غضب "سبير" الفصل 60 — القوس 2 - الفصل 2

اقرأ غضب "سبير" الفصل 60 — القوس 2 - الفصل 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

"اصعدا إلى هنا"، زمجر نيك من بين شفتيه المندملتين بندبة.

انصاع فريتز وبرت بسرعة، وتسلقا جاهدين ومعهما بقية عتادهما.

كان الصعود شاقاً على التكوين الصخري الصغير، في ظل حمل برت لقرنيه الزجاجيين الكبيرين على كتفيه، وإمساك فريتز بنصل "كويكسيلفر".

تبعهما كيف، ملقياً نظرة حوله ليتأكد من أنهما لم يتركا شيئاً خلفهما أو يخفيا شيئاً بطريقة ما. خفق قلب فريتز، متمنياً ألا يكتشف كيف الفتحة المخفية في الجرف، فالتقى بنظرات نيك المفحصة دون أن يجسر على الالتفات ورائه.

أشار نيك إلى النصل الأسود المسنن في يد فريتز وسأل: "كنز؟"

"لا، جزء وحش"، رد فريتز باقتضاب، مقابل نظرة نيك المحبطة.

تنهد نيك ثم سعق وبصق وبدأ استجوابه: "تمتلكان مساراً؟"

هزا رأسيهما فوراً، بعدما اتفقا مسبقاً على قصة التغطية.

"ما مستواكما؟"، قال نيك متنهداً، ويبدو أكثر إحباطاً.

"واحد"، رد فريتز.

"واح... اثنان"، قال برت عند نظرة فريتز ووخزته بمرفقه.

"أهلاً. ألا تكذبان على العجوز نيك الآن، أها؟"، سأل نيك بابتسامة ماكرة زادت وجهه المشقق التواء.

"لا، المستوى الثاني"، قال فريتز متجهمًا ثم أضاف: "سيدي".

"لا تدعني بالسيدي أيها الفتى. لا ألقاب في الحلقة الغارقة. ولا في خدمة قرش الليل أيضاً"، زمجر نيك، ليزداد عبوسه عمقاً بطريقة ما وتبرق عيناه الداكنتان بالريبة.

"نعم... زعيم؟"، قال فريتز، فرحاً بأن الرجل قد تصدقهما.

كلما كانا أضعف، قلّت احتمالية جرهما أمام قرش الليل وإخضاع قصتهما لاستجواب أعمق. يعني هذا غياب المسارات. تمنى أن يبدو التظاهر بالمستوى الثاني أضعف وأقل أهمية من أن يلفت انتباه القوة التي تحكم الأزقة الخلفية.

"صحيح. والآن، ما السمات والقدرات التي اخترتماها؟"، سأل نيك وكأنما يحفظ عن ظهر قلب.

"أنا، أم... أيمكنني تفقد محرابي؟"، سأل فريتز.

"بالتأكيد، السمات أولاً ثم نتحدث عن القدرات 'الرائعة' التي اخترتموها"، قال نيك بجفاف.

"لماذا؟"، قال برت وكأنه لم يستوعب جيداً ما يدور.

"لنرى إن كنتما حصلتُما على شيء جيد، شيء قد يستغله قرش الليل. أيها الحمقى"، قال نيك.

"أسرعا، ليس لدينا طوال الليل".

جلس فريتز وغاص في محرابه، مذكراً نفسه بالقدرات والسمات التي سيخبر نيك عنها. أصدرت قدماه صوتاً لزجاً في الأرض الموحلية. هطل المطر بغزارة فوق أغصان الصفصاف فوق رأسه، محتمياً به من الطوفان. واقفاً في الظلال المتلوية، فكر أنه قد يستعرض صحيفة البرج خاصته وهو هنا.

"صحيفة البرج"، قال فريتز وفكر، فظهر الرمز الفضي المتوهج وهو يطين بوهن.

--------- قراءة البرج --------- الاسم: فرانسيس هايتسايد المستوى: 10 المسار: جاسوس السلالة: بشري الختم: البرج الغارق، جائزة ذهبية --------- السمات --------- القوة: 3 الرشاقة: 9 التحمل: 9 الفرسة: 18 التركيز: 9 الذاكرة: 9 --------- سمات متقدمة --------- الوعي: 18 السيطرة: 9 غسق الأغنية: 6 الرشاقة الخفيفة: 6 --------- مفعلة 2/3 ------------ حفرة الحجر أنقر الحجر، حرك الأرض، حفر فورية، ثقوب تحيط بالأرض.

