وبينما كان يسير، وقعت عيناه على مبنى ضخم يختلف تمامًا عن كل ما يحيط به.
لفتت واجهته العريضة وحركة الداخلين والخارجين منه دون انقطاع انتباهه، فتوقف للحظة يتأمله باهتمام. لم يكن يعرف بعد ما الذي يجري داخل هذا في المبنى، لكن هيبته أوحت له بأنه قد يكون أحد الأماكن التي تمنحه إجابات حقيقية، بدلًا من الشائعات المبتذلة التي تتناقلها الألسنة في الحانات والأزقة.
غير إيثان مساره واتجه نحوه.
وكلما اقترب، بدأت تفاصيله تتضح أكثر طراز معماري حديث، وبناء شامخ يتجه إليه عدد كبير من الناس باستمرار. كان بعضهم يهرع إلى الداخل على عجل، بينما يخرج آخرون حاملين ملفات وأجهزة صغيرة، أو أكياسًا ممتلئة بالأوراق.
توقف إيثان لحظة أمام المدخل وألقى نظرة سريعة على المكان قبل أن يخطو إلى الداخل.
ما إن دخل حتى أخذ يتفحص المكان.
"يبدو كمركز للخدمات أو إحدى الإدارات الحكومية."
لم يكن متأكدًا من طبيعة المكان بالضبط، لكنه أدرك سريعًا أنه لا بد أن يكون مركزًا تتجمع فيه كميات كبيرة من المعلومات.
سار ببطء بين الممرات، متفحصًا اللوحات المعلقة فوق الأبواب، إلى أن توقفت عيناه عند لوحة كبيرة تعرض خريطة للمدينة.
اقترب منها.
وللمرة الأولى رأى مخططًا واضحًا لنوفاريس.
الأحياء السكنية.
المنطقة التجارية.
المنطقة الصناعية.
مقر الحراس.
والأحياء الخارجية.
بدأ يحفظ مواقعها بصمت، مستعينًا بتفاصيل الخريطة التي أمامه.
لم يكن يعرف متى سيحتاج إلى هذه المعلومات، لكنه تعلم منذ زمن أن معرفة المكان الذي تقف فيه قد تنقذ حياتك يومًا ما.
وبينما كان يتفحص تفاصيلها الأخيرة، قطع تركيزه صوت شجار قادم من أحد الممرات القريبة.
توقف عن تأمل الخريطة ثم التفت بهدوء نحو مصدر الضجيج.
كان هناك رجلان يتجادلان مع موظفة تقف خلف مكتب الاستقبال.
كان شعرها الأسود القصير يصل إلى أسفل فكها بقليل، ومصففًا بعناية بينما كانت ترتدي زي خدمة رسميًا أنيقًا. وعلى العكس تمامًا من الرجلين، اللذين كانا يلوحان بأذرعهما ويتحدثان بانفعال شديد، بدت هي هادئة.
بل شديدة الهدوء، كأن الأزمة لا تعنيها.
قال أحد الرجلين بنبرة يملؤها الغضب
"أخبرتكِ أننا ننتظر هنا منذ ساعة كاملة!"
أجابته الموظفة دون أن يتغير هدوؤها
"يمكنك تقديم شكوى للإدارة إن أردت… لكن استعد للانتظار هناك أيضًا."
استشاط الرجل غضبًا وقال
"هل تسخرين منا؟!"
"لا."
جاء ردها خاليًا من أي تعبير، جافًا ومقتضبًا.
بدأت أنظار الحاضرين تتجه نحوهم مع ارتفاع حدة الأصوات وتوتر الأجواء في المكان.
أما هي، فظلت واقفة دون أن ترف لها عين أو يتغير تعبير وجهها
وعندما بدا أن الشجار قد وصل إلى نقطة اللاعودة، رفعت الموظفة يدها ببطء نحو فمها.
عضت طرف إصبعها بقوة.
وسقطت قطرة دم واحدة على الأرض.
في تلك اللحظة، تجمد الرجلان في مكانهما.
أما إيثان، فضاقت عيناه وهو يراقب المشهد.
بدأت قطرة الدم بالارتفاع، ثم التوت في الهواء أمامها. وفي اللحظة التالية، تمددت بسرعة خاطفة، قبل أن تتشكل على هيئة منجل أحمر داكن، ذي نصل يلمع بخطورة قاتلة.
وفي رمشة عين…
استقر المنجل عند عنقي الرجلين.
خيم صمت مرعب على الممر بأكمله.
تلاشت الأصوات، وتبخرت جميع الاحتجاجات.
نظرت الموظفة إليهما بعينين باردتين كجليد الشتاء، وقالت بصوت هادئ يقطر تهديدًا
"إما أن تصمتا…"
ثم تقدمت خطوة واحدة فقط.
