178******
قالت امرأة: "يكفيك إطالة النظر إلى الجيران يا رو".
ولمست المفتاح الذي أظلم نافذة غرفة النوم، فحجبت المشهد عن البيت المجاور وحولت نهار ثيغوند إلى ليل.
"لكنهم راحلون. حتى الأجداد. واستدعوا ساحرة من تشايكلو. إنها تلف المنزل بـ..."
"لا تقولي شيئاً عن هذا. اجلسي مع أخواتك. حان وقت القصة، ثم ثلاث سلاسل كلمات لكل واحدة قبل النوم".
* * *
سأل جينيث-آرث وهو يجمع شعر ابنه برفق بين أصابعه في ضفيرة مرخية: "أتريد أن أقص عليك القصة الآن؟"
جلس ستو بلا حركة قط، ووجهه موجه نحو الجدول.
"أكانوا على حق حين منعوني من سماعها؟ أستبكي لها؟"
سأل ستو بصوت خفيض: "أيمكنك سردها كلها بالريتيان؟"
"أجل. متأكد أنها ستكون أفضل هكذا. إنها قصة قديمة، بعد كل شيء. تبدأ هكذا..."
* * *
قال إش-يردي، وهو جاثٍ مقابل ألدين ثورن على مسدس أخضر يعلو بحراً مقمراً: "في زمن سبق الكتب ولم يسبق الذاكرة، في عصر قبل المدن ولم يسبق السحر، حين كانت كوكب الأم مليئة بأخطار ولّت منذ زمن بعيد، وُجدت قرية مختبئة في أعمق جزء من أعمق غابة في العالم".
* * *
أعلم الآن ما ستسأله لأن الجميع يسألون. أهي القرية نفسها من تلك القصص الأخرى؟ تلك التي يجد فيها الرجل المسافر ذو الذيل بيتاً؟ تلك التي تقابل فيها امرأة القوة الديتشا؟ أجل، إنها تلك القرية ذاتها. بعيدة ومنسية إلا عمن يعيشون فيها. لكنها تلك القرية كما كانت قبل وقوع معظم القصص الأخرى. لم تكن امرأة القوة قد وُلدت بعد، ولم يكن الرجل ذو الذيل قد خطا خطوات رحلته الأولى. هذه هي تلك القرية في وقت لم يكن لديهم فيه سوى ساحرين اثنين، وكان الناس يعيشون في خوف غالباً.
كان السحر في تلك الأيام يختلف عما هو عليه الآن. لم تكن هناك مدارس تدرب الناس على طرق ومسؤوليات التحكم بالواقع، لذا لم يكن ساحرتا القرية كما قد تتخيلهما. كان الاثنان أخوين، ويقول البعض إنهما توأمان. كانت سلطة الأخ الأصغر هائلة، وعقله ذكياً. وحين كانت التعاويذ الصغيرة وسلاسل الكلمات أقصى ما يعرفه معظم الناس، تعلم أسرار العناصر وسمع همس أمثاله في بلدان بعيدة. وحين كان صبياً فحسب، استطاع امتصاص الرحيق من زهور طنانة دون أن يُلسع، وحين أصبح شاباً، جوّف جذع شجرة وملأه بنار بلا جوع ليدفئ نفسه ليلاً.
لا بد أنك تفكر فيما يفكره أي شخص يسمع هذه القصة للمرة الأولى. ألم تكن حظوظ أهل القرية أعظم من حجم السماء؟ أن يكون لديهم مثله بينهم، حتى في زمن يسبق المدارس. لعلَّه صنع أراجيحهم متينة بحيث لا تنقطع أبداً واستخدم سلطته ليختم سلالهم لكيلا تسيل. لعلَّه شاركهم كل رحيق وجده وحذرهم من الأشجار ذات القلب المتعفن ورفع الضعفاء إلى بر الأمان حين كانت وحوش الغابات غير المتسلقة تأتي للصيد.
حسناً، لم يفعل. صنع أرجوحته متينة، وعاد إلى القرية كل ليلة ورحيق الزهر يملأ فمه وبلا زهور في سله، وتذمر حتى حين كانت عائلته هي التي تريد مشاركة دفء النار التي بلا جوع.
"أنا أعتني بنفسي. بقيتكم لا تملكون شيئاً أحتاجه، فلماذا أساعدكم؟"
هذا هو نوع الشخص الذي كانه الأخ الأصغر. ليس له اسم في هذه القصة فلماذا يُذكر اسمه؟ أخذ هواء الأم وأكل من أرضها ولم يرد شيئاً سوى ما اشتراه الآخرون في القرية منه أو انتزعوه بتوبيخهم. من أجل نفسه، عاش. ووحدَه، مات. وعلى ألسنتنا، يبقى ميتاً. أما أخوه الأكبر، فله اسم نتذكره حتى بعد كل هذا الوقت. واسمه هو برر-بررروب-بررويبيبيبيبي-يييييييمب!
