الاندفاع فائق الضوء الفصل 107

اقرأ الاندفاع فائق الضوء الفصل 107 باللغة العربية على مانجا تايم.

منذ أزمان بعيدة، في مجرة نائية جداً... بعد ثماني سنوات من سقوط الجمهورية القديمة، تسيطر كونفدرالية الأنظمة المستقلة الآن على الحافة الخارجية. بلا هوادة في سعيها وراء أسطورتها القومية، دفعت أساطيلها وجيوشها عبر الحدود الجامحة وما وراءها. بعد سنوات من المقاومة، استسلمت عوالم ذراع تينغل العديدة أخيراً. ومع غزو كل كوكب، يزداد حماس الكونفدرالية قوة. آخر من سقط تحت التوسع الثالث للكونفدرالية هو كوكب جيلوكان الجبلي المعزول، الذي يأمل مواطنوه بمستقبل أكثر ازدهاراً، حتى بينما تتجمع أساطيل الانفصاليين الفضائية فوق رؤوسهم.

⁂

جيلوكان شقت سفينة سماءً بلون الرماد فوق الرأس بسرعة فائقة حتى بدت كخط من الضوء وصراخ بعيد يكاد يضيع في الريح.

قطاع كيومار صاح ثاين كيريل وهو يشير إلى الأعلى ويقف على أطراف أصابعه وكأن ذلك يمنحه الطول الكافي للوصول إليها: "تلك مكوكية من طراز ماكسيليبيد! أيه يا دالفين، ألم تر ذلك؟! تلك ماكسيليبيد يقيناً!"

هوى شقيقه الأكبر بقبضته على رأسه — بلا قوة تُذكر، لكن بلا رقة أيضاً: "اخرس! وكيف لك أن تعرف؟ أنت أصغر من أن تعرف. لعلها كانت شيذيبيد."

أقاليم الحافة الخارجية أصر ثاين وهو يخبط بقدميه: "لا! لقد رأيت زعنفتين ظهريتين! ما كان لها أن تكون شيذيبيد. هي بعيدة الآن، لكنها كانت يقيناً..."

تصلّب دالفين، واستعد ثاين. لم يضربه دالفين بقوة قط حين يكون والداهما بالقرب، لكن تلك الدفعات أو اللكمات الخفيفة غالباً ما كانت تنذر بما هو أسوأ لاحقاً. لكن الضربة لم تأتِ؛

ألقى دالفين نظرة على الشخصين طويلَي الرداء في الطريق أمامه، وتأفف: "واصل المشي وحسب ايها الأحمق"، تململ دالفين وبدت عليه الحرج بوضوح لأن ثاين استطاع تمييز السفينة التي عجز هو عن معرفتها، "فكلاهما سيّان من بعيد على أي حال."

نادتهما والدتهما بصوت عالٍ حين أدركت أنهما لم يعودا خلفها مباشرة: "أيها الصبيان، تعاليا إلى هنا الآن!"

ولم تقف من أجلهما، لشدة انشغالها برفع حاشية فستانها المصنوع من الحرير الزعفراني كي لا تحتك بغبار طريق المنحدرات: "أخبرتكم أنه كان حريّ بنا مجيئ مركبة طافية. وبدلاً من ذلك نتجول نحو فالينتيا سيراً على الأقدام كحثالة الوديان."

كانت تخاطب أباهما، أوريس كيريل، الذي رد بزمجرة: "لا — سيكون أهل جيلوكان أجمعون في فالينتيا. سيكون هناك الآلاف محاولين الهبوط بغض النظر عن امتلاكهم حجوزات أم لا. فلنعانِ قليلاً الآن خير من أن نقضي اليوم كله نتنازع على المهابط. وعلاوة على ذلك، يستطيع الولدان مواكبة المسير، أليس كذلك؟"

استطاع دالفين، إذ كان يهرول صعوداً في الطريق ليلحق بوالديه. كان شقيق ثاين الأكبر في الثانية عشرة، طويل الأطراف وفخوراً بكونه أطول قامة من شقيقه الأصغر. ومقابل كل خطوة يخطوها، كان على ثاين أن يخطو خطوتين أو ثلاثاً. لم يصغره دالفين سوى بأربع سنوات، لكن ثاين كان أقصر من معظم الصبية في عمره، وذو قدمين ويدين كبيرتين جعلتاه يبدو محرِجاً. بدا شعره الأشقر مائلاً للحمرة بسبب غبار الجبل، وكان يلتصق بجبهته من العرق.

وبينما كان يكافح لمواكبة السير، تمنى لو أن أهله سمحوا له بارتداء حذائه المفضّل بدلاً من هذا الجديد اللامع — الذي كان يعتصره من أصابعه ويحتك بعقبيه مع كل خطوة. ولم يكن ليسمح لأي شيء بأن يرغمه على المكوث في المنزل، لا هذه الملابس الجديدة الصلبة ولا المسير الشاق ولا حتى تنمّر شقيقه الأكبر. فمن أجل فرصة رؤية سفن فضاء حقيقية، ومقاتلات فضائية ومكوكات، بل — وهو ما كان يرجوه من أعماق قلبه — طرادات وفرقاطات، كان ثاين مستعداً لتحمل ما هو أسوأ بكثير من هذا.