* * *

ضربة العتمة السلاح يتلوى، في حضن الظل، أرسل الأعداء، إلى حضن الليل. ------------ كامنة 2/3 ------------ حس الفخاخ حفر وأسلاك، سقوط ونيران، اكتشف الخطر، قبل أن يصير خطيراً.

* * *

حس الخطر خلف الصخرة، فوق الشجرة، تهديدات كامنة، لا تستطيع الاختباء مني. ------------ سمة 2/3 ------------ حس الأبواب خلف البوابة، خلف الباب، موت قاسٍ أم شاطئ بعيد؟

* * *

عباءة الغسق لف نفسك بغطاء الشفق، ما هو ظل سوى ظل آخر؟ ------------ مسار 1/3 ------------ ظل وهمي - تطور 1/3 ظلام مزيف، ضوء ساخر؟ ظلال زائفة، تخضع البصر. ------------ تقنية 2/3 ------------ الملاحظات (مبتدئ) أنحت بعيداً، أنثر أنجو، الضعفاء يسودون، يزدهرون خفية.

* * *

فنون المقاتل (مبتدئ) اضرب، انزلق، لكم، ارفس، اغطس، قفز، امسك، اقلب.

------------ سلالة 0/3 --------------------- أول ما لاحظه فريتز كان سطر "الختم"

الجديد في أعلى صحيفة البرج خاصته. كان غريباً أنه لم يسرد كل الجوائز. ركز على القسم الصغير فتوسع في عقله. --------- الجوائز ------------ برونزية - رؤية الليل رغم أن الكثير سري في الليل، فلن يُخفى عن بصرك.

* * *

فضية - عظام رخامية: قمر فضي عروق فضية، شبكة لامعة، منسوجة في العظام، تحت اللحم.

* * *

ذهبية - كاسر الملوك حطم السجون، اكسر القيود، أطح بالحكام، حرر الإقطاعيات.

* * *

لا يزال فريتز يتساءل عن الجوائز لكن لم يكن لديه أحد يسأله، باستثناء نيك ربما، لكن سؤاله سيفضح سترهما لذا كان ذلك مستبعداً تماماً. قرر سريعاً بشأن القدرات التي سيخبر نيك عنها. لم يرغب في إخباره عن الظل الوهمي ولم يستطيع إخباره عن حفرة الحجر خشية أن يكتشفوا حفرته التي صنعها على عجالة في وجه الجرف. أما عن قدرته الكامنة، فلمرغب حقاً في إخبارهم عن حس الفخاخ الرائع وحس الخطر المنقذ للحياة.

لذا ذهب على مضض بضربة العتمة لقدرته المفعلة ورؤية الليل لكنه الكامنة. رغم أن رؤية الليل تقنياً كانت من جائزة وليست كامنة إلا أنه أمل أن تكون قريبة بما يكفي لكي لا تُطرح حولها الكثير من الأسئلة. أما بالنسبة للسمات، كم نقطة حصل عليها في المستوى الأول مجدداً؟ إحدى وعشرون ثم ثلاث أخرى للمستوى الثاني، سأقول فقط إنني وزعتها على الررشاقة، الفرسة، التركيز والذاكرة. وهو ما كان قريباً بدرجة كافية من الحقيقة.

منح فريتز محرابه نظرة أخيرة وعاد.

كان نيك يراقبه بترقب، فتمتم فريتز بسرعة: "لدي ست نقاط في الرشاقة، التركيز، الذاكرة وأم... الفرسة".

في الواقع، كان يمتلك سمات أكثر بكثير وبعض السمات المتقدمة أيضاً لكن هدفه كان الخداع مجدداً.

"ليست سيئة للصوص أحسب"، تذمر نيك، "ولكن لماذا بلا قوة؟ ما بك أيها الفتى! ست نقاط وحدها كانت لتجعلك أكثر فائدة بكثير. يمكنك حمل المزيد من الغنائم على الأقل. أي نوع من الرجال يختار التركيز والذاكرة والفرسة على القوة"، أضاف وهو يهز رأسه.

"أردت أن أكون قادراً على رؤية الخطر، لا مصارعته"، رد فريتز بحدة.

"طبعاً ستفعل، فأنت جبان"، قال نيك ببلادة.

