كان رأس ألدن ينبض. طنينٌ يملأ أذنيه. الغضب وسرعة الطيران سببان متساويان في الاحتمال. قفز عن المضلع التساعي، مستوعباً الموقف بأفضل ما تستطيعه حاله المزاجية هذه. جيفي — مرحٌ بجانب الشواية. جوبيتر — تُحلق بالفلفل وتَبدو مهتمة. الطائرات المسيرة — تحوم، اثنتان منها تصوران، وأخرى تفعل شيئاً آخر. لعلها تؤدي تعويذة مذهلة تجعل وينستون يبدو بشراً محبوباً في أعين معجبيه. أشخاصٌ قلائل يخرجون ويدخلون من مدخل مبنى الفتيات، الذي بدا شبه مخفيّ من هذه النقطة هنا في منطقة الشواء في مؤخرة الحديقة.
وكان وينستون هناك طوال الوقت رفقتهم. وعلى واجهته الخاصة، استطاع ألدن أن يرى نفسه جانبياً، واقفاً على بُعد خطوات قليلة من جيفي والشواية. كان يتابع —وهو في طريقه إلى هنا— هراء وينستون الشنيع… أياً يكن الجحيم الذي يعنيه. ربما صرخ في وجه مفرط السرعة مراراً. يصعب التذكر بوضوح. لقد أرسل رسائل نصية بالتأكيد وجرى تجاهلها. الآن، قبضتاه مشدودتان. أراد أن يصرخ أكثر. كان هذا أسوأ ممّا حدث عندما أجبرت هيزيل دَيْنَ راحة البال على الاستقرار.
كان غاضباً، حرجاً، يأسف لعدم تنبئه بهذا بطريقة ما وقطعه من الأساس.
"أجئتَ لتلتقط الطعام؟"
سأل جيفي مجدداً. أبعد ألدن عينيه عن وينستون. ترك المسيرات خلفه. يكفي هذا.
"لا يا جيفي."
حدق ألدن في الكاميرا الرئيسية.
"بما أن وينستون رفض الرد على رسائلي، فقد طرتُ طوال الطريق إلى هنا لأقول إنه لم يكن مصيباً بشأن حاجتنا إلى مزيد من المساعدة لوجبة عيد الشكر. إن كنتم علىانيسيدورا وتفكرون في التبرع، فشكراً جزيلاً لكم. لكن لدينا ما يكفي من الطعام والزينة الجاهزة. ربما تفكرون في تناول العشاء مع أصدقائكم الليلة بدلاً من ذلك. "أردتُ أيضاً أن أسأل وينستون عن سبب قيامه بشيء كهذا."
الانتشار الذكي كان سيتضمن غالباً نظرة جريحة أو نبرة مندهشة. شيئاً يداعب أوتار قلوب المشاهدين. لكن ألدن كان مستشاطاً غضباً لدرجة تجعل حتى المحاولة مستحيلة.
ما أراد فعله حقاً هو حشو حزمة نقانق الأرفدوغ كاملة في حلق وينستون، بغلافها البلاستيكي وكل شيء، صارخاً: "اصمت! اصمت، أيها الحقير الأناني!"
لذا بدا منزعجاً، وبدت نبرته متوترة. ربما سيبدو شخصاً سيئاً. لكنه كان يتحدث الآن، ولم يتبقَ على الأرجح وقتٌ طويل قبل أن يدرك وينستون أنه يجب عليه إغلاق الكاميرات.
"يعلم وينستون أنني لا أودّ حيازة حضور إعلامي كبير في الوقت الحالي. التركيز عليّ بهذا القدر أثناء جلسة الأسئلة والأجوبة هذه، عندما أخبرته قبل أيام قليلة فقط أنني لم أكن مستعداً للحديث عن نفسي عبر الإنترنت بعد، هو… أجل. لكن أظنه ما زال غاضباً من هزيمتي له في الج—"
انقطع البث بغتة. كان وينستون هناك فجأة، يشد طائرة الكاميرا الدائرية الصغيرة من الجو وبعيداً عن ألدن.
"لا تتحدث إلى معجبيّ!"
قال، بنبرة صدمة لا يحق له امتلاكها.
"لم أمنحك الإذ—"
"أانت هنا الآن؟ جيد."
خطا ألدن نحوه.
"لدي سؤال لك."
"لا يمكنك ببساطة قول ما يحلو لك لمتابعي شخصآخ—!"
"أأنت أهم رجل على وجه الأرض؟"
سأل ألدن.
"هذا هو سؤالي."