فجيلوكان لم تمتلك شيئاً كهذا قط، وأقصى ما حوته كان سفناً جوية قديمة وبلهاء مثل في-١٧١. كانت المجرة في طريقها إلى جيلوكان أخيراً، ولن يفوت أهل جيلوكان هذا الحدث من أجل المجرة بأسرها. وثاين ضمناً.

سمع دالفين يقول بنبرته المتذمرة وهو يلحق بهما: "كان علينا ترك ثاين في المنزل مع آلية الخدمة المنزلية. إنه أصغر من أن يرى أياً من هذا. ساعة أخرى وسيئنّ رغبة في العودة للمنزل."

أصر ثاين: "لن أعلّق. أنا كبير بما يكفي، ألسْتُ كذلك؟ أمي؟"

أومأت غانير كيريل بذهول: "طبعاً أنت كبير بما يكفي. لقد وُلدت في العام نفسه الذي انتهت فيه الحرب يا ثاين. لا تنسَ ذلك أبداً."

كيف له أن ينسى وتلك كانت المرة الخامسة التي تذكّره بها في ذلك اليوم؟ أو هكذا أراد أن يقول، لولا الخوف من صفعة أخرى من دالفين، أو غضب أبيه الحارق. أشاح بنظره نحو الطريق المؤدي إلى فالينتيا، لكيلا يريا وجهه ويقرءاه. شدت الريح عباءته المطرزة بالأزرق والذهب، فارتجف ثاين. لا بد أن العوالم الأخرى كانت أدفأ. أكثر إشراقاً وازدحاماً، وأكثر متعة بكل المقاييس. آمن بذلك رغم أنه لم يزلُ كوكباً قط طوال حياته؛

إذ استحال عليه التفكير في أن اتساع المجرة يخلو من مكان أفضل للوجود سوى هنا. ظهرت بقعة صغيرة سوداء وبنية على الطريق الأمامي. عائلة مؤلفة من ثلاثة أفراد، أب وأم وفتاة صغيرة في عمره تقريباً، وجميعهم ملفوفون بتلك العباءات الصوفية البنية. صوف المونيَاك. بشرة بلون الأرض المحروثة، وشعر أسود كثيف ينسدل في خصلات مجعدة ومبعثرة. كانوا يسافرون برفقة مونيَاك، تلك الحيوانات الضخمة الأشعث التي تعيش في الوديان بالأسفل.

كانوا جميعاً أدفأ منه، هذا مؤكد. أفسحت عائلة كيريل مجالاً واسعاً لأهل الوادي أثناء مرورهم، حتى إن دالفين قرص أنفه وكأنهم ينبعثون برائحة كريهة ما. لم يشمّ ثاين شيئاً. كانت الفتاة الجالسة فوق المونيَاك تحدق بشرود في السماء، وتتتبع عيناها خطّاً خفياً ما.

تمتمت سمعها يقول: "تلك كانت ماكسيليبيد يا أختي."

كان ذلك كافياً لجعله يقف في مكانه مسسماراً ويحدق.

لم يرَ ثاين أية أخت، لكن تلك كانت ماكسيليبيد يقيناً، فلم يرغب في شيء قدر رغبة إلقائها في وجه أخيه بصوت عالٍ صارخ: "أخبرتك بذلك!"

"لا تقتربي منها."

"أمي؟!"

انتفض ثاين قليلاً، وإن لم يعترف بذلك. ظهرت غانير فجأة بجانبه، رغم أنه لم يكن محور اهتمامها — فنادراً ما كانت تلحظه أصلاً — وهي تحدق في عائلة أهل الوادي بغضب وكأنهم ارتكبوا خطيئة كبرى لمجرد سيرهم في الطريق نفسه.

التفتت فجأة وقبضت على كتفه بقبضة محكمة الأطراف: "نحن لا نعيش في العالم ذاته الذي يعيشون فيه. هؤلاء هم الموجة الأولى. ولهذا السبب كان حريّ بنا القدوم بمركبة طافية؛ فمجرد الاضطرار لمشاركة الطريق مع الموجة الأولى أمر مهين بما يكفي. كيف يمتلكون الوجه لحضور الاحتفال وهم يرتدون ملابس قذرة لهذه الدرجة؟"

استُوطنت جيلوكان في وقت متأخر من تاريخ المجرة، ولعل السبب يعود إلى عدم وجود من هو يائس بما يكفي للعيش على صخرة شبه قابلة للسكن على أطراف الحافة الخارجية مباشرة. وقبل ما يقرب من خمسمائة عام، نُفي مجموعة أولية من المستوطنين إلى هنا من عالم آخر مغمور بالمثل. لقد حاربوا في الجانب الخطأ من حرب أهلية ما. لم يعرف ثاين التفاصيل. أخبراه والداه فقط بأن أولئك المستوطنين الأوائل قد غرقوا في الوديان، في فقر مدقع تقريباً، وعجزوا بالكاد عن إبقاء أنفسهم أحياءً.

