261
* * *
قال: "يا لوت، ضع خنزير الأرغولد ذي المئات الثلاثة جانباً. لن أشتري أربعين قطعتةً منه، مهما كررتَ تسميته بخنزير عيد ميلاد أنيسيدورا".
وضع لوت الدمية المحشوة الضخمة وسط الممر أمام ألدن، ثم جلس فوقها ممسكاً بأذنيها.
وقال: "لكن انظر. إنها بحجم يسمح لكم جميعاً بركوبها إلى المعركة. أربعون بطلاً مستقبلياً على صهوات جوادهم النبيلة!"
قال ألدن وهو يدور حوله ليتفقد رفاً مليئاً بمتوحشات المزاج: "لست متأكداً من أنك الرجل المناسب لهذه المهمة".
كانت ألعاباً يمكن ارتداؤها وتتغير ألوانها استجابة للأصوات في الغرفة حولها. كانت متوقفةً جميعاً الآن، عدا سحليّة العرض في الرف الأوسط التي تحولت إلى لون فوشيا ساطع. لعلها تظل بهذا اللون طوال معظم وقت افتتاح متجر الألعاب. ضحكات صاخبة، وأطفال يتوسلون إلى آبائهم، وصفير الألعاب الإلكترونية وئيدها — لا بد أن هذا المكان دوى بالصوت نفسه طوال اليوم. كان متبقياً أقل من أسبوع على عيد الميلاد.
صار ألدن الآن شخصاً يمتلك مالاً وفيراً، ووجد في حياته أشخاصاً جدداً كثيرين يرغب في صنع صنيع حسن لهم. بدا التسوق لعيد الميلاد أكثر إثارة بكثير مقارنة بالعام الماضي، حين كانت ميزانيته محدودة للغاية ولديه قائمة من ثلاثة أشخاص لينفق المال عليهم. لكن ماذا يشتري من يملك هذا القدر من المال لأشخاص يملكون المال بدورهم؟ كان من المفترض أن يساعده لوت في الخروج بأفكار لهدايا رائعة ومناسبة السعر لكل فرد في صف الرياضة الخاص به.
أدرك ألدن أن الخنزير المحشو ليس خياراً مناسباً. وبدا منحهم جميعاً تذكرة ليوم واحد إلى تحدي: أبراج أبيكس نوعاً ملائماً من الهدايا، لكنه كان يعتزم إهداء ليكسي وكون تذاكر لعدة أيام. ودرى أن كون يستمتع بالأمر، وأيقن أن ليكسي ستستمتع به، وعلم أن كلاهما سيستمتع أكثر إن لم يتوافد عليهما سيل من زملائهما في الصف.
سأل لوت: "لماذا تقدم هدية للصف بأكمله؟"
لقد اختار ألا يرتدي رقعة العين اليوم في رحلتهما إلى مدينة إف. وزُنّرت حطاه القتالية برباطات حمراء وخضراء.
"أنا أربط بين هدايا عيد الميلاد المتطابقة لكل فرد في الصف وبين فاندي. كانت تفعل ذلك. ولعلها ما زالت تفعل".
"أشك في أن يتقاطع ما أشتريه لهم مع ما تقدمه. أفعل هذا لأنني وضعت قائمة بكل من أردت شكره بطريقة ما، وتراكمت الأسماء. تقديم الهدايا لأكثر من نصف مجموعة يبدأ وكأنه تعليق على من تكرههم، أليس كذلك؟ أفضّل فعل شيء ممتع للجميع. يستطيع الأشخاص المميزون نيل هدية الصف إضافة إلى هدية فردية".
تناول أحد متوحشات المزاج. كانت سمكة قرش بفكوك مغناطيسية تلتصق بالملابس أو بحقيبة الظهر. وظن أن جيفي سيقدرها.
"الصغيرة من هذه جيدة، أليس كذلك؟ الناس يحبونها؟ لاحظت بعضها حول الحرم الجامعي".
"البشر يحبون تلك حقاً، نعم. لكننا نحبها منذ ثمانية أو تسعة أشهر الآن، لذا يمتلكها الكثيرون بالفعل".
أعاد ألدن سمكة القرش مكانها.
"لماذا يبدو الأمر بهذا العناء؟ لقد فاتتني فرصة تقليد كون وشراء مجموعة من خردوات الأرتونان للجميع. كنت هناك معه، لكنني لم أكن أفكر في عيد الميلاد. ولم أدرك حجم الرواج الذي ستلاقيه النسخ الفضائية من اللوازم اليومية العادية. تساءلت عن سبب حصوله على كل تلك العلب من علكة الأسنان، لكن الجميع كانوا متحمسين لها للغاية".
"لديه أفضلية عليك لأنه يعرف أي الأشياء الفضائية سهل الشراء هنا وأيها فريد. يمكنك الحصول على تلك العكة في كل مكان، لذا إن كان يشتري منها الكثير فأنا متأكد من أنها جاءت بنكهات لم يسمع بها من قبل".
أسند لوت ذقنه على رأس الخنزير.
"اصنع سلة".
