210
* * *
كيف جئت إلى هنا؟ أحاط به العشب الطويل الأصفر من كل اتجاه. كيف يتكرر هذا مجدداً؟ لا رياح. لو ثبت في مكانه — وكان ثابتاً حقاً، قدماه غارقتان في الريبة والرعب — لما تحرك أي شيء. حتى الغيوم، المتهدلة فوق رأسه والتي تخفف من حدة النهار، بدت ساكنة بلا حركة. لماذا؟ كان المكان شديد الهدوء. أثناء العفة على أنيسيدورا، في مواجهة البحر الهائج، حدث ستيوارت عن هذا. عن مدى كراهيته له.
"حتى قبل سقوط العقد، كان سيئاً... بدا ذلك المكان كالموت حتى قبل أن يتحول إلى موت فعلي".
لقد دار ذلك الحديث حقاً. في زمن ماضي. متى كان ذلك؟ ثمة خطب ما. استدار ألدن ببطء في مكانه، مدققاً بصره. يجب أن أعود. بحث عن أي أثر للحياة، في أي مكان، فلم يجد شيئاً. المنزل. الأرض. الآن.
صرخ: "أيها النظام! أيها العقد! هل أنت هنا؟"
فترض بالسحرة من أليس-أرث أن يبنوا واحداً جديداً. واحداً أفضل. إن كان هذا هو الجانب السيء من القمر، وقد أتيح للعشب الوقت الكفاية لينمو مجدداً، أفلا ينبغي أن يكون هنا؟ أرجوك، ليس مجدداً.
"أيها العقد!"
لم تكن الإجابة التي وردت هي التي يبتغيها. شعر بضغط افتقر إلى الألفة لدرجة أنه ظن خطأً أنه انتهاك للخصوصية. شعور بأنه مراقب. مع مرور الوقت، صار عدواً مألوفاً للغاية. ذلك الشيء الذي ينبغي أن تقاومه طوال الوقت، والذي ينحت أطرافك ويتركك مائلاً قليلاً — الفوضى. لا. قال ألدن لنفسه إن الأمر ليس بالكثير. إنه لم ينهك. ولم يكن الشعور بالسوء ذاته. حاول أن يبقى هادئاً. لكن ذرة سوداء راحت تطفو بكسل من الأرض على بعد بوصات قليلة أمامه، وحين صعدت لأعلى، لامست شفرة عشب مفردة.
فذبل النبات وانحنى. حبس ألدن أنفاسه، وشعر كأن عقدة شديدة الألم تلتف في منتصف صدره. أحياناً، تغير اتجاهها فجأة. تراجع مبتعداً عن حشرة الشياطين، ولما لم يكن التراجع كفولاً بتبديد خوفه، استدار وراغ هارداً. المزيد من الذرات السوداء كانت ترتفع. وطنين يملأ الهواء. كان الأمر يحدث في كل مكان تقع عليه عينه وهو يفر. ظن أن السرب يبدو أخف قليلاً في الاتجاه الذي اختاره، لكنه اضطر مع ذلك إلى إبطاء خطواته ليمشي متمكناً من تفادي الحشرات.
وبدا الأمر شبيهاً جداً بما حدث في المرة السابقة. بل أسوأ. لم يكن يرتدي المعطف المخبري للحماية. ولم يكن يحمل شيئاً محفوظاً، لذا افتقر إلى ميزته. فكر بذعر: لابد أن للمنطقة الفاسدة حداً. ماذا لو اخترت الاتجاه الخاطئ؟ هل أنا اتحرك نحو مركز المشكلة أم بعيداً عنها؟ تحت قدمه اليمنى، خانته الأرض، فتعثر. احذر. أبطئ، أمر نفسه، وهو يملق الحواف المتفتتة للحفرة التي أوقعته. استمر في المشي.
