"أسمعتم بالخبر؟ أغلق هورتينسوس على نفسه باب داره وأبى الخروج."
"لا يسمع شيوخ الأوبتيمات سوى شيشيرو هذه الأيام. انتهى أمر هورتينسوس سياسياً."
"تزعم الإشاعات أنه يقضي يومه في البيت يعتني بأسماك البوري وأسماك الموراي لا غير."
"أسماك الموراي؟ أتقصد تلك الحيات الغريبة العائشة في الماء؟ أيُربّي تلك في بيته؟ لابد أن ذلك يكلف ثروة طائلة."
"يقال إنه لا يطاوعه قلبه على أكل أسماكه فيشتري غيرها من السوق بدلاً منها."
سرى حديث التغيير داخل الشيوخ كسريان النار في الهشيم. واستحوذ سقوط هورتينسوس المزعوم على النصيب الأكبر من الاهتمام. وقبل أن يزيحه شيشيرو عن المحاكم، ظل هورتينسوس يُعد أعظم محامي روما وخطيبها. وحتى بعد أن انتزع شيشيرو مقامه الأول، واصل بسط نفوذ هائل بين الأوبتيمات. ومهما علا شأن قنصلية شيشيرو، فإنه ظل رجلاً جديداً — أول من بلغ أعلى مناصب الجمهورية من عائلته. وفي المقابل، انتمى آل هورتينسيوس إلى نبلاء روما القدامى.
وهو الرجل الذي دفع لوسيوس مؤخراً إلى التحرش بصدام مع كلوديوس في المنتدى. وأثار انسحاب مثل هذا الأوبتيمي النافذ من السياسة ضجة مدوية. وعوضاً عن المثول في المحاكم أو الشيوخ، قضى هورتينسوس وقته كله في بيته. وغدت حديقته الواسعة وبركته الصناعية الباهظة التكلفة ملجأه الهارب من الحياة العامة.
"كيف تجرؤ على سكب خمر رخيصة على شجرة الدلب خاصتي! أجننت تماماً؟!"
"أ-أنا غاية الأسف يا سيدي!"
وقضى هورتينسوس أيامه يعتني بأشجاره العزيزة بأجود الخمور.
"ألقى خطباً مدوية عن إنقاذ روما من قيصر، ولكن يبدو أن هورتينسوس لم يكن شيئاً مذكوراً قط."
"هذا دأب الشيوخ هذه الأيام. لا يفعلون سوى الجلوس للتسلي طوال النهار."
وما إن بدا أن الأوبتيمات يترنحون، حتى قاموا بحركة لم يتوقعها أحد. فاقترحوا تأسيس شرطة للمدينة وهيئة تفتيش عامة.
"انتظر، أاقترح الشيوخ ذلك حقاً قبل قيصر؟"
"ليس هذا فحسب. تقول أحدث منشورات اليوم..."
ولكن أكثر ما صدم مواطني روما كان قانون الأراضي الجديد. إذ سيوفر القانون أخيراً منح الأراضي الموعودة منذ زمن طويل لقدامى محاربي بومبيوس. وجاء رد الفعل في أنحاء روما شبه متطابق.
"أقترحوا قانون أراضي للقدامى؟ نفس الشيوخ الذين عرقلوه في كل منعطف؟"
"أكلوا شيئاً فاسداً؟ ما الذي جرى بحق الجحيم للشيوخ؟"
* * *
"برأيك ماذا يحاول الشيوخ تحقيقه بهذا؟"
سأل بومبيوس متفقداً موقع البناء. بينما هرع العمال ذهاباً وإياباً في الموقع حاملين ألواح الخشب على عواتقهم. وكان هذا موقع بناء الحلبة المؤقتة المشيدة لمهرجان نوفا ترويا المرتقب.
"تجاهلوا قانون الأراضي مهما توسلت إليهم، وها هم يسارعون لتقديمه بأنفسهم."
"لعلهما يحاولان خطف المبادرة من أبي ومني. فقد علم الجميع أننا ننوِي طرحه قريباً."
قلت واطئاً إلى جانبه. شكل قانون الأراضي أحد الأسباب الرئيسة لتحالف بومبيوس مع أبي وكراسوس. وأراد بومبيوس منح قدامى محاربيه الأراضي التي وعدهم بها. بيد أن الشيوخ عطّلوا كل مسعى لتمريرها. وفعل الشيوخ ذلك لحماية مصالحهم ومنع بومبيوس من بسط نفوذ أكبر. وها هم ذا يقدمون قانون الأراضي بأنفسهم؟ إنه لانقلاب مذهل.
"لا بد أن الشيوخ أدركوا أخيراً تغير قواعد اللعبة. أدركوا استحالة الفوز بلا مساندة المواطنين."