"…أو أفصل رأسيكما عن جسديكما الآن."
ابتلع الرجلان ريقهما بصعوبة
رفع أحدهما يديه ببطء مستسلمًا
"حسنًا… حسنًا…"
بينما أومأ الآخر برأسه بسرعة، دون أن يجرؤ على إخراج حرف واحد.
بهدوء مخيف، سحبت الموظفة المنجل من أمامهما. وفي اللحظة التالية، تفكك السلاح وعاد إلى قطرات دم صغيرة، قبل أن تتلاشى وتختفي داخل كفها.
استدارت وعادت إلى مكتبها ثم جلست…
وكأن شيئًا لم يكن.
أما إيثان فظل يراقبها للحظة.
كانت تلك القدرة مألوفةً بالنسبة له…
مألوفةً إلى حدٍ مزعج.
قدرة تتيح التحكم بالدم، وتشكيله بأمر صاحبها إلى أسلحةٍ فتاكة.
وفي تلك اللحظة، انقبض صدره بألمٍ مفاجئ.
تدفقت الذكريات إلى ذهنه، وتجسد أمام عينيه وجه شخصٍ آخر…
إيرن.
تنهد إيثان، ثم اتجه نحو الموظفة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
"مرحبًا."
رفعت الموظفة عينيها إليه، ثم حيته بهدوء.
"مرحبًا. ماذا تريد؟"
"أريد ملفات وخرائط عن المدينة."
نظرت إليه للحظة، ثم قالت
"التكلفة خمس عشرة عملة ذهبية."
توقف إيثان.
"خمسة عشر؟"
"هذه هي التكلفة."
"هذا غالٍ."
"تلك هي التكلفة، سواء أردتها أم لا."
نظر إليها إيثان للحظات.
ثم ابتسم.
"لا أريدها."
استدار وغادر المبنى.
وبينما كان يسير في الشارع، تمتم بهدوء
"لماذا أدفع خمسة عشر عملة ذهبية…"
ثم أضاف بعد لحظة
"وأنا أملك مصدر معلومات مجانيًا، وأكبر من هذا المكان؟"
توقف قليلًا.
ثم رفع عينيه نحو السماء.
"كايل."
تنهد.
"على الأقل، لا أحتاج إلى دفع المال له."
صمت لحظة.
ثم أضاف
"فقط أحتاج إلى تحمل انفجار آخر."
تابع إيثان سيره عائدًا إلى المنزل.
لم يكن بعيدًا جدًا عن المبنى، لكن شوارع نوفاريس كانت كافية لجعل الطريق يبدو أطول مما ينبغي.
أبراج معدنية شاهقة تحجب جزءًا من السماء، ومركبات صغيرة تتحرك فوق مسارات مضيئة معلقة في الهواء، بينما كانت الشاشات المنتشرة على واجهات المباني تعرض إعلانات متحركة لا تتوقف.
نظر إيثان إليها للحظة.
ثم أدار وجهه.
عندما وصل إلى المبنى، فتح الباب وصعد الدرج.
وقبل أن يصل إلى الطابق الأخير…
سمع صوت انفجار.
[دوي هائل!]
اهتزت النوافذ.
توقف إيثان في مكانه.
ثم رفع رأسه ببطء نحو السقف.
تنهد، ثم تابع صعوده.
عندما فتح باب الشقة، استقبله دخان كثيف.
توقف إيثان عند المدخل.
كان كايل يقف في منتصف المختبر، وشعره منكوش، ونظارته مائلة فوق وجهه، بينما كان يمسك بجهاز صغير يخرج منه دخان أسود.
نظر كايل إليه.
ثم ابتسم.
"إيثان!"
نظر إيثان إلى الغرفة.
ثم إلى كايل.
ثم إلى الجهاز.
"ماذا فجرت هذه المرة؟"
"لم أفجر أي شيء!"
رفع إيثان رأسه ونظر إلى السقف، حيث كانت قطعة من الجبس تتهاوى ببطء، قبل أن يعود بنظره إلى كايل.
"إذن… السقف قرر الانتحار فجأة؟"
"كانت تجربة ناجحة على أي حال."
"ولكنك قلت للتو إنك لم تفجر شيئًا٠"
توقف كايل لحظة.
ثم أشار إلى الجهاز في يده.
"حسنًا… ربما حدث انفجار صغير جداً."
"المبنى بأكمله كان يهتز"
"إذن… كان انفجاراً متوسط الحجم."
ظل إيثان يحدق فيه… ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.
"أحتاج إلى معلومات عن المدينة."
رفع كايل حاجبه وقال
"معلومة؟"
"خرائط، المناطق، الأحياء، المنظمات… أي شيء قد يكون مفيداً."
