سَمِعَ أُلدِن أَنَّ بَعْضَ الْبَشَرِ يَسْتَطِيعُونَ الرَّكْضَ مِئَاتِ الْأَمْيَالِ بِلَا نَوْمٍ. وَلَيْسُوا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ حَتَّى. بَشَرٌ عَادِيُّونَ فَقَطْ. لَكِنَّهُمْ لَيْسُوا عَادِيِّينَ تَمَاماً، فَكَّرَ وَهُوَ يَجْرِي بِخُطىً مُتَوَاسِطَةٍ. عَدَّاؤُو الْمَارَاتُونِ الطَّوِيلِ. أَشْخَاصٌ مُتَدَرِّبُونَ وَمُذْهِلُونَ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُتَدَرِّبَاً. وَلَا مُذْهِلاً.
وَكَانَ يَحْمِلُ شَخْصاً آخَرَ عَلَى ظَهْرِهِ. لَكِنْ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ مُصْطَفَىً أَنْ يُجْدِيَ نَفْعاً يَوْماً، فَهُوَ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يُجْدِيَ هُنَا. يَمْلِكُ الْأَرْنَبَ الْأَزْرَقَ. وَيَمْلِكُ مِسَاحَةً وَاسِعَةً لِيَعْمَلَ بِهَا. لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ قَطْعَ الْبِلَادِ بِلَا رَاحَةٍ لِأَيَّامٍ، بَلْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى ذَلِكَ.
اعْتِمَاداً عَلَى الْمَوْقِعِ الَّذِي تَوَقَّفَتْ عِنْدَهُ كِبِي بِالسَّيَّارَةِ، وَاعْتِمَاداً عَلَى سُرْعَتِهِ الْمُتَوَسِّطَةِ، قَدْ تَسْتَغْرِقُ الرِّحْلَةُ يَوْمَيْنِ. أَوْ أَرْبَعَةً. أَوْ أَكْثَرَ. رُبَّمَا بَقِيَتْ ثَلَاثُ مِئَةِ مِيلٍ لِقَطْعِهَا. رُبَّمَا ضِعْفُ ذَلِكَ. لَمْ يَسْأَلْ أُلدِنْ كِبِيَ عَنِ الرَّقْمِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي حَمْلِهَا لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ مُهِمَّاً.
لَقَدْ تَوَرَّطَا فِيكُلِّ هَذَا الْآنَ. سَيَرْكُضُ، أَوْ يَمْشِي، أَوْ يَحْبُو بِهِمَا خَارِجَ هَذَا الْمَكَانِ. أَوْ يَمُوتَانِ مَعاً. عَلَى نَحْوٍ مَا، كَانَتْ وُضُوحُ خِيَارَاتِهِ هَدِيَّةً. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَعْنًى لِإِعَادَةِ التَّفْكِيرِ فِي الْقَرَارَاتِ الَّتِي قَادَتْهُمَا إِلَى هُنَا. كَانَ أُلدِنْ مُتَأَكِّداً مِنْ أَنَّهُ ارْتَكَبَ أَخْطَاءً حَمْقَاءَ.
كَثِيرَةً على الأرجح. كَانَ جَاهِلاً وَغَيْرَ كُفْءٍ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ لِلْغَايَةِ. لَكِنَّهُ بَذَلَ قُصَارَى جُهْدِهِ، وَالْآنَ اسْتُنْفِدَتْ كُلُّ الْخِيَارَاتِ. لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ حَتَّى بُوصِلَةً. كَانَ يَنْتَقِلُ فَقَطْ فيمَا أَمَلَ أَنْ يَكُونَ خَطّاً مُسْتَقِيماً مُبْتَعِداً عَنِ السَّيَّارَةِ، رَغْمَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَرْجَحِ.
