حكّ فريتز حذاءه بالحجر الخشن وهو يصعد المنحدر الحلزوني. رأى المخرج. انسكب ضوء أبيض ساطع من الطابق التالي على المنحدر حتى يكاد يعميه. استمر في الرقض للأمام محتضناً صفاء الضوء وخلوّه من الشوائب، وهو يضيء وجهه.
رأى، أثناء عدوه، شكلاً داكناً يقف أمامه، بارزاً كظلّ ضد الضوء. توقف مكانه.
أدرك أن الشكل بشريّ، أو قريب من البشريّ، فهمس فريتز من فوق كتفه لفريقه: "أحدهم في الإمام، استعدّوا للقتال".
أشار بيرت بالإيجاب ثم نادى فريتز على الشكل المحجوب بالضوء: "هي، من هناك؟ لا نريد أي مشاكل".
"غضب سبير. إنه فريتز وفريقه. يريد معرفة من هنا، ماذا أقول له يا ستيف؟"
همس الظل الداكن بخفة لشخص خلف الضوء.
"سمعته، دعهم يصعدون وأبقِ عينيك مفتوحتين"، ردّ ستيف بهمس بالكاد التقطه سمع فريتز الحساس.
"اصعدا"، تحرك الرجل المتشح بالظلال إلى الجانب وخرج من الممر.
أشار فريتز لفريقه بالتقدم: "فريق ستيف، أبقوا أسلحتكم جاهزة، قد يرغبون في القتال".
تقدم فريتز صاعداً من خلال المدخل واقياً عينيه من الضوء المتزايد، وتأقلمت عيناه بسرعة، مستوعبتين هذا المنظر الجديد. دخل بخطوات واسعة إلى كهف هائل من الحجر المنقور والمجوف. وقفت أعمدة حجرية مسننة، كأنه أسنان ليفياثان ميت منذ زمن، متناثرة عبر السهل المظلم من الصخور المحطمة. كان الضوء الساطع ينبعث من بلورة بيضاء متألقة تتدلى كهرم مقلوب ضخم من سقف الكهف الأملس.
كان لا يزال ذاهل الطرف حين لحق به بقية فريقه، واقين عيونهم هم أيضاً من الإشراق. بدا أن الأمر استغرق منهم وقتاً أطول للتأقلم مع الضوء الصافي. أهي مزية أخرى لسمة الإدراك؟
نبّهت سعلة فريتز إلى مجموعة الرجال الواقفين إلى يساره، فتأمل وجوههم المنهكة وهيئاتهم الرثّة وبعض معداتهم الجديدة اللامعة. كان ستيف هناك في المقدمة، محرزاً على الأقل شيئين كانا بوضوح كنوزاً من سبير؛ درع صدر مصقول ببريق فضي وسكين طويلة منحنية من عظم منحوت يمسكها بارتخاء في يده.
كان هناك تهديد خفي في وقفته وعينيه، لذا قرر فريتز بدء المحادثة بلطف.
"أسرقت ذلك الدرع من أمير؟ يجب أن أقول، بكل الاحترام الواجب، إنه لا يناسبك. إنه يتعارض مع جمالية القوارض الغرقى بأكملها التي تجسدها بطبيعتك".
احترقت عيناه السوداوان الصغيرتان كالجمر، "تبّاً لك يا فريتز، دع رئيسك يتحدث".
"إنه يتأمل المعالم، لذا لم لا تبقى أنت على جانبك ونبقى نحن على جانبنا، فحينها لن يضطر أحد للتعرض للتقطيع إلى شرائح".
أدار فريتز معصمه، متتبّعاً رأس نصل سمكته في دائرة صغيرة.
سخر ستيف، وأدار سكين العظم في كفه، لكنه لم يتحرك لمهاجمة فريتز. بقية مجموعة ستيف، ثمانية إجمالاً بما في ذلك ستيف، إما تجنبوا التقاء أعينهم بأعين فريتز أو حدقوا فيه كفعل ستيف، بقدر مماثل من الكراهية. ماذا فعلت لهم قط؟
استدار فريتز ورمق السهل الحجري المندوب بينما احتفظ بستيف في حواف رؤيته. لاحظ اضطراباً صغيراً في رؤيته، تشوهاً خفياً للضوء الراقد بينهم وبين بقية الطابق. عبس فريتز قليلاً، وأمال رأسه وضيّق عينيه، لم يكن استشعار الفخاخ يحذره من أنه خطير. اتضح، مع تحركه، أنهم جميعا محاطون بفقاعة شفافة.
