153
* * *
قال إش-يردي ببساطة وهو يسحب سلطته: "سيهتفي الآن".
عُولج الأمر في ثوانٍ. أكد إش-يردي أن ألدن يريد إزالة الوشم برمته باستثناء المثلثات المتداخلة التي تمثل ميثاق الكتمان الذي ما زال سارياً. ثم لمسته قوة الفارس. فكر ألدن: لم أكن مخطئاً بشأن مدى قوته. قوة عميقة. لم تكن قوة كبرى مفهومة، كتلك التي لـلوت، بل كانت طاقة أضخم من ألدن نفسه بكثير لدرجة أنها لم تحتمل حتى عقد المقارنة. شعر وكأنه نملة طُبطب على رأسها جبل. في كل مرة تواجد فيها حضرة حضور جبار، كانت التجربة مختلفة.
منحه غورغون تلك النظرة التي أشعلت نشوة تفكك الدماغ والإشراق. طرح الأساسي تلك الأسئلة على ألدن وحدّق في كينونه، بفضل شعور ستيوارت بالحاجة إلى إطرائه على ميزة ما في سلطته. وفي ثيغوند، أمسك به أليس-آرت كما تفعل كفان محيطتان بتمثال مهشم، محافِظتين على جميع القطع في أماكنها. في هذه الحالة، ورغم إدراكه المفاجئ لضخامة سلطة إش-يردي، كانت اللمسة الفعلية خاطفة وخفيفة كالهمس.
ساور ألدن خوف عابر من انفضاح أمره؛ لكنه ثبت، وانتهى الأمر فور أن بدأ. وفي اللحظة ذاتها تقريبا التي تراجع فيها سلطان إش-يردي، وخز الوشم على صدره. كانت المرة الأولى التي يشعر فيها بإحساس جسدي منه منذ أن طلب جو تعديل الشروط قبيل درسهما الأخير. أظن أن ذلك كان درسنَا الأخير، الأخير حقاً. كان الأمر على ما يرام. لم يكن هناك سبب ليشعر وكأنه قمامة.
قال: "لقد كان ذلك سريعاً جداً".
استبدل إش-يردي تسريحة الضفائر الثلاث بتسريحة ذيل حصان واحدة ملقاة على الكتف. كانت ملفوفة بشرائط معدنية تعكس الضوء الأحمر في الممر.
قال: "سررت بفعله. إن خطر ببالك أي هموم أو طلبات أخرى...؟"
بدا متأملاً. وقف ألدن مسمّراً، يحدّق في الخاتم الذي منحه إياه إش-يردي. كان ضيقاً ومصنوعاً من المادة الخضراء الشفافة نفسها التي صُنع منها التساعي. حُفرت عليه أربعة رموز كتابية دقيقة، موزعة بانتظام حول خارجه. عندما أزلقه ألدن فوق سبابة يده اليمنى، تمدد ليتناسب معها.
قال: "لا بد أنك تظن أنني كنت غبياً. لعقدي عقداً خاصاً مع ذلك الشخص".
"لا يمكنني الحكم على اختيارك حين لا أعرف شروط الاتفاق، وما كنت تعتقد أنه صحيح في ذلك الوقت، والضغوط التي ربما مارسها".
توقف قليلاً، ثم أضاف: "لدي بالتأكيد ما يكفي من المعرفة بأخطاء رو-دين لأحكم عليه، وأنا أحكم عليه بأنه أناني، ومتهور، ومتغطرس. بشكل لا يُغتفر لساحر في عمره والذكاء المزعوم فيه".
أبهذه السوء، هاه؟
"شكراً لك على إزالة العلامة".
"سيهترئ الحبر سريعاً. أنا بارع جداً في تحطيم الأشياء".
انتعش.
"لنذهب إلى مدرستك! لقد تحققت، ولم يُدمّر أي جزء منها".
"هذا مبعث ارتياح".
"أترغب في اصطحاب الثعبان معك؟ قد يرغب في الهواء الطلق. يمكننا الذهاب لإحضاره".
ابتسم ألدن.
"لا. لا بأس. لا يصطحب الناس الثعابين إلى المدرسة عادة".
قاد إش-يردي الطريق نحو المصعد.