"القدرات؟ آمل أن تكون أفضل من توزيع سماتك البائسة".

"لدي ضربة العتمة ورؤية الليل"، قال فريتز بجهامة.

تنهد نيك، وإن كان فريتز قد ظنه محبطاً من قبل فقد كان مخطئاً، بدا أن الرجل قد شطب عليه تماماً باعتباره فاشلاً وضعيفاً. وهو ما كان هدفه لكنه لا يزال مندهشاً لمدى إيلام ذلك.

"ماذا؟"، قال فريتز مستاءً.

"إنهما قدرتان رائعتان!"

"بالتأكيد هما كذلك، ولكن رؤية الليل؟"

هز نيك رأسه مجدداً.

"ستكتشف ذلك إن تسلقت البرج الغارق حتى القمة. هذا إن أردت تسلقه مرة أخرى، فأغلب الجبناء لا يفعلون".

إذن، هل يحصل الجميع على نفس الجوائز من البرج؟ أمر شيق. أيعني هذا أن نيك قد تسلق هذا البرج حتى الذروة؟ من كلماته، شك فريتز في أنه فعل على الأرجح.

محاولاً سبر أغوار المزيد من المعلومات، سأل فريتز: "ماذا تقصد؟ هل تسلقت طوال الطريق حتى القمة؟"

"وصلت إلى القمة في المحاولة الثانية، وليس الأمر من شأنك"، تباهى نيك.

تصرف فريتز مذهولاً، دافعاً بالرهبة في نبرته وهو يقول: "يا روعه. حتى الطابقين الذي قهرناهما كانا مميتين، هل تسلقت أياً من الابراج الأخرى؟"

"نعم، فعلت. برج البحار كمطر صيف مقارنة بعاصفة شتاء الابراج الغارقة، وبرج المطر لا يصبح صعباً إلا حول الطابق العشرين".

"كيف حصلت على الإذن لتسلق برج المطر؟ أليس الملك هو من يقرر من يدخل؟"، سأل فريتز، مسروراً الآن للغاية لأنهما قررا الخداع بدلاً من نصب كمين للرجل كما اقترح برت.

إن كان قد تسلق كل الابراج كما قال فهو على الأقل في المستوى الثامن والثلاثين وقد يصل إلى المستوى الخامسين. هاوية هائلة من القوة، إنه بقوة أو أقوى من الحرس العادي لميزان الملك.

هز نيك كتفيه: "أرسلنا قرش الليل، مع الشارات المناسبة. بل وأمن لنا مرشداً. وهو ما كان لطفاً عظيماً منهم، مع معرفة الأسعار التي يفرضها أولئك المتغطرسون على خدماتهم. بالكاد التفتوا إلينا بمجرد أن أرينا الشارات لمشرف حرس الميزان. لكن يكفي هذا، أين وضعت نقاطك"، قال موجهاً كلامه لبرت، الذي تظاهر بالارتباك.

"خصصت تسعاً للقوة والتحمل، وستاً للرشاقة"، تباهى برت.

"جيد. واحد منكم على الأقل يمتلك عقلاً"، قال نيك بجفاف.

"ولدي جلد صلب وضربة مصدمة"، تابع برت، متألقاً بمدح الرجل ذي الندبة.

"كلاها قدرتان جيدتان"، رد نيك بموافقة لطخت نبرته الخشنة.

وكأنما يتخلص من أي أسئلة أخرى، نظر نيك إلى غنائم البرج الضئيلة: "أي كنوز؟"

رفع برت يديه المرتديتين قفازين وأشار فريتز إلى حذائه المماثل للشامواه الأسود، قائلاً: "وجدت هذه في صندوق برونزي".

أخرج نيك عدسة زجاجية ذات تلوين أزرق أو بالأحرى عدسة أحادية محاطة بالذهب ومنقوشة برونكات دقيقة حول حوافها. رفع الشيء إلى عينه وراح يتفرس من خلاله فيهما ثم في كومة أجزاء الوحوش خاصتهما. علقت عينه الداكنة على حذائهما السحريين وقازاتهما ثم ارتدت سريعاً إلى سترة برت الممزقة وبنطاله.

"تلك الملابس، أصلحت عليها من الصندوق أيضا؟"، سأل نيك.

غضب البرج! لعن فريتز في سريرته، إذ كانت خدعة ملابسهما الممزقة على وشك الانهيار. لو علم أن نيك يمتلك كنزاً يمكنه رصد كنوز أخرى لأخفيا ملابس برت في الحفرة مع خاتمه وخنجره.