أخيراً تأقلمت عيون بيرت والآخرين مع الضوء وذهلوا بالكهف والهرم البلوري. تركهم فريتز ينغمسون في دهشتهم للحظات ثم استرعى انتباه بيرت بصفرة قصيرة من الأعلى إلى الأسفل، تقليد غريب لصرخة صقر العاصفة. مفاجأً بالصوت المفاجئ، استدار بيرت مانحاً فريتز حاجباً مرفوعاً متسائلاً، ولمح ستيف وفريقه خلفه ثم سار ببطء نحو فريتز.
"لا يريدون التحدث معي لسبب ما"، شرح فريتز بصوت منخفض، مشيراً بإبهامه فوق كتفه نحو ستيف.
"بالإضافة إلى أن هناك خطباً ما، توجد قبة تكاد تكون غير مرئية تحيط بنا، قد ترغب في سؤالهم عنها".
أومأ بيرت برأسه وتقدم بخطى واثقة للحديث مع ستيف، وقرر فريتز اللحاق به، واقفاً خلف بيرت وإلى يمينه.
"يا ستيف، يسرني أن أراك ناجياً حتى الآن"، حيّا بيرت الرجل المرتجف بهدوء.
"ما قصة القبة؟"
حدق ستيف في بيرت رغم أنه لم يفعل بقسوة كما لو فعل مع فريتز ورد قائلاً: "لا أدري. وصلنا هنا قبل ساعة وقررنا السير نحو بعض تلك الصخور"، أشار نحو أقرب الأسنان الحجرية.
"لكن شيئاً ما أوقفنا، لم نستطع الاختراق مهما يكن الجدار غير المرئي الموجود حولنا".
"أحاولتم السحر؟"
سأل بيرت بودّ بينما كان يتطلع حوله ببساطة.
"بالتأكيد فعلنا"، بثق ستيف، "لم ينجح شيء".
"إذن نحن عالقون؟"
سأل بيرت قبيل انطلاق دويّ متنافر من ما بدا أنه بوق ضبابي وحشي من اتجاه الهرم.
وقف الجميع في أماكنهم، حيث بدأ شيء ما يتحدث إليهم بعد انتهاء الدويّ. لم يكن يتحدث إلى أذنيه، عرف فريتز ذلك، بل كان يتردد في مقامه وشعر بكلماته، تقطر قسوة، وتتسلل عبر كيانه وتغطي الجوانب الداخلية لجمجمته بنواياها الخبيثة.
"أهلاً بكم أيها المتسلقون. لقد استمتعت بمشاهدة صراعكم. تتطلب الشروط الجدارة بأن يحتوي هذا الطابق على تفسير. توجد ستة أبواب في الطرف المقابل من هذا الطابق، ولا يمكن دخولها إلا مرة واحدة وبواسطة شخص واحد. إذا دخل شخصان أحد تلك الأبواب، فيمكن لشخص واحد فقط التسلق. باب واحد، متسلق واحد. قرروا مصائركم بأنفسكم، خذوا ما تستطيعون ولا تنظروا إلى الوراء".
دوي البوق المشؤوم مجدداً واختفى الحضور الرهيب عن مقدسه. جالت عيناه تبحثان باهتوج عن مصدر الصوت، ولم يجد شيئاً جديداً حتى لاحظ تموّج القبة الشفافة. تدرّج سطحها بالألوان كفقاعة صابون. رقص الضوء المتألق لبرهة ثم اضمحل فجأة.
نظر الطاقمان أحدهما إلى الآخر ثم فيما بينهم، واقترب أحد أفراد طاقم ستيف من حيث كانت القبة وأدخل يده في الفراغ، فلم تصادف أي مقاومة. وقفا ساكنين لبرهة يتأملان. ثم اندلعت الفوضى.