"أصنع ماذا بسلة؟"
"سلة مليئة بالأشياء التي يمكن لكل فرد في الصف اختيار ما يعجبه منها. تصنع جيسيكا نحو مائة سلة هدايا ضخمة كل عيد ميلاد لترسلها أوليا. لا أنصحك بفعل الشيء نفسه لأن كل واحدة من تلك تكلف أكثر من جوادي. لكن الناس منساقون مع حكاية السلال. الدخول في قائمة السلال، والخروج من قائمة السلال... على أي حال، إن حشوت سلة بتشكيلة وفيرة بما يكفي من الهدايا فسيجد الجميع ما يسعدهم".
"يا لوت، هذه فكرة جيدة حقاً".
"اشترِ لي هذا الخنزير".
"اشترِ خنزيرك بنفسك. مع أنني لا أعرف كيف تخطط لملاءمته في غرفتك مع كل ما فيها".
التقط ألدن سمكة القرش مجدداً وشرع في اختيار المزيد من المتوحشات لترافقها.
"علينا جميعاً غسل بدلاتنا يوم الجمعة بعد الرياضة، لذا سنبقى معاً. يمكنهم التفتيش في سلة هدايا معاً — والجدال حول من يأخذ ماذا، ومشاركة أي وجبات خفيفة أرمي بها داخلها. سيعطي ذلك للجميع شيئاً يفعلونه لبضع دقائق".
قال لوت: "أنا الرجل المناسب لهذه المهمة. بعد هذا، سأقودك إلى متجر الأقنعة لأن متجر الأقنعة عظيم، وهناك شيء هناك تحتاج إلى تجربته. وبعدها ربما متجر الأبيض. سوق عيد الميلاد المفتوح. يمكننا ارتياد المكان الذي يبيعون فيه واردات الفيتونان... أتمنى لو إنني لم أقترح ألا تحضر التساعي. لدينا مساحة لنقطعها".
"لا بأس. الابن ذو الحواف التسع مبهرج بعض الشيء".
"بعض الشيء فقط؟"
"إنه مشهور. ليس ذنبه".
* * *
كان الدخول إلى متجر الأقنعة كجوالة في نفق تطفح حيطانه بوجوه خيالية. توقف ألدن عند المدب تماماً ليتأملها.
قال لوت: "الأفضل توجد في الخلف. لا تقف هنا مستسمراً بالقطع العادية".
أجاب: "لا تعجلني. ألا تري ذلك المقنع بالحراشف؟ وأظن أن ذاك الذي هناك قد غمز لي للتو".
قال لوت: "يمكننا شراء قناعسن لنرتديهما في سوق عيد الميلاد قبل أن نغادر. ربما يبعدان عنا إزعاج الناس. لكنني أحضرتك إلى هنا لأريك شيئاً مهيباً. ثق بدليلك".
سأل ألدن: "ألا يعد الغمز مهيباً؟"
لكنه سمح بأن يقاد متجاوزاً أقنعة ذات قرون مذهبة وابتسامات حزينة وأطراف ذقون مدببة بشكل درامي نحو الطرف الآخر من المتجر. جلست فتاة ضفرت شعرها بضفائر صغيرة خلف واجهة عرض زجاجية. كانت تستخدم بصمة تعويذة على صينية معدنية تعج بالرمل وأحجار خضراء ورمادية متكتلة ظن ألدن أنها قد تكون نوعاً من اللآلئ. جذبت الصينية انتباهه أكثر مما يفعل أي شيء عادي. شك في أن جزءاً من عتادها كان مكوناً وأن جزءاً آخر كان يخضع للسحر بمساعدة ذلك المكون، لكنه لم يكن مستعداً لقطع طقوس إلقائها للسحر ليسألها أيهما كان أيهما.
أشار لوت إلى الطرف المقابل من المنضدة وأومأ بعينيه إلى الأقنعة التي تستقر في الداخل. استقرت كل واحدة في علبتها الخاصة مع غطاء مفتوح لعرضها.
[لم تكن تمزح]، أرسل لها رسالة نصية وهو يحدق مطولاً بالقطعة الأولى التي وقعت عليها عيناه.
[ما هذه؟]
كانت أصغر من العديد من الأقنعة الأخرى في الغرفة — بلا منقار خيالي أو قرون هنا. بدت كوجه بسيط بلا شفاه مصنوع من الخشن. في الموضع الذي تفترض فيه فتحتا العينين على قناع عادي، ذرفت بركتا ماء قطرات لا تنتهي من الدموع على طول كل خد. ارتدى بعض الأبطال الخارقين أقنعة. استطاع ألدن تذكر قلة ارتدت أقنعة ذات تأثيرات سحرية. لم يشبه أي منها هذا الشيء. بدا مألوفاً وغريباً في الوقت ذاته.
<<لم تكن هنا من قبل قط.>> انتزع ألدن عينيه عنها. أنهت الفتاة إلقاء تعويذتها في تلك اللحظة ووقفت على الجانب الآخر من العلبة مقابلة له. <<لكنه كان هنا.>> أشارت نحو لوت الذي تحرك بعيداً ليتأمل قطعت أخرى.
<<إنهما يجذبان الناس بشكل أكبر في المرة الأولى التي يرونهم فيها.>> أكد لوت: "لقد أتيت إلى هنا بضع مرات. عادة ما يكون السيد داغيم هنا".