ارتسمت ابتسامة على شفتي كايل وقال
"ولماذا؟"
"لأنني أريد أن أعرف أين أنا بالتحديد."
"أنت في منزلي."
رمقه إيثان بنظرة ثاقبة وقال
"كنت أقصد المدينة."
"آه… فهمت."
فكر كايل قليلًا، ثم وضع الجهاز على الطاولة وقال
"أستطيع مساعدتك."
"مجانًا؟"
حدق كايل فيه
"أنت تعمل لدي."
"أنا مجرد شخص يرتب مختبرك."
"وهذا يُعد عملًا."
"وأنت تدفع لي مقابل ذلك بالسكن."
"إذن أنت تعمل لدي وهذا يعني أنه ليس مجانًا من الأساس."
فكر كايل للحظة…
ثم أشار إلى كومة ضخمة من الأوراق والخرائط الملقاة فوق أحد الصناديق.
"هناك."
اتجه إيثان نحوها.
"ما هذه؟"
"خرائط."
"أعرف أنها خرائط."
"إذن لماذا سألت؟"
نظر إليه إيثان.
ثم بدأ يفرغ الصندوق.
كانت هناك خرائط للمدينة، مخططات لأنفاق قديمة، سجلات لمناطق صناعية، وأوراق مليئة برسومات غريبة لمخلوقات وأجهزة.
رفع إيثان إحدى الأوراق.
"ما هذا؟"
"خريطة للأنفاق القديمة."
"ولماذا توجد داخل صندوقك؟"
"لأنني وجدتها."
"أين؟"
"في الأنفاق."
توقف إيثان.
ثم نظر إليه ببطء.
"دخلت الأنفاق؟"
"نعم."
"لماذا؟"
ابتسم كايل.
"كنت أبحث عن معدن نادر."
"هل وجدته؟"
"لا."
"إذن لماذا عدت؟"
تغيرت ابتسامة كايل قليلًا.
"لأن شيئًا حاول أكلي."
توقف إيثان عن تقليب الأوراق، ثم رفع رأسه ونظر إليه بذهول
"شيءٌ… حاول أكلك؟"
"نعم."
"وخرجت؟"
"كما ترى."
انحنى كايل فوق الصندوق الغارق في الفوضى، ثم أخرج منه خريطة ورقية كبيرة وهو يقول
"هذه هي… نوفاريس القديمة."
نشرها بعناية فوق الطاولة، فاقترب إيثان ليلقي عليها نظرة عن قرب.
كانت الخريطة مختلفة كليًا عن تلك التي رآها في مركز الخدمات؛ لم تكن تقتصر على الأحياء الحالية فحسب، بل كانت تمتد إلى ما هو أعمق… تحت المدينة بأكملها.
كانت هناك شبكة ضخمة ومعقدة من الخطوط والأنفاق والدوائر الغريبة؛ امتدت أسفل المناطق السكنية، وتحت المنطقة التجارية، وحتى أسفل مقر الحراس بحد ذاته.
بل إن بعض تلك الأنفاق كان يمتد لينتهي عند مناطق غامضة لم تعد موجودة على أي خريطة حديثة.
حدق إيثان فيها بذهول.
"ما هذه؟"
"المدينة القديمة."
"تحت نوفاريس؟"
أومأ كايل برأسه بخفة وقال
"نوفاريس لم تُبنَ من الصفر."
ثم أشار بأصبعه إلى تلك الخطوط المتشابكة متابعًا
"لقد بُنيت فوق ركام مدينة أقدم بكثير."
اقترب إيثان أكثر فلاحظ وجود عدة مناطق مظللة باللون الأسود الداكن.
رفع إصبعه وأشار إلى أحدها متسائلًا
"وهذه المناطق؟"
تغيرت ملامح كايل فجأة، وغاب عنها عبثه المعتاد.
"لا أعرف."
"أنت قلت إنك تعرف المدينة."
"قلتُ إنني أستطيع مساعدتك… هذا ليس الشيء نفسه."
ظل إيثان ينظر إلى تلك المناطق السوداء الغامضة، وقبل أن يرفع عينيه، لاحظ شيئًا آخر في أسفل الخريطة…
لاحظ رمزاً صغيراً ومحيراً، مرسوماً بحبرٍ أسود داكن يختلف عن بقية خطوط الخريطة الباهتة، وكأنه أُضيف لاحقاً بيدٍ حذرة. كان عبارة عن نابٍ مائلٍ بحدة، يبدو كأنه مشتق من فك مفترسٍ غير بشري حوافه مدببة وفي منتصفه أخدود رفيع ينتهي بقطرة حبرٍ متخثرة.