فغرف وينستون فاهه نحوه.
"أنتَ"، قال ألدن، متحدياً إياه بنظراته.
"أنتَ. هل أنت، وينستون ريجينالد هيلفيذر، أهم رجل على وجه الأرض؟ أهكذا تظن نفسك؟ كأن تستيقظ غداً وقد اختفى الإنترنت ولم يعد بإمكان أحد أبداً رؤية وين-وين الخاص بك أو أياً يكن ما تفعله لساعات كل يوم بطائراتك المزعجة — فهل يتوقف الكوكب الذي نعيش عليه عن الدوران؟"
"تصرفاتك تصرفات مجنون بنية!"
صاح وينستون.
"نعم أم لا؟"
"لا!"
خطا ألدن خطوة أخرى اقترب فيها منه.
"إذن لماذا بحق الجحيم تلفق قصصاً عن هنتيون إش-يردي؟ إنه مشغول بتنظيف المحيط كي لا يبتلع الجزيرة التي نقف عليها، وتتصرف أنت كأنه لعبة يمكنك التظاهر باللعب بها. في عقلك الصغير الملتوي، أرفدوغاتك والخصومة التي قررتَ بوضوح أننا نخوضها خطيرة حقاً لدرجة أن الكذب على شخص يلقبه النظام بـ"الجنرال" بدا لك فكرة جيدة؟"
بدا وينستون قلقاً لبضع ثوانٍ. وقبل أن يتمكن ألدن من جني أي شعور بالرضا من ذلك، استُبدل القلق بسخرية.
"لم أكن أكذب. كنت أكتفي بمشاركة الشائعات. كررت قول «ربما» و«احتمال» كثيراً. ليس الأمر كأن هذا غير قانوني. لذا لم أرتكب أي خطأ."
"أكتفي بمشاركة الشائعات"، قال ألدن بجهامة.
"هناك شائعة معينة تخص قبول هنتيون إش-يردي لالتماساتي المطولة لاتخاذي «ملمع مضلعات» خاصاً به؟ وهناك شائعة عن انتقالي إلى منزله في الكواكب الثلاثية لأعوام حرفية كي لا أتمكن من إنهاء المدرسة هنا مع بقيتكم؟ أما سمعت تلك الشائعات في مكان ما؟"
"أظن أن ألدن غاضب منك يا وينستون."
تجاهل وينستون وألدن مقاطعة جيفي معاً. انتصب وينستون واقفاً.
"كيف تدري إن كنتُ سمعتها أم لا؟ الناس يقولون شتى أنواع الأمور عنك."
"حسناً. أين سمعت تلك الأمور بالتحديد؟"
أدار وينستون هيلفيذر عينيه. يا لك من نذل طفولي. أفك ألدن لحيته بصعوبة.
"حسناً، تلك الشائعات خاطئة"، قالها من بين أسنانه.
"ها قد عرفتَ الآن. لذا اذهب والتصق بتلك الكاميرا واعتذر لهنتيون إش-يردي لسماحك لقمامة غير موثقة بالخروج من فمك مراراً وتكراراً. لقد أحصيتُ نطقك لاسمه ثماني عشرة مرة في طريقي إلى هنا من ماتاديرو، وكنتُ أطير بسرعة."
"لا يحق لك إملاء ما أتحدث عنه في قناتي الخاصة! أنت لست رئيسي أو أم—"
"لا داعي للاعتذر لي!"
رفع ألدن صوته.
"إليه وحده. ربما يجدر بك الاعتذار لمعجبيك والشركة التي تصنع تلك النقانق أيضاً، لكن الأمر يعود إليك."
"لن أعتذر! احصل على معجبيك الخاصين إن أردت قول شيء. أعرف أن تلك هي خطتك أصلاً. هذه الحركة القائمة على التظاهر بعدم الاكتراث شديدة الزيف. لقد سئم الجميع منها!"
"عَمَّ تتحدث بحق الجحيم؟!"
"نعرف الحقيقة جميعاً. يمكننا النفاذ ببصرنا من خلالك!"
"أنت—"
خطوات ركض قطعت على ألدن كلامه. أدار رأسه في الوقت المناسب ليجد نفسه وجهاً لوجه مع هاويو.
"عليك القدوم بسرعة"، قال هاويو.
"هناك مشكلة في بعض الطعام."
رمش ناظراً إلى وينستون ثم عاد بعينيه إلى ألدن.
"آسف إن قاطعتك، لكني أحتاجك فعلاً."