ابق على قيد الحياة حتى يصل المدد. ابق آمناً. هذا هو الأهم. وكأن تلك الفكرة استدعته، وصله صوت آخر غير طنين الحشرات. كان خافتاً لدرجة جعلته يظن في البداية أنه يتخيله. لكن حين أدرك أنه حقيقي وحين تعرف على ماهيته، صار ذلك الصوت الفضي الصغير التغريدي صاخباً في قلبه كأي صوت سمعه طوال حياته.
"كبي".
اندفع اسمها خارجاً مع أنفاسه طاعناً صدره. ليس أنت. لا يفترض بك أن تكوني هنا. لا مفترض بك أبداً أن تمري بهذا مجدداً.
"يا كبي، أنا قادم لأبحث عنك!"
صرخ بالكلمات. لابد أنها تسمعه. لابد أن تعلم أنها لست وحدها.
"يا كبي، استمري في التصفير! أنا قادم!"
اندفع — بحذر يكفي كي لا يكسر عنقه في سقوط يتركها هنا وحدها في هذا الجحيم، وبسرعة تكفي لأن تفصله خطوات معدودة عن الاصطدام بشيطان. لقد انعطف نحوه بحدة حين توقع أن يمر متجاوزاً إياه. كان كلاهما يتحركان بسرعة تعجزها عن تفاديه. تحطم شيطان الجراد على صدره في الجهة اليسرى العلوية، ونظر لأسفل، مسجلاً الثوب المخلف في قميصه الهاواي، ومستعداً لذلك الشعور الذي انتابه حين لمسه أحدهم للمرة الأولى.
سيكون ألماً غير جسدي. ارتباكاً حاداً ومنتهكاً لشعور عجز عن فهمه حقاً. لكن الآن، ضربته ذرة الفوضى المركزة. ورغم كونه شعوراً سيئاً، إلا أنها كانت ضربة أخف من التي توقعها. لقد كان الشياطين أقل مما اعتادوا... أو كان ألدن أكثر. من يكترث؟ استمر في التقدم. بدأ يتحرك مجدداً. يجب أن أصل إليها. هل تسمع ندائي؟ ماذا لو توقفت عن التصفير؟ قبضت الفكرة على قلبه كقبضة يد، فزاد من سرعته.
لا يمكنني خسارتها. أين هي؟ انفجر الإدراك داخله بعد ثانية، وكان إدراكاً مذهلاً. ماذا أفعل؟ هذا ليس الماضي. أعلم الآن أن بمقدوري فعل ذلك دون مساعدة النظام. إن كانت قريبة بالقدر الذي يسمح لي بسماع التصفير، فيمكنني... كان ألدن مهارته. لقد كان هو مهارته. كان الجزء الأولي والأكثر أساسية مما يستطيع فعله بسلطته المقيدة شيئاً لا يزال يتعلمه. في حصة الرياضة وكرات التنس تطير نحوه، وفي شقة الاستقبال وحديزة تناوله مخروط بوظة مزخرفاً، وفي غرفته أيضاً في سيلينا نورث، متخيلًا تعلقه بطريقة ألطف قليلاً.
لا السلاسل المقيدة والآلة التي تخيلها مراراً في الأسابيع التي تلت إدراكه أخيرًا ما لا يفترض بنوعه القدرة عليه، بل شيء آخر. استهداف مانحي. اختيار الشخص الذي أرغب في خدمته بقوتي. بدا الأمر غريباً في سهولته ووضوحه له الآن. انبساطاً لجزء صغير لكنه مهم من ذاته، التفافاً نحو وقبولاً لـ... شمس شخصية. كبي. ها أنت ذا. في تلك اللحظة، ظن ألدن أنه كان بإمكانه العثور عليها من على بعد عالم بأكمله.
* * *
قال: "الحلم الذي يقلق ألدن مفعول بالمخاوف التي تكتم عقله وتخفي عنه الحقائق. لأساعده، لا أخبر عقله بما هو معقول أو حقيقي. أنا فقط أقدم التحديات والتغييرات التي ناقشها معي، وأراقبه بينما يختبرها".