حَاوَلَ التَّصْوِيبَ نَحْوَ حُفَرٍ كَبِيرَةٍ أَوْ خَنَادِقَ يَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَهَا فِي الْبُعْدِ أَمَامَهُ مُبَاشَرَةً. كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ لِتَحْدِيدِ الْمَعَالِمِ. عَلَى الْأَقَلِّ كَانَ هَدَفُهُ ــ مِنْطَقَةَ عَدَمِ الْفَوْضَى ــ ضَخْماً. مَادَامَ لَمْ يُصَبْ بِالْهَذَيَانِ وَيَبْدَأْ بِالْمَشْيِ فِي الاتِّجَاهِ الْخَاطِئِ تَمَاماً، فَلَنْ يُخْطِئَهَا عَلَى الْأرجح.
كَانَ يَرْكُضُ أَحْيَاناً. وَيَمْشِي أَحْيَانأً أُخْرَى. تَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ يَمْلِكُ مُوسِيقَى تُغْرِقُ صَوْتَ طَبْلِ قَلْبِهِ فِي أُذُنَيْهِ. عِنْدَمَا عَشَرِ بِالْعَطَشِ، غَرَسَ رَشَّاشاً عَمِيقاً فِي الْأَرْضِ وَأَحْكَمَ إِغْلَاقَ كِيسٍ بلاستيكِيٍّ فَوْقَ رَأْسِهِ لِيَجْمَعَ بَعْضَ الْمَاءِ.
هَمَسَ وَهُوَ يَدُورُ حَوْلَ الْجِهَازِ: "شُكْرَاً، ثَيْنْ-أَر".
لَمْ يَسْتَطِعْ التَّوَقُّفَ عَنِ الْحَرَكَةِ. رُبَّمَا كَانَتْ كِبِي قَادِرَةً عَلَى احْتِمَالِ الْبِيئَةِ الْمُفْسَدَةِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ. أَوْ رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِدَقَائِقَ فَقَطْ. لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهَا تَعْرِفُ أَفْضَلَ مِمَّا يَعْرِفُ هُوَ. اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ بَعْضَ الْوَقْتِ لِكَيْ يُنْتِجَ الرَّشَّاشُ كَمِّيَّةً لَائِقَةً لِلشُّرْبِ، لَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مُحَاوَلَةِ حَمْلِ جِرَارِ مَاءٍ فَوقَ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ.
أَكَلَ بَعْضَ الْفَوَاكِهِ الْمُجَفَّفَةِ ريثمَا انْتَظَرَ. عِنْدَمَا ارْتَوَى تَمَاماً، حَمَلَ رَشَّاشَهُ وَتَابَعَ السَّيْرَ.
* * *
بَعْدَ سَاعَاتٍ ــ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِحْسَاسُ أُلدِنْ بِالْوَقْتِ خَاطِئاً تَمَاماً ــ أَدْرَكَ أَنَّ شَيْئاً غَرِيباً يَحْدُثُ مَعَ الْأَرْضِ. قَدْ يَكُونَ قَدْ بَدَأَ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ. الطَّرِيقَةُ الْمُلَائِمَةُ الَّتِي تَفَاعَلَتْ بِهَا سِمَتُهُ مَعَ التُّرْبَةِ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ جَعَلَتْهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ مِنْ شَيْءٍ صَلْبٍ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سِوَى قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ مِنَ التُّرْبَةِ أَوْ كَانَتْ رَخْوَةً وَرْمَالِيَّةً.
وَلِذَلِكَ لَمْ يُلَاحِظْ مَا كَانَ يَجْدُثُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ مِنْ خِلَالِ الشُّعُورِ بِهِ. بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ، رَأَى الْمَنْشَرَ الطَّبِيعِيَّ بِأَسْرِهِ يَفْعَلُ شَيْئاً. كَانَ التَّغْيِيرُ دَقِيقاً لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ سَيَكُونُ مِنَ الصَّعْبِ مُلَاحَظَتُهُ لَوْلَا حَقِيقَةُ أَنَّ الْمَنْظَرَ عَلَى مَوْن ثِكَونْد كَانَ رَمَادِيّاً. كَانَ عُشْباً مِنْ قَبْلُ.