* * *
كان الصوت الذي صدر عن فم إش-يردي مباغتاً لدرجة جعلت ألدين يثب واقفاً تقريباً، بعد الصوت الثري المهدئ الذي كان يسرد به بقية القصة. انتهى به المطاف على ركبة واحدة، مبتعداً عن الفارس وممسكاً بيديه إلى صدره، بينما تردد صدى النقيق المروع من حولهم. أطبق إش-يردي فمه وأشرق بابتسامة له.
قال ألدين عاجزاً عن منع نفسه من الضحك: "لا! لا. كان أعلى وأغرب من المرة السابقة حتى!"
"لا أعلم ما تعنيه. إنه اسم الأخ الأكبر فحسب".
"هذا اسمه؟ أشعر بالأسف نحوه حقاً. بماذا كان والداه يفكران؟"
"لم يكن اسمه دائماً. عُد إلى هنا واستمع. إن أخفتك لدرجة تجعلك تقفز من فوق الابن ذي الحواف التسعة الذي تهجره أمه نفسها، فقد تمنعني عائلة آرث من زيارة منزلهم بعد الآن".
* * *
ربما تتساءل كيف يتسنّى لأيّ شخص، حتى لو كان عتيقاً، أن يحمل اسماً كهذا. والجواب هو: لأنه لم يشبه أخاه الأصغر قطّ. كانت سطوة الأخ الأكبر أقوى من سطوة بقية القرويين، لكنها بدت كهبّة ريح أمام الإعصار مقارنةً بسطوة الأصغر. ولم يكن الأكبر أذكى من الكثيرين ممن عاشوا في ذلك المكان. غير أنه كان دؤوباً صبوراً في أفكاره، ومع انقضاء سسن شبابه، اهتدى إلى سبيل لاستخدام سطوته من أجل الآخرين.
تعلّم كيف يستعملها ليغيّر صوته. ...أتراسي تشكّك فيما إذا كان ذلك مثالاً حقيقياً على السحر أساساً؟ أنا أتفهم سبب شعورك هذا، لكن في ذلك الزمان، وفي تلك القرية، حتى الكالغون امتلكوا أصواتاً بسيطة للغاية. اكتفوا بالتصفير بشفاههم والتصفيق بأيديهم والضرب بقبضاتهم. وعجزت حناجرهم عن إصدار أيّ من تلك الأصوات، مهما بذلوا من جهد. وكانوا قوماً هادئين لأن الصياح أو الغناء كان يجلب الخطر إليهم.
وخلال موسم الهمس خصوصاً، ربما عجزوا عن سماع أصواتهم أكثر من عدد أصابع أيديهم. هكذا كان الحال إذن، على الرغم مما يبدو عليه الآن من غرابة. لكن الأخ الأكبر! فحتى في موسم الهمس، استطاع أن يغني لهم جميعاً. غنى بصوت الأجنحة الساكنة التي حلّقت بعيداً فوق الأشجار بحيث لم يقترب أيّ وحش قطّ عند سماع صوتها. جرّب بنفسك الآن. هكذا: أيييتوتوتوت، أييييتوتوتوت، أييي...
غنى الساحر هكذا في أحد الأيام. وفي اليوم التالي، غنى بصوت المطر على الأوراق. وفي اليوم الثالث، اختار صوت سскسскسскسس للحشرة لأنه ذكر القرية بأن الموسم القاسي سينتهي وأن موسماً أيسر سيليه. ومع كل صوت تعلّم إصداره، وجد سبيلاً جديداً لمساعدة قومه. وغدا صوته أغلى ما في القرية بأسرها. وبدا الأخ الأكبر بالنسبة إلى جيرانه جميلاً ونافعاً وطيباً. وأما الأخ الأصغر، الأكثر قوة، فاستبد به الغرور حين رأى كيف ابتسم الجميع لشقيقه.
انحشر ذلك الساحر إلى جانب دفئه بينما ارتجف الآخرون وحافظ على شحمه بينما مضغ البنوك لحاء الشجر، وحدّث نفسه بأن أخاه كان مخطئاً في مساعدة القرية.
فكر قائلاً: "الشخص الغبيّ وحده هو من يعطي دون أن يُجبر على ذلك. وأخي أناني مثلي تماماً؛ إنه أناني من أجل نيل صداقتهم. لهذا السبب يساعدهم. ليس إلا هذا. ولو كلفه الأمر أكثر بكثير، لتخلى عنهم".
كرّس جُلّ انتباهه لأفكار كهذه، حتى تداعت إلى كراهية حالكة.
حسم الأصغر أمره: "سأريهم الحقيقة. سأريهم أنهم مخطئون في العبوس في وجهي والابتسام له".
