يون. نظر نينغ إلى معلّمته. كان ذلك غير ضروري بالمرة. بدا أن كاي يون ظنت ذلك أيضاً.
"تنقية تصميم قائم باطراد وتعديل تصميم أمران مختلفان تماماً. ينبغي على الخيميائيين الشباب بناء أساس سليم قبل الهوس بالجديد".
ابتسمت لينغ شين بساطة: "أعلم. ولهذا أنا فخورة به جداً".
تشنج حاجب كاي يون.
تابعت لينغ شين تبدو مستمتعة للغاية الآن فيما يبدو: "أيتها الأخت الكبرى إن كنت قلقة بشأن أية طريقة تدريس أفضل فيمكننا دائماً خوض مبارزة خيمياء بأنفسنا. لقد مر وقت طويل".
هذه المرة تراجعت كاي يون نصف خطوة حقاً. ارتفع حاجب نينغ طفيفاً. حكمًا من تلك ردة الفعل كان هناك تاريخ هنا. لم تتغير ابتسامة لينغ شين على الإطلاق لكن كاي يون عرفت أختها الصغرى جيداً بما يكفي لتدرك أنها قادرة تماماً على تحويل خلاف تافه إلى مبارزة خيمياء فعلية في منتصف التجمع. بدأ نينغ يفهم سبب إبقاء الناس مسافة بينهم وبين معلّمته. تجاهلت كاي يون التحدي بحكمة وعوضاً عن ذلك رمقت لينغ شين بنظرة منزعجة قبل أن تلتف مبتعدة.
وحين غادرت تصادف أن التقت نظرة نينغ بنظرة يوي تشان. وبالنظر إلى الجو بين معلّمتيهما توقع نصف عداء منها لكن الشابة اكتفت بمنحه إيماءة مهذبة. ردها نينغ. على ما يبدو قررت أن مشاكل معلّمتهما يمكن أن تظل مشاكل معلّمتهما. يا لها من عقلانية.
وما إن انفرد الاثنان مرة أخرى حتى جانَب نينغ بصره نحو لينغ شين: "يا معلّمتي أأنت من استثارها عمداً؟".
ابتسمت لينغ شين ببراءة: "بالطبع لا. كنت أتيح للأخت الكبرى إثبات خطئي فحسب".
تفرست فيها لبرهة قبل أن يقرر أن مزيداً من الاستقصاء لن يؤدي إلا إلى تقوية القضية ضدها. غير بعيد انضمت كاي يون إلى مجموعة أخرى وتوقفت بجانب امرأة بدا هدوءها ملحوظاً أكثر من هدوء أي منهما أو لينغ شين.
استمعت تانغ فييو إلى شكواها لفترة قصيرة قبل أن تتنهد: "أنت تعلمين أنه لم يكن عليك منافستها".
نقرت كاي يون بلسانها: "إنها تغيظني".
قالت تانغ فييو بهدوء: "يرجع ذلك في الغالب إلى إصرارك على منافستها".
عبست كاي يون: "في صف من تقفين أنت؟".
"لا أحد. ولهذا ما زلت عاقلة".
رمقتها كاي يون بنظرة غير معجبة لكن تانغ فييو كانت قد حولت اهتمامها لمكان آخر. وعلى أقل تقدير جذبت المبادلة بصرها نحو تلميذ لينغ شين وهو ما ذكرها بالشاب الواقف بهدوء خلفها.
"سمعت أنك على معرفة بتلميذ لينغ شين".
تبعت سو فان بصرها ورصدت نينغ فوراً: "نينغ؟ نعم".
"ما رأيك فيه؟".
"إنه جيد".
رفعت تانغ فييو حاجبها. لم تكن سو فان كريمة بالمديح لذا كان هذا مفاجأة.
"معالجته للمواد ممتازة خاصة عند الأخذ في الاعتبار المدة التي قضاها في التعلم. إدراكه جيد أيضاً؛ فهو يلاحظ التغيرات أثناء التنقية بسرعة".
توقف سو فان ملقياً نظرة نحو نينغ مجدداً: "أقاليت العمة الكبرى لينغ إنه طور حبته الخاصة بالفعل؟".
"على ما يبدو".
لم تستطع تانغ فييو إلا الشعور بأن لينغ شين قد اكتظت بتلميذ جيد. صمت سو فان. وفي الجانب الآخر من القاعة تصادف أن لاحظ نينغ سو فان ومنحه إيماءة صغيرة. رد سو فان الإيماءة رغم أن نينغ لم يستطع إلا ملاحظة أنه بدا هزيلاً بشكل ملحوظ مقارنة بآخر لقاء جمعهما. لقد لاحظت تانغ فييو التغير قبل ذلك بكثير. أصبح سو فان تلميذها الأحدث مؤخراً فقط لكنها تعلمت عنه خلال تلك الفترة القصيرة ما يكفي للتعرف على عناده.
فقد أثر رسوبه في تجربة وهم برج الأصل السماوي عليه بوضوح أكثر مما بدا مستعداً للاعتراف به وعوضاً عن الحديث عما خبره استجاب بأن انغمس في الخيمياء. بدا تقدمه مثيراً للإعجاب لكن الساعات التي كان يحافظ عليها أصبحت مثيرة للقلق باستمرار.