أما الحضارة الحقيقية فلم تصل إلا لاحقاً، أو هكذا زعموا، قبل مئة وخمسين عاماً، مع الموجة الثانية من المستوطنين، الذين أتوا إلى هنا طوعاً على أمل بناء ثرواتهم. وقد نجحوا في تأسيس التعدين، والانخراط في التجارة المجرية، وعيش حياة حديثة — بخلاف أهل الوديان، الذين تصرفوا كبدو ما قبل التكنولوجيا لا كبشر معاصرين. لقد كانوا من أهل جيلوكان أيضاً، لكنهم كانوا غير ودودين، ومنعزلين، ومغرورين — أو هكذا زعموا.

أو لربما كان الأمر ببساطة أن أهل الوديان ما زالوا غاضبين لإلقائهم على صخرة العالم الموحلة الكئيبة هذه. وإن كان الأمر كذلك، فلم يلمهم ثاين. لم يطيل الوقوف عندها؛ وفي المرة التالية التي رفع فيها نظره، وصلوا أخيراً إلى فالينتيا، عاصمة جيلوكان. اتسعت عيناه حين انفتح وجه الجرف على وادٍ واسع وكبير، وبحيث بُنيت المباني في الحجر الأبيض الشاحب للمنحدرات على مد البصر، ممتدة على طول سفح الجبل حتى تلاشت في الضباب البعيد.

بلغ ارتفاع بعضها أكثر من عشرة أو خمسة عشر طابقاً، وحولها قامت الخيام والسرادقات المصبوبة بعشرات الألوان الزاهية والمزينة بالأشرطة والخرز. ويطير عالياً فوق ذلك كله، رفرافاً من سقط عمود غُرِز في الحجر، يسطع درع الاتحاد ذو الأضلع الستة. كانت الشوارع تنبض بالحياة، ومكتظة ببشر أكثر مما رأى ثاين طوال أعوام حياته الثمانية. كان البعض يبيعون الطعام أو التذكارات للمناسبة الكبرى: أعلاماً وشعارات انفصالية صغيرة، وصوراً مجسمة تمثل السداسي أو رمزا آخر، وحتى سيوفاً لعبائية — سيوفاً مجسمة، ينطلق منها شعاع من ضوء صلب من اسطوانة معدنية لامعة.

لقد رأى ثاين تلك الأشياء بالتأكيد من قبل، لعلها كانت في إحدى الدراما المجسمة الخاصة بوالدته؟ مع ذلك، توجه معظم الناس في الاتجاه ذاته الذي سلكه وعائلته، تماماً مثل جميع المركبات الطافية والمركبات السريعة ووسائط النقل المتجهة هناك.

"يا له من أمر مذهل! انظر!"

صاح دالفين فجأة: "روبوتات معركة!"

روبوتات معركة فائقة، صحح ثاين في ذهنه. ثقيلة من الأعلى، ومكسوة بالفولاذ الرمادي المتموج، وبطول مترين تلوح في الأفق، مصطفة على جانبين الطرق كجدران جامدة. منح هذا الثبات الراسخ الأطفال المحليين جرأة كافية للوخز والطعن فيها، وكأنهم يتحدون — أو يراهنون — بعضهم البعض لجعل الروبوتات تتحرك. عرف ثاين أفضل من ذلك؛ لقد كان أكثر نضجاً منهم. أو أكثر خوفاً.

"—لا تلمسني أيها القذر!"

دوّى صوت أوريس كيريل عبر حشد الأجسام.

"لا تقترب مني أيها الصعلوك! يا صاحب الموجة الأولى!"

كان والد ثاين يقف فوق رجل من الوادي، كان ثاين قد رآه من قبل. إنه الرجل من العائلة ذاتها التي تقاطعوا معها على الطريق قبل أقل من ساعة. دفع والده الرجل إلى الأرض، هذا ما استطاع إمساكه، ولكن بينما استدار أوريس كيريل بازدراء، مدّ الرجل يده، وأمسك بحاشية رداءه، وجذبه إلى الوراء.

"نعم، لقد ارتطمت بك"، أطبق الرجل على أسنانه ولا يزال على ركبتيه، "وهذا خطئي."

تراجع أوريس كيريل وكأنه ينكمش من لهب، وبدا على وجهه غضب عارم لم يره ثاين من قبل إلا قبل أن يُوبَّخ ويُضرب. جعله ذلك ينكمش إلى الخلف، ولاحظ باقي عائلة الوادي يراقبون من فوق المونيَاك، المرأة والفتاة الصغيرة. ظن أنهما ستطلبان من رجلهم الاستسلام، وربما الاعتذار أيضاً — فموجة أولى لم تكن يوماً تعادل موجة ثانية — لكن كل ما رآه كان برودة في أعينهما، بقسوة جبال الصخر ذاتها.

"ومع ذلك"، استمر الرجل واقفاً ومفضفضاً سرواله، "أنت مهم لدرجة أنك لا تستطيع رؤية أن هذا التمييز بين 'الموجة الأولى' و'الموجة الثانية' سيختفي الآن تحت ظل الاتحاد. بعد اليوم، سنكون جميعاً 'جيلوكانيين'."

"تش"، سخر دالفين: "لا بد أنه يحلم. صنفهم المنتن والمقرف لن يساوينا أبداً."

تلك كانت المرة الثانية التي قال فيها إنهم ينبعثون برائحة كريهة.