وهكذا نهض من جوار جذعه، وسار نحو شجرة ويفي محبوبة قريبة. كانت كل ثمرة نفيسة تُقطف فور نضجها وتُتقاسم بين الجميع، كما جرت العادة لأجيال. لذا لم يدرِ أهل القرية أنه لو سُمح للثمار بالسقوط والتعفن، فإن رائحتها ستدفع الوحوش العاجزة عن التسلق إلى جنون الجشع. لكن الأصغر كان يعلم. لأنه جاع يوماً وأنضج بعض الثمار لنفسه قبل أوانها، ثم تركها في أحد مخابئه كي لا يتجرأ أحد على لومه بتعريض الشجرة للخطر.
وفي ذلك اليوم الذي انقلبت فيه أفكاره إلى كراهية، أنضج العديد من ثمار الشجرة الفتية حتى تفجرت. ثم ترك قطعاً منها في أثر يقود نحو القرية، وانتظر.
فكر قائلاً: "لنَرَ إن كان أخي سيساعدهم الآن. لنَرَ كم ينفع صوته حين تحضر الوحوش. سيترك الشيوخ الضعفاء قرب النار. ولن يهرع إلى النهر لإنقاذ الأطفال الذين قصدوه لجلب الطعام. وحين يرى الوحوش تتصرف بطريقة أشرس بكثير مما عاينه من قبل، سيلوذ بالأشجار".
أيّ شخص سيُقدم على ذلك. أيّ شخص... أتظنه أصاب فيما فكر فيه؟ ألا؟ ماذا لو أخبرتك أن كل ما استساغته الوحوش أكثر من ثمار الويفي العفنة كان لحم القرويين؟ وماذا لو أخبرتك بأنها بلغت من السرعة حداً يضطرك لتسديد نظرك في اتجاهين في آن واحد لمجرد حيازة فرصة تفاديها؟ أو ماذا لو علمت بأنها امتلكت مخالب خبيثة لدرجة أن خدشاً واحداً كان يكفي لإمراض المرء والقضاء عليه ببطء؟ تلك كانت هيئة الوحوش في الأيام العادية.
تلك كانت الوحوش التي أطلقها الأخ الأصغر على قريته. الأولى في طريقها للوصول في هذه اللحظة بالذات، ويصدر عنها صوت كهذا: شششششششششششششش. ششششششششششش. ششششش.
حتى حين تتحرك بسرعة تعجز الأعين عن إدراكها، حتى حين تسكر تلك الوحوش بـعذوبة التفسّخ، تعرف الوحوش غير المتسلقة كيف تلتزم الصمت. لا تسمع سوى صوت الغابة، وهو يعبر تحت مخالبها تحتك بجوانبها وهي تجري نحو وليمتها.
لذا لا تعرف أن أحدها بلغ القرية إلا حين تسمع أحد المراقبين يطلق صرخة تحذير: "الوحوش هنا. الوحوش هنا".
لا تكون الكلمات صرخة في هذا الفصل، لكن الجميع يتحركون بمجرد سماعها. يبدأ القرويون بالتسلق — فوق الحبال، فوق الأغصان، فوق الكروم. وبعضهم يجري نحو النهر. وطفل أصغر من أن يعي ما يجري يحاول الاختباء تحت ورقة شجر عريضة. الأخ الأصغر يراقب. والأكبر ينهض من المكان الذي كان يستدرج فيه الدود ليخرج من جذور إحدى الشجيرات. يرى الوحش الأول ووحشاً ثانياً خلفه. وثالثاً. وكلها أشرس بكثير مما عهدها طوال حياته، ويفكر، لا أستطيع فعل كل هذا.
لا أستطيع إنقاذ الرضيع تحت ورقة الشجر، والصغار عند النهر، والشيوخ الذين يصارعون الزمن لمساعدة بعضهم على النهوض من جوار النار. ماذا عساي أن أعمل؟ ومختبئاً على بعد خطوة واحدة فقط بالسحر — لأنه حقاً شديد الذكاء والبراعة — يبتسم الأصغر للخوف المرسوم على وجه أخيه. لأنه يظن أن الأكبر خائف على نفسه. حالما يتسلق، سأقتل الوحوش، يفكر الأصغر. حالما يتوقف الجميع عن الاعتقاد بأنه أفضل مني بكثير.
ليت أخي كان هنا الآن، يفكر الأكبر، لكان بإمكانه إنقاذ أهلنا. إنه يستطيع فعل الكثير من السحر، وكل ما أملكه أنا هو صوتي. كل ما تملكه هو صوتك، يفكر الأصغر. تسلق شجرة. وانسه البقية. كل ما أملكه هو صوتي، يفكر الأكبر. كل ما كان يملكه هو صوته، وبينما فتح أحد الوحوش فكيه على مصراعية ليحصد أول حياة، فعل الأخ الأكبر الشيء الوحيد الذي خطر بباله بذلك الصوت. سامح الراوي على تقليده الرديء له، لكن الأخ الأكبر قال: برر-بررروب-برريييي-يييييمب!