أطلق أحد أفراد طاقم ستيف شظية نارية، وألقى آخر رمحاً باتجاه فريتز مباشرة. أطلق سيد سهماً مشبعاً بالرياح اصطدم بدرع صدر ستيف الفضي اللامع، فتحطم أثناء ذلك وناثر الشظايا على فريقه. أطاح الانفجار بستيف أرضاً فوقع يتخبط على ظهره.
تلقى فريتز الرمح بترسه فانحرف نحو الأرض، ثم انقضّ بيرت على ستيف صائحاً: "هدنة! هدنة! وإلا هشمت رأس ستيف".
أمسك رقبة ستيف بيد واحدة وهدده بقبضة مرفوعة.
"توقف، توقف"، زفر ستيف محاولاً التقاط أنفاسه.
توقفا وتبادلا نظرات قلقة.
لمح فريتز يد ستيف اليمنى وخنجر العظم تلتفهما الظلال.
أبطأ فريتز في التحرك، فأطلق تحذيراً: "بيرت، اليد اليمنى!"
لقد فوات الأوان، فات الأوان حقاً. انسلّ خنجر ستيف كأنه ثعبان بطعنتين سريعتين، واحدة في الاضلاع وأخرى في البطن. اخترق قميصه الحرشفي مباشرة. كانت طعنة ثالثة في الطريق لكن بيرت تدحرج مبتعداً عن ستيف إلى الجانب، ونهض على قدميه مترنحاً.
انقلب ستيف إلى الخلف عائداً إلى قدميه في عرض بهلواني مذهل، وألقى نظرة سريعة على جراح بيرت، فعبس وراوغ متظاهراً بالاندفاع نحوه. ثم استدار وانطلق عادياً يركض نحو أقرب عمود حجري عبر السهول. انضم إليه باقي طاقمه جارين نحو متاهة أسنان الصخر.
أخذ سيد يرسل السهام نحو ظهورهم الهاربة، فأخطأ معظمها قبل أن يصيب بعضها أهدافها المتخبطة. كان ماهراً لكنه ليس رامي سهام محترفاً. أصاب أحد السهام رجلاً في كتفه وآخر في الساق. بدا جرح الكتف سطحياً، فقد ارتد السهم عن الدرع ثم هوى مطقطقاً على الأرض.
انتفض سيد عندما صرخ الرجل من الألم، وتذكر فجأة أنه يضرب بشراً لا وحوشاً. هز كتفيه وما تم لبث وجهه أن استقر على عبوس. ركض فريتز إلى جانب بيرت حين هوى على ركبتيه ثم سقط على ظهره.
نادى فريتز جين التي كانت ومعها توبي تنظران بشك إلى ظهور طاقم ستيف الهاربة: "أصيب بيرت! جين، تعالي إلى هنا وعالجيه!"
بدت مضطربة لكنها ركضت إلى جانب بيرت، وتسللت الخيوط الخضراء الشاحبة من يديها تخيط الجرحين الوخزيين. ثبتت الخيوط الجرحين مغلقين لبرهة ثم تلاشت، لكن الشقين بقيا مفتوحين ينزفان بغزارة.
قال فريتز بنبرة زجر عاتبة: "إنه لا يعمل!"
أجابت جين بين أسنان مكطومة: "أنا أرى ذلك"، جرعت جرعة تحنل وسلّت الخيوط عبر الججراح مجدداً محاولة حياكة اللحم معاً.
أخفقا مجدداً. همّت بإخراج جرعة أخرى، لكن توبي أمسك بذراعها فاستدارت ناظرة إلى تعبيره القاتم.
هز رأسه ولوح بكتفه نحو السهل الصخري وظهور كل من غريغ وفيرونيكا وناومي ولين الهاربة. كان غريغ في المقدمة يتبع أثر ستيف المنسحب مباشرة. تلت مجموعة فيرونيكا الخلف على مسافة أربعين قدماً تقريباً. لم يدري أكانوا يطاردون ستيف أم يهربون ببساطة نحو الأبواب. مع أن عقله همس بأنهم يتركونهم خلفهم. دون بيرت، لماذا سيبقون؟
عبس فريتز وشد قبضتيه بينما غلا الغضب يفور في جوفه.