كانت عيناه يينو-بيزث مغمضتين، لكن قدميها الحافيتين تحركتا بلا خطأ على طول مسار بيضاوي مرسوم على الأرض وسط الدخان الأبيض لنبات اليوشا. كانت الأوراق تحترق ببطء في وعاء ضحل موضوع على صدر ألدن ثورن، وراقب ستو-ارت-ه ارتفاعه وانخفاضه المنتظمين من حيث كان يقف في زاوية الغرفة.
تابعته المعالجة قائلة: "ممشاه معي قبل قليل عزز قدرته على ربط الأسئلة الحاضرة بالخبرات الماضية. أنت تعرف تأثير ذلك المسار بنفسك".
"الآن، أساعده في الحفاظ على الانفتاح الفكري إلى ما يتجاوز الحد المعتاد في حالات التوتر الشديد. عندما يصبح الخوف شديداً لدرجة تجعله عرضة للوقوع في فخه، أزيح بعضاً منه. أفسر نبرة ارتباكه، إضافة إلى خيوط رضاه وثقته وفقدانه. وبهذه الطريقة، أعرف متى عثر على ما كان يرجوه. أحياناً، أطمئن عليه بتذكيره بما نفعله، لكنه في أغلب الأوقات لا يعلم أنه يحلم".
انتظر ستو-ارت-ه حتى تكمل دورة أخرى حول البشري النائم قبل أن يتكلم.
"كان يجب أن يكرهني بعد لقائنا الأول، حتى لو تقبل اعتذاري. عندما علمت أنه ضائع، تفكرت في سلوكه ومعاناته. أعجبت به. تمنيت لو تسنح لي فرصة لقائه مجدداً، لكنني لم أظن أنه يرغب في لقائي".
لم ترد يينو-بيزث. كانت للتو قد اقتربت من ألدن وانحنت لتخز أحد أطراف أصابعه بدبوسها الطويل.
"الأم جلبته إلى بيتنا لأسباب أفهمها. لكنها سمحت له بالبقاء بعد ذلك دون أن تعلن وجوده لأحد. جاء ليراني. بدا سعيداً بلقائي في نهاية المطاف، لكن عندما غادر، ظننُّ ربما أن ذلك كان من باب الأدب".
قطعت بضع خطوات نحو مركز الغرفة.
"لاحقاً، أرسل إلي مقاطع فيديو من الأرض لأشياء يحبها. موسيقيون يعرضون في تشكيلات وحيوانات باللونين الأبيض والأسود تسمى الباندا..."
قالت يينو-بيزث: "توقف عن التسلل مغادراً زاويتك. لن يحدث أي مكروه للبشري الذي طورت هذا التعلق به".
* * *
قال: "الشياطين أكثر من أن تُحصى. ماذا لو تشتت عقلك البشري وأنت تحاول رؤيتها كلها، فلم تنتبه لوعورة الأرض؟ ستنقلب السيارة".
قضيا يومي الأرض الماضيين في حزم حقائب السيارة والاستعداد للبنجاة في رحلة طويلة. كفّ ألدن عن الحيرة لكونهما هنا معاً من جديد. لسبب ما، حدث الأمر. لسبب ما، أُعيد بناء معظم المختبر. لسبب ما، أراد الكون أن يموت ألدن ثورن وكيب بي. ولم يكن سبب حدوث ذلك يعنيه في شيء. لقد كفّ عن تعنيه اللحظة التي وجدها فيها هناك بين العشب، وأحاطها بذراعيه، وأخبرها ألا تخاف. ليذهب الكون إلى الجحيم.
سيحرص ألدن على خروج كيب بي من هنا وتخليد حياتها.
قال وهو ينظر إلى طبق الطعام على الطاولة أمامها بينما كانت أصابعه تفرع شعرها البني الناعم: "عقلي البشري بخير".