أَمَّا الْآنَ فَأَصْبَحَ خَنَادِقَ وَحُفَراً. وَهُنَا… هَلِ التُّرْبَةُ تَحَرَّكَتْ للتَّوِّْ؟ كُلُّهَا؟ لِعَدَمِ وُجُودِ رِيحٍ، لَمْ يَعْتَدْ أُلدِنْ رُؤْيَةَ حَرَكَةٍ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ حَوْلَهُ. أَبْطَأَ سُرْعَتَهُ إِلَى أَبْطَأِ مَشْيَةٍ لَدَيْهِ. بَعْدَ عِدَّةِ دَقَائِقَ، حَدَثَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. فِي كُلِّ مَكَانٍ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، تَحَرَّكَتْ أَرْخَى بُقَعِ التُّرْبَةِ.
ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ عَائِدَةً إِلَى السُّكُونِ. أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَرَّ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ. أَنَا مُتْعَبٌ حَقّاً، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ أُهَاذِيَ بَعْدُ. حَدَثَ ذَلِكَ بِضْعَ مَرَّاتٍ أُخْرَى، وَتَوَقَّفَ أُلدِنْ تَمَاماً عَنِ الْمَشْيِ فِي النِّهَايَةِ وَأَخَذَ يَخْطُو خُطُوَاتٍ مُفْرَدَةً مِنَ الجَانِبِ إِلَى الجَانِبِ لِيُبْقِيَ الْمَهَارَةَ نَشِطَةً عَلَى كِبِي.
كَانَ هُنَاكَ مُنْخَفَضٌ ضَحْلٌ فِي الْأَرْضِ أَمَامَهُ. بُقْعَةٌ ذَاتُ حَوَافَّ رَمْلِيَّةٍ مُتَفَتِّتَةٍ. حَدَّقَ فِيهَا بِتَرْكِيزٍ، وَبَعْدَ بِضْعِ دَقَائِقَ، ارْتَجَفَتْ حُبَيْبَاتُ الرَّمْلِ الدَّاكِنِ كُلُّهَا فِي أَمَاكِنِهَا. انْهَارَتْ قِطْعَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الْحَافَّةِ فِي الْمُنْخَفَضِ مَعَ صَفِيرٍ هَادِئٍ لِلْحُبَيْبَاتِ الْمُتَسَاقِطَةِ. ثُمَّ عَادَ كُلُّ شَيْءٍ هَادِئاً مِنْ جَدِيدٍ.
قَالَ أُلدِنْ لِنَفْسِهِ: "أَبِخَيْرٍ؟ مَا ذَاكَ؟"
وَاصَلَ الْمَشْيَ وَالْمُرَاقَبَةَ، مُحَاوِلًا الْخُرُوجَ بِنَظَرِيَّاتٍ. النَّظَرِيَّةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي بَدَتْ مَنْطِقِيَّةً هِيَ أَنَّ الْأَرْضَ بِأَسْرِهَا كَانَتْ تَتَحَرَّكُ. مِثْلَ زِلْزَالٍ. إِذَا حَدَثَ زِلْزَالٌ لِأَقْصَرِ لَحْظَاتٍ بَفَوَاصِلَ زَمَنِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ تَمَاماً. عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَيْسَ نَبْضَ قَلْبِ مَخْلُوقٍ شَيْطَانِيٍّ تَحْتَ أَرْضِيٍّ ضَخْمٍ ــ شُكْراً لَكَ عَلَى إِتْيَانِكَ بِهَذِهِ الْفِكْرَةِ أَيُّهَا الدِّمَاغُ ــ كَانَ تَخْمِينُهُ التَّالِي، وَالْأَكْثَرُ تَفَاؤُلاً، هُوَ أَنَّ لِلأَمْرِ صِلَةً رُبَّمَا بِالسَّحَرَةِ الَّذِينَ يُنَظِّفُونَ الْفَوْضَى.