أمر بيرت بنبرة قاسية واهنة بعض الشيء: "اذهب. اتركني".
قال فريتز بينما تمتمت جين وتوبي باعتذارات وقد تشكلت الدموع في أعينهما ثم استدارا وهربا تاركين فريتز وسيد وبيرت. بئس الطاقم هو.
نظر بيرت بين فريتز وظهور جين وتوبي المبتعدة، ثم نظر بدهشة إلى سيد.
قرأ الرعب والارتياب على وجوههما فتحدث مجدداً وقد تكلست فقاعة دم في زاوية فمه: "الخنجر يا فريتز، إنه سحري، ملعون".
أدرك فريتز فوراً تقريباً، فقد يكون الخنجر ملعوناً حقاً أو يحمل شيئاً رهيباً بالمثل، وربما استطاع استخدامه لإبطال السحر والسماح لبيرت بالشفاء. ولكي يحصل عليه عليه أخذه، ولكي يأخذه عليه ترك بيرت يتدبر أموره بنفسه لبرهة.
استطاع بيرت بوضوح رؤية التردد على وجه فريتز فمنحه لكمة ضعيفة في الكتف: "اذهب. لا وقت. ستة أبواب".
ثبتت الكلمات فريتز بعزم صارم، فالتفت يده بقوة على مقبض نصل السمكة الخاص به.
ابتسم له بيرت بحزن دون أن يتكلم، مطرداً إياه بإشارة من يده.
منح فريتز الرجل النازف أشد ابتساماته ثقة: "سأعود لأجلك، أعدك بذلك".
أشاح بيرت بصره وهز رأسه متمتماً: "أعلم أيها الأحمق".
ألقى سيد ببعض شرائط القماش الممزقة نحو بيرت: "اضغط على الجرح، استخدم هذه، ولا يزال هناك بعض الشحم هنا أيضاً".
أضاف سيد علبة شحم الشفاء الصغيرة إلى كومة على صدر بيرت.
تطلع فريتز عبر السهل، لامحاً ستيف ببريق درعه. كان على بعد ياردات، لكنه ليس بعيداً كما توقع. غلا الغضب بداخله وفار، فحلّ ترسه وحقيبته شاعرأ بأنهما سيبطئانه فحسب.
التفت إلى بيرت: "حافظ على هذه آمنة أليس كذلك، سأعود".
تأوه بيرت مانحاً فريتز ابتسامة متوجعة: "من الأفضل لك أن تفعل، سأطاردك طيفاً حتى الجنون إن جعلتني أوت هنا".
احتضن فريتز حرارة غضبه واستدار وركض. تبعه سيد عن كثب ثم لحق به جابهاً إياه جنباً إلى جنب. بدا أنه لا يثق بسهامه القليلة المتبقية لتصيب أهدافها.
حين انطلق فريتز نحو هدفه أدرك سبب عدم ابتعاد ستيف بالقدر المفترض. كانت السهول المحطمة والمملوءة بالحفر تعج بالشقوق والصخور غير المستوية وكان الركض على أرضها المخادعة خطراً دون حذر. وما إن خطر له ذلك حتى رأى أحد أتباع ستيف الرجل المصاب بسهم في ربلة ساقي يعثر ويزلق ويسقط.
رفع الرجل الساقط رأسه المحلوق باهتمام وترنح واقفاً ببطء وصرخ طالباً العون من رفاقه. لم يركض للمساعدة سوى رجل واحد ذو شعر داكن طويل ووجه أطول من المعتاد يرتدي سترة جلدية ودرعاً خشبيّاً يشبهان إلى حد كبير ما عثرت عليه مجموعة فريتز. وجّه سيفاً عريضاً مصنوعاً بإتقان نحو غريغ المتقدم وصاح به ليتوقف. بدأ غريغ في تلويح مذببة الجمجمة وانضم أنينها المخيف إلى صرخة حرب غريغ المدوية ليمتزجا معاً في مقطوعة جنائزية مخيفة حقاً.