ومنذ أن بدأ تصفيف شعرها، أشارت إلى خمسة عشر سبباً مختلفاً يجعل مغادرتهما اليوم تفضي إلى كارثة، غير أن نصف الخثارة المخفوقة التي صنعها لها قد اختفى، وكذلك ثمار المارليك برمّتها. لذا، فإن ما كان يثير توترها لم يكن سيئاً بالقدر الذي يقضي على شهيتها. وبدَت بخير عندما كانا يقطفان الثمار. ففي الموضع الذي قامت فيه إحدى الصوبات الزراعية سابقاً، نمت شجيرات المارليك الآن، تُسقى بالرشاشات عينها التي استخدمتها مزرعة الإليبتا.
كانت تُسقى سابقاً، في الواقع، إذ أخذ ألدن كل رشاش فردي. وقد حُمّلت في السيارة مع ألف شيء آخر. لَفَّ أسفل الضديرة بقطعة الخيط التي أرادتها لربط شعرها. كان يطابق الأورياد حول عنقها. وكان يطابق طوقه هو تقريباً بتمام. ارتدى أداة الصبّ الخاصة به بوضوح على معصمه الآن، وضبط معلمته الصغيرة وهي تنظر إليها بزهو مرتين أو ثلاثاً. كانت فخورة بمساهمتها. فخورة بتطابقهما.
وانحنى ليرى وجهها، فقال: "عقلي البشري أفضل حتى من المرة الأخيرة التي اجتمعنا فيها، وقد أخرجنا من هنا يومها، أليس كذلك؟ لماذا تبدين متشككة إلى هذا الحد؟ أتتهكمين عليّ بهذا التعبير؟"
وعندما لم تجب كيب بي، حاول تخمين ما قد يجعلها أكثر ترددًا في الذهاب هذه المرة مقارنة بما كانت عليه من قبل. قد يكون ذلك غياب الضرورة. عندما فرّا من المختبر في الماضي، لم يكن هناك خيار آخر. كانت تضعف. وكان الخلاص بعيداً على مدى أيام كثيرة. أما الآن، فقد بدا هذا المختبر الجديد حصناً. ولم يكن مفيداً أن الأرض المحيطة به كانت لا تزال تعج بشياطين دقيقة لم يفلت قبضتها عن الوجود بعد لتتشتت في الفوضى المنتشرة العامة.
وكان بعضها قوياً بالقدر الذي يخلق ثقوباً في السيارة القديمة. أو لعل الأمر تعلق بالقوة بدرجة أقل، وتعلّق بدرجة أكبر بالفوضى المحيطة ببعض حشرات الشياطين مخلّفة التأثير الخاطئ تماماً في الجزء الخاطئ من التعاويذ التي حَمت المركبة. وأياً كان الأمر، فقد كان يخبرها أنهما سيقودان عبر أميال من تلك المخلوقات. وقد رأينا كلانا تلك الآثار في العشب مجدداً. شيء أكبر— لفت انتباهه طنين، فرفع نظره ليراقب أحد الشياطين الضالة التي تتسلل أحياناً إلى المختبر وهي تحوم فوق الميكروويف.
وسأل مشيراً إلى منديل الورق بجوار طبقها: "كيب بي، أيمكنني أخذ هذا؟"
أومأت برأسها، فالتقطه. أقسم أن هذا هو نوع المنديل نفسه الموجود في الكافتيريا الشمالية. أأحضرته معي في جيبي ونسيت؟ كان أصل المنتجات الورقية ذات الاستخدام الواحد أقل أهمية من جعلها تشعر بتحسن. احتفظ بالمنديل ومشى متوجهاً إلى الميكروويف.
وقال ممسكاً بالمنديل أمام حشرة الشياطين المتقاطعة: "شاهدي هذا بكلا شقي انتباهك".
أصدرت صوتاً معترضاً قُبيل اصطدام الشيطان بالسحر الذي أبدعته مهارة ألدن. غير أن المخلوق المتحول تهشم عند الاصطدام واختفى إلا من قطعة مسودة واحدة ربما كانت جزءاً من هيكل خارجي. أو لربما كانت أي شيء آخر حرفياً نظراً لتداخل الفوضى. سقطت القطعة على الأرض.
