كانت مجموعتهم المؤلّفة من أربعة أفراد تمشي منذ عدة دقائق عندما توقف كون فجأة وضاق بذراعيه حول صدره معانقاً نفسه وراح يضرب بقدميه الأرض سريعاً بينما كان يقهقه ويقول: "نعم! نعم! نعم!"
حدقا بها كل من ألدن وماريسل وتوييت.
كانوا يمشون على ممر مرصوف، متجاوزين مبنى دراسياً مرتفعاً ذات نوافذ عاكسة، لدرجة أن هناك نسخة ثانية من كون كانت تؤدي رقصة النصر إلى جانب النسخة الأولى.
سأل ألدن: "إدراك متأخر؟"
قال كون وهو يرفع يديه عالياً في الهواء ويدور ليوجه وجهه نحو الثلاثة الآخرين: "هاها! لا. ليس متأخراً أبداً. كدت أنفجر من الاحتواء وأنا أحاول كبح نفسي لكي لا أؤذي مشاعر الآخرين. ياسمين وحش سمعي، لكن حتى هي يجب ألا تكون قادرة على سماعي الآن إذن... نعم! أنا أحد المختارين! سأصبح بطلاً خارقاً. وسأغدو قوياً إلى حد جنوني، وسأحصل على بدلة رياضية سحرية خاصة بي، وسأتناول الوافل في الكافتيريا الشمالية كل يوم، وسيكون الأمر رائعاً بحق!!"
ابتسمت توييت قائلة: "أنت متحمس للغاية."
أمسكها كون من كتفيها وقال: "يجب أن تكوني متحمسة أنت أيضاً! مقدسات سماوية، لابد أنك سددت ضربات ساحقة. أو رميت رميات ساحقة؟ على أي حال، لقد فعلتِها!"
سألت ماريسل: "السهام؟ هل هذا هو تخصصك؟"
كان ألدن يتساءل عن ذلك أيضاً. لقد سمع أن توييت ماهرة، لكنه لم يتبين ما هو سلاحها.
بعد ثوانٍ معدودة من التوسل يتخللها ثناء مفرط من كون، مدت الفتاة يدها إلى داخل حقيبة صفراء تناسب الفستان الذي كانت ترتديه وأخرجت علبة معدنية لامعة بحجم كتاب مجلد.
فتحتها لتستعرض ثامن سهام باهتة ولامعة. كانت لها رؤوس حادة كالإبر، وبدت وكأنها مصنوعة من الصدف، على الرغم من أن ألدن افترض أنها مصنوعة من مادة أخرى حقاً.
سأل ألدن: "هل هي مغطاة بالسم؟ أم أنها معززة سحرياً؟"
كانت ماريسل تمد يدها لتلمس أحد السهام، ولكن عند سماع ذلك، سحبت يدها بسرعة للوراء.
قالت توييت: "أنا أقوم بالتعزيز السحرى. إنها آمنة الآن إذا كنت تريدين...؟"
مدت العلبة نحو ماريسل.
تابع كون ماريسل وهي تلتقط سهماً: "أجل، توييت لطيفة حقاً. معظم الماهرين لن يدعوك تتنفس بالقرب من أدواتهم إلا إذا كانوا ينوون قتلك بها."
قال ألدن: "تبدو وكأنك تتكلم عن خبرة سابقة."
"كنت أريد فقط أن ألمس السوط لدقيقة واحدة. كان بإمكان ليكسي أن تشاركني إياه."
"هل شقيقك...؟"
زقزق كون قائلاً: "لقد قُبل هو الآخر! لم أكن أريد أن أقول ذلك أمام الآخرين أيضاً، نظراً لأنهم كانوا يتحدثون عن عدم إنصاف المدرسة تجاه أصحاب الرتبة أ. وهو أحدهم. لكنك استعرضت عضلاتك بالقبول في الرتبة ب، لذا أنا متأكد من أنهم يشعرون بالسوء على أي حال."
أعادت توييت علبة السهام إلى حقيبتها، واتجهوا نحو الشارع الذي يفصل حرم المدرسة الثانوية عن الحرم الأكبر للجامعة، وقالت لكون: "لا أستطيع تصديق أننا نحن وفاندي وحدنا. الجميع سيغضبون منا، أليس كذلك؟ لقد اعتدنا دائماً الذهاب إلى المدرسة معاً، والآن..."
قال كون: "سيتجاوزون الأمر. معظمهم سيفعلون على أي حال. وأولئك الذين لن يفعلوا، لا يمكننا فعل أي شيء حيالهم."
"ألم تكن ترغب في أن يُقبل الجميع أيضاً؟"
"كان سيكون ذلك رائعاً، لكن عندما يحصل الجميع على رتبهم وفصولهم، فأنت تعلمين أن الأمور ستتغير قليلاً. حتى وإن لم تكوني ترغبين في ذلك."
هبط وجه توييت.
قال كون وهو يتراجع خطوة ليدفعها بمرفقه: "ما زلنا معاً. وبعض من نعرفهم قد قُبلوا بالفعل، ناهيك عن كل أولئك الذين سيكونون في برامج الآداب والعلوم. من المفترض أن يكون هذا مدعاة للفرح. ألدن وماريسل سعيدان. أليست كذلك؟"
ألقى ألدن نظرة سريعة على ماريسل. كان تعبير وجهها خالياً من أي تعبير. راوده ظن بأنها ليست سعيدة بالطريقة التي يعنيها كون. راضية على الأرجح. مسرورة لأنها انجزت ما شرعت في فعله. لكنها كانت هنا على أمل أن يتيح لها اكتساب المزيد من القوة العودة إلى عائلتها في نهاية المطاف.