رفع ذو الشعر الطويل درعه بترقب سواء أكان يتوقع الصصد ثم الهجوم أم مجرد حماية ظهر رفاقه من ضربة المذببة بجسده وحده فمن يدري. ما يمكن قوله هو أن غريغ كان قوياً وكانت ضربته أقوى.
لوّح غريغ بسلاحه في قوس هائل وتتالت الشقوق السوداء لمهارة تحطيم العظام فوق مذببة الجمجمة في اللحظة الأخيرة قبل اصطدامها بدرع الرجل. انفجر الدرع وتطاير الرجل الذي خلفه محطماً وقذف بجسده نحو الرجل الذي كان يحاول إنقاذه.
أسقط الجسد المحطّم الرجل «المنقذ»
أرضاً وانهار الرجل المحطّم ككومة خالية من العظام فوقه ليتركه مثبتاً وعاجزاً بينما بدأ غريغ في تدوير مذببة الجمجمة.
أحرر الرجل المحلوق ذراعاً من تحت ثقل جسد رفيقه ودفع بها نحو غريغ صارخاً: "كرة النار!"
ظهرت شرارة من اللهب البرتقالي في مركز كفه ثم اتسعت حتى بلغت حجم البيضة وانطلقت نحو غريغ. أصابت الكرة صدر غريغ المدرع فتناثرت دون أذى عن حراشفه المتلألئة وسقطت على الأرض في وابل من الجمرات.
لسْتَ بحاجة للصراخ باسم قدرتك أيها الأحمق.
أنّت مذببة الجمجمة لحظة وامتلأت عيناها الرجل المحلوق برعب مستعطف ثم دوى طقطقة مرعبة حين أصابت مذببة الجمجمة هدفها. لم يسبق لفريتز أن رأى رأس أحدهم ينفجر ولم يرغب في رؤية ذلك مجدداً. انفتحت جمجمة المسكين كبطيخة ناضجة لتتدفق الدماء الساطعة ومادة الدماغ على الصخر الداكن وتتجمع في الحفرة التي فقد فيها موطئ قدميه.
كان غريغ يتنفس بصعوبة لكنه واصل اندفاعه نحو البوابات. بالكاد التفت باحثاً عن الخطر بل استمر في الركض قدماً نحو أول حزمة من الأعمدة.
هتاف غريغ بصوت أجش: "عد إلى هنا! ستدفع الثمن! سأقتلك!"
بالطبع لم يتخلَّ الرجل المتجبر عن بيرت بل كان يسعى للانتقام لرفاقه الساقطين. ذكر فريتز نفسه بأن يحاول حقاً إصلاح الأمور مع غريغ لاحقاً. لمر يرغب في أن يكون في جانب ذلك الرجل السيئ بالإضافة إلى شعوره بالسوء حيال تعامله معه سابقاً. فعل ذلك حقاً.
ركض فريتز محاولاً اللحاق بالمجموعات الأخرى ووجد أن خصائص إدراكه ورشاقته تساعدانه في انتقاء أفضل مسار.
بدا أن إحساس الفخاخ يعمل بالتوافق مع تقنية «ملاحظاته»
محذراً إياه بطنين منخفض قبل أن يختار مكاناً خطيراً لوضع قدميه مما سمح له بتفادي الشقوق الخفية المؤذية. وبفضل ميزاته وجد نفسه يقترب باطراد من رفاقه الفارّين وخصومه.
بلغت فيرونيكا و لين وناومي أسنان الحجر ثم اختفت فيها متخلفة عن غريغ في طريقه المدمر. استطاع فريتز سماع قرع الأسلحة وإطلاق القدرات وأنين تحذير مذببة غريغ. ترددت الشقوق والضربات والقعقعة عبر الأعمدة حيث تقاتلوا بعيداً عن نظر فريتز.