الأَمْرُ يُشْبِهُ شَيْئاً يَدُقُّ عَلَى مَوْن ثِكَونْد كَطَبْلٍ. مِنْ نَاحِيَةٍ، سَيَكُونُ ذَلِكَ خَبَراً جَيِّداً. كَوْنُهُ قَرِيباً بِما يَكْفِي لِيَشْعُرَ بِالتَّأْثِيرَاتِ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَنْحَرِفْ فِي نِصْفِ دَائِرَةٍ ضَخْمَةٍ وَيَبْدَأْ بِالتَّوَجُّهِ عَائِداً إِلَى الْمُخْتَبَرِ. وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى… مَاذَا لَوْ لَمْ يَكُونُوا يُؤَدُّونَ بَعْضَ تَعويذَاتِ التَّنْطِيفِ عَالِيَةِ الْقُوَّةِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الْفَوْضَى كَمَا افْتَرَضَ هُوَ وَكِبِي مَعاً؟
مَاذَا لَوْ كَانَ الْأَمْرُ أَشْبَهَ بِإِسْقَاطِ قَنَابِلَ نَوَوِيَّةٍ سِحْرِيَّةٍ عَلَيْهَا مِنَ الْفَضَاءِ؟ كَانَ يَمُني النَّفْسَ بِالْمَشْيِ إِلَى مِنْطَقَةٍ نَظِيفَةٍ يُحِيطُ بَهَا سَحَرَةٌ يَتْلُونَ تَرَانِيمَ خَيِّرَةً. لَا الخُرُوجِ مِنَ الْفَوْضَى إِلَى مِنْطَقَةِ قَصْفٍ ضَخْمَةٍ. اعْتَقَدَ أُلدِنْ أَنَّ مُعْظَمَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَجْعَلَ قَمَراً بِحَجْمِ كَوْكَبٍ يَرْتَجِفُ، سَتَجْعَلُ شَخْصاً بِحَجْمِ إِنْسَانٍ مَيِّتاً.
لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ شَيْئاً، هَكَذَا قَرَّرَ. لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ الاِعْتِرَاضَ وَالْعَوْدَةَ. قَدَمٌ أَمَامَ الأُخْرَى. طَالَمَا اسْتَطَاعَ ذَلِكَ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَمْلِكُ بِضْعَ حِيَلٍ فِي جَيْبِهِ.
* * *
حين أصل إلى البيت، سأكون كسولاً. اتخذ ألدين هذا القرار... في وقت ما. كم مر من الوقت الآن؟ أربع وعشرون ساعة كاملة بعد؟ أم أكثر؟ أكان ذلك مجرد تمني؟ كان أحد المرشات قد تعطل. حصل منه على الماء خمس مرات. لقد استحقت مزرعة إليبتا أرباحها حقاً إن نجحت يوماً في زراعة شيء لا يكون ساماً بعض الشيء للبشر. سأكون واحداً من أولئك الأرانب الأثرياء الكسالى الذين يحسدهم الجميع ويمقتونهم.
بل أسوأ من أولئك الأرانب حتى. سأكون أكسل كائن وُجد على الإطلاق. لن يمشي خطوة أخرى أبداً. سيشتري سيارة. وسائقا. سيستأجر خدمًا ليحملوه على محفة. سيعمد إلى دفع أجر لبعض المضبطين ممن يملكون التعويذة المناسبة ليتبعوه حائماً ويرفعوه فوق السلالم. كل شيء كان يؤلمه. القدمان. الظهر. الساقان. الكتفان. السلطة. ظل يضبط الأشرطة التي تثبت كيبي في مكانها، محاولاً تخفيف الضغط. لقد بدأت تسلخه حتى من خلال معطفه وطبقات ثيابه.
ساعده التركيز على حياته المستقبلية بوصفه التجسد البشري للكسل لفترة من الوقت. وحين توقف ذلك عن إعطاء نتيجه، حاول إجراء محادثة ذهنية مع العفريتة. كنتِ كثيرة الكلام بشأن دين السلاسل الكبير لفترة، ثم صمتِ، هكذا قال. لا مانع عندي إن أردتِ أن تصبحي صاخبة من جديد. بقيت صامتة. هذا مرعب بحق منكِ. هيا. يا أجداد غورغون المحتارين. تحدثي إلي. وانسيني وحدتي على الأقل. انتظر رداً لم يأتِ أبداً.