برر-بررروب-برريييي-يييييمب! برر-بررروب-برريييي-يييييمب! برررررررروووووووووووووووووووووووووووووووب.
* * *
قال إش-يردي: "أأنت بخير؟"
قال آلدن، وما زال يغطي أذنيه تحسّباً لأي تكرار لما حدث: "أنا بخير. لكن أعتقد ربما يجدر بك الاتصال بجميع علماء الزلازل وإخبارهم بأن ما حدث كان أنت. لا حركة في صفائحنا التكتونية".
بدا إش-يردي ممتناً.
* * *
أصدر الأخ الأكبر صوتاً مهولاً ماتت المخلوقات المستهدفة به في الحال. وبلغ من روعه أن تساقطت المخلوقات الطائرة من السماء وغاصت المخلوقات الحافرة في الأعماق حتى لم تعد أبداً. وكان بوسع أطفال النهر ملء سلالهم بالأسماك الطافية على السطح إثر ذلك الصداع، لو لم يكونوا مختبئين في ذعر. وحتى أولئك الذين شهدوا فعلة الأخ واحتفلوا بانتصاره اعتراهم الاضطراب. وفقد رجل شعره كله، ولم يجد أحد رغبة في الإنجاب بقية الموسم.
لكنهم كانوا بخير، في الواقع. وكان ذلك أفضل من التعرض للأكل. وما إن تعافوا، حتى صارت الحياة في القرية أيسر مما كانت عليه. تجنبتهم الوحوش. وراح الأخ الأكبر يغني لهم طوال الوقت ليمحو بقايا الخلع. وبدا الأخ الأصغر أبعد ما يكون عنهم. لم يكن ذلك بمثل روعة انضمامه إلى أفراحهم ومساعدتهم في أعمالهم، لكنه على الأقل لم يكن متلهفاً إلى استعراض كل ما يعثر عليه من كنوز وما يصنعه لنفسه من متع.
ومرت سنوات مبهجة... غير أن سنة سيئة حلت بعدها. وتلتها أخرى. كان الطقس جافاً حين وجب أن يكون رطباً، وبارداً حين وجب أن يكون حاراً. ووهنت شجرة الويفي قبل أوانها وصارت تعطيهم القليل فالقليل، وطردت سمكة جديدة غريبة ذات لحم يسام الأبطان الأسماك الطيبة من النهر. وامتلأ الهواء بأسراب آكلات الدماء التي تستطيع تجفيف دم طفل حتى الموت في ظهيرة واحدة. وامتلأت الليالي من جديد بصوت الششششششش للوحش الزاحف بين حين وآخر.
وباستخدام صوتاً، منع الأخ الأكبر القرية من الهلاك. فقد عرف الصوت الذي يطرد آكلات الدماء وذلك الذي يستدعي آخر الأسماك الطيبة إلى السطح. ووقف أحياناً طوال اليوم بجانب شجرة الويفي، مغرياً الملقحات نحوها بأصوات أقرانها وصارفاً الحشرات الضارة عنها بصرخات مفترسيها. لقد كان عظيماً، لكنه كان شخصاً واحداً فقط. وعرف الجميع أنه لن يستطيع قريباً كدح البلاء. وسيأتي يوم لا يفيض فيه الطعام، وسيتعين عليهم بدء الاختيار.
أي رضيع؟ وأي شيخ؟ وأي نفس فريدة ثمينة تستطيع القرية الاستمرار من دونها؟ وحينئذ... اختفت فتاة من القرية في رحلة صيد. ومضى يوم كامل وليلة، وما إن قرروا أنها فقدت للأبد، حتى تعثرت عائدة إلى القرية. وكان جسدها مغطى باللدغات. ولم تفتح سوى عين واحدة. وكانت يداها وذراعاهما منتفختين حتى بالكاد استطاعت حمل الهدية التي جلبتها لهم، وكانت هدية رائعة لأولئك الجياع — سلة مبطنة بالشمع ومملوءة برحيق الزهور الطنانة.
وأخبرتهم أنها سارت أبعد بكثير مما ينبغي، مقتفية أثراً وصل إلى أنف زادته الحاجة حساسية.
وقالت من خلال شفاه غليظة بالكاد فهموها: "ووجدتهم هناك. بقيت حتى عصرت الرحيق من كل زهرة. كلوا. كلوا."