سأل ثاين: "أشممت رائحتهم؟ هل رائحتهم كريهة؟"

"هاه؟"

نظر إليه دالفين كأنه أحمق، "انظر بنفسك. خلافا لنا، لا يمتلك أهل الموجة الأولى مالاً. ألا يبدون منتنين وحسب؟"

بدا حقاً أنهم لا يمتلكون مالاً. كانت بشرتهم داكنة وخشنة، وشعرهم متشابكاً ومهملاً، وملابسهم بسيطة وبالية. لكن ثاين استمر عاجزاً عن شم رائحتهم، على الأقل، فيما يتجاوز رائحة العرق والغبار التي غلبت على مدينة فالينتيا المكتظة.

"حتى إنهم امتطوا ذلك المونيَاك القذر إلى الاحتفال"، تجهم شقيقه الأكبر.

وبينما مضى دالفين، رأى ثاين الرجل يجتمع بعائلته مجدداً. وسط الحشد، رأى الفتاة مرة أخرى، وقد نزلت عن المونيَاك. وكأنها استشعرت نظراته، التفتت الفتاة وواجهت عيناه.

تمتم: "تلك كانت ماكسيليبيد يقيناً."

"ما الذي تفعلته يا ثاين؟!"

نادت غانير كيريل: "تعال بسرعة!"

⁂ "اليوم، لم تعودوا مجرد مواطنين لجيلوكان!"

كانت هناك سيدة تعتلي المنصة.

"كل واحد منكم هو الآن مواطن فخور بالمجرة، باتحادنا!"

لم يستطيع ثاين رؤيتها جيداً، لكن صورتها وصوتها بُثّتا بكبر على الصور المجسمة وعروض الهولو في شتى أنحاء المدينة. وخلف ظهرها، مُدّ درع الاتحاد ذو الأضلع الستة فوق سفح الجبل.

"في هذا اليوم ينتهي عزلكم الطويل، وفي هذا اليوم تبدأ جيلوكان مستقبلها الجديد المزدهر عبر تبوّئ مكانتها المستحقة بين النجوم!"

كان شعرها كشعر أهل الوادي، طويلاً ومتموجاً وأسود بلون القار.

همس دالفين بعينين متسعتين وفم فاغر: "ما هذا الشيء؟"

كانت بشرتها زرقاء. أزرق من أي سماء. أزرق من أي ماء. كانت بشرتها زرقاء كطين مطليّ.

همس ثاين بالمقابل: "لا أعرف"، وفي تلك اللحظة، علّق الشقيقان خصومتهما الطفولية ليصعقا بالقدر ذاته من الذهول.

كانت عيناها حمراوين. أشد حمرة من الدم. أشد حمرة من الياقوت. كانت عيناها حمراوين كحجارة مطلية.

زمجر أوريس كيريل: "اصمتا، كلاكما"، مسمراً ببصره على الخطاب، أو على المخلوق.

في تلك اللحظة بالذات، أدرك ثاين كيريل بجلاء ما يعنيه رجل الوادي. فمنذ هذا اليوم وصاعداً، كانوا جميعاً 'جيلوكانيين'. فما بالك لو امتلك أحدهم بشرة أداكن والآخر أفتح. وما بالك لو كان شعر أحدهم أشقراً والآخر أسود. وما بالك لو كان أحدهم فقيراً والآخر غنياً؟ ثمة مجرة بأسرها هناك، مفعمة بأشياء وبشر مأخوذين مباشرة من أحلامهم وكوابيسهم، تنتظر فقط لإبهارهم وإرعابهم. لم يكن هو الوحيد الذي أدرك ذلك.

ملأ التصفيق والهتاف الأجواء، وصفق ثاين مع البقية مدفوعاً بالتيار. لكنه كان صبياً لبيباً، والتقطت عيناه بضعة أشخاص بقوا صامتين — شيوخاً في الغالب، من أهل الموجة الثانية الذين وقفوا جامدين وصامتين، أشبه بالمعزين في جنازة. لكثرة البشر هناك. جنود وضباط يرتدون بزات رمادية أنيقة. بعضهم بشر، ومعظمهم لا. وجد رجال الزواحف، ورجال الأسماك، ورجال العناكب، والبشر الصغار، والبشر الكبار، وبشر آخرون، بغرابة وروعة ورعب يعجز ثاين حتى عن وصفهم.

وتواجدت الروبوتات أيضاً، روبوتات المعركة وروبوتات المعركة الفائقة وروبوتات النسر الصارخة فوق الرأس في تشكيلات متقنة تماماً. وبدا أن هناك عدداً من السفن يكاد يعادل عدد الجنود. مكوكات ومقاتلات فضائية، طرادات وفرقاطات تنحدر عبر الغحب، وعشرة آلاف نجم متألق جديد في السماء، وكل واحد منها طراد معركة أو بارجة حربية عالية في المدار. وحتى أبعد من ذلك بكثير، نجم أكبر وأسطع منهن جميعاً، صُفّت صورته عبر كل شاشة في المدينة.