سألت ألدن: "إنه جدي. وهو من صنع هذه. ما رأيك؟"
أجاب: "أظن... أنني لم أرى قط شيئاً يشبهها. ماذا تفعل؟"
قالت: "الشيء ذاته الذي تفعله كل أعمال رايتوورك الخاصة به. التمويه. <<تمويه جيد للغاية.>>"
وافق لوت: "جيد للغاية".
قالت: "تصنع أمي الأقنعة المعلقة على الجدار ذات التأثيرات الوهمية. تلك مختلفة. لكن كل شيء في هذه الخزانة هو تمويه".
سارت نحو القناع التالي وتبعه ألدن. كان أسود وله وميض يشبه ألسنة اللهب مكان العينين.
"سيخفي هذا مرتديه في الليل وعن ضوء النار. إنه قطعة أقدم. والآن، هنا... هذا يحير الناس".
نظرا إلى علبة لا تحتوي سوى على أوراق شجر بدرجات الأحمر والذهبي والبني. كانت الأوراق سليمة وتتداخل بأناقة على شكل مروحة، لكنها ظلت شيئاً لا يمكن لألدن أن يسميه قناعاً.
"هذا يخفيك في الغابات".
قال لوت: "الغابات نفضية الأوراق على الأرض".
"يفترض به أن يخفي الشخص في الغابات الأخرى أيضاً، لكن ليس بالكفاءة ذاتها. القناع التالي هو قناع المرج".
راحت تقودهم حول المكان شارحة كل واحد منها. عملت كلها ضمن بيئات محددة.
سأل ألدن: "كم تبلغ تكلفتها؟"
"أكثر من اللازم. هذه مجرد مجموعة جدي الشخصية في الغالب. يبيع واحداً أحياناً إن أعجبه الشخص السائل وظن أنه يقدر فنه، لكن الأشخاص المحتاجين لشيء كهذا والقادرين على تحمل تكلفته يطلبون عادة قطعة مخصصة على أي حال. إنه ينجز أعمالاً للسحرة أكثر من السكان المحليين".
عادا إلى القناع الذي يبكي. نظرت الفتاة إلى لوت.
"أحضرت صديقك إلى هنا لتريك هذا؟"
"فعلت. لقد استخدمته من قبل".
"رسوم الإيجار وقواعد استخدامه هي ذاتها دائماً. في الوقت الحالي. بعد ما حدث مع سابمرغير، مر بعض ضباط الشرطة واقترحوا أن نخزنه في خزنة من أجل مصلحة الجمهور. يريدون أن يبدو وكأنهم يفعلون شيئاً. هذا يزعجني".
قال لوت: "نعم... سابمرغير. هذا فقط... يجعل الأمور تسوء بالنسبة للجميع طوال الوقت. أنا آسف بشأن ذلك".
إنه يتصرف وكأنه فعله بنفسه.
[لا تصبغ شعرك باللون البني مجدداً، وإلا فإن هاوي سيدعوك فان ناتمغ إلى الأبد].
إن كانت قد لاحظت أي غرابة في اعتذار لوت، فلم تعلق الفتاة على ذلك. كانت تسحب العلبة التي تحوي القناع وتضعها فوق المنضدة. تقدم ألدن خطوة نحوها.
"سأحدثك عنه بالطريقة التي سيحدثك بها جدي".
دفعت العلبة نحوه.
"هذا قناعنا. قناع صديقك. وقناعك. وقناعي. يدعى هذا القناع أنيسيدورا".
"أهو تمويه لهذا المكان؟"
قالت: "خذه. واكتشف بنفسك".
لا يمكنني مقاومة دعوة كهذه. مد يده نحو القناع. ولمس سطحه الخشن فشعر بريح باردة على وجهه. وخز الملح لسانه. يا لها من مفاجأة.
قال لوت: "مهيب، أليس كذلك؟"
قال ألدن وهو ينظر مطولاً داخل عينيه: "نجل. أجل، إنه كذلك".
"ارتده".
******
كان ظهر القناع رطباً، وكان ارتداؤه مزعجاً، بل يكاد يكون غير مريح. وفي الوقت ذاته، شعر ألدين بأنه صار جزءاً من مدينة إف أكثر مما ينبغي لإنسان أن يكونه. كان مضطرباً، وكان طبيعياً كالهواء الذي يحرك خصلات الشعر على وجه لوت بينما كان الصبي الآخر يلتفت محاولةً اكتشافه. كان غير مريح، وكان ثابتاً كالخرسانة تحت حذائه الرياضي. اندفع لوت إلى الخلف ملوحاً بذراعيه محاولاً مفاجأة ألدين، لكنه كان يتحرك في الاتجاه الخاطئ تماماً.
— لوت؟
ألا يمكنك حقاً رؤيتي البتة؟ تحدث، وكان صوته كل صوت في مرمى السمع. استدار لوت مبتعداً عنه وما زالت يداه ممدودتين. أصبح ألدين أكثر جرأة فقال بصوت أرفع: — لوت! لعلَّه كان صوت بوق تلك الدراجة البخارية التي مرت للتو. صاح، هذه المرة حقاً: — لوت! لم ينظر إليه أحد. لم يسمع أحد شيئاً سوى المدينة. مشى ألدين باتجاه لوت، وتفادى ذراعاً باحثة، وانحنى إلى الأمام لتتقارب وجهاهما قبل أن ينزع القناع ويقول: — بو!