وسألوها جميعاً لمَ؟ لمَ لم تقطع الزهور وتجلبها عوضاً عن ذلك؟ في القرية، يمكن تجفيف الزهور، وستموت اللدغات الكامنة داخلها. وكان بإمكانهم الحصول على الرحيق بتلك الطريقة، دون أن تصاب بأذى.
وأوضحت قائلة: "يمكننا الحصول على الرحيق مرة واحدة فقط بتلك الطريقة. أما إذا ظلت الزهور واللدغات حية، فيستطيع أحدهم السير إليها وجني المحصول كل بضعة أيام."
وقالت إنها ستؤدي المهمة بنفسها كلما استطاعت.
وقالت للأخ الأكبر: "أتمنى لو أستطيع الطنين مثلكم وتهدئة اللدغات. ولكن بما أنني لا أستطيع، وبما أنكم مشغولون للغاية لأجلنا، فيجب تحمل الألم."
وعند سماع ذلك، راود الساحر الطيب المنهك فكرة فجأة. وذهب إلى المنزل الذي بناه أخوه الأصغر لنفسه؛ وقد صار يشبه قصراً شجرياً بحلول ذلك الوقت، بمساحة أكبر من أي عائلة في القرية.
وحين عثر على أخيه قال: "أنت قوي للغاية، وتعثر على حقائق جديدة بالسهولة التي أكتشف بها غصناً على الأرض. أنا متأكد من أنك مشغول، ولكن لهذه المرة فقط، ألا تجد حقيقة تحتاجها قريتنا وتحولها إلى سحر لنا؟ ألا تجد طريقة تمكن كل شخص في القرية من إصدار هذا الصوت؟ "هورووووم.
هورووووم."
لقد كان صوتاً يستخدمه كثيراً في أغانيه، وأنا متأكد من أنكم تدركون السبب. دغدغة نعومة هكذا ضد آذانكم.
قال الأكبر: "هورووووم. هورو..."
قال الأصغر: "أعرف الصوت الذي تصنعه الزهور. لا أحتاج منك تكراره مراراً وتكراراً. لمَ قد أجوب الأرجح باحثاً عن كيفية منح الناس أصواتاً جديدة؟ ولمَ قد ترغب أنت في قيامي بذلك أصلاً؟ إذا تمكن الجميع في القرية من الطنين، فلن تعود نصف أغانيك مميزة بالنسبة إليهم."
* * *
قال إش-يردي: "توجد روايتان للقصة من هنا."
وكان قد أخرج زجاجة صغيرة من أحد جيوبه، وأخذ يرتشف منها بين الحين والآخر. وخشي آلدن أن يكون بصدد الاستعداد لنقيق آخر.
"الأولى هي الرواية التي يرويها الجميع، والتي يتحدث فيها الأخ الأكبر بكلمات العقل، ثم يناشد تعاطف الأخ الأصغر <<الغائب>>، وأخيراً يتوسل ويمتدح حتى يصاب ذلك الدنس الوضيع من الساحر بنشوة الغرور ويقرر أنه يستطيع تكريس وقته إذا حدثه الجميع في القرية بهذه الطريقة أثناء عمله."
وأشار إش-يردي بازدراء.
"لكنك لست بحديث السن كمعظم المستمعين، لذا يمكنني رواية قصتي لك عوضاً عن ذلك. إنها أفضل."
فقال آلدن: "هذا لا يفاجئني."
* * *
قال: "لو استطاع كل فرد في القرية العزف، لما عادت نصف أغانيك ذات قيمة بالنسبة إليهم".
وهنا نظر الشيخ إلى الأصغر وأقرّ بالحقّ أخيراً—إنه يرتبط بصلة قرابة بأحد أسوأ البشر ممن تنفّسوا على وجه الأرض. ربما كان ثمة سمكة سامة في النهر، تفقد عينين وزعنفة، وكانت تبدو أكثر نفعاً للقرية من هذا الرجل. فحسب المرء أن يحسب حساب الضرر النفسي الذي سببه للجميع وجود شخص كهذا يعيش في قصر شجريّ فوق قريتهم الجائعة. كان ذلك الشقيق الأصغر يمتصّ رحيق الحياة طوال أيامه، ثم يترك تلك الفتاة تحلب الزهور وحدها حتى كادت تنتفخ حتى الموت؟
أظننتَ أن شخصاً بقوّته لم يكن يعلم مسبقاً بوجود تلك الزهور هناك؟ وهكذا عزم الشيخ على ألا يحتمل طباع الأصغر لثانية واحدة أخرى.
قال: "يا أخي، لستَ أخي بعد اليوم. وإن لم تساعدنا الآن، فسأُطلق عليك نقيقاً كأنك واحد من تلك الوحوش التي قتلتُها ذلك اليوم... وبالمناسبة، طالما راودتني شكوك حيال ذلك الأمر. أعلم أنني لستُ الأخ الأذكى، لكن هذا لا يعني أنني أحمق".