محطة الاستقلال الفضائية. أكبر سفينة فضائية في الحافة الخارجية، إن لم تكن في المجرة بأسرها. أكبر من كل مدن جيلوكان مجتمعة، كما زعموا، بألف ضعف. بالكاد استطاع ثاين تخيل كل ذلك، وأثار ذلك قشعريرة في عظامه. هذه هي طريقي للخروج، فكّر في عالمه الخاص، بينما استمرت السيدة في الحديث، لو استطعت قيادة إحدى تلك السفن، لاستطعت رؤية المجرة برمتها! ولن يضطر للارتعاش كلما رفع أبوه صوته، ولن يضطر للتوسل والاستجداء من أجل اهتمام أمه، ولن يضطر لقتال أخيه كل يوم.

علت هتافة أخرى، وهتف ثاين معهم، لكن انتباهه كان مشدوداً لمكان آخر. كانت هناك مكوكية تطير متجهة نحو الجبل، نحو حظيرة. إنها ماكسيليبيد، بزنفتيها الظهريتين. هكذا سأغادر هذا المكان، فكّر. ليتني استطعت إلقاء نظرة عن قربه... ربما بعد الاحتفال؟ حين انتهت الخطب والموسيقى، وبدأ الحشد يتفرق وبدأت المكوكات تعود إلى بوارجها في الأعلى، أقام آل كيريل استقبالاً خاصاً لمقابلة مسؤولي الاتحاد.

وأخبرا ولديهما بالعودة إلى النزل أولاً، وأن يراقب دالفين شقيقه الأصغر. وما إن نطقا بتلك الكلمات، حتى قدّر ثاين في سرّه الوقت الذي سيستغرقه دالفين ليتخلّص منه للذهاب ومخالطة أصدقائه. وكما تبيّن، حدث ذلك بمجرد أن غادر والداهما مجال الرؤية.

"أراك"، قال فور أن لمح أصدقاءه يلوحون له من الجهة المقابلة للساحة.

"هاه؟ لكن أمي قالت—"

"أنا لا أحرسك!"

قبض دالفين على شعر ثاين وشده حتى آلمه، "وإن أخبرت أبي، فسأضربك ضربة تجعل طعم الدم في فمك لأسبوع. فاخرس إذن."

"حـ—حسناً..."

قف ثاين مسمراً في مكانه حتى توارى شقيقه الأكبر وأصدقاؤه عن أنظار. ثم سار فوراً باتجاه الحظائر. كان ثاين كبيراً بما يكفي لرعاية نفسه. وعلاوة على ذلك، بهذه الطريقة يمكنه رؤية تلك السفن! صحيح أنه كانت هناك حواجز، وتقول اللافتات بالبقاء بعيداً، لكنه ظن أنه لا يزال صغيراً بما يكفي للإفلات بحجة أنه لم يستطع قراءتها إن أُمسك به. ثم إنه لم يكن يشكل خطراً! فكل ما أراده كان رؤية السفينة عن قرب، وربما لمسها، مرة واحدة فقط.

فتسلل حول مؤخرة المنصة حتى استطاع رؤية باب الحظيرة، وحين رأى الساحل خالياً، خفض رأسه وهرع طوال الطريق نحو الحظيرة نفسها. ووجدها فارغة إلى حد كبير حين دخلها؛ إذ عادت معظم السفن إلى المدار أو إلى أحد المشاريع الجديدة التي تُبنى على الهضاب الجنوبية. لكن تلك المكوكية من طراز ماكسيليبيد ظلت هناك، بخطوطها المنسابة والمقوسة، كأنها عضوية تقريباً، بهيكلها الرمادي وصبغتها الزرقاء، وأضواء تشغيلها الذهبية.

كانت تحجب عنه الرؤية بارتفاعها، وجعلته يشعر بصغر أكبر مما كان عليه، وبأرجف في... في حماسة وشيء آخر عجز عن تحديده. الأب لا شيء مقارنة بهذا الشيء، ناهيك عن دالفين. لم يكن ثاين متأكداً حتى من سبب خوفه منهما بعد الآن. اعتقد أن هذه المكوكية وحدها كانت أكبر من أي شيء على جيلوكان — أبعد منه، وأبعد منهما. مدّ يداً صغيرة لملامسة المعدن.

"أبعد يديك القذرتين!"

انتفض ثاين بعنف، ساحباً يده بعيداً كمن أُحرق: "عـ—عذراً—!"

"—أنا لست قذرة!"

"...؟"

تراجع للخوار. وتحرك جانبياً، متلصصاً من فوق جانب هيكل المكوك.

"ستبقى قذراً للأبد!"

تفتّح خيبة أمل بداخله أولاً، مع إدراك أن أطفالاً آخرين عديدين راودتهم الفكرة ذاتها التي راودته. تجمع هناك أطفال آخرون عديدون عرفهم من مدرسة، الأولاد الأكبر سناً الذين كان دالفين يلعب معهم أكثر منه. كانوا ستة — وواحدة أخرى، فتاة نحيلة ترتدي ملابس رثة بالية وأحذية جلدية حددت هويتها كواحدة من أهل الوادي. وبجانب ألوان القرمزي والذهب الغنية لعباءات الصبية، بدت كورقة خريف جافة وشيكة السقوط.

لقد كانت الفتاة نفسها التي رآها على الطريق، ويا للغرابة.