حتى ألدن كان يشعر بنوع من الغيرة تجاه كون وتوييت. كان الانفصال عن زملائهما في الدراسة الذي تزعج توييت أمراً محزناً، لكنه بدا ضئيلاً للغاية مقارنة بالإجبار على ترك كل شيء وراء الكصور والقدوم إلى بلد جديد. غير أن الانخراط في ذلك الأمر سيكون محبطاً حقاً. وما زالت ماريسل صامتة لا تتكلم.
أظن أنه يجب علي قول شيء ما؟
قال: "أعتقد أن لدي ولدى ماريسل أهدافاً مختلفة قليلاً، لذا فنحن نرى الأمر من زاوية أخـ..."
قاطعتْه ماريسل فجأة: "أنا سعيدة. أنا سعيدة لأنني قُبلتُ."
رسمت ابتسامة عريضة على وجهها والتفتت نحو توييت قائلة: "مع ذلك، ما زلت منزعجة قليلاً بشأن شعري!"
راقب ألدن بدهشة ماريسل التي كانت شائكة ومتحفظة طوال معظم اليوم وهي تلتفت وتلوح بحماس نحو شعرها: "انظري إلى ما فعلته بنفسي! انظري فقط كم هو فظيع."
هتفت توييت: "لا! ستكونين جميلة بشعر قصير بمجرد أن يتم تشذيبه! المرأة التي تقص شعري لطيفة حقاً. يمكنني إرسال معلومات الاتصال الخاصة بها إليك."
"ربما كان يجب أن أقص غرة مثل غرتك؟ إنها لطيفة للغاية!"
آه. ستتصرف بطريقة مرحة الآن، هكذا فكر ألدن وهو يشعر بقليل من الارتباك. حسناً.
بحين وصلوا إلى الطرف الآخر من الشارع، كانت توييت قد أخرجت هاتفا محمولا، وصارت الفتاتان تتصفحان صورا لمشاهير ذوي شعر قصير.
سأل كون وهو يحشر يديه في جيبي سترته: "ما الذي كنت ستوقله؟"
قال ألدن: "لا شيء مهم. أنا سعيد بقبولي. أريد التركيز على تطوير مهاراتي، وأريد أن أواجه تحديات. لذا فهذا أمر رائع بالنسبة لي."
مرّوا بمبنى دراسيّ يضمّ مقهى المدرسة الثانويّة في الطابق الأرضيّ. جلس عدد قليل من الطلاب يؤدّون واجباتهم المدرسيّة عند الطاولات والمقصورات. كانت فتاة قرب النافذة تجعل عصير البرتقال يثب من كوب بلاستيكيّ طويل إلى آخر، كأنّه نافورة قفزة.
قال ألدن مضيفاً: "أنا سعيد بالعودة إلى المدرسة عموماً. لقد مرّ وقت طويل".
"لا أعرف شيئاً حقّاً عن المدارس الأمريكيّة سوى ما رأيته على التلفاز. هل اضطررت للمغادرة في منتصف الفصل؟"
سأرى كون في المدرسة طوال السنوات القليلة المقبلة على الأرجح. إخفاء الأمر عنه الآن لن يزدي الوضع إلا حرجاً حين يسمع به بنفسه.
قال ألدن: "اختيرت في شباط/فبراير الماضي. خرجت من المدرسة في ذلك اليوم شارداً، ولم أظفر بفرصة للعودة قط. استُدعيت فور توقيع العقد. وما عدت إلى الأرض إلا في أوائل الشهر الماضي".
قال كون: "يا للهول. تلك... مهمة طويلة حقّاً. أعتقد أن هذا يفسّر سبب ارتقائك مستويات عديدة، مع ذلك، إن كنت تؤدّي الكثير من العمل بسحرك وأنت غائب؟"
نظر إليه ألدن. بدا كون متفاجئاً، لكنّه لم يكن مصدوماً تماماً بالطريقة التي بدا عليها معظم الناس حتى الآن.
"عادةً ما يفزع الناس قليلاً حين أخبرهم بذلك".
"أحقّاً؟ أجل، هذا منطقيّ. لا سيما في مرحلة الاستقبال. وفي الفئة ف. إنه لأمر جنونيّ أن يحصل شخص في عمرنا على تكليف بهذا الطول. هذا ليس طبيعيّاً. لكنّك أرنب. لذا لا يبدو الأمر مستحيلاً تماماً بالنسبة لي".
قالت توييت من خلفهما: "والدا كون يُستدعيان كثيراً".
"ليس كثيراً، لكن مرّتين أو ثلاثاً في السنة غالباً. كانا على أرتونا الثانية لمدة ثلاثة أيام. وسيعودان إلى البيت في عشرة".
سأل ألدن: "هل يُستدعيان معاً؟"
قال كون: "إنّهما راقصا باليه. إنهما من الفئة الخشنة. كان مفروضاً أن يكون أبي قوّاماً، ومفروضاً أن تكون أمّي مهتمّة بالسرعة الفائقة كلّها. لكنّهما كانا راقصين قبل اختيارهما، وتجاهلا الكثير من التعديلات العاديّة التي يجريها أصحاب فئتهما الفرعيّة وخصّصا أنفسهما لما يروق لهما. لا يزال يميل نحو القوة، ولا تزال تميل نحو السرعة. لكن كل ذلك في سبيل الرقص!"
مدّ ذراعيه ووثب بطريقة دراميّة.