والأكثر ريبة أن الناب كان محاطاً بدائرةٍ ثمانية الأضلاع بخطوط مكسورة، تُشبه منطقة محظورة كُتب عليها الفناء وتحته كُتبتَ أحرف بلغةٍ قديمة ومحشورة بضيق، تعطي انطباعاً بأن كل من يمر بهذا الموقع… يُصبح فريسة..
توقفت عينا إيثان عند الرمز.
كان مألوفًا.
لقد رآه من قبل…
في كتاب فاليريون.
لكنه لم يعرف شيئًا عنه.
كان الشرح المتعلق بالرمز موجودًا في النصف الآخر من الكتاب، ذلك الجزء الذي لم يتمكن من قراءته بعد.
ظل إيثان يحدق في الرمز بصمت، دون أن ينطق بكلمة، لكن كايل لاحظ التغير المفاجئ في تعابير وجهه.
"ما الأمر؟"
رفع إيثان رأسه ونظر إليه
"هل تعرف هذا الرمز؟"
نظر كايل إلى الخريطة، ثم صوب عينيه نحو الرمز المحفور في أسفلها… وفي لحظة، اختفت ابتسامته كليًا.
"هل رأيت هذا الرمز من قبل؟"
لم يجبة إيثان، بل اكتفى بالنظر إليه قبل أن يسأله
"هل تعرفه؟"
بقي كايل صامتًا لثوانٍ يتبادل فيها النظرات مع إيثان، ثم قال أخيراً بصوت خافت
"نعم… أعرفه."
ساد صمت ثقيل في أرجاء المختبر، ولم يعد يُسمع سوى أزيز الأجهزة الميكانيكية وطنينها المنتظم.
ثم كسر كايل هذا الصمت قائلاً بصوت خافت
"لكنني… لم أكن أعلم أن هذا الرمز له علاقة بـ ناب الظل."
تجمد إيثان في مكانه، واتسعت حدقتاه بذهول
"ماذا قلت؟"
رفع كايل عينيه ونظر إليه
"ناب الظل."
تقدم إيثان خطوة نحو الطاولة
"أنت تعرف هذه المنظمة؟"
"أعرف الاسم فقط."
"ومن أين تعرفه؟"
نظر كايل إلى الخريطة.
"لأنني رأيت هذا الرمز في مكان ما."
"أين؟"
رفع كايل إصبعه وأشار إلى إحدى المناطق السوداء.
"هناك."
نظر إيثان إلى المكان.
"في الأنفاق؟"
أومأ كايل.
"منذ عدة أشهر، دخلت إلى أحد الأنفاق القديمة."
ثم ابتلع ريقه.
"وكان هناك باب."
"باب؟"
"باب معدني أسود."
صمت لحظة.
"وعليه هذا الرمز."
حدق إيثان في الخريطة.
ثم قال
"هل فتحته؟"
"حاولت."
"وماذا حدث؟"
"انفتح الباب من تلقاء نفسه."
تصلب جسد إيثان بالكامل، وسقطت ملامحه في ذهول تام وهو ينظر إلى كايل.
"هذا… غير ممكن."
"لكن…"
"ماذا؟"
أشار كايل إلى الخريطة.
"لم يكن انفتاح الباب هو الشيء الغريب."
"ما الغريب إذًا؟"
نظر كايل إليه.
"كان هناك شيء خلف الباب."
توقف إيثان.
"شيء؟"
أومأ كايل.
"سمعت صوتًا."
"ماذا قال؟"
خفض كايل صوته.
"قال…"
توقف لحظة.
ثم قال.
"مستخدم الزمن."
لم يتحرك إيثان.
ولم يتغير تعبير وجهه.
لكن أصابعه انغلقت ببطء.
في مكان ما تحت مدينة نوفاريس…
كان هناك شيء يعرف بوجوده.
شيء تحدث عنه قبل وصولة إلى المدينة.
قبل أن يعرف أحد هنا…
أنه مستخدم الزمن.
تذكر إيثان كلام الرجل.
«الزمن يترك ندوبًا.»
لكن ماذا كان يقصد؟
نظر إيثان إلى الخريطة بصمت.
ثم رفع يده وضغط على كتفه، فوق المكان الذي يخفيه كم ملابسه.
تحت القماش، كان وشم الساعة موجودًا.
فمنذ ظهوره في نوفاريس، بدأت آثار قدرته تلاحقه.
ثم انتقلت عيناه إلى الرمز.
ناب الظل.
إذا كان ذلك الشيء مرتبطًا بالمنظمة…
فالسؤال لم يعد
هل كانوا يبحثون عن مستخدم الزمن؟
بل
هل كانوا يعرفون أنه سيأتي؟