"سأكون مشغولاً طوال اليوم تقريباً، ولكن إن توافقت جداولنا، فربما يمكنك أن تقدم لي جولة في حرمك الجامعي".
"بالتأكيد. نعم... يبدو ذلك..."
مرعب. ماذا سيصنع ألدن بفارس سائح؟ إلى أين قد يأخذه حتى؟ ماذا سيظن الناس؟
قال إش-يردي: "آمل أن تُنسيك رحلتنا إلى هناك أي هواجس تقلقك. إنها طريقة مريحة للغاية للسفر".
* * *
ظن ألدن أن ثمة احتمالاً بأن المنصة الطائرة التي يقف عليها تُسمى حقاً الابن ذو الحواف التسعة الذي تتخلى عنه أُمُّه. كان إش-يردي، الذي استعاد الخاتم مؤقتاً، يعرض طريقة قيادتها. كانت السماء غائمة جزئياً، لكن الشمس كانت تتسلل خلال الغيوم الآن. تكاد حركة المرور الجوية تخلو بين الجزيرة والمكعب، وشك ألدن في وجود حركة بحرية غير تلك المشغولة بتنظيف المخلفات. لذا كان الطريق لهما وحدَهما.
جلس في المنتصف، بجانب إش-يردي مباشرة، وتساءل عن الاسم وهما يندفعان نحو أنيسيدورا بسرعة جعلت وجهه يخدَّر. من ناحية، كانت عبارة تتخلى عنه أُمّه أقصر في لغة أرتونا. أمكن التعبير عنها برمز كتابي واحد. ومن ناحية أخرى، ظن ألدن أنها ربما كانت شتيمة، وكان إش-يردي يدرجها في الحديث كثيراً أكثر مما بدا ضرورياً.
قال معلناً وهو يمد ذراعه لزيادة السرعة مرة أخرى: "وهكذا تقود الابن ذو الحواف التسعة الذي تتخلى عنه أُمّه! الأمر معقول تماماً. فقط تذكر أنه للصعود توجه الخاتم إلى الأسفل، وللهبوط تضغط بإبهامك على رمز التهدئة. هكذا!".
تعلم ألدن في الثواني الأولى من رحلته ما يمكن توقعه من قيادة الفارس. صعدا إلى سطح ماتاديرو، حيث حاول ألدن، متوقعاً تجربة لطيفة تشبه تلك التي نالها عندما أُنقذ هو وزيريدي، الوقوف على المنصة. ليجد نفسه على بعد سنتيمتر واحد من السقوط فوق الحافة وهما ينطلقان إلى الأمام كالصاروخ. يستطيع الشخص الذي يرتدي خاتم القيادة تثبيت نفسه في مكانه بالتأكد من إدارة الخاتم بشكل صحيح على إصبعه.
أما الركاب فكانوا بمفردهم. الآن، صار أكثر استعداداً، لكنه أطلق صرخة عندما هوت المركبة السحرية نحو سطح المحيط. شعره كأنه يترك معدته خلفه.
سأل إش-يردي فور استواء مقلتهما فوق الماء مرة أخرى: "أأنت مستعد للتجربة؟".
أيمزح؟ كانت لعبة سحرية طائرة. بالطبع أراد ألدن تجربتها.
قال إش-يردي قبل أن يناوله الخاتم: "تأكد من نطق اسمه. لإظهار الاحترام له".
شعر ألدن بشفتيه تتحركان. حاول الحفاظ على ابتسامة محترمة تحسباً لكون الأمر ليس مزحة.
سأل: "أهذا اسمه الحقيقي؟".
سأل الفارس: "لماذا أعطيه اسماً خاطئاً؟".
فكر ألدن وهو يحاول تفسير تعابير وجه الأرتوناني: لا يمكنني معرفة ذلك حقاً.
قال وهو ينزلق بالخاتم في إصبع3ه: "حسناً، لنذهب يا ابن ذي الحواف التسعة الذي تتخلى عنه أُمّه".