"يسمّون ذلك بنية الراقص الخشن أو البنية الرشيقة في مدارس الفنون. ظلّ الناس يحاولون تعريفها بصفتها فئة فرعيّة جديدة تماماً طوال السنوات الثلاثين الماضية. وهل ينجح الأمر نوعاً ما؟ لقد أصبح النظام أكثر تساهلاً بشأن السماح للفئات الخشنة بالتهجين بطرق جديدة، لا سيما بمجرد تجاوز المستويات المنخفضة".
"يُستدعيان... ليرقصا؟"
أومأ كون برأسه.
"مع فرقة باليه أنيسيدورا المؤكّدة. إن لم ترَ إلا عروض الباليه العاديّة، فعليكَ أن تعدّ هذا نسخة أكثر حِدّة. مضافاً إليها الألعاب البهلوانيّة والعروض السحريّة. يذهب معظم أفراد المجموعة. لا يزالان يقضيان وقتاً أطول في جولات على الأرض في هذه المرحلة، لكن الفنون الاستعراضية البشريّة بدأت تكتسب شعبيّة شيئاً فشيئاً على الكواكب الثلاثة أخيراً".
"لم أره عرض باليه قط".
قالت ماريسيل: "ولا أنا".
تدلّى فكّ كون.
"ولكن لماذا؟"
"أظنّ أن بإمكاني الذهاب إلى واحد، إن لم تكن تذاكر هذا النوع من الأمور باهظة الثمن؟ لكنني لم أفكر في الأمر قط. فهي ليست شائعة جدّاً في الوطن بين من هم في عمرنا".
وإن كانت فرقة مؤكّدة في جولة أمريكيّة نادرة، لكانت التذاكر باهظة الثمن بالنسبة له بالتأكيد. فكل حدث رياضيّ أو عرض خارق يُسمح بإقامته كان ينفد دائماً في ثوانٍ معدودات.
"هذا فظيع. يجب عليك الذهاب. سآخذكما كلاكما. سيقدمون بعض العروض الخاصّة في شباط/فبراير بمناسبة رأس السنة القمريّة. ربّما يمكننا دعوة زملائنا الجدد في الفصل ونجعلها رحلة ميدانيّة للسنة الأولى!"
بدا وكأنّه استمد طاقة كاملة من الفكرة.
"وبعد ذلك سنقيم حفلة".
فكّر ألدن: لكنك على وشك إقامة حفلة في غضون أيام قليلة. كم عدد التجمّعات التي يمكن أن يخطّط لها رجل واحد؟
بدا الأمر مِمّا ينهك القوى بالنسبة له.
قال كون: "لقد خرجت عن الموضوع. أكنت ستخبرنا بما استُدعيت من أجله؟ ما العمل الذي قمت به؟"
"كنت أودّ إخباركم بالأمر. لكننا نتحدث الآن عن الحفلات والباليه الخارق، وستظنون أنني كئيب".
"لن أفعل!"
حذّر ألدن: "أنا أقضي على المحادثات تماماً عندما أتحدث عن نفسي هذه الأيام. لقد جعلت غرفة مليئة بالناس تصمت تماماً وأنا أحاول تقديم نفسي. في هذه المرحلة، يجب أن يُدرج ذلك موهبةً في ملفّي الشخصي".
"جرّبني. أخي قاتل متسلسل للمحادثات. الحيلة هي أنّه بمجرد موت إحداهن، عليك فقط الابتعاد عن الجثة بسرعة وبدء واحدة جديدة. سأبتكر بادئة محادثة طوارئ الآن... و... أجل، وجدتها".
ابتسم لألدن ابتسامة عريضة.
حسناً.
"استُدعيت مساعد مختبر. التخلص من المواد المتطايرة. كانت وظيفة لائقة. وليست صعبة للغاية، وكان المال مذهلاً. ثم قبلت مهمة جانبيّة من عالم مجنون، وتعطل جهاز النقل، وانتهى بي الأمر محاصراً في منطقة ملوّثة بالفوضى على قمر ثيجوند. مات بعض الناس. كنت أعيش هناك مع طفلة أرتونيّة طوال النصف عام الماضي. إنها شخصيتي المفضلة. من الجيد العودة إلى الأرض".
طرف كون بعينيه مراراً وتكراراً. وبدا كأنه يستوعب الكلام.
حين التفت ألدن ليبيّن كيف تفاعلت الفتاتان، كان تعبيرهما خالياً تماماً. مع أن ماريسيل، على الأقلّ، كانت قد سمعت جزءاً من هذا من قبل.
قال كون بعد ثوانٍ قليلة: "ليس الأمر سيّئاً إلى هذا الحدّ. لست أدري ما الذي تقلق بشأنه هكذا. لن اضطرّ حتى إلى استخدام فكرة محادثة الطوارئ الخاصة بي".
"حقّاً؟"
بُهت ألدن.
هزّ كون رأسه.
وقال: "لا، ليس تماماً. يبدو أنّ الأمر كان فظيعاً. وأنا في الحقيقة أعرف من تكون الآن. سمعنا إشاعة عنك في المدرسة قبل بضعة أشهر. قالوا إنّ مُنحَساً جديداً تماماً قد مات في حادث انتقال آنيّ. أظنّ أنَّ ذلك غير صحيح؟"
قال: "كنتُ مفقوداً لفترة طويلة فحسب".
قال: "أستطيع أن أفهم لم قد لا ترغب في إثارة ذلك. لكنّني لستُ فظّاً لدرجة أن أفقد صوابي بشأنه في وجهك بعد أن قلت للتوّ إنّك لا تريد أن تكون الأمور محرجة. يمكننا التظاهر بأنّ ماضيك أمر مملّ وعاديّ".
قالت تويت بتردّد: "أه... أهذا ما يجب أن نفعله؟"
سألت ماريسل بدورها: "أحقّاً؟"
شعر ألدن باسترخاء يسري فيه.