استعاد ألدن أنفاسه، وجمع أفكاره. تباً. أنا أضيع وقتي فقط مع هذا الأحمق، أليست هذه هي الحقيقة؟
"لا بأس. أنا قادم."
بدأ يتبع هاويو.
"لم تهزمني حتى!"
نادى وينستون في إثره.
"الخدعة ليست كالفوز في قتال عادل!"
"تجاهله."
قبض هاويو على كم قميص ألدن كأنه يخشى ألا يأخذ ألدن بالنصيحة.
"أردتُ منه أن يعتذر"، قال ألدن.
"لا بل أردتُ ألا يكون بذلك القدر من الحماقة منذ الأساس."
"قد يكون ذلك طلباً مبالغاً فيه في حالته."
انزلقت الأبواب التلقائية مفتوحة. التفت هاويو من فوق كتفه للتأكد من أن وينستون لا يتبعهما، ثم أسرع نحو إحدى الطاولات في المنطقة المشتركة لالتقاط طبق كاسرول ذي ظرف مثبت بشريط لاصق على الغطاء الزجاجي. كان مطبخ المجتمع مليئاً في الغالب بطلاب لا يعلم ألدن هوياتهم، لكن مهدي كان في الزاوية يجادل أحدهم عبر الهاتف حول ما إذا كان بالإمكان استبدال الزبيب بالتمر.
"ما العيب في الطعام؟"
سأل ألدن، صاعداً الدرج باثنين في كل مرة، محاولاً إعادة عقله إلى الأمور التي كان ينبغي التعامل معها بعد ظهر اليوم.
"ليس مسموماً حقاً، أليس كذلك؟"
"لقد كذبتُ قليلاً"، قال هاويو.
"آسف. الطعام على ما يرام. كنت قلقاً عليك فحسب."
"ليس كأنني كنت سأقاتله."
"كنت تقاتله لفظياً. وأنا واثق أنه استحق ذلك. لا أعرف ما حدث. لكن إن كان بالغ الإساءة اليوم، ووجّه لك لكمة… اممم…"
تنهد ألدن. ومع اقترابهما من شقتهما، رأى الباب مفتوحاً بمقدار صدع.
"أأسرعت في الركض لدرجة نسيت معها إغلاقه؟"
عقد هاويو حاجبيه.
"لا. كنت في الأسفل بالفعل عندما وصلتَ أنت. طرق كون وأخبرني أنه تحدث إلى سيدة أرادت توصيل هذا."
رفع طبق الكاسرول.
"لا أدرك لِمَ لم يحضره بنفسه بدلاً من إخبارها بتركه على الطاولة هناك في الأسفل."
حين دفع ألدن الباب مفتوحاً، أنساه المنظر الذي استقبله أمر وينستون على الأقل. كان الكاونتر والطاولة مغطَّيين بالطعام، تماماً كما توقع. وما كان أقل توقعاً هو كون، الراقد على السجادة الوثيرة أمام المدفأة، مرتدياً نظارات شمسية وردية، ومحرّكاً ذراعيه وساقيه كأنه يحاول صنع ملاك ثلجي. التقط هاويو أنفاسه ساخطاً واندفع متجاوزاً ألدن لمواجهة الشرير.
"كون! أقتحمتَ شقتنا!؟"
"بإمكاني عكس قفل مقبض الباب طالما فُتح ضمن نطاق زممني المسموح"، قال كون، وما زال يرفرف بأطرافه الأربعة متى أتى.
"متى سيعود ليكسي من المكتبة؟ أحتاج منه أن يران هكذا."
وضع هاويو طبق الكاسرول على الأرض، ثم انقض فوقه.
"آه! يا رجل، أنا لست متوحشاً صلباً."
"هذا صحيح. أنت <<نذل>>! أعد لسانى نظاراته!"
"الدب القطبي له اسم!"
حرر هاويو النظارات الشمسية من وجه كون الضاحك.
"امسك قدسيه يا ألدن. سنلقي به من على الدرج."
"لن يفعل ألدن بي ذلك. إنه شخص جيد."
"كادت المضلعة التساعية تسقط مني على رأس وينستون"، قال ألدن.
"لذا فلست واثقاً تماماً من ذلك. تباً! المضلعة التساعية! لقد تركتها هناك بالأسفل حيث يمكن للناس العثور عليها واللعب بها."
ركض نحو نافذة غرفة المعيشة، دافعاً ورقة نبات بروميلين جانباً لفتح المزلاج، وانحنى خارجاً حتى تمكن من رؤية الشواية. كان وينستون قد رحل. بدا جيفي عاكفاً على تفحص حزمة النقانق. وكان للمضلعة التساعية راكبٌ غير مصرح به بالفعل.