حسناً. كوني كذلك. حين أصل إلى البيت، سأستأجر موجهاً من الفئة إس ليرغمنا على تناول صفائح كاملة من الضلوع المشوية. أطلق شخير إثر تخيله لنفسه، وهو يحاول أن يشرح لموجه مضطرب لماذا سيكون ذلك استخداماً ضرورياً وصالحاً لقواهم. من مكان بعيد، صدر صوت دوي خافت واحد. ومقلاً ناظري إلى أصابع حذائه الملفوفة بشريط لاصق، شعر ألدين بالأرض تتردد. لقد عادوا للبدء من جديد. لقد استمر الطرق البعيد لشيء ما ضد القمر لفترة طويلة.
ثم توقف لفترة طويلة. ها هو يعود من جديد الآن. مع مؤثرات صوتية. ما زلنا نتحرك في الاتجاه الصحيح. انتزع بفضل هذه المعرفة بضع خطوات إضافية من نفسه. لكن الأمر كان يزداد صعوبة بشكل مفرط. ظن أن قدمه اليسرى ربما كانت تنزف داخل حذائه. أظن أن عليّ فعل حيال ذلك. ما زال الطريق طويلاً. مهماً يكن الأمر، فإنه لا يزال طريقاً طويلاً حقاً. احتوت حزمة المؤن حول خصره على ضمادات وبخاخ مخدر وزوج إضافي من الجوارب.
كان مرعوباً فحسب من التوقف وإلغاء الحفظ المؤقت عن كيبي للدقيقة أو الدقيقتين اللتين سيستغرقهما استخدامها. كان يخشى أن تصاب بأذى. كان يخشى ألا يعود قادراً على حملها مجدداً. جسدياً أو بسحر. دوي خافت. لم يكن الوضع ليتحسن بمرور الوقت مع ذلك. مشى مسافة أبعد قليلاً، محاولاً تهيئة نفسه نفسياً لفعل الأشياء الصحيحة وقولها. ما هي الأشياء الصحيحة مجدداً؟ دوي خافت. كانت تأتي بفارق عشر دقائق تقريباً ربما.
كان ذلك رائعاً. بإمكانه استخدام صوت الأرتونانيين وهم يقصفون وجهته بوحشية لضبط الوقت. دوي خافت. ثنى ألدين ركبتيه على التراب الناعم. آلمهُ ذلك. كانت ركبتاه تبدوان في طريقها للتألم. لم تفعلا ذلك قط من قبل. أكان الأمر مجرد كمية المشي والجري، أم أن السمة كانت تحصد ثمنها من مفاصله؟
"ألدين؟"
"لا تفكي أشرطتك"، قال.
فوجئ بمدى جفاف صوته وبشلاشته. لقد كان يشرب كميات وافرة.
"أنا أغير جواربي فحسب بسرعة، ثم سنتحرك مجدداً. هل يمكنك الصمود لبضع دقائق فقط؟"
"أنا بخير."
"لا كذب الآن. إننا نقطع وقتاً جيداً."
ها. أيها المنافق. أنت لا تدري حتى إن كنت تكذب أم لا.
"أنا بخير"، تمتمت كيبي.
بدت قدما ألدين أسوأ بكثير مما شعرت به. لقد التصق أحد كعبيه في الواقع بجوربيه بالدم وما أتى من سائل شفاف من البثور. رفع القدم، منحنياً ليتمكن من إحاطتها بيديه. قام بمحاولة لتطبيق تعويذة التعقيم الخاصة برياض الأطفال. إن أمسكت شيئاً بوضعية محددة بين يديك فمن المفترض أن يعمل عليها لا عليك. لذا ربما يساعد ذلك. ارتجفت سلطته. جعله إجهادها في اتجاه جديد يشعر بمدى بُعده عن نفسه — النسخة الأرتونانية للكلمة.
رش البخاخ المخدر. ضمّد القدم. سحب الجورب النظيف. حشاه في الحذاء.
"كم مر من الوقت؟"
سألت كيبي، وهي تتململ قليلاً على ظهره. كانت تعلم أنه لم يكن يدري حقاً.
"ثلاثة أيام تقريباً"، كذب مجدداً.