غاصت المنصة وارتفعت، انزلقت وتوقفت، وبدأ يفهم أسلوبها. عندما يتعلق الأمر بإبعاد عقلك عن خيبات أمل الصباح، كان تعلم الطيران أمراً يصعب تفويته. حتى قبل يومين، بينما كان ألدن شبه ميت ومُنهكاً في أعقاب إنقاذه، فكر: هذه تساعية طائرة رائعة. ليتني أملك تساعية طائرة. وتأكد أن أي شخص لا يعاني رهاب المرتفعات أو عداء السحر كان سيُفكر تماماً بالطريقة نفسها. كانت كبيرة بما يكفي لحمل بضع أشخاص.
تستطيع الرؤية من خلالها. تقودها بتوجيه إصبعك. كانت تطير. تساءل وهو يمد ذراعه لزيادة السرعة: أتقوم بحركات دائرية؟ أريدها أن تقوم بحركات دائرية. غير أن إسقاط إش-يردي في المحيط لم يكن طريقة رائعة لمجازاته على التجربة الجديدة. أعني أنه قوي. بإمكانه التمسك بالحافة فقط. أو بي.
راودته صورة ذهنية مفاجئة لنفسه وهو يقول: "تمسك بي، هنتيون إش-يردي. يجب حقاً أن نقوم بشقلبة الآن. لأننا كذلك".
استغرق تخليه عن تلك الفكرة وقتاً أطول مما ينبغي. هبت الريح من حوله، وكانت رائحة الهواء نقية. استجابت التساعية لكل حركة طفيفة من إصبعك. كانت قيادة المنصة صعبة بالقدر الذي يجعلها تبدو وكأنها لعبة، ولقرابة بضع دقائق، ضاع ألدن في عملية تغيير السرعة، وتعديل المسار، وتوجيههما أعلى أو أسفل وفقاً لنزواته الخاصة. بخلاف الإشارة إلى أنهما انحرفا كثيراً نحو الجنوب مرة واحدة، بدا إش-يردي راضياً بالصمت والاستمتاع بالرحلة.
نسى ألدن تماماً أن يتساءل عما إذا كانت الأمواج تحته لا تزال تحمل جزيئات مرسل المغاسل أم لا، وكاد ينسى الشعور بالسوء بسبب الاجتماع مع جو. لكن عندما لمس بصره أنيسيدورا في الأفق، تذكر فجأة شيئاً آخر.
هتف: "وشم العقد!".
"أتريد إزالة آخر؟".
"لا".
سحب ألدن يده نحو جذعه ليبطئا. كانا على ارتفاع ستة أمتار فقط فوق الأمواج في هذه اللحظة.
"أعني وشم عقد ماتاديرو. ذاك المفترض أن أحصل عليه كي لا أتمكن من التحدث عما رأيته في المكعب. لقد نسينَاه".
رفع إش-يردي بصره من تلميع أحد خواتمه العديدة الأخرى.
"لم أنسَ".
"أنا نسيت بالتأكيد".
يا له من تباين غريب للحصول على وشم آخر بعد أقل من ساعة من طلب إزالة جزء من الأول.
"إذا كنا سنفعله الآن—".
قام إش-يردي بحركة رفرفة بيد واحدة. لم يكن معناها واضحاً للغاية.
"سنفعله لاحقاً. عندما تكون أفكارك أوضح ولا تكون في طريقك إلى المدرسة. ليس لدينا سبب للاستعجال".
أبطأهما ألدن أكثر، حتى كادا يحومان بدلاً من الطيران.
"ليس لدينا؟ أنا مغادر لماتاديرو رغم ذلك. أنا على وشك أن أحيط بالناس".
قال إش-يردي: "من فضلك لا تقدم لأولئك الناس أي تفاصيل حول المكعب".
قال ألدن: "لن أفعل. بالطبع. في مكالماتي الهاتفية، كنت حريصاً حتى على عدم القول إني مقيم هناك".
"يمكنك إخبار الناس بذلك القدر".
"لكن...".
لم يقم إش-يردي بمعروف ملء الصمت.
سأل ألدن: "ألا ينبغي أن تكون أكثر قلقاً بشأن ارتكابي خطأ؟".
كان صوت إش-يردي هادئاً: "أسترتكب خطأ؟".
فكر ألدن: لا. لكن ماذا لو كنت شخصاً غير مسؤواً...؟. وكما لو ليثبت عدم اكتراثه، استلقى إش-يردي على المنصة وأراح يديه على بطِنه.