أطلق لوت صرخة قصيرة وقفز مبتعداً: — اللعنة! كنت أعرف أنك ستفعل شيئاً كهذا! لماذا نلت مني رغم ذلك؟
— سأنال منك مجدداً، قال ألدين وهو يبدأ في إعادة ارتداء القناع.
— لا!
نتبادل الأدوار بعد كل مخافة. هذا هو العدل.
— آه…
لم يكن ذلك في القواعد. كانت القواعد التي أتاحتها لهما الفتاة بعد أن دفعا رسوم تأجير القناع بسيطة. سُمح لهما بارتدائه، وإحداث مقالب غير ضارة به، داخل نطاق يمتد كتلتين أو ثلاث كتل سكنية في كل اتجاه. ولم يُفترض بهما أخذه إلى أبعد من المتجر على هذا النحو.
— بعض القواعد من البديهيات، قال لوت.
أعطني إياه وتوجه نحو المتجر الأول الذي سنقوم بسطوه. سأحرص على ردها لك.
— لن تجعلني أصرخ أبداً.
أتمتع بطبع هادئ ورزين. ارتدى لوت القناع. فأطلق ألدين صرخة قصيرة.
— هذا لا يعد، قال لوت وهو ينزعه مجدداً.
فزعك بمجرد أن ارتديته مشكلتك وحدك.
— لقد خسرت…
ابتلع ألدين ريقه. لم أكن أوقع خسارة التتبع عنك؟ كنت سأزيل التتبع لنكون على قدم المساواة، لكن ما إن ارتديت القناع حتى انتهى الأمر فحسب. كان لوت وكيله الموثوق طوال الصباح، ولكن ما إن وضع القناع حتى اختفى إحساس ألدين بمكانه.
— يفعل ذلك!
قال لوت. كان يجدر بي ذكر الأمر. أشك في أنه عصي على الخطأ. توجد دائماً سحرية ما هناك تناقض سحرية أخرى، أليس كذلك؟ لكنني لا أستطيع تتبع الأشخاص الذين يرتدون هذا أيضاً. إنها ميزة مهمة لشيء كهذا، أليس كذلك؟
— يبدو هذا منطقياً.
لم يعجب ألدين الأمر قط. ماذا سيحدث لو كنا أنا وهو مرتبطين، وأجبر شخص آخر القناع على وجهه رغماً عنه؟ هل سأفقد تعقبه؟ كان لوت قد اختفى مجدداً بالفعل. نظر ألدين حوله. أعلم أنه لا بد أن يكون على بعد خطوة أو خطوتين. استدار ببطء، عيناه مفتوحتان وأذناه تصغيان، فلم يكتشف شيئاً البتة. وفقاً للوت وحفيدة الرجل الذي صنع هذه الاعجوبة المموهة، فلن يظهر لوت حتى على الكاميرات. ماذا عن أجهزة آرتونان؟
— انتظر ثانية قبل أن تفزعني، قال ألدين واثقاً من أن رفيقه الخفي يستمع.
أريد التحقق من أمر ما. كان قد ترك كيس التسوق الخاص به من متجر الألعاب خلف المنضدة في متجر الأقنعة، لكن حقيبة الكتف كانت معه زالت. أخرج جهازه اللوحي وشغل خاصية الكاميرا. رأى واجهات المتاجر، ورجلاً يتمتع بنقاط سرعة عالية يجري في الشارع، ووميض ضوء الشمس على الجرس الفضي لدراجة عابرة. لا أثر للوت.
— أنت لا تظهر على هذا أيضاً، أبلغ الهواء الخالي ظاهرياً حيث كان لوت يقف.
أعاد إدخال الجهاز اللوحي مكانه، ونظر إلى خريطة الحي التي أرسلتها لهما الفتاة. رحبت عدة متاجر محليّة ومطعم واحد داخل نطاق الإيجار بالأشخاص الذين يرتدون القناع للحضور ولعب المقالب أو سرقة الأشياء، طالما لم يُتلف شيء ودُفع ثمن العناصر أو أُعيدت عندما ينتهي إيجار القناع. فاجأ ألدين أن الأمر لم يسبب للمتاجر من المتاعب أكثر مما يستحق، لكنه انطلق باتجاه متجر الأحذية الودود مع الأقنعة، متحركاً أحياناً بشكل عشوائي في اتجاه أو آخر محاولةً العثور على لوت وتحديد مكانه.
جلب له هذا التصرف نظرة مطولة من امرأة عابرة. يا له من أمر غير منصف حقاً… كنت أصيح في الشارع قبل دقيقة، لكن الآن بعد أن صرت هادئاً، يطلق الناس أحكامهم حيال القليل من الحركة الإضافية. كاد يبلغ المتجر حين ظهر لوت مجدداً، ممدداً على الرصيف أمام ألدين مباشرة لدرجة أنه كاد يتعثر به.