"ما الذي تفعلته هنا يا حثالة الوادي؟"

تعرّف على صوت موثار دريك. أحد أصدقاء دالفين.

"أردت رؤية السفن"، جاء صوت الفتاة جافاً، "مثلكم تماماً."

"مثلنا تماماً؟"

ضحك موثار، وضحك أتباعه معه، "أنت لا تنتمين إلى هنا!"

"وأنت تنتمي؟"

ردّت الفتاة بلا تردد، "أشكّ في أنهم سمحوا لك بالدخول أيضاً."

فقد موثار الكلمات للحظة، لكنه سرعان ما لجأ إلى وسيلته الموثوقة القديمة — "أنت من الموجة الأولى!"

"وأنت من الموجة الثانية"، أجابت ببرود، وبالطريقة ذاتها التي نطق بها موثار عبارة 'الموجة الأولى'، وكأنها تعني شيئاً.

عجز ثاين عن كبح نفسه. ضحك بصوت عالٍ. فلاحظه بعض الأولاد الآخرين حينئذٍ.

"أهلاً يا ثاين. أتريد مساعدتنا في إلقاء الحثالة؟"

كانوا بصدد ضرب فتاة الوديان. ستة منهم، وهي وحدها. جعله ذلك يعبس. لقد علّمه التنشئة مع أوريس كيريل كأب أشياء كثيرة. علمته كيف يمكن تطبيق القواعد بصرامة وقسوة. وعلمته أن أخيه استجاب لقسوة والده بأن صار قاسياً على ثاين بالقدر ذاته. وعلمته أن الصواب والخطأ لا أهمية لهما فعلياً — لأن القواعد تُسنّ ممن يمسك العصا. وحتى الآن، على جيلوكان، كان أهل الموجة الثانية هم من يمسكون العصا.

لكن جيلوكان أصبحت الآن جزءاً من المجرة.

"لماذا هي حثالة؟"

اقترب منهم، وقبل أن يعي، وجد نفسه غريزيّاً يتوسط الفتاة والصبية. واستطاع الإحساس بنظراتها متسمرة على مؤخرة رقبته.

"إنها من الموجة الأولى!"

"وماذا في ذلك؟"

"أهل الموجة الأولى أدنى منا!"

"لماذا؟"

"هم... هم فقراء وقذرة..."

"—وينبعثون برائحة كريهة!"

"نعم!"

لماذا هي دائماً الأمور الثلاثة ذاتها؟ نظر ثاين إلى الفتاة. التقت عيناهما.

"أنت فقيرة؟"

"حسناً، قليلاً."

"أنت قذرة؟"

أفرمت الفتاة بعينيها: "اغتسلت بالكامل قبل المجيء إلى هنا."

خفض ثاين رأسه وشم ياقة الفتاة بكل براءة صبي في الثامنة.

"أيها الأحمق، ما الذي تفعله بحق الجحيم؟!"

صرخ موثار. وقف ثاين منتصباً، وقد اكتمل تحقيقه.

"تفوح منها رائحة العشب الجاف"، أعلن بكل فخر، "وليست سيئة."

"لكنها قذرة! انظر إلى تلك الخرق التي ترتديها!"

قرصت الفتاة ياقة كمّها، وكأنها محرِجة. دائماً، دائماً، دائماً الشيء ذاته.

"أحقاً؟"

ردّ ثاين، "ألا تعتقد أنك منتن بالنسبة لبقية المجرة؟ ألا تعتقد أن بقية المجرة تعتبر ما ترتديه الآن مجرد خرق؟ أنت تعتقد أنها حثالة، لكن ما يجعلك تظن أن المجرة لا تعتقد أنكم حثالة؟"

لكم موثار دريك وجهه. لكمه ثاين كيريل بالمقابل، بالقوة ذاتها، إن لم تكن أشد. بقوة كفيلة بإطاحة الصبي الأكبر على ظهره مفروشاً. وسدّد ثاين كيريل لكمتين أخريين قبل أن يجره أحدهم بعيداً عن موثار، وما إن أُدير بعنف، استعد لتلقي لكمة أخرى في الوجه — لولا أن الفتاة صدمت نفسها במهاجمه وأطاحت بهما إلى الأرض. التقت عيناهما مجدداً، ومعها ابتسامتاهما. لها عينان كعيني صقر، لاحظ حينها وهي تبتسم.

لم تكن الفرص لصالح ثنائي، لكن الفتاة حاربت باستماتة. وفعل ثاين المثل، فإن كان الشجار مع دالفين قد علّمه شيئاً، فهو كيفية تلقي ضربة والاستمرار بالمضي قدماً. ورغم ذلك، كانت الاحتمالات ضدهما، وُدفعا نحو هيكل المكوك. كان ثاين يحمل بالفعل شفة مشقوقة وعيناً كدمة، وإن استمر الوضع هكذا، فلن ينتهي بخير— طخ، طخ، طخ، طخ، طخ. جاء الاقتراب الثقيل الحتمي لفولاذ على فولاذ القادم حصراً من روبوت معركة كدلو ماء مثلج على جميعهم.