حين بلغ الأعمدة انزلق بينها مندفعاً في محيط حجارتها الحادة على نحو مدهش. تحرك بسرعة للانضمام إلى المعركة للعثور على ستيف وأخذ خنجره. كان عليه إنقاذ بيرت. تتبع أصوات الصراع آملأً في أن يتمكن من مباغتة ستيف أثناء قتاله. بدلاً من ذلك صادف فيرونيكا و لين وناومي وقد وقعن في كمين حيث وقفن ظهراً لظهر مع دروع مرفوعة وأقباض متحجرة في حالة لين. اختبأ فريتز بسرعة كي لا يراه الآخرون لئلا يجرّوه إلى معركة خاسرة.
بدا الأمر خاطئاً لكنه راقب وانتظر مستعداً للقفز عندما يستطيع قلب الطفة إن استطاع قلبها.
كان محيط النساء مأهولاً بباقي أتباع ستيف بما فيهم ستيف نفسه الذي قاد الهجوم. تحملت النساء بجلد واضعات حداً لحجارة المقاليع أو شظايا الجليد التي ألقاها ساحر بينما اندفع الرجال للأمام بعد وابل فاشل من التعاويذ والحجارة. متفوقات عدداً وغلبة شنت لين هجوماً ضارياً فسلبت نصلاً وفدحت درعاً وردت السياف خلفها.
وأثناء تراجعها للحفاظ على استقرار تشكيلهن تلقت طعنة بسيف قصير في الفخذ من رجل أصفر شرير آخر بجوارها. أطلقت أئنة ألم كظمتها وعضت على أسنانها وانهالت على ضلوع قريبه بثلاث ضربات خاطفة فترنح للخلف نازعاً نصله من لحمها بجذبة قوية. كانت الإصابة أضحى سطحية مما يستحق لكن دمها ظل مع ذلك يتدفق في سيل مطرد.
كان الضغط يشتد عليهن من كل جانب. ثبتت فيرونيكا ونومي ترسانيهما لحماية خاصرة كل منهما للأخرى. سددت نومي ضربات بنصلها الزعانفي في أقواس سريعة ومضطربة. أجبرت العزل من الدروع والتروس على التراجع أمام الحافة اللامعة. جرحت عدداً منهم كلما اقتربوا مجدداً. جروحاً طويلة ضحلة تنزف بغزارة. لكنهم اخترقوا الهجوم في النهاية. قبضوا على ذراعها المتخبطة وأوقفوا هجومها المتلاحق وهم ينتزعون النصل من يدها.
جذبوا ذراع ترسها إلى أسفل. جذبها رجل قوي البنية ذو خصلات شعر بني دهنية وضمها بقوة في حضن الدب معتصراً ذراعيها. كافحت وصرخت حتى نفد الهواء من صدرها بفعل قبضته الكالدة. بينما كانت تصارع من أجل التقاط أنفسها ابتسم الرجل بنوايا خبيثة تتسلل خلف عينيه الرماديين الجائعين.
ما إن تقيدت نومي وأصبحت عاجزة حتى اندفع رجال ستيف نحو الفجوة في تشكيل الفتاة.
انتُزع ترس فيرونيكا من ذراعها وجُرّت بعيداً عن حماية لين على يد ستيف واثنين من رجاله الأضخم جسداً. انزلق نصلها الزعانفي على درعه الفضي ورد ستيف بضربة بقبضة خنجره على ذراعها. التقطت أنفاسها بألم وسقط النصل من يدها المرتجفة. قبض على شعرها الأحمر بيده الطليقة وجرها بعيداً عن أمان قبضة لين.
غرزت أسنانها في ذراعه لكنه نفضها ودفعها بين أذرع أحد رجاله المنتظرة الذي امسك بها من الخلف في طوق رأس محكم.
صرخت فيرونيكا بلا جدوى: "دعني وشأني".
التوت وتلفت بكل قوتها لكنها اكتشفت عجزها عن الإفلات من ذراع الرجل القوية. ضحك كأنما يستمتع بصراعها.
بدا أن رجال ستيف يفضلون تخصيص نقاط سماتهم للقوة مما جعلهم قادرين تماماً على قهر أي شخص وخاصة من تملك قوة منخفضة مثل نومي أو فيرونيكا أو فريتز للأمانة بمجرد الإمساك بهم.