"لقد غيرت روما يا لوسيوس بطريقة بالغة الغرابة. ولن أرمش جفناً عند هذه النقطة إن أخبرني أحدهم أن الذئاب بدأت تاكل العشب."
"تقنياً، تأكل الذئاب العشب أحياناً."
أجبته ضاحكاً.لكنني تفهمت شعور بومبيوس. فقد كافح أعواماً لتمرير قانون الأراضي، ليأتي الشيوخ ويطرحوه بأنفسهم.
"ولكن إن دققت النظر، فستجد في القانون بنوداً كثيرة تصب في مصلحة الشيوخ. انظر إلى اللجان المقترحة: كل عضو فيها شيخ."
بينت له. والأمر سيان في مقترحات قوة الشرطة وهيئة التفتيش. كل ما اقترحوه صُمِّم بذكاء لحماية مصالح الشيوخ.
"ويقتات كثير من القدامى حالياً كعمال يومية في روما. وأيد غير قليل منهم قانون الحبوب المجانية لكلوديوس قبل مدة ليست بعيدة. فإذا مُنحوا أرضاً يفلحونها..."
"فسيقل عدد المواطنين الفقراء في روما تبعاً لذلك. وبناءً عليه، سيصوت نفر أقل لصالح التدابير الرامية إلى تخفيف الفقر الحضري. لذا فهم ينون اضعاف الفقراء الحضر قوةً سياسية بتقليص أعدادهم، أليس كذلك؟"
"إنه لأمر يثير السخرية حقاً، ألا ترى؟"
ولم يكن هذا أول عهد السياسة بمثل هذه الأمور. فمع تنامي تأطب الطبقة العاملة للاشتراكية والشيوعية، سارع كثير من الساسة المحافظين إلى تقديم إصلاحات رعاية خاصة بهم. والسياسي الداهية يعرف متى يبدل ألوانه كالحرباء.
"شيشيرو سياسي داهية."
"وهو كذلك حقاً. ومثلما قلت يا لوسيوس، إنها لحركة ذكية. وطالما اتسم ذلك اللعين شيشيرو بمسحة ملتوية. فقد تنحى بهورتينسوس جانباً هذه المرة ونصّب نفسه زعيماً للأوبتيمات."
قال بومبيوس.
"لا يمكنك أبداً الوقوف ساكناً في ساحة المعركة. مهما بلغت غلبة ميزتك على العدو..."
فرفع إصبعاً ووكزه في صدري.
"لحظة ترخي فيها حذرك، تنتهي الأمور. قلت إنك تريد تحويل روما إلى فلك قادرة على مجابهة العاصفة القادمة."
"أجل، قلت ذلك."
"إذن فاحرص على البقاء في دفة القيادة. ألن يغتظ قلبك لتسليم السفينة التيكدحت مطولاً لبنائها لغيرك بلا قتال؟"
"..."
دفة القيادة، هاه. لم أمعن التفكير في الأمر حتى تلك اللحظة. وبدا موقعنا السياسي بمنأى عن الخطر. غير أن فترة ولاية أبي كقنصل ستنقضي ذلك العام. وكان على الرجل بعد انقضاء قنصليته الانتظار عشرة أعوام قبل الترشح للمنصب ثانية. والرجح أن يغادر أبي إلى غاليا كحاكم، على غرار ما حدث في التاريخ الذي أذكره. وسيتركني ذلك أمام خيارين: إما اللحاق بأبي إلى غاليا أو المكوث في روما وخوض غمار الحياة السياسية.
ومهما اخترت، فسيتقلص نفوذي لا محالة. ورغم تأميني منصباً بين الفيجينتيسيكسفيرا في العام السابق، إلا أنني ما زلت أصغر من الترشح للكويستورية أو الأيديلية. فما عساي أن أعمل؟يمكنني دعم بومبيوس وكراسوس في مساعي القنصلية الثانية. ولكن حتى لو نجحنا، فسيُدفع بي إلى الخلف حتماً.وثمة حركة أفضل بكثير من تلك.
"إذن ينبغي أن أفعل تماماً ما فعله شيشيرو."
"الطريقة ذاتها؟"
"إقناع مواطني روما."
فرمقت الحلبة قيد الإنشاء وأردفت.
"إقناعم بأنني أهل لمسك الدفة."
* * *
دارت السياسة الرومانية حتى ذلك الحين حول الأفراد أساساً.وصدق ذلك على الأوبتيمات والشعبيين على حد سواء. إذ دأب ساسة روما على تشكيل فصائل وتحالفات مؤقتة سعياً وراء السلطة، ولم تكن تلك سوى روابط سياسية فضفاضة. فلم يوجد برنامج موحد يجمع الأعضاء، ولا قيادة رسمية، ولا تنظيم دائم. غير أننا امتلكنا الآن الصحافة، واستطلاعات الرأي العام، وأبراج الإشارات، وشبكة البريد. وأججت حرب المنشورات الأخيرة طفرة في المشاركة السياسية.