وتابع: "إذن، أستساعدنا، أم ستعرف كيف يبدو صوت موتك؟"
* * *
قال ألدن: "تعجبني هذه النسخة".
قال: "شكراً لك. ألّفتها عندما كنت طفلاً. أعتقد أنها تحسين للأصل".
* * *
ابتلع الأصغر أخيراً قبضة من الخوف الذي كان الأقل حظاً منه يتناولونه كل يوم. وافق على فعل ما طلب منه أخوه. ورغم أنه عمل ليل نهار، يأمل راوي هذه القصة ألا تكيلوا له المديح على عون أُجبر على تقديمه. لربما كانت القرية التي احتضنته في صباه أكثر أمناً وسعادة بكثير، لو أنه استغل جزءاً يسيراً من قدرته في سبيل الآخرين طوال ذلك الوقت. كان يعمل الآن على الأقل.
وفي كل صباح، كان الأكبر يأتيه ليقول: "أوجدت شيئاً يجعل أبناءنا يهتزون؟"
كان يجيب بلا. وبلا. وبلا، ليس بعد.
إلى أن أتاه الأكبر ذات صباح فقال الأصغر: "قوتك كافية لثني عصا، لكن يداك تمتدان لتطالا الغابة بأسرها. إن أردت لأحدها أن يهتز اليوم، بوسعي فعل ذلك. لكنك تريدها كلها أن تهتز للأبد؟ أنت تطلب ما لا يُطاق".
قال الأكبر: "في يوم ما، سيزهي جسدي هذه الأشجار التي تظللنا. وسيبقى أبناءنا هنا. وسيأتي وقت عصيب آخر. علينا أن نترك لهم ما يدوم".
وعندما عاد في الصباح التالي، قال الأصغر: "فكرت في طريقة، لكني واثق أنك ستعترض. الأصوات التي تملكها هي طاقات صنعتها بنفسك. أعتقد أنني لو مارست سحراً معيناً، فربما تتخلى عن ذلك الاهتزاز لعدد كبير من الناس، وطالما أنك لا تصدر ذلك الصوت بنفسك أبداً فسوف يحتفظون به. إن عشت طويلاً على هذا النحو، فحين يذهب جسدك ليغذي الأشجار، لعل القرية تواصل اهتزازها من دون إرشادك".
قال الأكبر: "نعم".
سأل الأصغر مذهولاً: "نعم؟"
قال الأكبر: "يا له من أمر مدهش ما أخبرتني به للتو. أن تضحيتي بواحد من أصواتي قد تعود بكل هذا النخير على هذا العدد الهائل من الناس... حقاً، إن الكون لمكان رحيم إن كان هذا ممكناً".
قال الأصغر: "أيها الأحمق. أترونه أمراً بهذه السهولة؟ الأغنية التي غنيتها لتعزية الفتاة ذات اللسعات البارحة كانت أجمل ما أبدعته في حياتك. إن فعلت هذا، فلن تغني بمثل هذا الجمال أبداً".
"ألن يغني الآخرون معي بالصوت الجديد الذي منحته إياهم؟ ألن تعلو أصوات نخير كثيرة، حيث لم يكن يُسمع طوال الوقت الماضي سوى صوتي وحدي؟"
أعاد الأصغر قولها: "أيها الأحمق".
لكن السحر أُنجز تلك الليلة، وفي الصباح، توجه القرويون جميعاً معاً نحو الزهور. استدرجوا الرحيق من الأزهار وشربوا حلاوتها، ولم يُلسع أحد. وحين حان وقت غناء الأكبر مرة أخرى، كان صحيحاً أن أغنيته لم تكن بالروعة ذاتها. ويروج رواة السوء أن الأمر لم يكن ليُعني شيئاً، وأنه لم يشعر سوى بالفخر والسعادة، وحين أضاف قومه اهتزازهم الجديد إلى أغنيته، بات كل شيء أكثر من رائع. أشك في صحة ذلك.
ورغم أن الأكبر كان فخوراً حقاً وسعيداً حقاً، ألم يكن في قلبه شظية جديدة؟ شظية صغيرة. واحدة يستطيع العيش معها بلا ندم. ولكن أليست مكابرة منا إن أنكرنا وجودها حتى في ذلك اليوم الأول، حين لم يُضحِّ سوى بصوت واحد؟ حتى أسوأ الرواة يقرون بظهورها في مرحلة ما، تلك الشظية. فقد كانت هناك أصوات كثيرة لتُمنح. الصوت الذي يغوي الحشرات الملقحة، والصوت الذي يخيف الآفات، والصوت الذي يقطع مسافات طويلة لينادي القرويين التائهين في تلك الغابة المظلمة.