— ماذا لو ركلتك في وجهك؟
— لكنك لم تفعل.
لقد قفبت لتجنبي. مدَّ لوت القناع. دورك. حفيف الخرسانة ضد أصابعه، والرطوبة الباردة ضد وجهه — صار ألدين أنيسيدورا مجدداً. ارتدى القناع إلى داخل متجر الأحذية بينما كان لوت يتصفح المعروضات. في البداية، راح يمشي ذهاباً وإيابا أمام القلة الموجودة في الداخل، مذهولاً من انعدام رد الفعل تماماً. ثم جلس بجوار رجل كان يجرب أحذية رسمية، متسائلاً عما إذا كان سيلاحظ انضغاط وسادة المقعد.
عتم مرآة بأنفاسه وكتب: "مرحبا!"
عليها. أسقط صندلاً ذا نعل سميك. سمعت الموظفة التي كانت تحضر علبة حذاء لوت صوت سقوط الصندل ونظرت في اتجاه ألدين، لكن لم يكن هناك أي أثر للريبة على وجهها. كان لوت يبتسم بالطبع: هؤلاء بشر خارقون ولا يمكنهم ملاحظة تحركي أمامي أنوفهم مباشرة. هذا القناع أشبه بمنحك مواهب من رتبة إس يمكنك ارتداؤها وخلعها. إن صنع شيء كهذا لابد أن يكون جنونياً—
[مكالمة فيديو من اللواء الإيفول-أرتي السلف ومئة وستة وستين، آرتونا الأولى. أُعفيت من رسوم الاتصال.]
ستيوارت؟ ظن ألدن أن ابن المتمكن سيبقى في ليفصون أياما أخرى. أرسل رسالة نصية لليوت ليخبره بأنه يتلقى مكالمة، فأومأ لوت تقريبا في الاتجاه الصحيح.
أردف ألدن: "أجب".
كان ستيوارت في مكتبة مخطوطات عائلته مجددا، وأمام على طاولة هذه المرة مجموعة من المواد. تحولت ابتسامته الرضية إلى ملامح دهشة.
"ألدن، ما الذي ترتديه على وجهك؟"
"إنه قناع يخفيني عن الآخرين. بالطبع لا يعمل ضد العقد، لذا يمكنك رؤيتي في هذه المكالمة. لكن أحدا من المتواجدين في هذا المتجر لا يعلم بوجودي. انظر".
سار نحو لوت وأخذ يقفز صعودا وهبوطا.
"لا يسمعونني إن صرخت. ولا يلاحظون وقع خطواتي. حاولت الختم بقوة قدر استطاعتي، ولم يلتفت أحد".
قال ستيوارت بنبرة قلقة: "لأي غرض تختبئ؟"
"أنا لا أختبئ حقا. إنه مجرد غرض يمكنك استعارته من الصانع لتجربته. نتسوق معا اليوم أنا وليوت، وأراد مني أن أرى هذا. يدعى قناع أنيسيدورا. وهو يعمل هنا فحسب".
تابع ستيوارت: "أظنني أعرف ماهيته إذن. تزيد تلك الأقنعة من شعورك بالانتماء داخل بيئة ما. لابد أن هذا قوي أو مصمم خصيصا للتخفي. لن تستطيع الصراخ في قناع عادي دون أن يلاحظك أحد. إنها أداة إلقاء تعاويذ".
تنبه ألدن واهتم لذلك.
"أحقاً؟"
"نعم. إن تأثر السحر الذي يرغب الساحر في صنعه بقوة ارتباطه بمكان أو عنصر ما، فيمكنه استخدام شي كمساعد".
"هذا مثير للاهتمام".
خزن تلك المعلومة في ملفه العقلي الصغير والمتنامي لمعارف السحر التي قد تبدو مفيدة يوما.
استطرد ستيوارت: "اتصلت لأستمع إلى سير حصتك الأخيرة في مادة إم بي إي. لكن يبدو أن الوقت غير مناسب".
"مادة إم بي إي مجددا؟"
تجول ألدن في الممر الأقرب.
"لم تكن حصة الأربعاء مثيرة كتلك التي أقيمت يوم الاثنين، لذا ليس لدي الكثير لأقوله. أتحب حقا مشاهدتي أتدرب هكذا؟"
لم يتبدد اهتمام ستيوارت بحصص ألدن الرياضية فيما يبدو. فخلال محادثتهما الأخيرة، حين سرد ألدن قصة هزيمته لوينستون وشارك مقاطع مصورة لنزالاته المختلفة، وجه الفتى الأرتوناني أسئلة أكثر من ذي قبل حول مواهب الجميع وما يظنه ألدن في تلك المواهب. ربما صار من مشجعي مبارزات المتمرسين. نشبه النسخة الهواة القصوى لعروض بروتال رينغ. ينبغي إحكام تفاصيل الشخصيات والمنافسات في ذهنك لتقدير قتالاتنا تمام الاستحقاق.
علق ستيوارت: "أستمتع بذلك. قد تريني رؤية تلك الحصة أمورا تتعلق بقدرات المتمرسين وكيفية استخدامك لها والتي قد لا تتضح لي بطريقة أخرى".