وبات الناس الذين لم يلتقوا قط يكتشفون بعضهم بعضاً ويتبادلون الأفكار عبر البريد والصصحافة. وبدأت الجماعات ذات الآراء المشتركة في التنظيم طبيعياً.ولهذا السبب بالذات تكاثرت الكوليجيا مؤخراً. فما الذي سيتشكل حين تلتئم كل هذه التطورات؟ بدا الجواب واضحاً من التاريخ الذي أذكره. تنظيم سياسي جماهيري — أو بعبارة أخرى، حزب سياسي. بدأ الأشخاص المتشاركون في أيديولوجيا وهوية وأهداف سياسية موحدة ينتظمون.
ولهذا السبب أيضاً تشكل نادي معجبيي في المقام الأول.
"أحتاج إلى قوتهم الآن."
كان شيشيرو قد تحرك بالفعل. وكما قال حماي، حان الوقت لأرد بالمثل. آن أوان تأسيس أول حزب سياسي في روما.
* * *
"حزب سياسي؟"
أمال فيليكس رأسه أمام المصطلح غير المألوف.
"إن كان الأمر متعلقاً بدعم سياسّي أو سياسة بعينها، أفليست هناك كوليجيا لا حصر لها لهذا الغرض؟"
"بلى. ولكن ما أبتغيه ليس ولاءً شخصياً. بل أريد دعماً لبرنامج سياسي مترابط."
لا مجرد سياسة، بل رؤية عالمية متكاملة. أو بعبارة أخرى، احتاج إلى طرح رؤية واضحة للمستقبل.
"لا أريد بشراً يعبدونني أو يتبعونني عمياناً. فلربما غدا جمع غفير من هؤلاء الأتباع عبئاً حقيقياً."
وما استوجب رد فعل شعبي عنيف في روما أسرع من تقديس الأفراد. وفي التاريخ الذي أتذكره، نال أبي دعساً شعبياً جارفاً، ولكن المفارقة أن هذا الدعم بالذات أثار الشكوك في تطلعه للملكية. وفي روما، قلّ اتهام أخطر من التطلع للملكية. وكان أبي قد حذرني من ذلك الخطر مسبقاً.
"أريد أناساً يدعمون أيديولوجيتي ورؤيتي للعالم، لا شخصي."
"لكن ماذا تقصد تحديداً بـالأيديولوجيا والرؤية؟"
سأل فيليكس عاقداً ذراعيه.
"وأي أيديولوجيا تنوي تبنيها يا مولاي الصغير؟"
"تلك هي..."
توقفت هنيئة. أيمكنني اختراع أيديولوجيا تفصيلية تلاءم وضعي الراهن وروما؟ كلا، استحال ذلك. وفوق كل شيء، سيبدو الصنيع الأيديولوجي المصنوع للمصلحة مصطنعاً. وكما يُقال، تنجلي معتقدات المرء الحقيقية عبر أفعاله. فما الذي ظللت أفعله طوال هذا الوقت؟ منذ أن بُعثت في روما، أطلقت مشاريع شتى: قطاع التأمين، وبالموليف، وشبكة أبراج الإشارات، وصناعة الورق. ولكن على عكس كراسوس، لم يكن هدفي الأسمى جمع الثروة قط.
فوظفت المواطنين الأحرار حيثما أمكن بدل العبيد، كاسباً دعمهم خلال ذلك. واستقطبت العاملين بعدالة عبر أكبر عدد ممكن من القبائل وأسست صندوق القدامى. واستثمرت أموالاً طائلة لا في روما فحسب بل في شتى المدن الحليفة أيضاً.وحاولت تأصيل الفلسفة السياسية الكامنة وراء تلك الأفعال... فبدت الأقرب لما أسماه القرنان العشرون والحادي والعشرون بالمحافظة الرحيمة. أيديولوجيا تدافع عن الملكية الفردية والأسواق الحرة مع دعوة الحكومات والجمعيات الخيرية والمؤسسات الدينية للعمل معاً بغية دعم المستضعفين.
ويا لتفكيري أنني محافظ. فمن كان يتوقع ذلك؟ والمضحك أنني كنت غالباً من يدفع نحو إصلاحات جديدة رغماً عن إرادة معظم شيوخ الأوبتيمات، وهم المحافظون الحقيقيون لروما المعاصرة. وبمعايير القرن الحادي والعشرون، لبدوت محافظاً. غير أنني هنا في روما، محاطاً برجال يعاملون كل إصلاح معاملة الكفر، كدت أعد ثورياً. بيد أن أفعالي لم تكن غريبة كلياً عن الرومان في الوقت عينه. إذ احتوى المجتمع الروماني سلفاً على ما يشبه نبلاء الواجب: الاعتقاد بأن الثروة والمكانة تحملان التزامات تجاه المجتمع.