وقال: "يُعجبني هذا. شكراً لك".
قال كون وهو يلوح بيده فوق المجموعة: "الجميع، ألدن شخص مملّ وعاديّ. لقد اتفقنا. وانتهى الأمر".
قالت ماريسل: "عاديّ للغاية".
كررت تويت بعد تردد لثانية: "عاديّ للغاية".
أخبر كون ألدن: "يا للعار، لكن سيتوجّب عليّ فقط أن أُحاول أن أكون مثيراً للاهتمام بما يكفي لأُعوّض مدى مللك".
سأله ألدن: "ما الذي كان سيكون مُستهلّ حديثك؟"
قال كون: "بطاقات هويّاتنا الطلابيّة! إن تحقّقت منها، فس تجد أنّه قد أرسلوها بالفعل. إنّها مع بطاقات هويّات أنيسيدورا الخاصة بنا. نحن طلاب في سي إن إتش رسمياً الآن".
أهفت تويت بذهول، ومدّت ماريسل يدها لتتلمس واجهتها الرقميّة.
فتح ألدن قسم الهويّات بأمر ذهنيّ. وبالتأكيد، كانت هناك تماماً.
* * *
لم تكن الهويّة هي الجزء السريع الوحيد في الانضمام إلى جسم الطلاب الآن بعد أن قُبلوا. كان قبول المنحسين الجدد أمراً تبرع فيه المدرسة. وُجّه الطلاب الحادي والأربعون الذين قُبلوا في هذه الدورة إلى غرفة اجتماعات. وكان المدير وبضعة أعضاء آخرين من هيئة التدريس هناك لمصافحتهم وتهنئتهم وسحب الأفراد جانباً لتقديم المشورة بشأن المقررات الدراسيّة.
بينما كانوا ينتظرون دورهم، كان مفترضاً بالجميع الاختلاط وتكوين صداقات وملء استمارة سكن أُرسلت إلى صناديق بريدهم الوارد. يمكنك طلب السكن الداخليّ الذي تريد المكوث فيه ومن تريدهم رفقاء سكن. ربما لن يُلبى طلب السكن الداخليّ. أمّا طلب رفيق السكن فسيتحقق، بشرط أن يطلبك الأشخاص الذين طلبتهم أيضاً.
تقنياً، لم تكن مجبراً على العيش في السكن الطلابيّ. لكنّه كان مجّانيّاً ومُريحاً وتشجّع المدرسة عليه بقوة لدرجة أن الجميع تقريبا فعلوا ذلك. اعتقد ألدن أنّه يجب عليه تجربته على الأقلّ.
وقف في زاوية مُتأمّراً مجموعة المراهقين المُنشغلين بمفاوضات قلقة على رفقاء السكن مع أشخاص يعرفونهم أو يعرفونهم بالمعرفة السطحيّة من المدرسة ومن مرحلة القبول. كان زوج منهم يتصل بأصدقاء موجودين بالفعل في مسار الأبطال أو في برنامج آخر لمعرفة ما إذا كانت لديهم مساحة شاغرة.
"ماريسل، كوني رفيقة سكني".
هزّت رفيقة الزاوية تلك رأسها.
وقالت: "أعلم أنك سمعتهم يقولون إنّ مساكن الجنسين المختلطة ممتلئة. على أي حال، أودّ العيش مع تويت، ولا أظنّ أنها تريد العيش مع الفتيان".
تأوّه ألدن.
وقال: "سينتهي بي المطاف عالقاً مع شخص فظيع".
كان يراقب وينستون هيلفيثر، الذي ما زال يرتدي نظارته الشمسيّة، وهو يطير في أرجاء الغرفة مُعرّفاً نفسه على الناس. كيف دلف إلى هنا؟ أعلم أن أصحاب النوع السريع يتمتعون بميزة، لكن...
اقترحت ماريسل: "اطلب من كون".
أراد ألدن أن يطلب من كون.
وقال: "كنتُ لأفعل، لكن انظر إليه فقط. لقد تحدث إلى ستة أصدقاء منذ أن دخلنا الغرفة، وهو يراسل طلاباً يعيشون هنا بالفعل في نفس الوقت عبر الرسائل الهوائية. ربّما لديه عشرات من رفقاء السكن المحتملين، وكلّهم أشخاص يعرفهم بالفعل".
"فقط اطلب منه. قد يوافق".
"لا أريد منه أن يوافق لمجرّد أنّه يشعر بالالتزام بعد سماع قصة بؤسي".
حدقت ماريسل فيه من فوق علبة صودا الكرز التي كانت تشربها.
وقالت: "أنت لست واثقاً من هذا النوع من الأمور، أليس كذلك؟"
حاول ألدن ألا يبدو متضايقاً. كان متأكداً من أنه بدا كذلك على أي حال.
"بَدَوْتَ مُسيطرآً جداً هذا الصباح، إذ تعاملت مع الأشخاص الذين كانوا لئيمين في الحافلة".
تجاهل الحمقى يختلف تماماً عن إثقال كاهل اللطفاء.
"وبعد ذلك، عندما كنت تخبرني بالسبب الذي سيجعلني أدخل المدرسة بينما هم لن يفعلوا... لقد استخدمت ذلك في مقابلتي".
قال: "ماذا؟"
"سألوا عن سبب وجوب قبولهم لي بينما لم أكن أرغب حقّاً في أن أكون بطلة. لقد حرص الباقون من القبول على التحدث عما قلته أمام أعضاء هيئة التدريس، عن الرغبة في العودة إلى الوطن. وأخبرني القائمون بالمقابلة أن هذا ليس مكاناً لشخص يحاول الهرب من مشاكله".