"جوبيتر!"
صاح ألدن.
"جوبيتر، سأحركها الآن! انزلي عنها!"
لوحت بيدها، لكنها لم تنزل. أيعني هذا أنها ترغب في أن أحركها وهي فوقها أم ماذا؟
"سأركنها على السطح!"
وضح لها.
"السطح!"
"بإمكانها النزول مشياً إن لم يعجبها الوضع هناك في الأعلى"، قال كون من خلفه.
"أرأيتم ذلك الشيء الذي تصنعه للساحرة؟ تقول إنه يمثل ثومف—!"
التفت ألدن حوله ليجد هاويو يوسع قسطنطين ضرباً بوسادة أريكة، ثم حول انتباهه مجدداً إلى المضلعة التساعية. وجّهها صعوداً ببطء ثم نحوه. عندما وصلت جوبيتر إلى النافذة، كانت تنظم الفلفل في ما بدا كأنه كرمة جُرّدت من أوراقها. وكانت ترتدية سندلات وفستاناً طويلاً منسدلاً مع بلوزة زيها، ما صنع مزيجاً غريباً.
"عليك النزول"، قال ألدن.
"سأضعها على السطح."
كانت تحدق في نبات البروميلين.
"من أين لك بهذا؟ أيمكنني—"
"لا يمكنك أخذه!"
صاح هاويو.
"أنت تقتلين نصف النباتات التي تستخدمينها على أي حال!"
تنهدت جوبيتر وركعت على ركبتيها. مدّت خيط الفلفل باتجاه ألدن. تناوله لكي تتمكن من التسلق عبر نافذتهما. <<أهلاً أيتها الجميلة،>> قالت لنبات البروميلين وهي تعبر. ثم التفتت لتتفقد المكان.
"غرفتكم ذات أثاث وسيم للغاية. ينبغي أن تتخلصوا من الأشخاص في الغرفة فوقكم، لكي ترفعوا السقف وتحصلوا على مظهر العوارض المكشوفة."
"سنعكف على ذلك فوراً"، قال ألدن.
"قرن الوفاء شارف على الانتهاء."
نظرت إليه.
"أردت حقاً معرفة رائحة ماتاديرو. لكن يصعب التقاطها لأن رائحة الكرنب والثوم والكمأة تفوح منك بشدة."
"لقد سكبتُ نوعاً من مرق المأكولات البحرية على نفسي سابقاً."
وكان قد سحق حياة كمأة أيضاً.
"هذا هو؟"
سأل كون.
"ظننتها رائحة ما في هذا الطبق الذي وضعه هاويو. رائحتك قوية حقاً. ليست سيئة، لكنها نافذة."
"جوبيتر، ساعدينا في إلقاء كون من على الدرج"، قال هاويو.
نظرت إلى كون.
"لكن النافذة أقرب."
"جوبيتر، كيف تفعلين هذا؟ لقد كنا زملاء فريق. فريق كونستانتلي أوسوم مر بالكثير مع—ما الذي تفعلونه بحق الجحيم؟"
بدا مندهشاً للغاية عندما قاما حقاً بحشوه خارج النافذة نحو المضلعة التساعية. ركنه ألدن على السطح.
عندما أغلق هاويو الباب في وجه جوبيتر، قال ألدن: "شكراً لمنحي عذراً للابتعاد عن وينستون. كنت بحاجة إلى ذلك."
"ماذا فعل؟"
"لست متأكداً كيف بدأ الأمر، نظراً لأنه كان يطلق هراء عشوائياً بالفعل عندما تابعتُ البث. لكن بحلول نهايته، اختلق نسخاً خيالية مني ومن فارس، ووعد أتباعه فعلياً بأنني سأغادر البرنامج في أي يوم الآن لمتابعة حلمي الأسمى المتمثل في العيش داخل مرآب إش-يردي."
زمّ هاويو شفتيه.
"إنه ينهار إذن. في وقت سابق من هذا الأسبوع، كان يطلق تلميحات لاذعة حول «هرب» فينلي من المدى، لكنها كانت مبطنة."
"إن كان سينهار، فلِمَ عليه جر الآخرين معه إلى الأسفل؟"
انحنى ألدن والتقط طبق الكاسرول.
"قوله أشياء يثبت خطؤها بسهولة لن يجعله يبدو سيئاً إلا على المدى الطويل"، قال هاويو.
"أعلم."