"فعلت"، أعلن برت بفخر.

"حسنًا إنها مشحونة، وطقم متكامل"، قال نيك.

"ماذا يعني ذلك؟"، سأل برت ناظراً ببلادة إلى نيك.

كان فريتز يعرف صديقه جيداً ليرى من خلال تمثيل برت البليد لكن بدا أن لنيك تقديراً أدنى بكثير لمهاراته الإدراكية.

"يعني أن لها قدرة، والطقم يمكنه فعل أي شيء بدءاً من فتح قدرات إضافية أو تأثيرات أخرى وصولاً إلى ربط الغرض بنفس التأثير مما يسمح لتفعيل واحد بشمل كل أغراض الطقم"، شرح نيك بأسلوب خشن عرضي.

لم يكن فريتز يعلم ذلك، بل ولم يفكر في الأمر حقاً، فقد افترض ببساطة أن السترة والبنطال يُحسبان كنزاً مشحوناً واحداً. تساءل كيف عرف نيك ثم أدرك الأمر الواضح، نيك متسلق ذو خبرة، بل وسبق له العمل مع مرشد. وكان الجميع يعلمون أن المرشدين ينابيع لمثل هذه المعرفة، بالثمن المناسب.

"أوه"، قال برت وهو يحك رأسه بتفكير ظاهر.

"أعجبني الألوان فحسب. ماذا يفعلان؟"

"فعلها واكتشف"، أقحم كيف نفسه بنفاد صبر.

"أيها الأحمق".

عبس برت في وجه الرجل ورفع يده وكأنما ليضرب السفاح برشاش تآكلي وفعل قدرة ملابسه. أضاءت ملابسه بوهج خافت والتئمت البقايا الممزقة معاً بينما هربت الأوساخ والقاذورات من أليافه. وهناك تقف برت في سترته ذات الأزرق الزاهي وبنطاله الأبيض الناصع.

"تباً، كنت أتمنى رشاش حامض"، قال برت بتجهم، ثم أشرق وجهه لرؤية ملابسه الجديدة وكأنها لم توجد.

عمق عبوس نيك، إذ تقدم بخطوات واسعة أمام الرجل المبتسم في لحظة. كان يتحرك بسرعة، أسرع بكثير من أي رجل عادي، كان خفيفاً أو ربما أخف حتى من كلب الصيد. غرس نيك قبضة في بطن برت قبل أن يتسنى له رد الفعل. ساقط برت على الأرض لهاثاً، ممسكاً بمكان ضربه وقوياً، دون الكثير من ضبط النفس الواضح الذي استخدمه في لقائهما الأول.

"لا تفعلوا قدرات تجاهنا!"، أمر نيك بركلة سريعة صدرت نحو صدر برت.

لم يسمع فريتز أي عظام تنكسر لكنه رغم ذلك انكمش للارتطام، وهو ما كان جيداً لأنه كبح الابتسامة الماكرة الصغيرة التي كان سيرتديها بعد ملاحظته قدرته على تتبع حركات نيك. لم يعد السفاح ذو الندبة يغيم، لم يعد يتحرك بسرعة تمنع عينيه من رؤيته، وعلم فريتز أنه إن استطاع رؤيته فبإمكانه استطلاعه. وإن استطاع استطلاعه، فبإمكانه إيجاد طريقة لقتله.

كسبته لحظته الصغيرة من التخطيط الساهي نظرة محتقرة وبعض الكلمات القاسية من نيك: "توقف عن التدبير".

عندما همّ فريتز بإنكار الاتهام قاطعه نيك: "لا تعذب نفسك. أنا أعرف الضغينة حين أراها. إن كنت ستطعنني فاطعنني".

أضاف مشيراً إلى يد فريتز، حيث كان يمسك بـ"كويكسيلفر"

بإحكام شديد لدرجة أن حافته قطعت مقبض قماشه وغاصت في راحة يده.

"لكنه سيلقى ما لقيه"، حذر نيك.

"لذا اجعلها مجدية".