"أنت ناضج بما يكفي لممارسة <<التقدير المناسب>>. ولا أشك في صدقك. سنعقد معك اتفاق سرية في النهاية لأنك لست <<منيعاً>> ضد <<شرور>> الآخرين".
ابتسم إش-يردي في وجه غيمة.
"لكنني أضل أن نأخذ وقتنا في ذلك ونناقش الأمر معاً بعناية. ولا أريد أن تفوتك اجتماع مدرستك! لذا، في الوقت الحالي، أثق بكلامك".
حدق ألدن إلى الفارس. هكذا إذن؟
أعلن إش-يردي: "وقد أمرت العقد بأن ينقلك إلي فوراً إذا حاول شخص انتهاك أفكارك".
"أه...حسناً. أهذا خيار متاح؟".
قال إش-يردي: "كان علي أن أصر قليلاً. إذا حدث ذلك، فسأكون <<معتذراً>> عن التكلفة. لكن الأمر لا يبدو مرجحاً، أليس كذلك؟".
لم يكن كذلك. نظر ألدن نحو الضباب الغامش الذي يمثل الجزيرة.
قرر ضاغطاً بيده إلى الأمام لتستعيد سرعتهما: "إن سأل أحد، فسأخبره أنني مقسم بالسرية بالفعل. لا أعتقد أنهم سيسألون حتى. إذا أخبرت الناس أنني كنت أتلقى العلاج في ماتاديرو، فسيفترضون ببساطة أنه ليس هناك ما يمكنني قوله".
قال إش-يردي بنبرة شخص يتحدث عن خبرة: "إلقاء اللوم على المعالجين يعذر كل أنواع السلوك. وبورتي-لوث <<غريب أطوار>>. أي شخص التقاه سيصدق أن أي شيء تفعله قد يكون نتيجته تعلييماته".
صحيح.
"ماذا عن كل الأشياء الأخرى التي أعرفها؟".
أمر إش-يردي: "استمر في الطيران. سنتحدث عن الأمر".
* * *
ظلّ رأس ألدن طوال الدقائق التالية غارقاً في قيادة التساعيّة، وفي مهمّة إقناع إش-يردي العسيرة على نحو مدهش بضرورة تزويده بقواعد أساسيّة للتخاطب تتجاوز «استخدم حُسن تقديرك ومعرفتك بعيوب المجتمع!»
حين يتعلق الأمر بأمور مثل الإفصاح عن كونه شاهداً على حالات وفاة متعددة لمجندين أم لا. لقد انتهيا أخيراً من تسوية وضعيّة باش-نور وزيريدي والأموات على نحو يرضي ألدن، وكانا على بعد ميل ونصف الميل تقريباً من أبيكس حين تلقى بغتة مكالمة من مراقبة حركة الطيران في سماء البحر وُسِمت بـ[عدم الردّ مخالفة قانونية].
قال بعد أن أجاب عنها: "مرحباً؟"
سمع صوت ارتشاف، وما بدا أنه نقرات عدوانية على لوحة مفاتيح، ثم انطلق صوت امرأة يتحدث بالإسبانية بسرعة جعلت ألدن عاجزاً عن قراءة الترجمات بالسرعة الكافية لمجارته.
«اسمع، اسمع، اسمع! قد تكون السماء عقاراً ساخناً، وقد نمرّ بأسبوع سيّيء، وقد تعبث بقوة جديدة تماماً نلتها أثناء الفيضانات، لكن القواعد لا تزال قائمة. قواعد. لن نسمح لحركة الطيران بالانحدار نحو الفوضى مثل الأمس. اصطدم صانع يطير على مقعد حديقة بمتزلج جوي هذا الصباح، وسقط اثناهما في الخليج. هل تريد التورّط في هكذا وضع؟ أتريد السباحة في الخليج؟ أي شيء تتجاوز سرعته أربعين كيلومتراً في الساعة، أي شيء يطير على ارتفاع يزيد عن عشرة أمتار عن الأرض، أي شيء تتسم حركته بالعشوائية، أي شيء يفعل أيّ شيء في وقت كهذا — تبرز ترخيصك وتحصل على مسار رحلتك وتلتزم به. أتملك ترخيصاً حتى؟ ليس عندي أيّ سجلّ لترخيصك. أتعلم؟ أتسعمني؟ أتستطيع —؟»
قال ألدن: "ليس لديّ ترخيص طيران."