"تعلمن أن هذا يعني لابد أننا نقترب."
دوي خافت.
"ما هذا؟"
أنهى ألدين فعل أفضل ما يمكنه ونهض واقفاً.
"هذا حيث نتجه."
صرخ جسده كله في وجهه حين حاول اتخاذ خطوة إلى الأمام. كاد يسقط وجهه أولاً في التراب. حاول مجدداً بالنتيجة ذاتها تقريباً. أراد الاستلقاء. أراد النوم هنا تماماً وسط الفوضى. ألم يكن الأمر سيئاً إلى تلك الدرجة حقاً؟ آه، فكر. إذن هكذا هو مدى ما أصل إليه بلا غش. أيتها العفريتة. أعلم أنكِ لم تختفي حتى وإن تظاهرتِ بذلك. أتريدين رؤية شيء رائع؟ لعق ألدين شفتيه وتنحنح. ثم قال نصف التضحية الخاص بسلسلة راحة البال.
ارتجف حين سقطت عليه. قفز قلقه. تحولت أفكاره البليدة النعسة إلى ما هو أشد جموحاً. لا يمكنني التوقف عن الحركة. لا أستطيع. سأموت. خطا خطوة ثم أخرى. لم يكن ذلك كافياً لإشباع شعوره الجديد بالرهبة. كان بحاجة للهرولة. لذا فعل. عكس راحة البال هو الخوف. أحياناً، كان الخوف شيئاً جيداً.
* * *
استغرقت ارتدادات راحة البال نحو ثلاث ساعات. قدم ألدن التضحية ثلاث مرات، مسدداً الدين مقابل كل سلسلة استخدمها لينام في السيارة. ثم، لأنه لم يسقط جسدياً بعد ولا يزال جسده يعمل، وإن بصورة سيئة ومليئة بالألم، استخدمها للمرة الرابعة. كان سيستمتع بامتلاك النصف الإيجابي في رصيده في مرحلة ما. بحلول وقت نفاد المرة الرابعة، كان يترنح أكثر مما يمشي. كان كل شيء يؤلمه بشدة لدرجة أن الخوف وحده لم يعد قادراً على إبقائه متحركاً.
حاول التركيز على الأورياد. كانت هدية كيبي مصدراً مستمراً للراحة، مخبأة تحت قميصه مقابل صدره. كانت الشيء الوحيد في العالم الذي يبدو ممتعاً بعد الآن. انتهى جسده. لم تكن سلطته تتعافى. على الإطلاق. كل السلطة الجديدة التي صنعها لا تزال موجودة... لكنها دُفعت بعيداً جداً عن مسارها... أو ما شابه. كانت متعبة. كان متعباً. لم يستطيع دفع الفوضى بعيداً. شعر وكأن شيئاً ما يتربص باختراق ما تبقى منه ليضرب مهارته والسمة المبنية عليها.
الآن، بدا أن حتى ذلك معرض للتصدع. واصل ألدن حثها على المضي قدماً. أبقى أصابعه مضغوطة عمداً على جميع أزرار التشغيل الخاصة بالآلة، إن صح التعبير. لكن الأمر أصبح صعباً. تساءل عما إذا كان سيكون أفضل أو أسوأ لو لم يكن قادراً حقاً على استشعار الآلة. كان يرى الأمر من كلا الجانبين. ربما لن يتمكن المنتسب غير القادر على استشعار المهارة بوعي من الاستمرار في إجبارها على العمل في هذا الوضع.
أو ربما يفعلون، ولن يدركوا حتى أنهم في هذا النوع الفريد من الألم. لم يختبر ألدن الألم من قبل، عندما شعر بالشيء الذي يطلق عليه معظم البشر استنزاف المهارة. لقد توقف فحسب... نوعاً ما. لكن المهارة أصبحت أقوى من ذي قبل. أقوى بكثير. تذكر قبل شهور وشهور، كيف حطت تلك البقعة الوحيدة من جندب الشياطين على شعر كيبي وجعلته يترنح. كان يعلم أنها ضربة مباشرة للمهارة من مخلوق يضاعف الفوضى بالفعل.