أدرت لين صوت غضب وانقضت على الرجل الممسك بفيرونيكا لكنها تعثرت في ساقها المصابة وتعرضت للهجوم والإمساك والضرب من الرجال الثلاثة المحيطين بها. بينما أمسك رجل بكل ذراع هوى الثالث بمطرقة نحاسية على رأسها بصوت ارتطام مقزز. هوت إلى الساق وتدلى جسدها الرخو ممسكاً به الذراعان. حدقت بذهول عاجزة عن استيعاب محنتها.
توسلت فيرونيكا وتغير سلوكها سريعاً من غضب صارخ متخبط إلى شابة وديعة ومطيعة وخائفة: "أرجوك سنفعل ما تأمر به فقط لا تؤذنا".
رفعت عينيها الجميلتين الداكنتين نحو ستيف وتابعت شبه مهمسة: "أرجوك أي شيء لن نقاتل".
تركت كلمة "أي شيء"
لتخيلات الرجال المحمومة والشرهة وفقاً للابتسامات المتعطشة على وجوههم.
سخر منها ستيف وكاد يبصق في وجهها: "ستة أبواب فحسب وسأعبرها. لن أضيع وقتاً مع ساقيات تالي".
انكفأت فيرونيكا مبتعدة عن البصقة والحدة المريرة في كلماته.
سأل ستيف بنبرة حادة ومتأففة: "أتأتون معي أيها الفتيان أم أنكم مستعدون لمخاطرة تفويت باب؟".
أوضح الرجل ذو الشعر الداكن والممسك برقبة فيرونيكا بقسوة: "امضِ قدماً يا ستيف إن كنت حقاً تخشى أن يقضي علينا ما تبقى من رجال بيرت. سأستمتع قليلاً ولا مانع من الاسترخاء. سنضطر لتركهم هنا للموت على أي حال لذا من الأفضل أن نستمتع بأنفسنا قبل الصون".
رد ستيف وبريق الاضطراب يلمع في عينيه الصغيرتين: "حسناً امكثا هنا وموتا إن شئتما لكن لا تشتكيا لي حين تصابان بأي مرض يحملنه".
رَدَّ الرجل: "هاه، خائف إلى هذا الحد رغم أننا قضينا بالفعل على نصفهم؟ لقد فزنا بالفعل. هؤلاء المخادعون يختبئون على الأرجح لا يركضون نحو الأبواب. لدينا الوقت لنستمتع بأنفسنا".
قال ستيف باقتضاب: "أنتم حمقى. هذا لا يستحق حياتكم".
قال الرجل بثقة: "لن يصل الأمر إلى هذا الحد. سنكون سريعين".
تمتمت فيرونيكا: "بالتأكيد ستكونان"، فقطب الرجل حاجبيه غضباً.
هز ستيف رأسه واستدار مغادراً عابراً جثة ممددة لم يلاحظها فريتز من قبل وسط الفوضى. جثة ترتدي حراشف لامعة. اضطرب معدة فريتز لرؤية الهيئة لكنه دفن الشعور فور ظهوره. كان في خطر حالياً ويحتاج لذهن صاف ولم يستطع التفكير مطولاً في الجثة وبركة الدماء المتسعة ببطء حولها.
نادى ستيف من خلفه وهو يبدأ بخطوات واسعة عبر الدماء تاركاً آثار أحذية قانية حيث يخطو وخوذة سوداء غليظة محشوة تحت إبطه: "أتأتون أيها الفتيان؟".
نظر اثنان من رجاله اللذين كانا يقفان بيقظة لمراقبة الجدال إلى المرأتين الأسيرتين والرجال الثلاثة الممسكين بهما.
هز أحدهما رأسه للمشهد والتوى وجهه مقرفاً وغادر تالياً ستيف ومطرقة النحاس معلقة على كتفيه. بدا الآخر كأنه سيواجه الآسرين لكنه تراجع عن الفكرة إثر نظرة حادة من الرجال الآخرين فخفض رأسه وتسلل متبعاً ستيف.
سأل الرجل ذو الشعر الداكن مقرباً فيرونيكا منه أكثر وناعساً بسترتها: "بما أنهما رحلا فما رأيكم أن نستمتع قليلاً؟".