"يسعدني التحدث معك في الأمر. ليس الآن، فمن الوقاحة ترك لوت، ولدينا وقت محدود للاحتفاظ بالقناع. أيكون الوقت لاحقا...؟"
بتر كلام ألدن ظهور كائن صغير على كم معطف ستيوارت. وراقب تسلقه ببطء على ذراع ستيوارت باتجاه كتفه.
قال ستيوارت: "الوقت لاحقا سيكون مناسبا. إن أرسلت لي رسالة حين يتفرغ وقتك، فسأتصل فورا".
"هناك كليرم على ذراعك".
نظر ستيوارت إلى الذراع الخاطئة.
"الأخرى. يتسلق كمك".
أطلق ستيوارت زقزقة حين لمح الكائن، ورد الكليرم بصوته الشهير سكييك-سكييك. أمسكه ستيوارت بينما كادت كفاه المطبقتان تكتمان الصوت.
"لابد أنه تسلل إلى أحد جيوبي! لماذا لم يتركه النقل الآني في المدرسة؟"
فتح يديه بحذر ليلقي نظرة ارتياب على الكليرم.
"ربما يكون أحد أولئك الذين أنقذتهم في اليوم السابق. أراد شكرك".
قال ستيوارت بينما لا يزال مركزا على يديه: "لعله أحد الذين أنقذتهم اليوم".
توقف ألدن بجوار طاولة مليئة بأحذية النساء الرياضية.
وكان شعار الشركة بخط عريض على اللافتة وسط الطاولة: "أضف السحر إلى جريتك".
وهو أمر مضحك بعض الشيء على أنيسيدورا مقارنة بالأماكن الأخرى.
"أما زلت تنقذهم؟ تعلم أنه لا توجد حاجة لفعل ذلك من أجلي".
"لا أفعل ذلك من أجلك. فعلت في اليوم الأول. لكنني الآن لا أستطيع منع نفسي عن ملاحظة كل مرة أصادف فيها نبتة تمسك بواحد، وإن لم أحاول مساعدته، أفكر بالموت والألم وأنت في حصتي القادمة. وهو أمر ضار بالتعلم. لذا أنقذتهم جميعهم اليوم".
قال ألدن مبتسما: "أنا آسف يا ستيوارت".
جعلته يقلق بشأن صاعق الحشرات في الحرم الجامعي.
"هذا خطئي. إيلاء اهتمام مفرط بشيء كهذا... أنا عرضة له".
"أنت تجعل النهر أكثر أمانا فقط. من أجل الكليرمز".
رمش ستيوارت.
وقال بعد برهة: "نعم. سأرفع هذا الفعل الجسيم للخدمة إلى مجلس الشيوخ الكبير للاعتراف به".
علق ألدن: "افعل. سأحدثك لاحقا".
كان ستيوارت يقهقه عند انتهاء المكالمة، وما زال الكليرم بين يديه يحدث صخبه. سر ألدن لأنهما سيتحدثان قريبا، لكنه انشغل قليلا بمدى برودة وقسوة القناع.
محاولا تجاهله، انتزع لافتة "أضف السحر إلى جريتك"، وخرج من المتجر، وأعلم لوت عبر رسالة نصية بنجاحهما في سرقة المكان.
حين خرج لوت، حاول ألدن إفزاعه بالإمساك به من الخلف. لكنه بالكاد لفت أنفاسه. فكر ألدن: ألوم آيمي فيلرا. فلديها تاريخ في الإمساك بالناس وجرهم بعيدا. لابد أنها فعلت ذلك مرات عديدة مع لوت حين كان أصغر سنا، وبات منيعا الآن ضد هذا النوع من الذعر.
سأل لوت حين خلع ألدن القناع وأراه غنيمته: "أتسرق إعلانا؟ يمكنني فعل ما هو أفضل بكثير".
"المطعم هو الأقرب، ولكن وفقا للقواعد، لا يُسمح لنا بالعبث إلا بسلال الخبز هناك، لذا لا أرى كيف".
قال لوت: "راقبني في أفعالي. الشر يسري في دمي".
بعد بضع دقائق، وبينما كان ألدن يراقب عبر نافذة مطعم، نجح لوت في موازنة عدة سلال خبز فوق زجاجات ومساند كراسي قبل أن تلتفت إحدى النادلات فجأة –ممن بدت غافلة عما يدور– وتصيبه بسرعة برغيف بريوش. عرف ألدن أن المرأة أصابت الهدف بدقة لأن الخبز ارتد عن شيء لم يستطيع رؤيته قبل أن يهوي على الأرض.
صرخت: "أمسكت بالشبح!"
هلل باقي النادلين وبعض رواد المطعم لها.
تشكى لوت وهو يفرك بطنه بينما تسابقا في الهرولة مبتعدين: "ذلك العنيف يرمي بقوة شديدة. وأظنها وضعت تلك الزجاجة الأخيرة فخا لي. هي من وضعت على الطاولة".
لم يكن المطعم المكان الوحيد الذي عد فيه الموظفون الإمساع بالزوار المقنعين رياضة. ظن ألدن أنه انتزع بسلاسة عربة قطار من متجر يبيع مستلزمات نموذج القطار، لكن أقراصا فومية بدأت تتطاير صوبه حين اقترب من الباب.