بدت غاضبة.
"لذا قلت ما قلته أنت. إنّ العودة إلى الوطن هدف جادّ. وإنّه يعنى لي أكثر من أي شيء آخر. وأنّ أن أصبح أقوى هي إحدى أفضل الطرق لتحقيق ذلك، لذا سأعمل بجهد أكبر بكثير من أي شخص آخر. لا بدّ وأنّهم صدقوني. لأنني هنا إذن".
أضاف ألدن: "ولا يكاد أي شخص آخر من حافلة هذا الصباح يفعل".
أخذت رشفة أخرى من الصودا.
وقالت: "أيمكنني أن أطلب منك خدمة؟"
قال: "بالتأكيد".
"لا... لا تجعلهم يعرفون أنني أكرَه الوجود هنا. كون وتويت. وكل شخص آخر".
نظر إلى الأسفل نحوها. فداكنت وجنتاها.
تمتمت: "لقد كان خطأ. عدم محاولة الانسجام مع الناس في القبول. رفيقات سكني لا يطيقن قضاء الوقت معي. يتركنني خارج كل شيء. قال مرشدي إنه سئم من تشبثي بموقف سلبيّ".
حسناً، يبدو مرشد شانبر أحمقاً كبيراً.
قالت: "كنت في بيتي أُعدّ شخصاً له أصدقاء كثر. حين انتقلت إلى هنا أول مرة، كانوا يتصلون كل يوم، لكن الأمر قلّ الآن. جعلني تناول الغداء مع تلك المجموعة الغبية أتذكره. أُريد... أعتقد أن عليّ محاولة أن أكون أشبه بما اعتدت عليه ما دمت قادرة على ذلك. وإلا فسيكون الأمر بمثابة قبول جديد برمّته. أنا أكرَهُ أنيسيدورا. لكنني لا أُريد أن يكرَهني الجميع، وهذا بيتهم، لذا..."
قال ألدن: "أنا أتفهم. لن أقول شيئاً."
بعد بضعة دقائق، غادرت ماريسيل للذهاب إلى إرشادها. تنفّس ألدن الصعداء وهيّأ نفسه لشجاعة التوجه نحو مجموعة الأشخاص الواقفين حول كون.
ما إن لمح ألدن حتى لوّح وبدأ يقدّمه للجميع.
كانت الأسماء والصفوف أكثر من أن تُحفظ دفعة واحدة، لذا لم يكلف ألدن نفسه عناء سوى تذكر الفتاة ذات ثقب اللسان التي "أنقذها"
قبل قليل. أستريد. الفئة أ. كانت وحش تحوّل.
قالت فتاة ذات شعر داكن وعينين زرقاوين كانت تقف بجانب أستريد: "أوه. أعتقد أنهم سمحوا لدخول فئة باء هذه المرة في النهاية. ظننت أنهم ربما استوفوا حصتهم السنوية أو ما شابه."
تظاهر ألدن بأنه لم يسمع نبرة التعالي الواضحة في صوتها، وقال: "كلا. هناك اثنان منا على الأقل هنا. يا كون، هل اخترت رفقاء غرفتك بعد؟"
لا محيص عن السؤال.
قال كون باعتذار: "نجل. سأشارك الغرفة مع مهدي."
وأشار إلى فتى ذي شعر مصفف بعناية.
"ومع زوجين من الشبان الموجودين بالفعل في الحرم الجامعي. بما أن ليكسي يتصرف كحمار عنيد..."
قال أحدهم: "هذا ليس بجديد."
قال كون: "أعلم أنه ليس كذلك. لكني افترضت أنه بما أننا شقيقان، فسيفضلني على أشخاص بالكاد يعرفهم."
قال مهدي: "سنكون غرفة الحفلات على أي حال. سيُكرَه الأمر."
أشرق وجه كون.
"يجب أن تكون رفيق غرفة ليكسي يا ألدن!"
"أم..."
"يعتقد أنه سيجمع غرفة مليئة بالأشخاص الصامتين. لقد أقنع هاويو بالفعل."
توقف كون مؤقتاً.
"أخي نظيف. وهو لا يَغُطّ—"
ضحك مهدي وقال: "هذا أفضل ما يمكنك فعله لبيعه؟"
رمقه كون بنظرة غاضبة.
"سيرحل طوال عطلة نهاية الأسبوع بالتأكيد. إنه يدرس أو يتدرب طوال الوقت، وطالما أنك لا تقاطعه أو تنسى تعليق مناشفك، فلن تحدث أي نوبات غضب متفجرة."
"يا للهول، يا كونستينتين، أنت تسوء الأمر أكثر."
قالت أستريد مقاطعة: "أعتقد أن نافورة جيفي تبحث عن رفقاء غرفة."
"نافورة جيفي؟"
"الفتى ذو القصة الزرقاء المرتفعة الذي قفز في النافورة."
صاح أحدهم وهو يقلد لحظة تمزيق القميص: "لقد قُبِل جيفي!!"
سأل كون وهو يلتفت حوله: "أين هو؟ لقد كان ذلك ممتعاً."
"ألقى عليه فاندي خطاباً حول اتباع القواعد. وهو الآن واقف في دورة المياه الخاصة بالرجال يحاول تجفيف بنطاله."
قال ألدن: "شكراً على أي حال. سررت بمقابلة الجميع."
إذن يمكنني الاختيار بين فتى نظيف وهادئ إلى أن ينفجر، وفتى متحمس يقفز في النافورة ويخلع ملابسه. أعني... كلاهما جيد لكن أياً منهما لن يكون خياري الأول. أعتقد أن غرفة الحفلات لن تكون كذلك أيضاً على أي حال.