وقال لها: "في المرة الأولى التي ضرب فيها أحد تلك المخلوقات درعي، كنت خائفاً. بدا قوياً للغاية. أما الآن، فأنا أفهم أكثر، وأنا أشد قوة بكثير. مهارتي أقوى مما كانت عليه عندما حملتك إلى هنتيون أليس-أرث".
صححت له كيب بي: "حملتني طوال الطريق تقريباً. لقد ساعدتك في الوصول إلى قبة السفر في النهاية".
أومأ ألدن: "لقد فعلتِ".
وقالت بصوت خفيض ووجهها يرتد نحو طبقها: "كنت مصاباً. في المرة السابقة، كنت مصاباً. لقد ساعدك الأفوِيد روررو... لكن الأمر كان..."
عظام مكسورة. رئتان متسلختان. جلد مفقود من قدميه، وقروح تحرق ظهره. تداعت إلى واجهة عقل ألدن ذكرى الاستيقاظ للمرة الأولى في قبة السفر، وقد أُصلح جزر منه فقط وغمرته الآلام. إن انتهى بي المطاف على تلك الشاكلة مجدداً لأني أصررت على مغادرة هذا المكان... فما مصير كيب بي؟ وبينما كان يراقبها وهي تتم فطورها، بدأ شعور بالرهبة ينمو متجاوزاً في قسوته فوضى العالم التي تسحقه.
* * *
قال ينوي-بيزث ناظراً إلى هيئة ألدن النائمة: "هذا مثير لاهتمام. لقد عثر على مخافة لم نخطط لها. أو ربما ظهرت من تلقاء نفسها مخافة خططنا لها، في نقطة من الحلم لم أكن أتوقع ظهورها فيها".
وسأله ستو-ارتش: "ما الذي ستفعلينه من أجله الآن؟"
فكرت للحرظة، ثم مدّت يدها نحو عصا سحرية تلقى على الأرض بجوار أذن ألدن.
وقالت وهي ترسم خطاً في الهواء بطرف العصا: "إنه يحاول تهدئة نفسه والتفكير في الأمر بهدوء. سأخلق مساحة في الحلم ليتسنى له فعل ذلك".
* * *
سار آلدن في الممرات المنحنية بالقسم السكني للمختبر. كان وحيداً في هذه اللحظة، يحاول كبح جماح شكوكه. كانت لديه خطة. عملا عليها منذ اللحظة التي حملها فيها إلى هنا. لكن الآن… بات يخشى أن يكون محاول الهرب خطأً فعلياً. إذا كنت مخطئاً بشأن امتلاك القوة الكافية لإخراجنا من هنا، فقد تقبع هناك مع جثتي بلا أي سبل للنجاة. لم يكن حدث الفساد هذا شبيهًا بالسابق. اختلف بطرق صبت كلها في مصلحتهما، باستثناء جهلهما المشترك بكيفية انتهاء بهما المطاف عائدين إلى ثيجوند.
ظن آلدن هذه المرة أنه قادر على تهريبهما. كانت الخطة حاضرة برمتها في رأسي. تقريباً كما لو أنني عملت عليها قبل أن أعلق هنا مرة أخرى. مرشات المياه. الطعام. الأقراص الناقلة. سائر المؤن. مثلت جدران كوخ الشحن عناءً شاقاً في هدمها وتحميلها فوق سطح العربة، وقد تفتقر للشحن الجيد من دون القاعدة التي وجب تركها خلفهما. لكن دفعها لهما مسافة أطول ولو قليلاً على العجلات، سيعفي آلدن من التذمر بشأن جرها رفقته.