وضع ألدن الطبق على الطاولة، وأزال الشريط اللاصق عن الظرف في الأعلى. كان الطعام تحت الغطاء أخضر اللون. سبانخ بالكريمة، هذا ما خمنه.
عندما فتح الظرف ليرى المرسل، عثر على رسالة قصيرة موجهة إلى «الجنرال والسحرة في ماتاديرو».
"لن نتمكن أبداً من شكركم بما يكفي لمساعدتكم أطفالنا"، جاء فيها.
"ليام، تينا، ورويس هم أهم أشخاص في العالم بالنسبة لنا..."
هذا هو نوع الشيء الذي أملنا الحصول عليه لحفلة الطعام المشترك. طوى الملاحظة بعناية وأعاد تثبيتها بالشريط اللاصق على الطبق.
"لست أدري ما أفعله الآن"، قال.
"جدولي مرتبك تماماً. أظن أن مراقب الحركة الجوية غاضب مني. وما زال لدي الكثير من عيد الشكر في جعبتي."
"ينبغي أن تتخلص من رائحة الكرنب قبل أي شيء آخر"، قال هاويو.
"حقا؟"
شمّ ألدن مقدمة قميصه. كانت رائحة يده تعبق بالكمأة لدرجة عجزته عن استنشاق رائحة الكرنب.
"ربما كنت محقاً."
في طريقه العائد إلى غرفة نومه، لاحظ أن كون نجح فعلاً في صنع ملاك سديم ملحوظ على السجادة.
* * *
بدت بقية الظهيرة كأنها مزحة مجنونة. شعر ألدن كأنه تطوع للترفيه عن حفل ببعض التلاعب بالكرات، ليدرك متأخراً جداً أن جميع الضيوف عدّوا ذلك دعوة لإلقاء كل ما يملكونه في وجهه. أسقط الكثير. تلقى ضربات على وجهه بضع مرات. ولم يبق شيء يفعله سوى الاستمرار في التلاعب بقدر ما يستطيع.
قال لامرأة اتصلت للتو: "أنا آسف لكن ليس لدي وقت للإجابة عن الأسئلة".
كانت تدير موقعاً محلياً لم يسمع به ألدن قط. تدحرج فوق ظهر الأريكة التي أعيد وضعها لسد الممر المؤدي إلى غرف نومهم. بدت ليكسي التي كانت جالسة على الأريكة مع ريثر مستسلمة لقدرها.
"ليس اليوم. تصريحي الوحيد حول وليمة الطعام منشورة بالفعل على حساب ترايم الخاص بي. نعم، أعتقد أن عبارة «عيد شكر سعيد. أقدر كل هذه المساعدة كثيراً. لدينا ما يكفي من الطعام الآن» تفي بالغرض".
ليس الأمر أنه ينجح حقاً.
"وداعاً".
سأل هاويو وهو يناول وعاء طبخ بطيء لاسلكياً — ليس خاصته — من النافذة إلى لوسيلي: "من كان هذا؟".
كانا مسؤولين عن تحميل الشكل التساعي. حاول ألدن ألا ينظر لأن رؤية كومة الأغذية المتزايدة زادت من قلقه.
قال ألدن: "شخص من موقع إلكتروني ترجمه النظام إلى عيون النجوم. لا أعدّ دراية بالأمر".
كان السيد زنگ-دمير وأستريد ونجيري على مائدة المطبخ يجرون فحوص الجودة النهائية ويتأكدون من أن كل شيء يحمل علامة ومغلق بإحكام للسفر. كانت لدى ألدن بعض المخاوف بشأن كمية الشريط اللاصق التي يستخدمها والد هاويو. لن تسرب الأطباق شيئاً بالتأكيد، لكنه اعتقد أنه قد يحتاج هو وكبير إلى فأساً لفتحها مرة أخرى. لقد كان عوناً رائعاً رغم كل شيء. ليس من أجل تذوق الطعام، بل من أجل عامل الترهيب.
قبل ظهوره، بدأ أشخاص آخرون يقيمون في المساكن الطلابية ووصلت إلى أذنهم أن ألدن موجود بالظهور لطرح أسئلة حول ماتاديرو والهجوم، وكأنه قادر على الإجابة شخصياً عن كل ما يعجز عنه رئيس المجلس الأعلى لأنيسيدورا. أخبرهم ألدن أنه لا يعرف أكثر مما يعرفون، وأنه مقيد بالسرية، وأنه مشغول. لكن حتى عندما رحلوا، لم يرحلوا حقاً. لفترة من الوقت، كان هناك حشد يتجمع في الممر خارج بابهم وكأنه المكان الجديد الذي لا بد من قصده لكل من أراد التحدث عن نظريات المؤامرة حول قارب سومبرجر وركابه.