أين الأشخاص الودودون ذوو المزاج الهادئ؟
احتمال ضئيل للدراما. لا بد أن يكونوا هنا في مكان ما. تفقد الشبان الآخرين.
كان هناك وحشان يحاولان بصوت عالٍ التباهي أمام بعضهما بشأن مبارازاتهما. وكان هناك فتى يحمل جهازاً لوحياً يعدل صوراً لنفسه بملابس الجيم ليجعل نفسه يبدو أطول قليلاً. وكان صانع سكاكين — وهو نفسه الذي قص شعر ماريسيل — على وشك طعن وينستون لمقاطعته أثناء مكالمة. وكان مشكل أدوات يدردش مع الفتيات محاولاً، دون نجاح يذكر، التفاخر عبر تشكيل علبة ألومنيوم على شكل حيوان ما.
ثم كان هناك ماكس.
كان زميل ألدن في الفئة باء يتظاهر بأنه يهتم بشؤونه الخاصة بينما يمارس ألعاباً على وحدة تحكم محمولة، لكنه كان يرفع نظره كثيراً لدرجة أن ألدن ظن أن اللعب لم يكن سوى ستار لتنصته.
ذهب ألدن إلى دورة المياه لفحص خياره الآخر.
ودخل في اللحظة التي صرخ فيها فتى أسمر ذو قصة شعر مرتفعة، ولا يرتدي قميصاً أو بنطالاً: "أيها الأبله!"
ومزق مجفف اليدين الكهربائي من الجدار.
حسناً إذن. هذا رفض تامّ بالنسبة لي.
حاول ألدن إغلاق باب دورة المياه بهدوء قبل أن يُلاحظ.
قال جيفي فجأة وهو يحدق في انعكاس ألدن في المرآة: "لديك قميصان!"
كان يمسك المجفف بكلتا يديه. وكانت هناك انخفاضات في الغلاف المعدني. وكانت بنطاله المبتل كومة على أرضية البلاط.
قال ألدن بسرعة: "عذراً للمقاطعة. أعتقد أنني دخلت دورة المياه الخاطئة."
"هل يمكنني الحصول على أحد قمصانك؟"
حدق ألدن فيه. ثم نظر إلى نفسه. إنه يريد ملابسي؟
ألما جيفي مجفف اليدين باتجاه سلة المهملات دون أن ينظر. اصطدم بالجدار بصوت مقرمش ثم اصطدم بأرضية البلاط بصوت معدني. مشى نحو ألدن.
قال وهو يمد يده: "أعطني قميصاً يا رجل. أرجوك؟ لقد أفسد قميصي."
فكر ألدن: لقد مزقته إلى نصفين بنفسك.
انحنى جيفي نحوه، فانحنى ألدن إلى الوراء، بينما كان لا يزال يقبض على مقبض باب دورة المياه بإحكام.
قال جيفي بنبرة تشبه الفحيق: "لا يمكنني مقابلة أعضاء هيئة التدريس وسرتي ظاهرة. كانت هناك فتاة، وقالت إنهم يتوقعون أن يكون الطلاب محترفين. وربما يطردونني ويستبدلونني بشخص لم يكن قاطع طريق. أعتقد أن هذا مصطلح أنيسيدوري للأشخاص الذين يتصرفون مثل الكلاب."
"كلا. ليس كذلك. إنه—"
قال جيفي بجدية: "لأنه خشن. مثل خشن خشن. لديهم الكثير من الكلمات الجديدة هنا، ولم أكن منتبهاً لأرى ما إذا كان النظام قد ترجم تلك الكلمة. لذا أنا—"
قال ألدن مقاطعاً: "يمكنك أخذ أحد قمصاني، لا بأس في ذلك".
"هل تمتلك مهارة تجفف السراويل؟"
قال: "يمكنني إشعال النار فيها بتعويذة إضاءة الشموع، لكنني لا أنصح بذلك".
خطا ألدن إلى داخل الحمام ونزع قميص الصوف المذوّب الأخضر الذي كان يرتديه فوق قميصه القطني.
وقال وهو يهزه باتجاه الفتى الآخر: "خذ هذا".
"أيمكنني الحصول على القميص القطني عوضاً عنه؟"
يا له من فتى.
"النقش المربّع سيبدو مضحكاً عليّ كأنني فلاح".
رمى ألدن القميص نحوه.
وقال: "أعتقد أن عليك القلق بشأن حقيقة أنك حطّست الحمام للتو، فالمدرسة تهتم بهذا الأمر أكثر بكثير من ملابسك. قد يصلح قسطنطين هذا لك إن سألته بالسرعة الكافية".
خرج بخطوات واسعة تاركاً الفتى هناك. أبهذا السوء؟ يسمحون لدخول شخص يحطّم الأجهزة لأنها لا تجفف سرواله بالسرعة الكافية، بينما أنا إهدار لوقت الهيئة التدريسية لمجرد أنني أرنب؟ أيّ هراء أنيسيدوراني نخبة هذا—
تنهّق من سهولة انزلاق أفكاره في هذا الاتجاه. ربما كان منزعجاً قليلاً مما قاله المرشد كلاين.
الدخول بسبب التنويه ليس أمراً ينبغي عليّ الخجل منه. أعتقد أن أليس آرث كانت أکثر كرمأ مما ينبغي، لكنه ليس أمراً مزيفاً. النجمة موجودة على ملفي الشخصي مع مستواي ورتبتي. اعتبرها بمثابة إحصائية مستقلة بذاتها.