مرحباً بالدعوة، ومستاءً بأكثر من القليل إزاء معاملة نيك لصديقه، استخدم فريتز ضربة العتمة، مغذياً إياها بالعناصر المظلمة القاسية من مانا غسق الأغنية خاصته. وجد أنها لا تتطابق تماماً مع القدرة لكنها تظل متوافقة معها، مكلفة أكثر مما كانت ستكلفه لو امتلك بئر الليل، حوالي ضعف الكمية إن كان عليه التخمين. ابتسم بسخرية، مسروراً لأن الأمر نجح إذ كان أفضل بكثير من استنزاف قدرته على التحمل.

مستعداً بانتباهه إلى الحاضر تقدم فريتز باندفاع بنصله الأسود المكسو بالظلال، دافعاً به نحو صدر نيك، حيث سيكون قلبه، إن كان يمتلك قلباً حقاً. لم يتحرك الرجل حتى، حاولت عيناه متابعة ضربة سيفه لكنهما بدا عاجزتين، منزلقين بعيداً عن كويكسيلفر ومقابلتين لنظرة فريتز ببلادة بدلاً من ذلك. ابتسامة ماكرة على وجه نيك وتلقى الرأس وجهاً لوجه وكأن النصل لا يستطيع جرحه حقاً. وهو ما تبين أنه حقيقة صغيرة فقط إذ اخترقت مقدمة كويكسيلفر جلده وغاصت في العضلة تحته.

لابد أن نيك استشعر أو رأى خطباً ما لأنه عبس وتغير جلده في لحظة، تحول حيث كان شاحباً إلى رمادي داكن ومعدني. توقف سيف سيف فريتز فوراً، مما هز ذراعه وكتفه من المقاومة المفاجئة. حاول الدفع بقوة أكبر، والدفع بعمق أكبر، لكن النصل لم يتحرك قيد أنملة، عالقاً كما كان في لحم من حديد. ألم متوقع يشبه التحطم والتكسر نبض فوق أنفه لذا انحنى فريتز، رغبة منه في ألا يُسحق وجهه، إلى الوراء هرباً من لكمة نيك الحديدية القادمة بسرعة فائقة.

لم ينجح إلا قليلاً إذ أصيب بسرعة لافحة، لكن على وجنته لا أنفه.

باستخدام تقنية "حركات مقاتل"

في التحرك مع الضربة استطاع تبديد بعض القوة الرهيبة للكمة. رمى فريتز بنفسه على الحجر، مرططماً بالأرض ككيس من أمعاء الحبار. أسقط كويكسيلفر بصوت قرع معدني وشعر بجرح ينفتح على طول عظم وجنته البارز. علم أنه سيتكدم وسيتكدم بشدة، لكن حسب كتاباته، كان ذلك أفضل بكثير من كسر أنفه. حذره حس الخطر من ركلة قوية على الرأس فانكمش سريعاً ليتحول إلى كرة ليحمي نفسه، متلقياً الضربة على ساعديه المشدودين بدلاً من وجهه الهش وجمجمته.

بركلة أخرى لجسم فريتز المنكمش، أوقف نيك رده وبصق جانبًا.

"حسناً، ضربة العتمة ليست سيئة للغاية"، اعترف نيك، "لكنك سيء. انظر، لو امتلكت بعض القوة ورائك لكنت أصبتني حقاً".

علم فريتز أن الرجل يكذب، فقد أوقف بالفعل أياً كانت القدرة التي استخدمها ليحول جلده إلى حديد، مستخدماً إياها لثانية واحدة فقط عندما تفاجأ باختراق كويكسيلفر للحمه. من الواضح أن نيك كان يحاول جعله يبدو وكأنه لم يضطر حتى لاستخدام سحره لهزيمته، وهو ما شك فريتز الآن في أنه لم يكن كذلك على الإطلاق. لقد جرحه، وما زال بإمكانه رؤية الثقب في المعطف الزيتي ورغم أنه لم يستطيع رؤية قطرة دم إلا أنه أقسم أنه استطاع شم عبيرها النحاسي.

غير راغب في اختبار حظه أكثر من ذلك، تمتم فريتز بضعف: "أخبرتك بذلك"، قبل أن يترنح، متظاهراً بالإغماء للحظة.

ثم استمع.

"لم يكن عليك ضربه بهذه القسوة"، تذمر برت وهو يجلس، محكاً صدره حيث تعرض للضرب.

استدار نيك نحوه، ثم فتّشه بنظرة مشبوهة.

"كان يجب علي ذلك، وإلا لراودت صديقك أفكار غريبة بشأن الانتقال. وأنا لا أحب كثيراً الاضطرار للتطلع ورائي من أجل كل صبي يعتقد أنني ألحقت به أذىً عظيماً"، قال نيك.