«ماذا؟ أليس لديك؟ من أين أنت آت؟ إلى أين أنت ذاهب؟ لمَ أنت هناك؟»
نظر ألدن إلى المدينة أمامه، ثم خفض بصراحه إلى الفارس الذي لم يقدم أيّ مساعدة تذكر.
"أنا أطير بحنْتيون إش-يردي من ماتاديرو إلى أبيكس؟"
توقف تدفق الكلمات. سُمع صوت ارتشاف آخر. تباطأ النقر على لوحة المفاتيح المرجحة.
قالت مراقبة المرور أخيرًا: «أصبح لدى الجنرال ذي البسكويتة الخضراء الكبيرة سائق الآن؟»
هذا... ينفع. أليس كذلك؟
أكد قائلاً: "أنا سائق البسكويتة الخضراء الكبيرة."
«لمَ لا يملك السائق ترخيصاً؟ لقد كان سؤالاً بلاغيّاً. لا تجِب عنه. حسناً. حسناً. أنا أُسجّلك الآن. ألدن ثورن. أنت مسجل فقط من أجل البسكويتة. ترخيص بسكويتة للظروف الخاصة. لا تحلق بأشياء أخرى. تعال لتؤدي اختباراتك عندما يكون العالم أقل جنوناً. لا تسقط الجنرال. اتصل للإبلاغ عن مسارات رحلتك إن أمكن ذلك. إلى أين أنت ذاهب الآن؟»
قال ألدن محاولاً كبح تكشيرة: "سيلينا الشمالية."
لم يكن لديه الوقت للتفكير في أسئلة مهمة مثل: أين أوقف تحديداً جهاز الطيران شديد الوضوح الذي يحمل أرتونياً شديد الوضوح لكي أصبح أقل وضوحاً؟
«حسناً. اتبع تعليمات مسار الرحلة إن لم يعترض ساحرك. وإن اعترض ساحرك، فاعثر على لحظة لتعاود الاتصال بي. لقد أصبحت وظيفتي أكثر إثارة بكثير مؤخراً. طاب يومك.»
أنهت المكالمة. بعد لحظة، ظهرت طبقة متراكبة وخريطة مصغرة على واجهة ألدن، وقضى بضع دقائق يحلق في مكانه ويكتشف ما يُسمح له فعله. أيكون الأمر بهذه الصرامة في يوم عادّيّ؟
ذكّره إش-يردي: "كنت على وشك أن تطرح عليّ سؤالاً آخر. قبل أن تدعو الابن ذا الحواف التسعة الذي تتخلى عنه أُمه معجنات بشريّة."
"أنا آسف!"
"لا تعتذر لي."
ربت إش-يردي على التساعيّة التي بينهما. إنه يعبث معي بحقّ. فكر ألدن بينما كان يعتذر لطائرته بأكبر قدر ممكن من الإخلاص. كيف يتسع وقت هذا الشخص للعبث معي؟ قبل أن ترد المكالمة، كان ألدن يحاول حسم ما يجب أن يقوله بشأن إنقاذ إش-يردي وليند-وتا له، إن أثير ذلك اليوم في المدرسة. في العادة، كانت خطته تقتضي ترك نجاته دون ذكر بتاتاً أو المرور عليها عابرًا حفاظاً على سلامة عقله.
فقد كانت باهرة الجانب بعد أصلًا، ولم يكن يستمتع بكونه محطّ أنظار. لكن بينما بدأ ألدن في صياغة الأسئلة، ظل يصطدم بعقدة لم يتوقعها. لقد أنقذا حياتي. أليست صياغة طرق للتصرف وكأن الأمر لم يكن شيئاً مهمّاً، لمجرد راحتي الشخصيّة، تقليلاً من شأن ما فعلاه؟ لم يكن إش-يردي وليند-وتا بحاجة إلى مديح من مراهق عشوائي انتشلاه من الماء، وكلما فكر ألدن في الأمر أكثر، شعر بأنه أبله لمجرد قلقه بشأن مدى إزعاج الناس له إن اكتشفوا وجود قصة تروى عن جنرالات أرتونيين.