وأمتلك جدارة الاستجابة للطوارئ من ليف سونغ. لا بدّ أنه ليس هناك الكثير من المراهقين الآخرين الذين يتجولون بواحدة من تلك أيضاً.
لم يكن الأمر مهماً. لقد دخل. سيتعلم كل ما يمكنه تعلمه. سيصبح أقوى. سيعيد حياته إلى مسار ما.
سيدبر لنفسه رفيق سكن.
ألقى نظرة خاطفة على ماكس.
ربما سيكون هناك تضامن في كونيهما من الرتبة بي؟ لكنه سيقلق أيضاً من أنه يخضع للتحليل طوال الوقت. يمتلك ألدن أسراراً. العيش مع شخص طموح، وقوي الملاحظة، وبارع في التلاعب بالآخرين سيكون أمراً مجهداً حتى لو لم يكونا أعداء.
سار بعزم نحو حيث كان ليكسي جالساً على طاولة الاجتماعات وجلس بجانبه.
قال: "مرحباً، لم تتاح لي الفرصة لأقدم نفسي في وقت سابق".
شقيق كون يشبهه بشدة. كلاهما وسيم، بعينين بنّيتين فاتحتين وشعر داكن مسترسل. لكن على نقيض تعبيرات كون الحية وابتساماته السهلة، بدا ليكسي وكأن أحداً قد نحت تسعين بالمائة من شخصيته ولم يترك خلفه سوى الشك والضيق.
"عندما رفضت ترك معصرة العقل الخاصة بي؟"
"هل كنت تتوقع حقاً ألا يحاول أحد قتالك؟"
تأوه ليكسي.
"ماذا تريد؟"
"يقول كون إنك تبحث عن رفقاء سكن هادئين. الهدوء يناسبني تماماً. أنظّف مكاني بنفسي. وأخطط لقضاء الكثير من وقت فراغي محبوساً في غرفتي للدراسة".
كان كل ذلك صحيحاً. حتى لو أراد ألدن أن يصبح شخصاً يحب الحفلات، فهو لا يعتقد أنه سيحظى بالوقت لذلك. سيتعلم السحر سراً فوق كل واجباته المدرسية.
وأضاف: "أمتلك قطاً أيضاً، إنه هادئ أيضاً. وسيبقى في غرفتي إن لم تكن تحب القطط. هل شقتك ممتلئة بالفعل أم..."
"سأكون أنا، وهايو، وربما رفاق أعرفه من الفنون بمجرد أن أجبره على الرد على اتصالاتي. هناك غرفة نوم أخرى في الشقة".
تفحصه ليكسي.
"لم تكن على الجزيرة طويلاً، أليس كذلك؟"
"وصلت للتو. ما زلت في مرحلة القبول".
"نعم. لا بأس بذلك إذن".
ارتفعت عيناه لتستقرا على بطاقة اسم ألدن.
"ألدن".
مهلاً، لقد استخدم اسمي بدل أن يناديني بالرتبة بي. أو الأرنب. لا بد أنه ليس سيئاً إلى هذا الحد.
مدّ ليكسي يده، وصافحه ألدن.
بعد ثانية واحدة، ظهر إشعار يخبره بأن ليكسي أضافه إلى استمارة السكن الخاصة به ويسأله عما إذا كان يريد فعل الشيء نفسه. بعد خمس دقائق من ذلك، وبينما كان في طريقه للخروج من الباب للقاء مرشده الدراسي، أضافه هايو إلى الاستمارة أيضاً.
مع أننا لم نلتقِ قط. إذن فلا بد أنه يثق بليكسي فحسب.
إن لم ينجح الأمر، يمكن لألدن محاولة ذلك مجدداً. لا بد أن هناك بعض التنقلات لرفقاء السكن مباشرة بعد أن ينتقل الجميع، أليس كذلك؟
منحه المعلم المرشد الإذن بأخذ بعض الفصول لاحتساب درجاتها على الرغم من أنها قد بدأت بالفعل. وبالإضافة إلى ذلك، سيحضر صفين آخرين كمستمع. سيجعل ذلك الأمر أسهل لاجتيازهما بسهولة عندما يأخذهما في فصل لاحق، أو بإذن من المرشد، يمكنه حضور الاختبارات النهائية وتلقي الدرجات لتلك أيضاً.
سيأخذ أيضاً حصة هجينة تجمع بين التربية البدنية والدفاع عن النفس مع كل من دخلوا للتو ليكونوا مستعدين جيداً بشكل استثنائي لدورات القتال الشامل الأولى في كانون الثاني.
خرج بعد عشر دقائق وقد انتهى من ضبط جدوله الجديد. غداً هو الأحد. يفصل أسبوع كامل عن الموعد الرسمي لبدء الحصص والانتقال إلى السكن. لكن وفقاً للمرشد، يمكنه البدء من يوم الاثنين للحصول على انطلاقة مبكرة إن لم يكن يمانع التنقل.
إذن... هذا ما سنفعله.
أخرج جهازه اللوحي ريثما ينتظر الحافلة وشرع يدرس جدوله الجديد. إن فعل كل ما تطلبه المدرسة، فسيكون مشغولاً. وإن فعل كل ما توصي به بشدة، فسيحظى بنحو ساعتي فراغ في الليل، وأوقات الوجبات، وعطلات نهاية الأسبوع لنفسه. وكان هذا كل ما في الأمر.
قالوا لي إن بإمكاني تخطي ساعات الدراسة إن كانت درجاتي جيدة.
كان ذلك يقارب الساعتين يومياً، لكنه خُصص ليقوم الجميع بواجباتهم المنزلية. لذا لن يعرف إن كان بحاجة إليه حقاً أم لا إلا عندما يصل إلى الصف بالفعل.