قالت تانغ فييو: "عليك بالاستراحة هذه الليلة".
تصلب تعبير سو فان: "معلّمتي أنا بخير".
قالت: "انهِ مبكراً اليوم على الأقل".
تردد سو فان قبل أن يومئ على مضض. تنهدت تانغ فييو لعناد تلميذها. لقد قبلت سو فان جزئياً احتراماً لعائلة سو وأخته الكبرى الموهوبة سو شوي. ومنذ ذلك الحين ومع ذلك باتت تقدر موهبة الشاب وعزيمته لذاته وهو ما جعل مشاهدته يدفع نفسه هكذا أشد إحباطاً. وفي الجانب الآخر من القاعة لم يكن نينغ قد سمع محادثتهما بالطبع لكن ما رآه حتى الآن جعل تفسير لينغ شين الأبكر أسهل فهماً بكثير.
كان قول "إنهم يغارون"
تبسيطاً مفرطاً لكنه لم يكن خاطئاً تماماً. والآن بعد أن فكر نينغ في الأمر كانت معلّمته معزولة بعض الشيء داخل قاعة الخيمياء حقاً. فنادراً ما زارها خيميائيون مسكنها ونادراً ما ذكرت قضاء وقت مع أي شخص من القاعة. كان جزء من ذلك بلا شك من صنيع لينغ شين نفسها. فقد كانت متهورة وتختفي مراراً لملاحقة ما يجذب اهتمامها ومستعدة دائماً للاشتباك بالأيدي. بيد أن موهبتها لعبت دوراً بوضوح أيضاً.
تفرست في معلّمته. بدت لينغ شين غير مبالية تماماً محيية أحدهم أحياناً قبل أن يتشتت انتباهها بأمر آخر. وشك في أنها تكترث كثيراً بكونها مرغوبة بيد أن ثمة أمراً مزعجاً طفيفاً مع ذلك في إدراك أن النجاح ذاته جعل بعض المحيطين بها يبقون على مسافة.
راقبها نينغ لبرهة قبل أن يتكلم: "يا معلّمتي أتعلمين إن كانت العمة الكبرى كاي تغار حقاً فهذا يعني أنك تؤدين عملاً جيداً للغاية".
ابتسمت لينغ شين على وسع فمها: "بداهة".
"علاوة على ذلك يدعمك الجد وأنا في صفك. هؤلاء شخصان بالفعل. كم شخصاً تحتاجين؟".
توقفت لينغ شين عند ذلك ولانت ابتسامتها الواسعة لتغدو ابتسامة حقيقية: "تلميذي رائع حقاً".
استشعار نينغ الخطر فوراً لكن يدها كانت على رأسه بالفعل: "يا معلّمتي أنا أحاول مواساتك".
"أعلم".
عبثت لينغ شين بشعره بسعادة.
تنهد نينغ: "إذن توقفي عن تخريب اللحظة".
"هي هي".
واصلت لينغ شين العبث بشعر نينغ. بدأت المحادثات في أرجاء القاعة تخفت قبل أن تستطيع لينغ شين تعذيبه أكثر. تبع نينغ نظرات الخيميائيين المحيطين ورأى فوان شوان تمشي نحو مقدمة الغرفة. وباعتبارها مزارعة القصر الأرجواني ورئيسة سلالتهما الخيميائية كان وجودها وحده كفيلًا بتوقف المحادثات الواحدة تلو الأخرى حتى هدأت القاعة. أطلقت لينغ شين سراح نينغ أخيرًا واعتدلت لتصبح أكثر انتباهًا بشكل ملحوظ بينما أخذت معلّمتها مكانها في المقدمة.
استغل نينغ الفرصة لإصلاح شعره المخرب تمامًا.
جالت فوان شوان ببصرها على الخيميائيين المتجمعين قبل أن تتكلم: "لقد سمع معظمكم بالفعل بالأحداث الأخيرة المحيطة ببرج الأصل السماوي. لن أكرر ما نوقش بالفعل في أماكن أخرى لكن تلك الأحداث جعلت أمراً واحداً واضحاً للغاية: ستحتاج الطائفة إلى الاستثمار بجدية أكبر في الجيل القادم".
جذب ذلك انتباه الجميع فورًا.
"وقاعة الخيمياء ليست استثناءً. ليس لدينا نقص في الخيميائيين الشباب الواعدين وأظهر العديد منهم موهبة معتبرة بالفعل. بيد أنه لم يميز أحد نفسه بهذه الحسم عن أقرانه بحيث تستطيع القاعة تبرير تركيز موارد أعظم خلفه".
تغيرت تعبيرات قليلة عند ذلك. استطاع نينغ تخمين وجهة الخطاب مسبقًا.
تابعت فوان شوان: "لا يعني ذلك أننا لا نمتلك أشخاصاً كهؤلاء. فالخيميائيون ينمون بشكل مختلف ونظام الشهادات العادية يهدف إلى الحكم على ما إذا كان الخيميائي قد بلغ المعيار المطلوب لا مقارنة جيل بأسره. لذا وبعد ثلاثة أشهر من اليوم ستعقد قاعة الخيمياء مسابقة لجميع الخيميائيين الشباب المؤهلين".