ظهر حتى عدد قليلاً من طلاب الجامعات. طلب هاويو من والده التخلص منهم بمجرد وصوله. منذ ذلك الحين، طور الأشخاص الذين دخلوا الشقة القدرة على ترك طعامهم بأدب والمغادرة إن لم يكونوا يساعدون. على الأقل معظمهم. لم يُصدر السيد زنگ-دمير هيبة الكبار الصارمة إلا لمن لم ينشأوا مع هاويو. وكلما مرّ كون لدقائق قليلة، ارتفع مستوى العبث بشكل هائل. في وقت سابق، طارد ألدن بوبي إلى الطابق الأسفل ليشكرها شخصياً على سلطة الخيار ويسألها عن جدول تدريبهم الآن بعد أن اختل كل شيء.
عندما عاد إلى الغرفة، كان كون وهاويو ووالده يصنعون لأنفسهم شوارب من حبال عرق الساخور التي سقطت من إحدى العبوات. سأل نفسه الآن: ما الذي تبقى فعله؟ كان عليه القيام برحلة واحدة على الأقل إلى الطابق اف لتوصيل كل ما يستطيع إلى مركز النقل قبل الذهاب إلى ناتالي. قرر قائلاً: الثلاجة. فتحها.
"هل أحضر أحدهم إبريق حليب؟ لن يحدث هذا. سيكون إبريق الحليب مزعجاً للحمل وهو ليس مميزاً—"
"لكنه لذيذ للغاية!"
"عليك أن تأخذه!"
"إنه ليس حليباً عادياً".
كانت جوقة الاعتراضات من الفتيات مفاجئة وعالية لدرجة أن ألدن شعر وكأنه ارتكب جريمة بطريق الخطأ. استدار ليرى حتى لوسيلي تتمايل إلى الخلف عبر النافذة وكأنها خائفة من الحاجة إلى حماية الحليب.
"أوه... سآخذه. لا تفزعن يا فتايات، لا داعي للذعر".
ذكرت ليكسي: "أحضرت مارشا ذلك بينما كنت في الحمام".
كان يحتفظ حالياً بالقائمة الرئيسية لمن أعطى ماذا.
"مارشا؟"
قالت أستريد وهي تركض للانضمام إليه بجانب الثلاجة: "إنه يتماشى مع هذا".
أخربت برطمان زجاجياً ضخماً مليئاً بشيء أحمر ولزج. دم أعداء مارشا.
قالت أستريد: "إنه شراب فراولة طازج مع قطع فراولة. والحليب يشبه إلى حد ما بوظة الفانيليا الذائبة. تخلطونهما معاً".
قالت نجيري: "تشربه مارشا على الإفطار كل يوم. وهي تشاركه معنا. إنه المفضل لدينا فيها".
"حسنار. ولكن هل يمكننا وضع البوظة الذائبة في شيء له غطاء؟ حتى لو حفظته طوال رحلة الطيران، سيكون مزعجاً لأي شخص آخر التعامل معه لاحقاً".
ركضت نجيري بحثاً عن حاوية. أفرغ ألدن الثلاجة في مبردات مصنوعة من الستايروفوم. جاء راهول، رئيس قائمة الباء، للاطمئنان عليه بعد سماع كل الضجة في جميع أنحاء الحرم الجامعي. ثم غادر وعاد بكل الأشرطة اللاصقة، والمبردات، والملصقات اللاصقة، والأقلام، والمزيد من أدوات التنظيم المفيدة قبل توجهه إلى مبنى إم بي إي لحضور محاضرة. فكر ألدن أثناء شريطه للمبردات: يا له من بطل. يا له من عملاق فكري.
تخيل التوقف لمعرفة ما نحتاجه حقاً بدلاً من مجرد إحضار ما تجده في مؤخرة الخزانة. آمل أن يدفعه الناس يوماً ما ملايين مقابل إطلاق أقزام الحديقة من مدافعك. أحضر أحدهم طاولات وكراسي قابلة للطي. الكثير من الطاولات والكراسي القابلة للطي غير الضرورية. كانت كلها مكدسة على طول الجدار في الطابق الأسفل، وتزعج الجميع. ولم يكن عليها أي اسم سوى اسم ألدن نفسه، لذا بدت الآن وكأنها طاولاته وكراسيه التي تلتهم المساحة.