لكنه ظن أنه يستطيع تحملها بسهولة أكبر الآن. كان متأكداً من أن المهارة ما كانت لتستطيع الحفاظ على حياة شخص آخر لأيام من قبل. والآن تستطيع. يمكنها فعل ذلك حتى هنا، في هذا المكان العدائي، حيث كان ألدن يتفكك. المستوى الرابع على الأقل، فكر. إن لم تصل إلى هناك على الأقل بحلول الآن، فسأدخل في شجار مع النظام بشأن قدراته كحكام. خطأ في خطوته. التوت كاحله. حدث ذلك من قبل، لكن هذه المرة كانت سيئة بما يكفي لانتزاعه لحظة واحدة عن تركيزه على المهارة وهجوم الفوضى ليعود إلى جسده المنهك.
من دون انتباهه، انهارت سمته. انطفأت من تلقاء نفسها ودون إذنه. مع أنه كان ما زال يحمل كيبي. غاصت قدمه بوصة في التراب الناعم. أجل. هذا أسوأ من سيء، فكر بتعب، وهو يركل التراب والرمل بينما يتقدم بصعوبة. يجب الحفاظ على الإرادة والتركيز بطريقة ما. إساءة معاملة الغدد الكظرية بعكس راحة البال لن تفيد من الآن فصاعداً. كان متعباً جداً لدرجة أن رؤيته أخذت تضيق. زرع آخر مرشاش له.
لم يعمل جيداً في استخداميه السابقين، ولم يفعل في هذا أيضاً. لقد اكتفى برش الماء ببطء على جوانبه البلاستيكية وكان عليه الانتظار طويلاً حتى تلتقط حقيبته ما يكفي لصنع كمية لائقة للشرب. لم يحدث ذلك هذه المرة. حصل على كوب ضئيل قبل أن يتوقف نهائياً. جرع ألدن الماء دفعة واحدة، محتفظاً بالرشفة الأخيرة في فمه بينما كان يعبث بأصابع كانت مرنة نوعاً ما في يوم ما ليحصل على آخر ملاذاته الأخيرة.
أخرج علبة حبوب فضية صغيرة وأفرغ محتوياتها في كفه.
"هذه تمنعك من التقيؤ. وهذه تمنعك من الإغماء. وهذه تحصنك مؤقتاً ضد حمى الثيتيت، وهذه الأخيرة تجعلك عاجزاً عن تسجيل الألم الجسدي".
كان لا يزال يتذكرها كلها. استبعد حمى الثيتيت. قال كيبي إنها غير موجودة حتى على مون ثيجوند، فمن يحتاجها إذن؟ رمى الثلاثة الأخرى في فمه وابتلعها مع ما تبقى من ماله. استغرق الأمر أقل من دقيقة لتأخذ التأثيرات مفعولها. تماماً كما تذكر من رحلته إلى المستشفى مع ستيوارت، كان الارتونانيون بارعين في تخدير البشر. عادت رؤيته إلى اتساعها الطبيعي. استطاع تقويم عموده الفقري من دون عذاب مجموعة مختلفة من العضلات المشدودة.
استطاع وضع كامل وزنه على الكاحل الذي كان واثقاً بأنه قد التواه للتو. شعر بأنه طبيعي. جسدياً. لو لم يكن لديه حس الفطرة وحس السلطة، لظن أنهم منحوه معجزة شفاء في زجاجة. لكنه امتلك حس السلطة، لذا فحتى مع شعوره الرائع من جانب، شعر وكأنه حثالة من جانب آخر. خطا بضع خطوات للأمام بسهولة، محاولاً إعادة تشغيل الأرنب الأزرق. هيا، هيا، فكر، وهو يدفع الجزء المرتبط من سلطته والذي يخص السمة.
أنت لا تؤدي سوى خدعة واحدة، لذا من الأفضل أن تفعلها. ستكون مسيرة بطيئة حقاً من دونها. ربما الدفع ليس هو الشيء الصحيح، فكر. ربما الأمر أشبه بـ... حاول تخيل الطريقة التي صُممت بها السمة. الشيء الذي بناه النظام ليستخدمه ألدن. كان ينخسه بغضب منذ عصور، مستاءً منها حتى مع علمه بحاجته إليها. لذا فقد عرف ما خطبها حين ألقى نظرة فحص أقرب. لم تكن مطفأة فحسب. كانت منحرفة قليلاً.