ربما أخبره إش-يردي بأن يفعل ما هو الأفضل لنفسه إن سأل عن التقليل من شأن ما حدث، لكن ألدن لم يظن أنه يجب أن يسمح لنفسه بأن يكون ذلك النوع من الحمقى الذي يفضل راحته الشخصية على ردّ الجميل حيث يُستحقّ. كنت على وشك الغرق. كان الأمر مؤلماً. كنت مرعوباً. لقد انتشلتاني منه. كان الأمر مختلفاً عن عدم إخبار الناس بمساعدة الرباعية. لو حاول حتى شرح كيف ساعدته، لفتح باباً واسعاً للمشاكل.
كان هذا أبسط. كان الجميع يعلمون بالفعل أن الفرسان يحومون حول أنيسيدورا وأنهم يستخدمون سحرهم لإصلاح الأمور. حتى إن بسكويتة إش-يردي الطائرة كانت معروفة. لدى مراقبة المرور على الأقل. غير أن الفرسان ماهرون بشكل غريب في تفادي تصويرهم متلبسين باستخدام سحرهم. ترك ألدن التساعيّة تتقدم إلى الأمام مرة أخرى نحو أبيكس، مبقياً إياها بطيئة. لم يكن يملك سوى وقت قصير للوصول إلى التجمع، لذا سيكون عليه الإسراع قريباً.
لكنه كان يعيد صياغة أفكاره وسؤاله، وما أراد سؤاله الآن كان مهمّاً. ليس فقط للساعات القليلة القادمة من حياته. بل على المدى الطويل.
"حنْتيون إش-يردي..."
"أنت تستخدم اللقب."
كان لا يزال ينظر إلى السماء.
"أهذا السؤال جادّ إلى هذا الحدّ؟"
كانا يقتربان من أطلس فونتا دي لا لونا. الممشى، والأكواخ، وقصر السفراء — لم تكن موجودة إلا في ذاكرة ألدن وحدها الآن. يمكنني الانتظار وسؤال ستيوارت عندما أذهب لزيارته... لكن الأفضل أن أسأل إش-يردي أيضاً. قد يكون لدى ستيوارت منظور مختلف. كانا لا يزالان هنا في الخارج فوق الماء، بعيداً عن الطائرات بدون طيار. ولم يكن ألدن يظن أن أحداً ضمن أميال منهما يمتلك مزيج الشجاعة والموهبة والمعرفة اللازمة للتجسس على إش-يردي.
قال ألدن: "أظن أن طرح هذا السؤال عليك قد يكون وقحاً، لكنني لا أعرف كيف أعرف دون المخاطرة. أعتذر إن كان كذلك."
"آمل أن يرعبني السؤال بما أنك تعتذر عنه قبل أن يُنطق به حتى."
لا أعرف. قد يرعبك. للحظة أخرى، تردد بين سؤاله بأكبر قدر ممكن من الرقة مقابل سؤاله مباشرة. استقر على الخيار الثاني، بناءً على تخيله لما سيكون عليه شعوره لو أن شخصاً آخر هو من سيطرح الأمر.
قال ألدن ناظراً أمامه مباشرة: "يبدو أن حقيقة ارتباط سلطة الحنْتيون بمهارة لا يُذكر قط. حتى على الكواكب الثلاثة بين الطبقة العادية. وربما حتى بين طبقة السحرة؟ لا يبرح الناس يذكرون ذلك أبداً. لست متأكداً مما يعنيه هذا — أهو سرّ يُكتم عن بعض الناس أم أنه من باب الاحترام. أريد أن أفعل ما تفضله. حين أخبر الناس أنك أنقذتني، إن سألني أحد كيف أوقفت ليند-وتا الماء، أفأقول فقط إنها ألقت تعويذة، مثلما يفعل الجميع على التلفاز؟ أهذا ما ترغبانه كلاكما؟"
لم يستطيع ملاقاة عيني إش-يردي حينها. كان خائفاً من أن يرى شيئاً خطيراً هناك — ليس غضباً، بل أيّاً من المشاعر الصعبة الأخرى التي قد تظهر. حزن، ألم، خزي... تفهم. وحدها التوقفات الطويلة قبل إجابة إش-يردي هي ما أخبر ألدن أن السؤال قد فاجأه.
"تتساءل لمَ لا يذكر أحد قط نقيق الشيخ."