واصل سلسلة من الرسائل النصية مع كبير. قام بتعبئة الطعام. دفع الطعام من النافذة. تمكن من الحفاظ على نظافة ملابسه. ركض ما بدا وكأنه عشر دورات حول المساكن الطلابية، مقترحاً على الأشخاص في صفه الذين ما زالوا يمحصون في صنع الأشياء إما الانتهاء أو الاستسلام بألطف طريقة ممكنة. أخبرهم جميعا أنه لن تخرج سوى رحلة طعام واحدة إضافية من المساكن الليلة، ولن تكون ضخمة ومرعبة كهذه.
ثم توجه إلى الشواية للاطمئنان على جيفي. كان جيفي عند الشواية لفترة طويلة حقاً، ويتلقى عمليات تسليم متقطعة للبقالة. افترض ألدن أن البروت قرر طهي شيء أفضل من اللحم المجفف للساحرات، وقد ألزم نفسه بأن يكون متحمسً بشأن الأمر بغض النظر عن شكله لأن جيفي كان الجزء الوحيد الذي يستحق العناء في بث وينستون. عندما اقترب من الشواية، وجد إيفرلي كيم تراقب ظهر جيفي بافتتان.
همست قائلة: "أعتقد أنه قد يكون عبقرياً. لقد أعرته كاميرتي".
هذا ما يفسر سبب كون الطائرة بدون طيار الموجهة نحو جيفي نموذجاً أبيض براقاً يبدو وكأنها كرة ثلج ذات عدسة.
همس ألدن بما أنها همست: "ماذا يفعل؟"
كتبت إيفرلي في الهواء، وظهر رابط:
[جدي يعلمنا الشواء على اصوله (مباشر)]
فتحه ألدن ليرى جيفي يبث بثاً مشتركاً مع رجل نحيل في منتصف العمر، يلف ذرة بقطعة من ورق الألومنيوم بيد، بينما يحتسي شراباً من كأس قصيرة بالأخرى.
قال: "حسناً يا جيفي، كيف تبدو أفخاذ الدجاج من جهتك؟ هل أنت مستعد لتقطيع واحدة؟"
طرف ألدن. ثم رأى عدد المشاهدين فاضطر للطرف مرة أخرى. ثم قرأ التعليقات وشعر وكأنه دخل بُعداً جديداً:
"الجد القرش هو الأفضل. ليت لدي جداً قرشاً."
"أيها الجد القرش، هل تشتاق إلى جيفي؟"
"أنا أبكي. لم يعلمني أبي أبداً كيف أشوي."
"أين جدة القرش؟ ألم تعودا من المتجر برفقة كلابنا الحرارية بعد؟"
سأل ألدن بصوت خافت: "أهؤلاء... معجبو وينستون غالباً؟"
أومأت إيفرلي برأسها. ولم تحول عينيها عن جيفي.
وقالت: "وبعض معجبيّ. سنشوي الكلاب الحرارية معاً عندما تعود جدة القرش. علينا الانتظار طويلاً لأن المتجر بعيد جداً، والوقت ليّل، وهي تقود ببطء. نحن قلقون قليلاً لأنها صدمت غزالة مرة. لكننا تعلمْنَا ثلاث طرق مختلفة لإشعال الفحم."
كاد ألدن يرغب في البقاء ومشاهدة الأمر بنفسه.
* * *
في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءً، تربع ألدن على متن "الابن ذي الحواف التسع"
خارج مركز التجارة، بعد أن طار وسط رياح قوية ومفاجئة جعلته يكاد يظن أن هناك مشكلاً شريراً للسماء يحمل ضغينة ضده. لم يتأثر المضلع التساعي نفسه، لكن لتستريح في السلام تلك الحقيبة المفردة التي التقطت هواءً عاتياً، فانتفخت كشراع، وسقطت في المحيط الهادئ. كانت تحوي أرغفة خبز منزلية جميلة لشخص ما، وكان ألدن يحاول إقناع نفسه بأنه ليس فاشلاً لعدم قدرته على اللحاق بها دون تعريض حياته وبقية الحمولة للخطر.
فور وصوله، وجهته واجهته التفاعلية إلى موقف المركبات الجوية. قرر ألا يطيعها. بل توجه نحو المدخل الرئيسي، ناوداً الطيران مباشرة نحو منطقة الشحن البعيد بالطريقة السهل، ليجد أن المضلع التساعي لن يمر عبر الأبواب. كان عريضاً جداً. حسناً، تلاعب بكرة أخرى إذن. سننقل كل شيء على دفعات. هيا. التفت حوله. كان أقرب بشري مرئي بعيداً جداً لدرجة تجعل الصراخ لطلب المساعدة أمراً قليل الأدب.