"ليس وكأنهما يستطيعان إيذائي، لكني أتعب من مسح بقاياهم المتناثرة عن قبضتي".

هز برت كتفيه، وقال: "ربما لو لم تكن لقيطاً هكذا لما جاؤوا لصيدك".

بدلاً من ثورة وركلة أخرى لصدر برت، قهقه نيك بخشونة بدلاً من ذلك: "كنت ستظن ذلك ولكن، لا. كون المرء نذلاً يجعل معظم الحمقى يتجنبونك في الواقع".

"بالحديث عن آخرين، ألم تكن في طاقم مع تلك الفتاة المحروقة ورجلها المتجهم؟"، سأل كيف.

"جين وتوبي؟"، رد برت بشكل غريزي.

"أنجوا؟"

"فعلا ذلك، بالمسارات وكل شيء"، قال نيك.

"هل انفصلتما أو شيء من هذا القبيل؟"

"هما... أم... تركونا خلفهما"، قال برت بحزن، متمسكاً بالحقيقة إلى حد كبير.

"أرى"، قال نيك بشك.

لم يكن نِك يعرف شيئاً عن صعودهم، ممّا يعني أنهم لم يسألوا أياً من الناجين الآخرين عن طواقمهم. لعلهم افترضوا فحسب أن المفقودين قد ماتوا، ولم يرغبوا في تذكير المترقين أو السالكين الجدد بخسائرهم وبالمجرمين المسؤولين عنها. أو لعلهم لم يعيروا الأمر اهتماماً كافياً ليتفقدوا كل أطفال الشوارع. من يفعل أساساً؟ أطلق فريتز أنّة عالية وتظاهر بالتحرك ثم الاستيقاظ. اعتدل في جلسته ونظر حوله بتهوّر، ضاغطاً بيده على خده الذي واصل تورمه.

قال كيف باهتداء: "يبدو أن الجمجمة النعسان قد استيقظ أخيرًا".

سأل فريتز وكأنه تائه وقد نفد ما في نفسه من ضغينة: "أعندك شيء من مرهم الشفاء؟".

لم ينتهِ حقاً، كلا، بل ظل الغليان سيداً في أعماق جوفه، لكنه استابح صبراً ليؤجل القصاص. لقد انتظر طويلاً بالفعل، فما ضرّه شهران إضافيان؟

قال نِك وهو يرمي علبة من المادة ذات الرائحة النتنة: "خذ".

رحب فريتز بالحركة السريعة بعينها لكنه التقط علبة المرهم ببراعة بيد واحدة. كانت حركته أسرع وأدق وأكثر سلاسة من أن تبدو طبيعية تماماً. لعن نفسه في باطنه على هذا التزلّف الذي قد يكشف خصائص صفاته المتقدمة في الوعي والرشاقة.

لاحظ نِك ببرود: "التقاطة جميلة"، وقد بدا عبوسه وشكه أعمق فأعمق.

فتح فريتز العلبة وشرع يطلي جرحه بالمرهم ذي رائحة الصفراء والنعناع قائلاً: "شكراً، يداي خفيفتان، هكذا كنتا دوماً. وإن لم تكونا بسرعة يديك على ما أظن".

أضاف باسترخاء ممزوج بوجع طفيف. قلق فريتز من أن يكون قد بالغ قليلاً في الملق، لكنه بدا وكأنه هدأ الرجل إذ زال الشك عن ملامحه المتغضنة.

قال نِك وكأنما ردد ذلك مئة مرة من قبل، وهو ما كان على الأرجح: "حسناً. انهضا وأفرغا جيوبكما، حان وقت دفع الضريبة".

سأل بيرت بينما كان وفسريتز يقفان: "كم تبلغ الضريبة؟".

رد نِك وكأنه يشعر بالملل: "الثلثان".

اعترض فريتز: "ماذا؟ هذه سرقة!".

نظر إليه نِك كأنه أحمق وأجاب: "نعم. هي كذلك".

أطلق كيف قهقهة شريرة وبعينيها وميض طمع بينما شرعا في إفراغ جيوبهما. لحسن الحظ أنهما استعدا لهذا الاحتمال، فهما لم يريا سيد تُساق عبر هذه المعاملة إذ أُخذت بعيداً على الفور تقريباً. ربما لتلتقي بقرش الليل إن كانت تخمينات فريتز صحيحة. استغرق إفراغ الجيوب وقتاً أقل من السؤال، فكل منهما يملك ثلاثة ثلوثات ذهبية ومجموعة أشياء صغيرة أخرى كالخيوط والخِرق وأوعية الماء الفارغة.