استطاع فريتز رؤية الدموع تبدأ بالتجمع في عينيها لكنه أدار بصره بعيداً حين اشتعلت شرارة من الغضب الحق واهتادت رغبة أداء دور البطل لتدفعه نحو القتال.
تقبّل الحساب البارد والقاسي الذي يملي عليه اللحاق بستيف ليظفر بالخنجر. لا تستطيع الانتظار أو إهدار الوقت الثمين الذي تبقّى لبيرت. بل إن أخذ خنجر ستيف سيكون أسهل الآن وقد انشغل نصف رجاله. بمشقة بالغة واشمئزاز ثقيل يغوص في جوفه همّ بالمغادرة، فليس ثمة ما يستطيع فعله هنا.
قبضة محكمة أمسكت بذراع فريتز فهسّ سيد: "إلى أين أنت ذاهب؟"
أشرس بصوت منخفض تشوبه مسحة من الاشمئزاز الذي يشعر به تجاه الموقف ونفسه: "عليّ إنقاذ بيرت."
انتزع ذراعه وهمّ بالالتفاف، فعاود سيد الإمساك به وهذه المرة من معصمه.
ذكّره سيد بنبرة خفيضة وعيناه الزرقاوان تلتهبان بغضب متصاعد: "لقد وعدتهم، لقد أعطيت كلمتك يا فريتز."
واشتدت قبضته على معصم فريتز: "إن لم تفِ بها فسأجعلك تفعل."
قابل فريتز النظرة الملتهبة بأخرى صلبة من عنده. تدافع حاجته لإنقاذ بيرت مع شعوره المدفون منذ زمن بالشرف والعدالة. ثبت في نظرته حتى شعر بالصلب في عينيه يبدأ بالذوبان فأشاح بوجهه. لم يدرِ كيف سيمضي دون بيرت لكنه عرف أنه لن يستطيع التعايش مع نفسه إن ترك النساء لمصيرهن. لا سيما بعد أن تبعنه إلى هذا الطابق لأنه وعد بسلامتهن.
هنّ هنا بسببه وسيكرهه بيرت إن علم يوماً أن فريتز قايض حياتهن بحياته. دفعت هذه الفكرة فريتز إلى قراره، ومهما يكن أنانياً فهو يفضل بيرت حياً يكرهه على بيرت ميتاً. استعد لفضّ قبضة سيد عنه والانطلاق خلف ستيف حين سمع نحيباً خافتاً من نعومي.
ذكّره النحيب بنحيب أخته الصغرى. حين ضمّها وأخاه الباكي بعد موتي، لا، بعد قتل أمهما.
كان الأمر مجرد حجة في النهاية، فهو لم يرغب في تركهن لغارات هؤلاء الأوغاد. أعاد النحيب إشعال رغبة الإنقاذ والحماية التي اضطر لإخمادها بحسابات البقاء الباردة حين كان هناك في أزقة الحلقة الغارقة. لقد تعلّم الدرس جيداً في تلك الأشهر الأولى خارج دار الأيتام.
ألا تتكلم، وأن تحول نظرك لئلا تصبح الهدف التالي. الوقوف في وجه شخص قوي أو ذي نفوذ قد يكسبك ما هو أكثر من مجرد ضرب، وفريتز يملك الندوب لتثبت ذلك.
لكن تلك القواعد غير المسطورة لا تنطبق هنا، فليس لهؤلاء أصدقاء يدعمونهم وهم في المستوى ذاته، فما بالك إن كانوا أفضل تجهيزاً وأعطوا الأولوية لسماتهم القتالية. كانت معركة أنصف بكثير من تلك التي خاضها خارج السبيل.
سمح فريتز لإرادته بالانحناء فأطلق العنان لشرارة من المشاعر، وتقبّل غضبه وعاد ليقابل عيني سيد بجمرات من الغظب عوضاً عن البراغماتية الباردة للصلب في نظرته الثابتة.
قال فريتز وابتسامة مرعبة ترتسم على وجهه: "حسناً، لنقتلهم سريعاً إذن."