لماذا لا يوجد أحد في الجوار لتُؤتمن الأشياء عنده حين تحتاج إليهم؟ الجهد والعضلات إذن. ملأ ذراعيه بالحقائب، والتقط أكبر كومة من صناديق التبريد استابح حملها، وتوجه نحو الباب بينما حجب الرغوة البوليسترينية الكثير من رؤيته.
قال صوت مألوف بينما كان يعبر إلى الداخل الدافئ قليلاً للمبنى: "فطيرررة البيتزا هي المفضلة لدى أنيسيدورا! فطيرررة البيتزا تجعل الجميع يبتسمون!"
هذا صندوق البريد الذي استخدمته لإرسال رسالتي إلى عائلة فيلرا. لا بد أنهم جعلونه يغني الإعلانات الآن. بينما استمر في التقدم، صدر صوت تدفق مرحاض بصوت مزعج للغاية. لا بد أنهم يصلحون مشكلة السباكة تلك. مشى بخطى سريعة، متجاهلاً شعره بأن الناس يلاحظونه على الأرجح ويشيرون إليه، إلى أن صاح أحد باسمه.
"ألدن! السيد ألدن ثورن!"
توقف والتفت جانباً ليجد موظفة خدمة العملاء تبتسم له.
"أنت هو ألست كذلك؟ الشخص الذي خطط لعيد الشكر في ماتاديرو؟"
"ذلك أنا."
"هل تحتاج إلى أي مساعدة؟ لا مفترض بي مغادرة المكتب لكوني الوحيدة هنا الآن، لكني استطيع استدعاء شخص ما."
"سيكون ذلك رائعاً. حاولت جلب مركبة... مركبة الجِش إيردي الطيرية مع حزمة من الطرود إلى الداخل، لكنها لم تتسع تماماً عبر الأبواب."
"لدينا مدخل أكبر لأشياء كهذه! يمكنك قيادة حافلة من خلاله بشكل عرضي إن أردت."
"شكراً. سيسهل ذلك الأمور كثيراً. سأضع هذا وأعود لأخذ البقية."
"يمكنني أيضاً منحك بطاقة نيسيكارد إن كنت تحتاج واحدة اليوم!"
إذن هي تذكرني.
"سأحصل على واحدة قبل أن أرحل. أين الرجل الذي يكون هنا عادة؟ هل هو بخير؟"
في العادة، لما سأل ألدن عن أحوال صاحب بطاقة نيسيكارد. لكن بالنظر إلى ما حدث مؤخراً...
قالت: "إنه بخير. قرر أن مكتب خدمة العملاء ليس مناسباً له."
هذا أفضل بالتأكيد، فكر ألدن. كان ذلك الاحمق ترحيباً حامضاً بأنيسيدورا. يجب أن يحظى بوظيفة في مكان ما لا يضطر فيه للتحدث إلى الناس. حين بلغ قسم الشحن البعيد، حاول التظاهر بأن بركة صلصة التوت البري التي وجدها على الأرض أمام منضدة الإنزال لا علاقة له بها بينما ملأ المنضدة بكل ما أحضره. بما أنه كان يشحن قطه في المرة السابقة، فقد رافق فيكتور عبر عملية أمنية كاملة، لكن المفترض أن يكون قادراً على ترك الطعام وحسب.
أين الشخص الذي أتركه معه؟ ما إن راوده الخطر حتى خرج ذلك الشخص من الخلف. وقبل أن تتحول عيناه نحو ألدن، استقرتا على كومة صناديق التبريد وغابة الحقائب. بدا غاضباً جداً لرؤيتها هناك.
وقال: "اسمع، لا أعرف المطعم الذي تنتمي إليه، لكن هذا كثير جداً! خدمات الانتقال الفني مورد أنيسيدوري محدود، ورغم حدوث شيء غبي في المكعب، فهذا لا يعني أنك ستفلت من..."
قال ألدن وهو يشرق بابتسامة أمام عبوس صاحب بطاقة نيسيكارد المألوف: "إذن هنا حيث تعمل الآن! أنا سعيد حقاً لأنك بأمان بعد كل ما حدث."
ارتخى وجه صاحب بطاقة نيسيكارد.
"أنا ألدن. هذا لماتاديرو. وسأذهب لإحضار البقية. هناك الكثير."
"أنت... لماذا أنت بالذات؟"
قال ألدن: "سأعود في وقت متأخر من هذا المساء بمزيد منها. عيد شكر سعيد!"
* * *