فكان تمويل المباني العامة، ورعاية الألعاب، وإغاثة العملاء واجبات — ومصادر شرف — للنخبة الرومانية. فماذا لو دفعت بذلك المبدأ خطوة إلى الأمام؟
"ما استطاع سياسي عادي قط الحفاظ على هكذا نظام."
فالاستمرار في جني أموال طائلة مع ضخ جلها في المجتمع أمر يعجز عنه السياسي العادي. لكنني امتلكت مزية لا يتمتع بها سواي: معرفة المستقبل. وبهذه المعرفة، أمكنني مواصلة جني أرباح هائلة. وطالما قدرت على مواصلة جني تلك الأرباح، فلن يصعب عليّ تقاسم جزء منها. إنه درب عجز سواي عن سلوكه — لا أحد غيري، لوسيوس قيصر. الرأسمالية الرومانية. كلا، أأسميها القيصرية الجديدة؟
"ينبغي أن أطلب من أحدهم مساعدتي على بلورة هذه الفكرة."
وبرز شخص واحد مثالي لتلك المهمة. والخيار البين تمثل في بروتوس، الكاتب الموهوب ومعلم حرب الإعلام الذي خاض حرب المنشورات إلى جانب بومبييا مؤخراً. كما ترأس نادي معجبي.
"لقد جئت في الوقت المناسب يا لوسيوس. انتظرك الجميع بفارغ الصبر."
ومع اتباعي بروتوس نحو الإنسولا، رحب بي عشرات الرجال. واستقبلوني بابتسامات عريضة. وتبدى شعوري بعدم الارتياح دائماً كلما قدمت إلى هنا. ففضّل أبي لقاء أنصاره، بينما استثقلت الأمر من وجوه شتى. وامتننت لدعمهم المتحمس، ولكن...كلما رأيت عيونهم المضيئة بالإعجاب، سرت قشفرة مزعجة في عموددي الفقري.
"جئت لوجود أمر أود نقاشه معكم جميعاً اليوم."
"توقيت مثالي. لدي في الواقع ما أردت إطلاعك عليه أيضاً. سيُقام معرض للكتاب في مهرجان نوفا ترويا المقبل، أليس كذلك؟ وظننا أن ننشر شيئاً بالمناسبة..."
وعلى إثر ذلك، أخرج بروتوس كتيباً نحيفاً.كتيب نحيف من ثمان صفحات من ذلك النوع الذي راج بشدة خلال حرب المنشورات الأخيرة.
"خططت كوليجيانا لنشر هذا الكتيب."
"هذا..."
فسعلت غصباً وأنا أقرأ الكتيب الذي ناوله إياه بروتوس.
"ما هذا بحق الجحيم؟"
"إنه تجميع لما تفضلت به حتى الآن. كتاب مقولات، نوعاً ما،"
قال بروتوس ووجهه يطفح فخراً.
"جمعت كل العبارات المبهرة التي نطقت بها منذ حملة إخضاع اللصوص وحتى الآن. ورتبتها حسب الموضوع ليسهل قراءتها."
"..."
ولهذا السبب إذن رأيته طالما يخرخش بالقلم إلى جواري متى تحدثت. وجعلني رؤية أقوالي مجتمعة على الورق أشعر باحتراق وجهي حياءً.
[سأحول روما برمتها إلى منتدى للنقاش.]
[المعرفة قوة. وحينها سأتقاسم تلك القوة مع روما برمتها.]
[تملك جمهورية روما القدرة على تغيير ذاتها دون إراقة دماء.]
وبدت كتلك الجمل الرخيصة التي ينطق بها أبطال الروايات الرخيصة من الدرجة الثالثة.
"أنا ممتن حقاً، ولكن..."
قلت وأنا أنظف حلقي. لم أكن لأسمح ببيع شيء بهذا القدر من الحرج في معرض الكتاب. فلم أكن ماو تسي تونغ بحق السماء. إذ سيرتد تقديس الأفراد في روما حالياً بنتائج عكسية لا محالة.
"أردت في الواقع أن أطلب منك شيئاً آخر يا بروتوس."
"ما الذي تحتاجه مني؟"
"أن تعرض عقيدتنا السياسية على المواطنين. أريد منك كتابة نص يحدد المبادئ التي نتشاركها أنا وأبي لأجل أهل روما وإيطاليا."
قد تُمكّن عقيدة إنسان واحد العالم أحياناً.فماذا سيحدث لو تشارك عشرات — أو حتى مئات — الآلاف من البشر المعتقدات ذاتها؟
"آن أوان المعرفة."
وجعلتني الفكرة أتوقف. انتظر، أكانت تلك جملة رخيصة هي الأخرى؟