لم يكن هذا شيئاً سَيُصلحه الإدراك أو التفكير الإيجابي. ضعفت السمة نفسها وتمايلت. لم تترجَ التعافي. والآن بعد أن تفحصها ألدن بعقله المتحرر من عبء أسراب الآلام والأوجاع الجسدية... كان هناك تصدع كبير في استقراره العام، وكان هذا التصدع يزداد عمقاً. ليس جيداً. لا بد من وجود طريقة لإعادة تشكيل سلطتي إلى الشكل الصحيح للسمة. مثل التلاعب بها لملء الفراغات عندما أصنع أنماطاً بالأورياد.
أعرف أنني لا أستطيع تغيير السمة، لكن محاولة ترقيع ما هو موجود هنا بالفعل عبر تأكيد وجوده عمداً يجب أن تكون ممكنة، أليس كذلك؟ مثل... خطا خطوة أخرى، وغادرت قدمه الأرض أخيرًا بالطريقة التي أرادها لها.
"ها!"
قال بصوت أجش وهو يهرول للأمام.
"يمكن لألدن القيام بالسحر بذكاء الآن. إنه منتسب ذو تدريب ساحر لطيف".
اعترف أنه كان محمشاً أيضاً بأدوية فضائية ويتحدث عن نفسه بصيغة الغائب. لكنه ظل إنجازاً مثيراً للإعجاب.
* * *
الشيء الجيد السيء في الشعور بتحسن طفيف هو أن ألدن امتلك أخيراً ما يكفي من حضور الذهن لكي يفكر مجدداً. استطاع تخيل كل الأمور الفظيعة التي تنتظره بوضوح تام. كان الأسوأ، وبفارق كبير، التفكير في مصيره حين ينهار. تيقن من أنه حين تنفد العقاقير، سينفد هو الآخر نهائياً. سيتعين على كيبي رؤية ذلك. لم يرد لها هذا. لكنه عجز عن فعل أي شيء آخر لمنع حدوثه. بما أن الجري لم يعد يؤلمه، راح يجري.
ترددت أصوات الارتطام مرة أخرى. أصبحت أعلى بكثير. استطاع رؤية الأرض وهي تهتز بوضوح الآن. كانت التربة تتناثر حوله مع كل خطوة. في البعيد، عند حافة الأفق، بدا السào غريباً. مظلماً أكثر من اللازم. كعاصفة مقبلة على قمر لم تعرفه قط. مرت ساعات. توقفت الأصوات. اقتربت غيوم العاصفة أكثر. ترك ألدن جسده يتحرك كأنه لا يتحطم، وصبّ جل تركيزه على تثبيت ميزته ومهارته. لم يعد يركز حتى على باقي بدنه.
كان عليه التوقف. كان عليه الاختيار. لذا اختار هذين الاثنين فقط. بدا وكأن النظام انتزعهما من ألدن وخطّهما على واقع ملموس. لقد قيّدتاه. ولن يتخلص منهما أبداً. لكن إن كانت هاتان الصفتان هما الشيء الوحيد الذي يمسكه هنا الآن، فسيعتمد عليهما. ظلتا تهتزان وتتصدعان، وظل هو يعيد تثبيتهما. من يملك لغة تعبيرية للوجود بقوة أكبر؟ أنا. الآن. على ما يبدو. أظن أن الكثير قد يتغير في وقت قصير.
أحس بقلبه يتسابق كأنه يريد الفرار من جسده. أحس نفسه يلهاث كأن رئتيه تتوسلان إليه طلباً للهواء. تحت معطفه، تبللت ثيابه، ولم يدر أعرِق ذلك أم دم. لكن شيئاً من هذا لم يؤلمه. وظن، ربما، أن تلك العاصفة كانت وجهته. لذا لم يتوقف.