"مهلاً! أتريد استعادة قميصك؟"
رفع ألدن بصره عن جهازه اللوحي فرأى جيفي مقبلاً للتو نحو محطة الحافلات. كان يقرن عينيه من حدة شمس أواخر الظهيرة.
ألن يتعرى هنا مباشرة يا ترى؟
قال: "يمكنك الاحتفاظ به الآن. أعده فقط حين يناسبك ذلك".
أومأ جيفي برأسه.
قال: "أنا غليظ".
قال: "توقعت هذا".
"مائيّ".
انتظر، مائيّ؟
"لكنه أمر سخيف، لذا سأتجاهل أكبر قدر استطيع من أمور الماء وأضع كل ما يسمح به النظام في القوة البحتة".
"آه... حسناً، لم أبحث كثيراً في فروع الغلاظ، لكني أظن أن الغلاظ المائيين رائعون. وكل فروع البيئة نادرة إلى حد ما. ولا ينبغي لك أن تتخلى عن الفكرة هكذا قبل حتى أن تحاول—"
قال جيفي: "من يريد أن تنمو له خياشيم؟ أخذته فقط لأن الإنترنت قال إن المائيين ذوي الرتب العالية مضمونو القبول في المدرسة. ظننت أنه سيعوض درجاتي. لكني الآن وقد دخلت، سأتوجه مباشرة لتحطيم المباني!"
لكن هناك الكثير من محطمي المباني، فكر ألدن وشعر بحنق رغم عنفه.
ربما استطاع المدربون شرح الأمر لجيفي بأن القدرة على التنفس تحت الماء وتحمل الضغط ودرجات الحرارة القصوى كانت ميزة عظيمة. فضلاً عن وجود غليظ مائي واحد على الأقل بمستوى عالٍ يمكنه الرؤية في الظلام الدامس تقريباً.
صعدا إلى الحافلة. وقبل تحركها مباشرة، هرولت ماريسيل نحو المحطة وصعدت على متنها. واقتحم وينستون الأبواب خلفها مباشرة، وتأرجحت نظارته الشمسية من حزامها على عنقه.
لم تكن هناك أماكن للجلوس، وانتهى بهم الأمر جميعاً مجتمعين وهم يمسكون بالمقابض القريبة من المقدمة.
لاحظت ماريسيل: "حين كنت أقف في الحافلات سابقاً، كان عليّ التركيز على حفظ التوازن. أما الآن فالأمر سهل للغاية. لا داعي للتفكير حتى".
صاح وينستون: "هذه ميزة خارقة!"
ثم ابتسم لجيفي بوعيد ودي.
"لقد قُبلت أنت أيضاً يا رجل. أحسنت الصنعة!"
سأل ألدن جيفي: "أنت في مرحلة القبول إذن؟ لكنك لم تغادر معنا من السكن".
من الواضح أنه ليس من أهل المدينة. كانت له لكنة لا تبدو كلكنة أصلاً بالنسبة لألدن، لذا فهو أمريكي. لكنه كان سيتذكره لو التقيا هذا الصباح. فتلك التسريحة الشبيهة بعرف الديك يصعب تفويتها.
أومأ جيفي.
"حاولت الركض".
بدا وينستون كمن يكبح ضحكة.
"الركض؟"
"نعم. من السكن إلى سيلينا الشمالية. لأُريَهم أنني جاد".
"أنت... محاولة ركض عرض مدينة إف، ثم الجسر، ثم معظم أبيب؟"
لم يدُر بخلد ألدن أيعجب بالطموح أم يتيقن من غباء فعل ذلك في صباح اليوم السابق لاختباراته البدنية.
قال وينستون: "لقد غادر في الواحدة صباحاً! ساعده رفقاؤه في الغرفة على التسلل للخارج".
"حاولت طائرة شرطة مسيرة منعي من الركض على الطريق السريع. لكنني لم أكن أعلم أن طائرات الشرطة المسيرة حقيقية، وقد بدت شريرة. لذا أبعدتها بضربة، ولم أكن أقبل الرسائل عبر واجهتي لأنها ستشتتني عن مساري، فأرسلوا شرطياً حقيقياً خلفي".
أي روح مسكينة أُكلفت باعتراض مراهق مستجد يرى أن الركض في الشارع بدل استخدام الأرصفة الوفيرة فكرة سدبدة؟
"اجلستني على الأرض لأقرأ بصوت عالٍ كل قواعد المرور في دليل أنيسيدورا القانوني للولايات المتحدة".
بدت ماريسيل كمن تصارع لئلا تضحك.
قال وينستون: "يُسمح لنا بالركض على الطرق إذا أسرعنا بالقدر الكافي وحصلنا على رخصة لذلك. ولهذا ترون الناس يفعلون ذلك أحياناً. أنا ذاهب لـ—"
وبتوقيت لا يُعاب، تجاوز الحافلة صبي يركض في الشارع بينما تباطأت لتتوقف في محطتها التالية.
سقط وجه وينستون عند رؤية ذلك العداء الأفضل.
قال جيفي: "مذهل. هذا ما كنت أود فعله!"
سألت ماريسيل: "أليس هذا أحد زملائنا الجدد؟ أظنني أعرفه".
قال ألدن: "هذا فينلاي. من اسكتلندا. إنه لطيف حقاً. لقد طرحني أرضاً في غضون ثانيتين تقريباً".
حدقوا جميعاً في العداء وهو يلوح بيده معلناً عن انعطافة. واشتبه ألدن في أن كل واحد منهم كان يفكر في الأمر ذاته — ستكون مدرسة الأبطال الخارقين مختلفة تماماً عن كل ما خبروه من قبل.
* * *