تحدث ببيان، دون أي أثر لأي من ردود الفعل التي خشيها ألدن.
"إنه لسرّ من الأسرار في هذا العالم، مع أن أحداً لا يقصد أن يظل مكتوماً تماماً في هذه المرحلة من علاقة شعبينا بعالمكم. إنه من المحرمات في ثقافتنا لأولئك الذين ليسوا حنْتيون بأنفسهم، أو المرتبطين بنا ارتباطاً وثيقاً، أن يتحدثوا عنه. لدرجة أن الكثيرين ما زالوا يقسمون على الحفاظ على الصمت المُحترم، متبعين التقاليد القديمة. على افتراض أن الأمور ستسير كما أتخيل، ستكتشف أنه في الوقت الذي تصبح فيه طبيعتنا مفهومة بشكل أوسع هنا على الأرض، سيُتبنى الصمت أيضاً."
"إذن فأنا أعتذر لإثارته."
"لا داعي لذلك. لم تدعني معجنات. وطرح الأسئلة بغرض تثقيف نفسك لن يكون مهيناً لأي شخص يستحق القلق بشأنه. البعض منا، بما في ذلك أنا وليند-وتا، نعتبر المجندين استثناءً طبيعياً للصمت المُحترم. مع أن الجميع لا يشعرون بهذا الشعور، لذا فأنصحك بالحذر في تعاملك مع الآخرين."
إذن فلم يكن سرّاً في الواقع. حتى على عوالم أخرى. لكن أحداً لم يبرره لكيبي قط، ولم يحظَ ألدن بفرصة السماع عنه أثناء استهلاكه لوسائط الإعلام الأرتونية لعدم الحديث عنه نهائياً.
سأل: "نقيق الشيخ؟"
"لست متأكداً من أن العقد يترجم ذلك بدقة."
"خرافة تُروى غالباً للأطفال وتُستخدم أحياناً لشرح الصمت المحترم. ليس لديّ وقت لروايتها الآن. لكني سأحرص على أن تسمعها."
اعتدل إش-يردي في جلسته.
"أنا حكواتي شهير. لا تدع أحداً يرويها لك قبلي. المرة الأولى هي الأفضل."
قال ألدن: "حسناً."
قهقه إش-يردي في نفسه.
"لقد مرت بضع سنوات. يجب أن أتمرن على نقيقي! أما بالنسبة لبقية سؤالك، فإخبار الجميع بأننا نلقي تعويذات هو الخيار الأفضل غالباً. كما أنه ليس غير صحيح من منظور معين."
قال ألدن بحزم: "سأفعل ذلك."
"تعويذات مهيبة. تلك التي تبعث الرعشة!"
"يمكنني قول ذلك."
"أنت جادّ جداً."
تراجع ابتسامة إش-يردي قليلاً.
"أظن أنك استنتجت استنتاجاتك من تفاعلاتك مع الرباعية. أو ربما مؤخراً مني ومن ليند-وتا. إن كان لديك مزيد من الأسئلة، فيمكنك طرحها في أي وقت."
"شكراً لك. هذا لطف منك."
"لا أعظن ذلك. فنحن ربما أقل شبهاً بالمجندين مما تتوقع. ومن الجيد لك أن تفهم، بما أنك تصبح صديقاً لستيوارت."
وجه ألدن التساعية إلى أعلى، محاولاً فك شفرة شعوره تجاه كلمات إش-يردي. تحته، كان العالم الذي يعيش فيه المجندون البشريون راسماً مزيجاً صادماً من الخراب والروعة. وبجانبه، عرض فارس من كوكب الأم شرح ماهيته. وضد صدر ألدن، مخفياً بياقة الزي المدرسي العالية، كان طوقه ناعماً، وعلى اللحم هناك، كان الوشم الذي قبله من ساحر آخذاً في التلاشي. نحن ربما أقل شبهاً بالمجندين مما تتوقع.
كانا يحلقان فوق المنطقة التي أُنقذ منها. أيتناسب شخص مثلي في أي مكان؟ أأفعل يوماً؟ لو سألته — وتخلّصت من الحذر وسألته صراحة — فماذا ستكون الإجابة؟
أكان يملك واحداً لي أساساً؟
* * *