صرخ الشجل الذي أطلق الأقراص من مسدس ألعاب: "أنا طويل النظر! أراقب كل شيء في هذا المتجر. أأنت مع اللصوص، أيها الفتى الأشقر؟"
"لا، لا أعرفه".
"كيف عرفت أنه ذكر إذن؟"
"قصدت... أي لصوص؟"
ارتد قرص عن مؤخرة رأس لوت أثناء فرارهما.
قال لاحقا وهو يقضم آخر رغيف بريوش مهشم أثناء إعادة تجمعهما بجانب صندوق بريد واستعراض غنائمهما المسروقة: "أصبح السكان المحليون أكثر عدوانية بكثير منذ المرة الأخيرة التي فعلت فيها هذا. لكن الأمر يعجبني".
قال ألدن: "وأنا أيضا. أوشك وقتنا على النفاد. أسنعيد كل شيء في طريق عودتنا؟"
"إلا إن كنت ترغب في الاحتفاظ بغطاء الاستحمام ذي الحصان الأحاد إلى الأبد".
"سأضيفه إلى سلة هدايا الحصة. يجب وضع عنصر رفاهية مميز حقا هناك لإظهار ذوقي المذهل".
سيشتري عربة القطار أيضا. بدت كالعتلة التي وجد بو طفلا تائها يحاول التخييم خلفها.
رأى ألدن أن إعطاءه ما يذكره بأنه ليس "نوعا وضيعا"
هو التصرف الصواب. سمح لوت لألدن بارتداء أنيسيدورا أثناء إتمام مشترياتهم وعودتهم، وعادا إلى الواجهة أمام متجر الأقنعة وبحوزتهما بضع دقائق إضافية.
سأل ألدن: "مهلا، أتشعر أن وجهي يتجمد؟"
تساءل عما إذا كان الشعور سيصلح نفسه، إذ لم يكن قويا جدا في بداية مغامرتهما. لكنه لم يفعل.
مد لوت يده وضغط بظهرها على جبين ألدن: "حرارة عادية. أظن... أن تلك البرودة ليست حقيقية. بل شعور يختبره بعض مرتديه".
توجها للداخل. رحبت بهما الفتاة، وراقب ألدن تحفزها للقناع قبل إعادته لصندوقه.
"بصراحة، كم تكلفة شرائه؟"
"بصراحة؟ بلغت قيمة آخر قطعة مخصصة صنعها جدي لإنسان حوالي ستة ملايين".
أعادت القناع تحت المنضدة الزجاجية.
"واستغرق منه الأمر سنة ونصف لجمع كل الإمدادات والقيام بالعمل. يبقي السحرة أمره مزدحما باعتدال، ولا يحتاج إلى وظائف، لذا فهو لا يقبل سوى المشاريع الجديدة التي يراها ملهمة. لا أظن أنه سيبيع قناع أنيسيدورا بثمن قط. يعد جزءا من فنه السماح للناس باستخدامه بهذه الطريقة، ويستمتع حينا به".
نظرت إليه.
"أنت جديد تماما على الجزيرة، أليس كذلك؟ كيف كان الأمر بالنسبة لك؟"
أجاب: "كان جيدا. ممتعا حقا".
اشترى ألدن وليوت بضع قطع عادية قبل رحيلهما. اختارا قناعا نصفيا أحمر وأخضر ليوت ليرتديه في سوق عيد الميلاد، وآخر أخضر وذهبي لألدن. ثم انتقيا أغرب الأقنعة التي عثرا عليها لسلة هدايا الحصة.
قال لوت وهما يغادران: "حسنا. كنت أنوي المرور بالمتجر الأبيض. كل شيء هناك أبيض، ويعيدون تلوينه لك سحرا قبل أن تغادر. قد يستغرق ذلك وقتا بعيدا عن الأماكن الأخرى مع ذلك. أتريد تخطيه؟"
رد ألدن: "أفضل ارتياد السوق ومستوردي فيتونا. وهناك متجر ألواح تزلج متخصص بحثت عنه عبر الإنترنت بينما كنت توازن الخبز".
"من أجل هاويو؟"
"ظننت أنني سأحصل له على لوح أكثر تحصنا ضد العنف".
قريبا، اقتربا من الحديقة حيث التقى ألدن بنادي الباركور. وقد تحولت إلى سوق تعج بالخيم والطاولات والقباب. كان الناس يتوافدون بتعابير متلهفة ويخرجون بأكياس تسوق ووجوه ملونة وكعكات توابل عملاقة على شكل نلج أو أشجار. ارتديا قناعي عيد الميلاد. اضطر ألدن لربط قناعه من الخلف لتثبيته بدلا من إسناده ببساطة إلى وجهه كالمسحور.
قال لوت فجأة: "اعتاد وجهي الشعور بأنه يتجمد. حين ارتديت قناع أنيسيدورا. بدا باردا قليلا اليوم فقط".
توقفا كلاهما.
سأل ألدن: "أيعرف مدى شعورنا بالاطمئنان هنا؟"
"أظنه كذلك، أجل. عقدت العزم على الابتعاد لفترة طويلة. ولم تكن هنا سوى بضعة أشهر. سيبدو ذلك منطقيا".