لقد تخلل عن الصوت الذي يخفف عن الأم مخاضها، وعن ذلك الذي ينتزع الديدان من الجذور. الهمسة التي تصل إلى أذن واحدة. أصوات كل حيوان ونبات في الغابة، واحداً تلو الآخر، بينما كان قومه يجدون لها استخدامات. نادِ المخلوقات الطائر من أعشاشها، وتلك العداءة نحو شبكتك. اصنع وقع المطر الخفيف لتخفي خطواتك عن أولئك الذين يقتفونه. هنا. جرب إيرنينرنيرن، بأعلى ما تستطيع، وسيأتي الموغارو.
سيكون لحمه دسماً حتى حين يتحول باقي الصيد إلى عظام. جرب أتيوت، بخفة شديدة، وقد تتمكن من رؤية ذيل القبض الجميل في موسم ريشه دون ترويعه. جرب ززززز، ززززز، زززز. ثم تاتاتاتاتاتاتات، بأسرع ما تستطيع. سيجلب لك ذلك شيئاً جيداً من أشجار اللحاء الوردي. تخلّى الأخ الأكبر عن كل تلك الأصوات. وفي نهاية المطاف، تخلّى عن كل صوت، عدا الأصطور الأكثر خطورة. وحين صار شيخاً للقرية حقاً، لم يعد يخاطر حتى باستخدام لغة وُلد بها، فما بالك لو كانت الكلمة قريبة جداً من الأصوات التي تخلّى عنها؟
ماذا لو أنه بكلمة واحدة حطم السحر الذي ابتكره أخوه، وسلب القرويين أصواتهم الجديدة؟ لم يمروا بفصل قاسي قط منذ أن منحهم الاهتزاز. مهما حلّ من رعب، ومهما ظهر من مشكلة، كانت أصوات القرويين المرنة قادرة على حلها. غادر الأصغر بعد أن مُنح الصوت الأخير. لم يتحمل تذكر أخيه كلما فتح أحدهم فمه، وأنا متأكد أنه كان يحسد الأكبر على أصدقائه الكثيرين، وأحبائه، وأبنائه، وأحفاده.
وما شأن الوحوش التي لا تتسلق؟ نادراً ما كانت تصطاد قرب القرية، لأن الأكبر، ولم يبق بحوزته سوى صوت واحد، كان مضطراً لاستخدامه في كل مرة يتكلم فيها. لقد تعلم كيف يقول برر-برروب-برروي-إيمب! بطرق مختلفة عديدة — بهدوء، بمرح، بامتنان، بحزن — لكنه ظل صوتاً قبيحاً يثير قشعريرة الخوف حتى في نفوس من سمعوه طوال حياتهم. كل بضع سنوات، حين يقترب وحش لا يعرفه كثيراً، كان يُضطر مرة أخرى لإطلاق العنان لقوته لحمايتهم جميعاً: برر-برروب-برروي-إيمب!
المعذرة على السعال. أظنني اهتززت بشدة مع الصوت الأخير. الأطفال الذين وُلدوا في القرية بعد ذلك وُلدوا بأصوات جميلة أيضاً، ولكل منهم، كان يأتي يوم يسألون فيه آباءهم عما يعانيه ذلك الشيخ الطيب الذي يتجول بلا أغانٍ على الإطلاق بل بنسخ مختلفة من نقيق مقيت؟ لم يكن يستطيع حتى نطق اسم لنفسه سوى برر-برروب-برروي-إيمب! لم يكن قادراً على استدراج سمكة نحوه أو إبعاد آكل الدماء عنه.
كانت زهور الاهتزاز تنبت في كل مكان حول القرية بحلول ذلك الوقت، لكن الشيخ لم يكن يستطيع حتى تذوقها دون أن يلطف أحدهم لسعاتها. بدا للأطفال كشخص مختلف لدرجة تكاد تنفيه عن القرية تماماً، لكن آباءهم عاملوه باحترام يفوق أي مسن آخر. وكانوا يكلمونه بوضوح، كأن النقيق الذي يرده عليهم ليس سوى كلمات عادية. وأحياناً، كانوا يحضونه على الغناء معهم، رغم أنه لم يكن يفعل ذلك تقريباً.
لماذا لم يتذمر الراشدون من كل ذلك النقيق؟ لماذا لم يطلبوا قط من ذلك الشيخ المكسور أن يتوقف عنه؟ كان لغزاً عصياً لدرجة عجز الأطفال عن استخلاص عصير منه.