غير أن بيرت احتوى أيضاً على كرة كوارتز بحجم كف اليد لم يَرَها فريتز من قبل، وبدا أن صديقه يحاول جاهداً إبقاءها بعيدة عن أنظاره.

اتجه كيف نحو الذهب ومثله فعل نِك، لكن الأخير بدا محبطاً مجدداً وهو يقول: "حقاً؟ أهذا كل ما تمتلكان؟".

دافع فريتز عن نفسه قائلوحسب: "نعم. كان الأمر مرعباً هناك، كنا نختبئ ونهرب معظم الوقت من الوحوش لنبلغ الطوابق التالية. لم نملك وقتاً كافياً لذبح الوحوش أو البحث عن الصناديق".

أضاف آمناً أن يبدو متجهمًا بالقدر الكافي.

سأل نِك بجفاف: "إذن ماذا عن القرنين؟".

قال فريتز: "تبدو وكأنها تحوي بقعاً من الذهب، قد تكون ذات قيمة".

انبرى بيرت قائلاً: "كنت أنوي تعليقهما فوق المدفأة كغنيمة!".

عاكسه فريتز: "أنت لا تملك بيتاً حتى فكيف بمدفأة"، مكرراً جدالاً خاضاه من قبل.

قال نِك متأففاً من المشاكسة: "حسناً، حسناً، اهدآ. سنأخذ الثلوثات وهذا الكوارتز والقرنين. سيسمح لكم ذلك بالاحتفاظ بما ترتدونه، والملابس المشبعة و... نصل السمكة"، عرض ذلك بعبوس.

هتف بيرت وكأنه قد مُحِق: "لا، ليس القرنان".

أزّ فريتز: "اخرس، إنهما مجرد قرنين غبيين".

أضاف كيف وهو يشير إلى قدمي فريتز: "أريد حذاءه"، ليوافق نِك بهزة رأس قائلاً: "وحذاءه أيضاً".

صاح فريتز محطماً بالفعل: "لا، ليس الحذاء".

حسناً، لم يكن محطماً تماماً، بل غاضباً إلى أقصى حد من وقاحة كيف. يربط رباط حذائي أولاً ثم يسرق حذائي الجلدي الأسود الجميل، هكذا تذمر في صمت. إن لم يكن كيف على رأس قائمة انتقام فريتز من قبل، فإن هذه الحماقة ستضعه في صدارتها بلا ريب.

قال نِك لبيرت المذهول: "افعل. وسأخذ تلك الكرة من الكوارتز أيضاً".

ساوم بيرت: "ما رأيك أن أمنحك القفازات وأبقي الكرة".

رمقه نِك بنظرة متفحصة.

رد فريتز دون أن يعلم تحديداً سبب تعلق بيرت الشديد بالكرة الصغيرة من الكوارتز: "ستمنعان قبضتيك من التلطخ".

وتساءل متى أو أين عثر صديقه على تلك الكرة الغائمة أصلاً. لكن طالما أن صديقه مستعد للوصول إلى حد التخلي عن قفازاته، فسيقف فريتز إلى جانبه.

بدا أن نِك يفكر في الأمر ملياً، ثم وافق بهزة رأس. امتثل فريتز وبيرت وهما يتذمران ويتقطبان غيظاً، مدركين أن الوقت والمكان غير مناسبين للقتال الآن، فقد علمهما الاشتباك السابق وكدماتهما الجديدة ذلك الدرس جيداً. مع ذلك، واصلا التخطيط والتدبير والمكر بينما لم يُترك لهما سوى ما يرتديانه من ملابس وكرة الكوارتز ومادة الزئبق السائل التي لم يهتم لها المجرمون. وهو ما أثار حفيظة فريتز وأراحه في آن.

مع ذلك اضطر لكبح ابتسامة أخرى، مبتهجاً لنجاح خداعهما البالغ. غطى ضحكة بسعلة واتخذ أتعس تعبير وجه يستطيع صنعه.