تجمد الثمانية جميعاً، والتفوا واضعين أيديهم خلف ظهورهم. على بعد خمسة أمتار فقط، تقف السيدة ذات البشرة الزرقاء والعينين الحمراوين القادمة من المنصة، محاطة بضباط يرتدون بزات رمادية وروبوتات معركة فائقة. اقتربت، وخلافا للروبوتات كانت صامتة، تكاد تنزلق عبر أرضية الحظيرة، حتى علت فوقهم مباشرة، متجاوزة ارتفاع المكوك حتى. عجز ثاين عن قراءة وجهه. لقد واجه المتاعب من قبل، لا تحصى، مع والده، مع والدته، مع أخيه.

وقد تعلّم قراءة وجوههم جميعاً. لكن الآن، وجهاً لوجه أمام شيء غريب لهذه الدرجة، جهل من أين يبدأ. كان وجهها أزرق البشرة بلا ملامح، بلا نمش أو تجاعيد أو خطوط. وخلت عيناها المطليتان باللون الأحمر من حدقتين، لذا استحال عليه معرفة المكان الذي تنظر إليه تحديداً. استعد لأي شيء يمكنها قوله. أي شيء.

باستثناء— "جواسيس؟"

شاحب الأطفال أكثر مما كانوا عليه بالفعل.

"...ألا تردون؟"

بدا تلميح من التنفيس. وبينما كافح ثاين لحشد الشجاعة للحديث، كانت الفتاة قد باشرت الكلام.

"إنه خطئي يا فندم"، قالت بثقة قدر استطاعتها، رغم أن الارتعاش ظل حاضراً، "كان الأولاد الآخرون بصدد ضربي، فتدخل ليمنعهم."

وأشارت إليه، فشعر ثاين بحرارة الامتنان والفخر تتصاعدان فجأة.

"هنا؟"

انكمشوا جميعاً.

"نحن... نحن أردنا رؤية السفن يا فندم!"

تمتم ثاين.

"أهكذا إذن؟"

مسحت نظرتها عليهم جميعاً، أو هكذا ظن ثاين، "خذوهم جميعاً للتحقيق."

آه. انتهى الأمر الآن. كان روبوت المعركة الأول يتقدم بالفعل، لكن أحد الضباط الشباب تدخل لمقاطعته.

"عذراً يا فندم، لكنني أنصح بتجنب هذا الإجراء"، أشار الضابط إليهم، "هؤلاء أطفال بوضوح، وبغض النظر عن قليل من المشاكسة، لا يضمرون أية نوايا سيئة جلياً. وجدوا أنفسهم ببساطة في عراك صغير، أراهن."

"هنا؟"

"بغض النظر عن المشاكسة"، كرر، "هؤلاء هم بوضوح أطفال... العائلات النبيلة، هنا. أنصح بتجنب خلق أي احتكاك غير مبرر في وقت مبكر جداً من... حملتنا."

رقت شفتا السيدة: "حسناً إذن. أنتم أحرار."

لم يحتاج موثار إلى تشجيع إضافي؛ فانطلق هو وأتباعه بمجرد خروج الكلمة الأخيرة من شفتيها. وهمّ ثاين بالانطلاق خلفهم، ليدرك فجأة أن الفتاة بقيت متمسكة بمكانها. فقرر البقاء أيضاً، وما أدراك أن ذلك القرار الصغير سيغير مجرى حياته للأبد. رفعت السيدة حاجباً.

"لم أكن متأكدة إن كنت تخاطبينا أم الضابط يا فندم"، انحنت الفتاة برأسها، "أنا آسفة. لم يكن مفترضاً بي التواجد في الحظيرة. لقد خرقت قاعدة. لكني لم أقصد فعل أي شيء مشين. أردت فقط رؤية السفن."

انحنى ثاين برأسه سريعاً هو الآخر، متفحصاً صقل حذائه.

"..."

سقطت قطرة عرق على الصقل.

"يا فندم، قد يجدي نفعاً مجاراتهم"، اقترح الضابط ذاته، "هذه المكوكية في الخدمة منذ عقود. أشك بشدة في وجود ما لا يعلمونه ولا يعرفه أعداؤنا مسبقاً. إن لم يكن سوى ذلك، فيمكننا مكافأتهم على حسّ المسؤولية... إن لم يكن الشجاعة."

"شكراً لرأيك يا كارتارول"، قالت السيدة، "شكلوا طوقاً أمنياً. لا أود مقاطععتي."

"مفهوم يا فندم."

"بييت، انضم إليّ."

"حالاً يا فندم."

"والآن، أنتِ وأنت"، نظرت السيدة إليهما بالأسفل، "أنتما شجاعان، وإن كنتما حمقاوين قليلاً. أنتما فضوليتان يقيناً، وإن كان بلا حدود. أود معرفة السبب، وآمل أن تخبراني."

"أحب السفن!"

سارع ثاين للإجابة، وكأنه انتظر الفرصة بفارغ الصبر. وبصرف النظر عن عائلته التي ستضربه حتماً من أجل ذلك، من غيره سيستمع إليه؟

"أريد أن أكون طياراً، وأرى المجرة!"