حينها، كان آباؤهم يروون لهم هذه القصة، ويختمونها بالقول: "الشيخ ساحر كان بإمكانه الغناء والتحدث بجمال يفوق أي منا إن أراد. ولكنه عوضاً عن ذلك، يختار النقيق، لكي تزدهر القرية. إنه يعيش مع شظية لكي نمتلك نحن كل ما عدا ذلك. فلماذا نذكره بخسارته، أو بطرق اختلافه عنا، ونحن نعلم أن ذلك قد يدفع الشظية بغض أعمق؟"
فهم معظم الأطفال؛ ونما وعيهم من القصة وتعلّموا احترام الشيخ كما فعل آباؤهم. وحدها فئة حمقاء قليلة استمرت في الشعور بأن النقيق والشيخ الذي يصدره يسببان الكثير من المتاعب. ولم تفكر تلك الفئة بهذه الطريقة إلا حتى ظهر أول وحش لا يتسلق في حياتهم. كما ترون، لقد نما النقيق كلما استخدمه الشيخ أكثر. ومع غياب أي صوت آخر، أتقن كل دقيقة من الصوت الوحيد الذي تبقي لديه. وحين بلغ الشيخ عتبة الشيخوخة، كان أعظم نقيق يصدره يحطم جماجم كل وحش ضمن نطاق مسيرة أسبوع سيرًا على الأقدام من القرية، بينما كانت الحيوانات الطائر تحلق في الأعلى، وتسبح الأسماك في النهر.
كان الصوت الأكثر رعباً على الإطلاق، لكنه لم يلحق ضرراً حقيقياً سوى بالوحوش الخطيرة.
"أيمكنك إصدار صوت كهذا؟"
كان الآباء يسألون الأطفال الذين يرتجفون عند سيقانهم. بالطبع لم يكونوا قادرين. حتى الشيخ نفسه لم يكن قادراً على إصدار صوت كهذا إلا بعد أن تخلى عن كل الأصوات الأخرى. كان النقيق المثالي الذي يؤذي المؤذين ويعفي الأبرياء هو الموهبة التي اشتراتها معاناته، ويقولون إنه عشية وفاته، أطلق الشيخ العنان لأعظمها على الإطلاق. لأجيال عديدة بعد ذلك، اختفت الوحوش التي لا تتسلق من تلك الغابة.
ورغم أن ذلك حدث قبل ولادة امرأة القوة بفترة طويلة لتتولى حمايتهم بدورها، فقد نام أولئك الناس مطمئنين وشبعوا، ونموت القرية التي أحبها الشيخ عالية وعريضة. لقد تذكروه، ونحن نتذكره، وسيتذكره أطفالكم حين تروون لهم هذه القصة. من أجل قومه، عاش. فلعلّه يستمر في العيش بين أصواتنا إلى الأبد.
* * *
سألت المرأة: "ماذا تعلمنا من تلك القصة؟ رو، ابدئي أنتِ. وكفّي عن التحديق في النافذة. لا يمكنك رؤية شيء خارجها أصلاً".
قالت رو: "أظن أن ذلك الساحر بالخارج هو ابن العم الذي يكثر الأجداد من قول كلام سيء عنه. أظن أن جيراننا منافقون، وإذا عادوا إلى منازلهم يوماً، فلا ينبغي لنا أن نكلم أحداً—"
"رو! يكفي حديثاً عن هذا الساحر. ماذا تعلمنا من القصة؟"
"أنتِ لا تحبين إجاباتنا إلا حين أكذب. اسألي رو وروي بدلاً مني".
* * *
قال ستو بتردد: "برريب؟"
ضحك والده: "كانت هذه تزقزقة صغيرة جداً! لنحاول معاً. في الوقت ذاته".
"ولكن... ماذا لو آذى ذلك الزانسيس؟"
* * *
هزّ ألدن رأسه بعنف وقال: "لا أستطيع. هناك أسباب كثيرة جداً تمنعني من فعل ذلك".
قال إش-يردي: "أعلم أنك في موقف غير مألوف، ولكن كيف سيخلد اسمه بصوتك إن لم تحاول حتى؟"
"الأمر ليس مجرد موقف غير مألوف. ربما تفتقر أجزاء من جسدي لما أحتاج إليه لإصدار ذلك الصوت. أي صوت سيخرج من فمي سيكون مخزياً لدرجة قد تقتلني".
قال إش-يردي: "لن أكرر نقيقك البشري لأحد أبداً".
"ولا حتى لـ ليند-وتا؟"
"لن أكرر نقيقك البشري لأحد سوى ليند".
بدا الفارس متحمساً للغاية. يا للهول. تنحنح ألدن. لا أصدق أنني أفعله حقاً. لا أصدق أن هذه هي النقطة التي وصل إليها عمري. ربما ينبغي لي اعتباره تمريناً على الثقة بالنفس. بمجرد أن أنتهي من هذا، سيصبح بإمكاني فعل أي شيء، أليس كذلك؟ إنه لا يسجل صوتي، أصحيز ذلك؟ أغمض ألدن ثورن عينيه، وفتح فمه، وبذل قصارى جهده ليُطلق نقيقاً.
* * *
* * *