كان مفترضاً بهما الإفلات من الفوضى، والتجهيز نحو المكان الذي بلغته أليس-آرتها آخر مرة وقع فيها هذا، والمتابعة. تقع أنقاض مدينة مهجورة في ذلك الاتجاه. لا يزال بضع نفر يعيشون هناك. سيجدان مأوى وبعض وسائل الاتصال مع تلك القلة المنعزلة إن أمكن.
وإن تعذر، سيقطعان القمر بأسره، وسيمشي آلدن مخترقاً تشايكلو وكيبي على ظهره، ليقول لأول أرتوناني يصادفه: "نرجو مساعدتكم بلطف".
بدا الأمر ممكناً. ومع تعثر أمور عدة، وُجدت حتى خطط بديلة واحتياطية… بيد أنه لا توجد خطة تنقذ كيبي إذا لقى آلدن حتفه. اجتاز باباً تلو الآخر، متمزقاً من شدة الحيرة. أنا متأكد تقريباً من قدرتي على فعلها. وأنا متأكد تقريباً من قدرتي على حمايتها هنا في المختبر ريثما يصل المدد أيضاً. بوسعه حراستها طوال لحظات يقظتها. يمتلك الآن سلطة مقيدة تزيد عن الضعف. ستصمد مهارته، وسيكون أكثر استقراراً، ولن ينهك قبل قدوم أحدهم.
إن جاؤوا بالسرعة نفسها التي حضر بها الرباعي. إن جاؤوا من الأساس. ألا يمل هؤلاء في مرحلة ما من إصلاح هذا القمر اللعين ويتخلون عنه للأبد؟ لا بد أن هناك أناساً يعبأون لأمره. فقد بنوا مختبراً آخر. وإن حُميت بمهارته طوال الوقت تقريباً، فستكون كيبي بخير طالما ظل آلدن على قيد الحياة. مثلت المغادرة في المرة الفائتة ملاذاً أخيراً بحق. وهذه المرة… باتت خياراً ملزماً لهما كليهما.
خيار. موسم اختياري. سرني امتلاك واحد. كيف انتهى بي المطاف هنا؟ نحى الفكرة جانباً واستعاد تركيزه. شكلت مسؤولية إنجاز كل شيء بدقة وتفادي هلاكهما عبئاً شاقاً من قبل، وها هي تطل برأسها مجدداً، بكميات تفوق الاحتمال. ستذهب كيبي إن أمرها، أو تمكث إن أخبرها بأن ذلك هو الأفضل. شعر بوحدة مطبقة مع هذا القرار لدرجة دفعته للصراخ. أأفقد صوابي؟ أرغب في ذلك. لكنني عاجز عن فعله أمامها.
لا ترويع للصغيرة. انعطف بغتة إلى إحدى الغرف، بلا غاية سوى الظفر بالمزيد من الخصوصية. احتاج للحظات يلملم فيها شتات نفسه قبل الذهاب للقثها وإخبارها، بدفء وثقة، بأنه يعلم ما يفعله. هكذا تسير الأمور الآن. أنت الصخرة. تصيب كبد الحقيقة، أو تخطئها. انطبق الباب خلفه. انزلق محاذياً إياه وجلس متربعاً، مغمض العينين، محاولاً السيطرة على نفسه. وعندما فتحها مجددًا، وجد نفسه مواجهاً للوحة مألوفة على الجدار.
قال: "أنت. لست مفترضاً تواجدك هنا".
لكن مجدداً، ما منا أحد مفترضاً تواجدك هنا. بدا الفارس في اللوحة تماماً كما تذكره آلدن حين رآها في مدرسة رابورت. متى كان ذلك الوقت المضى؟ رغم حضور المشهد القرمزي الأجرد والفارس بنبته الدقيق وقنديله، فقد فقدت اللوحة جاذبيتها السحرية. وعوضاً عن السقوط في جوفها، استطاع آلدن تأملها بشكل عادي. قرر مقترباً منها: لا بد أنها نسخة. قد يغيب السحر، لكنه لا يزال يستحضر المشاعر التي أثارها العمل الفني في نفسه بوضوح كأنه رآه بالأمس أو أول من أمس.