رمى نيك نظرة أخيرة محبطة على غنيمتهم وأشار لهم بالتبع. خرجوا من القبة إلى الأنفاق الرطبة حيث استبدل بصوت الأمواج المتلاطمة وقع المطر المألوف والحنيني. خاضوا في الممرات الحجرية المتعرجة وتذمر فريتز من سرقة حذائه السحري ناظراً إليه بحسد وهو يحمي قدم رجل آخر الآن. سيأتي يوم يا فريتز. كبح غضبه لوقت آخر وحرص بدلاً من ذلك على حفظ منعطفات وأنفاق المتاهة المظلمة. أخيراً وبعد ما بدا كأنساق تسع دقائق قيدوا إلى درج يفضي إلى باب خشبي ثقيل يؤدي إلى الخارج لكن قبل فتحه وتركهم لمواجهة مصيرهم بأنفسهم وقف نيك وأخرج مثلثين فضيين من كيس وناول كل واحد منهم مثلثاً براقاً.

لا تسكروا كثيراً احتفالاً بنجاة أرواحكم أو افعلوا لا يهمّني. لكن لا تتحدثوا عن سبير إن لم تكونوا ترغبون بالاستيقاظ غرقى. إن سأل أحد فقولوا إنكم كنتم مختبئين أو تعملون لحسابي، حذر نيك. أخذوا القطع النقدية بأدب قدر استطاعتهم دون عناء في إخفاء السخط والطمع في أعينهم. كانت نثارة مقارنة بكل الغنائم التي سلبوها للتو لكن الأخذ بما وجدوه كان أفضل وليس الأمر كأنهم لن يملأوا جيوبهم لاحقاً.

وكانت هناك دائماً كنوزهم المخبأة سواء في فجوة الجرف أو المخفية في مكان آخر. ستلتقون بي في بيتير إيندز في حي بلوستون عند الغسيل بعد ثلاثة أيام. سيكون لدي عمل جديد لكل منكم، أخبرهم نيك. لا تجعلوني أبحث عنكم، حذر ثم فتح المزلاج والباب بمفتاح نحاسي ثقيل. دفعه ليفتح وسمعوا المطر حقاً بينما استقبلتهم نسمة باردة. خطوا في المطر وشعروا به يلاطف جلودهم بأصابع حنينية وقوفا لثوان معدودة قبل أن يقول نيك: تحركا.

هز فريتز كتفيه ورأى من طرف عينيه صقراً عاصفياً مهيباً والمطر ينزلق عن ريشه الداكن. كان الصقر المكسو بريش أزرق يكاد يكون أسود جاثماً على سقف يقطر ماء ويراقبهما بعين زرقاء كالبرق. لو لم يكن فريتز يعرف حقاً لظن أن الطير يحدق بغضب. نقر بمنقاره الفضي ونفخ صدره الرمادي السحابي وأطلق صيحة ثاقبة قبل أن ينطلق في السماء الماطرة.

تصلب نيك بخفة عند نداء الصقر وتطايرت منه شرارة مفاجأة سرعان ما استبدلت بهالة باهتة من شيء يشبه القلق ثم شيء يشبه الارتياح. راقب فريتز الرجل باهتمام مندهشاً بعض الشيء من قدرته بطريقة ما على فهم الانطباعات التي كشفها الوعي عن مشاعر نيك.

لا بد أنه لأنه ليس محصناً في هذه اللحظة، أو ربما كانت مجرد مفاجأة؟ وضع نظريته.

قال فريتز بابتسامة ماكرة: خائف من الطيور؟ أم أنهم فعلوا ذلك بوجهك؟

بصق نيك وهو يكع: لا. اذهبا بحاليكما وإلا جعلتكما تكنسان القاذورات لشهر. وبحاجة لسماع الأمر مرتين فقط التراسا وتركا البشريين خلفهما. ركض فريتز وبيرت داخل ثم خارج زقاق مظلم وجدا أنفسهما فيه وإلى شارع مرصوف بالحصى ثم سارا بموازاة مجرى ماء متدفق. بعد دقيقتين ودقيقتين أخريين وحين تأكد فريتز من عدم تعقبهما تبادلا النظرات وابتسما وبدلا يضحكان.

متكئين على جدران حجرية في شارع خال ضحكا حتى بحت حنجرتاهما وألماهما خواصرهما. ضربا ظهري بعضهما البعض مهنئين أحدهما الآخر بحرارة على تمثيلهما المتقن والنجاح الباهر لحيلتهما المتهورة. لقد خدعناهم حقاً!