اضطربت القاعة فوراً. سمحت فوان شوان للهمهمة بالاستمرار لبرهة قبل أن ترفع يداً واحدة.
"لن تكون هذه مجرد مسابقة لمعرفة من يستطيع تنقية الحبة الأعلى درجة. فسيتم تقييم تحديد المواد وإعدادها والتحكم في اللهب والتنقية والقدرة على التكيف والفهم الطبي والمنتج النهائي. إن القدرة على إعادة إنتاج تصميم صعب أمر قيّم لكن الخيميائي الذي لا يفهم سبب عمل ذلك التصميم قد تعلم اتباع التعليمات لا أكثر".
حاد حاد اهتمام نينغ. إن كانت المسابقة لتكافئ ببساطة من ينقية الحبة الأكثر تقدمًا لكان نينغ في وضع غير معطاء كبير ضد التلاميذ الذين درسوا الخيمياء لسنوات أطول منه. غير أن تقييماً أوسع نطاقاً أتاح له مساحة لاستغلال نقاط القوة التي طوّرها. انتقلت فوان شوان إلى الجوائز.
"سيحصل من يؤدون بشكل جيد على نقاط مساهمة ومواد طبية وفقاً لترتيبهم إلى جانب الوصول إلى تصاميم مختارة من قاعة الخيمياء. سيحصل المشاركون الأعلى مرتبة أيضاً على يشم الخيميائي بما يتوافق مع المستوى الذي يظهرونه خلال المسابقة".
كانت ردة الفعل هذه المرة أقوى بوضوح. شكل يشم الخيميائي اعترافاً رسمياً بمكانة الخيميائي وقدرته مما سهل كثيراً قبول تكاليف معينة والوصول إلى مواد ومرافق محظورة وتأسيس أوراق الاعتماد للمرء خارج الطائفة.
انتظرت فوان شوان حتى هدأ النقاش قبل أن تضيف: "سيحصل الثلاثة الأوائل أيضاً على الأولوية لتقييم شهادة الخيميائي الروحي التالية".
كان ذلك كافياً لإرسال موجة أخرى من المحادثات عبر القاعة. كانت الشهادة أشد أهمية فارقة فاتحة الباب أمام تصاميم أفضل وتكاليف أثمن وموارد محظورة. لن يضمن تقييم الأولوية النجاح لكن لشخص يقترب بالفعل من المعيار المطلوب قد يوفر وقتاً معتبراً. مسح نينغ القاعة بينما استوعب الجميع الإعلان. لقد تحول تعبير يوي تشان الهادئ سابقاً ليصبح مركزاً بوضوح ودرس العديد من الخيميائيين الشباب الآخرين بعضهم البعض باهتمام متجدد.
ثم نظر نحو سو فان. لحظة أعلنت فوان شوان عن المسابقة سمر الشاب انتباهه عليها وبحلول الوقت الذي انتهت فيه من شرح الجوائز استطاع نينغ تكهن القرار يتشكل خلف عينيه عملياً. لم تكن هناك فرصة لأن يتخلف سو فان عن هذه. ابتسم نينغ خفيفاً. لقد ساوره قلق طفيف بعد رؤية مدى إحباط سو فان لكن الشاب على ما يبدو لم يفقد روحه. لقد كان يوجهها كلها إلى الخيمياء ببساطة. أمضت فوان شوان وقتاً أطول بقليل في شرح متطلبات الأهلية والقواعد العامة قبل أن تصرف التجمع.
تلاشت الأجواء المنظمة فوراً تقريباً حيث استدعى المعلمون تلامذتهم وبدأ الخيميائيون الأصغر سناً في مناقشة صيغ المسابقة المحتملة وتشكلت عدة مجموعات حول من اعتبروا مرشحين محتملين بالفعل. كان نينغ لا يزال يفكر فيما يمكنه إنجازه بثلاثة أشهر من التحضير حين جذبت لينغ شين كمّه.
"تعال".
رمقها نينغ بنظرة: "إلى أين نذهب؟".
"تريد معلّمتي مقابلتك".
أثار ذلك انتباهه. نظر نينغ نحو فوان شوان التي كانت قد اختفت بالفعل عبر أحد الأبواب الداخلية لقاعة الخيمياء. ورغم كونه تلميذاً للينغ شين لبعض الوقت الآن فإنه لم يتحدث قط بشكل لائق مع مزارعة القصر الأرجواني التي وقفت في رأس سلالتهم الخيميائية بأكملها.
"حسناً".
بدأت لينغ شين تتحرك نحو القاعة الداخلية وتبعها نينغ. لقد أتى إلى هنا متوقعاً إعلاناً عن الخيمياء. لم يكن لقاء خاص مع مزارعة القصر الأرجواني جزءاً من الخطة. بدأ نينغ يشتبه في أن يومه قد أصبح للتو أكثر تعقيداً بكثير. ... شكراً للقراءة~