كان الفارس متعباً. تحاصره الفوضى من كل حدب وصوب. كان يحمي رقعة ضئيلة من ذلك العالم بوجه أشكال الشياطين المظلمة. كان وحيداً في جحيم مقفر أيضاً. ضغط آلدن بيديه على اللوحة من جانبي صورة الرجل. شعَرَ بالخشونة تحت راحتيه، مقرباً وجهه. أمعن التفكير مطولاً فيما يراه هناك.
قال أخيراً مبتعداً: "شكراً لك. أنت مذهل هناك بنورك والحياة التي تحرسها. آسف لاضطرارك للتواجد في ذلك المكان. أمل أن يعني وجود لوحة لك أنك نجوت".
غادر الغرفة ليجد كيبي بانتظار العربة المحملة. انحنى أمامها، بينما تتخبط الحصى تحت قدميه.
قال متناولاً إحدى يديها ومبتسماً بكل ما أوتي من ثقة: "اسمعي، هذا المكان خطر علينا. لقد آذانا الحبس هنا طويلاً. فوضى مفرطة، وجهل بما يجري، وذلك الوقت الذي كدت تفقدين فيه عيني بالحجر الذي رميته—"
ردت كيبي: "كان ينبغي لأفضل مبايع القدرة التقاطه".
ضحك من أجلها.
"كان ينبغي لي. أنت على حق. لكن هذا المكان خطر. وهو نتن. ومهارتي ومعي قادرتان على إخراجنا. ثقي بي. سأصحبك إلى تشايكلو. سنشاهد مهرجاناً للشعر سوياً، وتفسرين لي كل الكلمات المعقدة لعقلي البشري، اتفقنا؟"
تحول وجهها للجدية.
"نعم".
قال ضاغطاً ببعض الحماس: "حسناً! لننطلق!"
صعدا إلى العربة. سيتشاركان مقعداً واحداً. ومع خطر تسلل إحدى جندب الشياطين عبر الزجاج الأمامي، أراد آلدن حماية كيبي طوال الرحلة حتى حافة منطقة الفساد. لم تنتشر بهذا القدر بعد. وإن جرى كل شيء على ما يرام، فلن تضطر لاختبار الفوضى مجدداً. فكر ضاغطة على سلسلة الأزرار المحفوظة: سأخرجنا من نطاقها ثم أتركها تتولى القيادة لدورة واحدة. ستظل معدتها ممتعة بوجبة الإفطار الأولى.
وستكون في كامل يقظتها ومبتسمة. كانت معدته هي الأخرى تضطرب.
سألت كيبي بفضول عابرة بيدها نحو جبينه: "من أين لك بهذه؟"
بعد ثانية، هوت النظارات الشمسية المستقرة هناك لتستقر على قنطرة أنفه. أحضرتها معي أنا الآخر؟
"من أحد مبايعي ريه-بت على أنيسيدورا. إنها زينة الوجه التقليدية لأصحاب القمصان الهاواية".
"تبدو كأنها نظارات واقية للإضاءة الشديدة".
وافقها: "وهي كذلك أيضاً".
دوت المحركات بالحياة.
"أيمكنني حمايتك بمهارتي الآن؟"
"علي أولاً إخبارك بأنني أضفت شيئاً إلى العربة. مكوناً آخر للأسلحة. تحسباً لاحتياجنا لها".
"مزيد من المتفجرات؟"
"إنه الوعاء الأخضر في الخلف. لا ينفجر تلقائياً".
"حسناً".
حذرته: "لا تشربه".
"سأحاول المقاومة".
حدقت إليه بعين بنية واحدة بينما انحرفت الأخرى قليلاً لتحدق من فوق كتفه في المكان الذي يتركونه خلفهم. مجددًا.
"يمكنك استخدام مهارتك علي الآن".
أومأ برأسه: "لقد افتقدتك حقاً. لنغادر من هنا ونشاهد بعض الكلي-باك سوياً".