"سيبدو كذلك".
هز لوت كتفيه.
"أظن أنه لا بأس بأن أشعر بالألفة أكثر من ذي قبل. فاحتقار البلد الذي تعيش فيه لا يفيد إنسانا".
"إن لطخت السجاد في غرفة معيشتنا تسع وتسعين مرة إضافية، ستتحد حقا مع أنيسيدورا. إنها تعويذة سمعت عنها".
"تبدو حقيقية".
نظر لوت صوب الحديقة.
"أيمكنني قول أمر يبدو خاطئا نوعا ما؟ ثم يمكنك التظاهر بأنني لم أفعل. يبدو أنني بحاجة لقوله بصوت عال، لكنه غريب".
"أعدك أنني أنساه بحلول الغد".
خرجت كلمات لوت كدفقة شبه عارمة: "يمكنني بلوغ قوة لا تصدق. في ليلة أنقذت أبي، سحقت الأسفلت تحت قدمي. وثنيت قضبانا معدنية بيدين عاريتين. استطعت الإبصار في الظلام. ورأيت كل تلك الوجوه الخائفة تنظر لأسفل من الأسطح حين كنت أجري عبر القطاع إف، وأدركت أنني أقوى منها جميعا. ورأيت وجوه الحراس الذين يمنعون الناس من العبور فوق الامتداد حين أبحرت فوق رؤوسهم، ولم يستطيعوا لمسي".
تنفس صعداء.
"حسنا. شكرا. انس الآن ما قلته. على أي حال، كنت تعرف بعض ذلك مسبقا، ورأيتني أبدو كيرقة بشرية لأيام متتالية مؤخرا، لذا أتمنى ألا تظنني أتفاخر".
"تتفاخر كثيرا بشأن أتفه الأشياء. لم قد أظنه تباهي حين تقول شيئا رائعا بحق؟"
"أنا لا أتفاخر".
"طوال فترة طوي الدببة القطبية كنت تتفاخر بطيك للأوريغامي أسرع مني!"
"هذا لا يُحتسب".
"ظننت أنا وهاويو أنك ستغير اسمك إلى نخبة لفترة من الوقت بعد حصولك على خطاب القبول".
"أنا النخبة لوت. أحد المختارين القلائل".
قلب ألدن عينيه وبدأ بالسير.
"أنت بخير. هيا، أيها المختار. سأشتري لك الغداء. لا أدري لماذا تظن أنك ستفاجئني بالتحدث عن مآثر قوتك الخارقة. أنا من قلت إنك قد تصبح مبالغة يوما ما".
"اقطع لسانك. لن أحدث".
"لا يستطيع أصحاب المبالغات إخبار الناس بقطع ألسنتهم. إنه أمر شديد التهديد".
ارتدت خطوات لوت حيوية.
"دعني أبحث عما يوجد هنا من طعام. كانت هناك كشك لفو مذهل العام الماضي".
أردف ألدن حين بلغا طرف السوق وامتزجا بالحشد: "أيمكنني سؤالك سؤالا واحدا بشأن ما قلته للتو؟ ليس جادا للغاية، لكنني في مزاج تساؤلي هذه الأيام فيما يخص مستقبلي ومستقبل الآخرين. المهن. أساليب الحياة. طرق العيش كإنسان. تعلم..."
"لست متأكدا من علمي، لكن أوافق على جانب السؤال".
"ما الذي ستفعله به؟"
نظر ألدن إليه.
"كل تلك القوة. ماذا ستفعل بها سوى وظيفتك في الكواكب الثلاثة؟ ليس الآن، بل حين تكبر. كأن تبلغ الخامسة والثلاثين".
"الخامسة والثلاثين تعد كبيرا؟ من الواضح أنك لم تنشأ بين الطامحين للخلود".
وقف لوت على أطراف أصابعه ليحاول الرؤية فوق بحر الرؤوس أمامه.
"أخطط لصنع الموسيقى. بطريقة ما وفي مكان ما. أما بخصوص القوة التي كنت أتحدث عنها للتو والتي وعدت بنسيانها... فلا شيء على الأرجح. لم تشكل جزءا كبيرا من حياتي باستثناء تلك الليلة حين احتجتها بشدة. ولست متأكدا من رغبتي في المزيد منها. ألا يمكنني الاستمرار كلوت فيلرا عازف القيثارة؟ بدلا من لوت فيلرا محطم الأرصفة".
"بالطبع يمكنك. سيفقد العالم شيئا لو تخليت عن عزل القيثارة".
خرجت الكلمات بسهولة. وكانت حقيقية. لكن إجابة لوت تركت ألدن بلا ما يتعلق به. أدرك أنه كان يأمل قليلا في أن يمنحه أقوى بشري قابله في فئته العمرية وميضا من البصيرة في روحه الخاصة.
وبخ نفسه قائلا: "كانت تلك توقعات مفرطة تضعها على شخص آخر. كن عاديا لفترة بعد الظهر، لم لا؟"
بدأ يتطلع حوله بحثا عن هدايا لكيبي.
* * *