"أريد الخدمة يا فندم"، أحرقت عينا الفتاة بنار، وانكمش ثاين مدركاً أنه كان يجب عليه التفكير في قول 'يا فندم' أيضاً، "أريد أن أكون جزءاً مما رأيته اليوم."

لأول مرة، تقوّست حواف شفاه السيدة نحو الأعلى، وأومأت نحو الضابط المسمى بييت. فلوّح بيده، ووسط صفير ورذاذ ضبابي، انحدر المنحدر الخلفي.

"أي نوع من السفن هذه؟"

"مكوكية من طراز ماكسيليبيد!"

"مكوكية من طراز ماكسيليبيد!"

قالا بتزامن، ونظر كل منهما للآخر بذهول. وانفرجت الابتسامات بعدها.

"جيد جداً. لماذا كان هناك بخار حين انحدر المنحدر؟"

قرأ ثاين عيني الفتاة، وحين لمس التردد فيهما، أجاب نيابة عنها— "إنه الضغط داخل المكوك يتعادل مع الخارج"، قال، "يعني هذا أن السفينة لم تفتح منذ هبوطها."

"..."

نظرت إليهما السيدة باهتمام أكبر من ذي قبل، "أترغبان في إلقاء نظرة بالداخل؟"

أتعني ذلك؟ تنحى الضابط المسمى بييت جانباً، مرسوماً على وجهه النحيل ابتسامة خفيفة بينما أشار لهما بالاقتراب. لم يحتاج الطفلان إلى إقناع إضافي للعدو صعوداً على المنحدر بدهشة طفولية، حيث كان كل شيء أبيض ولامعاً ومضاءً بمئة ضوء صغير. وتسللا عبر الصناديق والصناديق، واستنتجا أنهما أُتيا أصلاً لتفريغ المركبة. قادهما بييت إلى قمرة القيادة، وتلتها السيدة عن كثب، حيث كان روبوت جالس في مقعد القيادة.

"أيمكنكما إرشادي إلى جهاز التحكم بالارتفاع؟"

أشار الاثنان إليه فوراً.

"جهاز القيادة الآلية؟ جيد جداً"، همهمت السيدة، "وماذا عن محرك القفز؟"

كان ذلك سهلاً — إنه الذراع الكبير في المنتصف!

"يبدو أن الأدميرال المساعد كارتارول كان محقاً"، تراجعت السيدة أخيراً بارتياح، "سيكون هناك حصاد وفير جداً على جيلوكان حقاً."

نظر الصبي والفتاة أحدهما إلى الآخر مجدداً، متهللين بأقصى إشراقة عهداها. لقد نجحا، وكأنهما يقولان ذلك لبعضهما.

"يسعدني سماع ذلك يا فندم."

سألتهم السيدة لاحقاً: "ما اسمكُما؟"

"ثاين كيريل يا فندم!"

تساءل ثاين عن بُعد عما إذا كانت ستتعرف على اسم عائلته. بدا لعائلته أنها ستفعل، لكنها لم تبدِ ما يثبت صحة ذلك.

"اسمي سينا ري يا فندم."

"أتنويان خدمة الاتحاد كليكما؟"

سألت عندئذ، "والطيران، أو حتى قيادة سفن كهذه؟ ربما تصبحان الكابتن كيريل والكابتن ري إذن."

انتفخ صدر ثاين كبرياء. لقد أخْبراه والداه أن أسطول الاتحاد كان الأكبر في المجرة بأسرها، وعجز عن تخيل مصير أعظم أو أمجد من أن يصبح ضابطاً فيه. ومن ملامح وجه سينا، تخيل أنها تشاطره مشاعره ذاتها.

همست له: "سيتعين علينا الدراسة بجد."

"وممارسة الطيران."

أسقطت إجابته ملامح وجهها.

"لا أملك أية سفن للتدرب عليها، ومحاكينا الوحيد قديم."

سمعتهما السيدة فقالت: "إذن سأبني أكاديمية جديدة على جيلوكان، لتلتحقوا بها جميعاً. وسيكون الأمر صعباً، ولن يكون حتماً كما تتوقعون. وحتى لو كلفكم ذلك أكثر من مجرد دماء وعرق ودموع، فهل ستظلون تسعون للوصول إلى نجومنا؟"

لم يكن لدى ثاين أية فكرة عما يعنيه ذلك، ولم يكترث أصلاً. لقد اتخذ قراره بالفعل.

"حتماً يا فندم!"

نهضت السيدة، مسوية بزتها ومررة يدها المغطاة بقفاز على طول بطانة عباءتها: "يمكنكم إخبار أقرانكم المستقبليين بأن درسكم الأول أُعطي من قِبل الجنرال سيفّران تان."

وقفا ثاين وسينا باعتدال صارم ومستقيم.

"في القوات المسلحة للاتحاد"، تحدث قائد جيوش الحافة الخارجية، "يُخاطب جميع الضباط المجندين من رتبة أعلى، بغض النظر عن العمر أو الجنس، بلقب 'فندم'. أَمفهوم ذلك؟"

"نعم يا فندم!"

"جيد جداً. في المرة القادمة التي نلتقي فيها، عسى أن تكون على متن محطة الاستقلال الفضائية. أيمكنني الوثوق بكما للوصول إلى هناك؟"

"نعم يا فندم!"