الفصل 29: احتضان البرد
كان الماء ساكنا. كان أزيف يجدف ببطء، ناظرا يمينا ويسارا وإلى الأسفل، يتأمل الظل الكبير، ثم ابتلع ريقه بصعوبة وشحذ عزيمته.
كانت صوفيا تجهز سهامها، ناظرة يمينا ويسارا وإلى الأسفل، فابتلعت ريقها ونظرت إلى أزيف، حيث كان اثناهما يشعران بنفس الشيء ويؤديان نفس الفعل.
كانت تستطيع رؤية ظل الوحش الذي قررت هي وأزيف تسميته التمساح الخارق.
ببطء شديد أخذا يجدفان، وعندها بدأ أحد التماسيح الصغيرة يكشف عن وجهه. تموج الماء نحو الخارج بينما برز المزيد والم المزيد من التماسيح.
بدت كتماسيح عادية إلا أن منخريها كانا يقعان في أعلى رؤوسها بدلاً من طرفي خطومهما.
دارت حول طوفهما لكنها لم تهجم، واكتفت بالدوران من الخلف دون أن تحاول حتى تطويق الطوف، وهو أمر غريب.
قال أزيف بينما استمر في التجديف: "صوفيا، الحذر".
لسبب ما، شعر أن الوصول إلى ضفة المدينة يبدو كرحلة شاقة رغم أنها لم تكن بعيدة جدا.
دفعهم التيار نحو الجانب، لكن قوة ذراعي أزيف منعتهما من أن يجرفهما التيار.
ولم يكن التيار قويا أو سريعاً لدرجة لا يستطيع أزيف التعامل معها. وما كان يخشاه أكثر هو التمساح الخارق فيما إذا كان سيهاجمهما فجأة.
كانا الآن في منتصف النهر ولم يفعل التمساح الخارق أي شيء حيالهما، فلم يصدر منه أي حركة، وكأنه لم يكن يعبأ بالطوف الإطلاق.
لكن أزيف لم يستطع تبديد الشعور السيء في قلبه.
أتيحت لأزيف فرصة تعلم التجديف بالكاياك ذات مرة. لقد حصل على دبلوم في إدارة السياحة وكانت إحدى المواد تدور حول المجالات المتعلقة بالبيئة البحرية.
لقد تعلم الغوص والسباحة والتجديف والإنقاذ الآمن وغيرها الكثير.
وبينما لم يكن يستطيع الادعاء بأنه الأفضل في التجديف، إلا أنه امتلك على الأقل أساسيات جيدة حول كيفية توجيه الطوف.
وعلى الرغم من أنه استخدم قوارب الكاياك في دراسته، إلا أن المبادئ لم تكن مختلفة كثيرا، وبالنظر إلى القوة التي يمتلكها الآن، فإن السرعة التي استخدمها أزيف لقطع النهر لا يمكن وصفها إلا وكأنه كان يركب قاربا بخاريا.
قالت صوفيا بصوت يكاد يكون صراخا: "أزيف، هناك حركة!".
كانت صوفيا تفقد المحيط بينما كان أزيف يجدف عندما أدركت أن التماسيح في النهر غطست فجأة إلى الأسفل، وأن الظل من تحتها أصبح أكبر فجأة وبدأ بالظهور.
استطاع أزيف الذي كان يجدف أن يرى أيضا أن الظل كان يقترب منهما من الأسفل.
"تبا، تبا، تبا!". نظر إلى صوفيا. ثم نظر إلى التمساح الخارق الذي كان يقترب بسرعة واتخذ خياره.
قال لصوفيا: "حاولي النجاة".
"سأراك على الجانب الآخر".
قالت صوفيا: "هذا وعد"، وكأنهما اتفقا مسبقا، قفزا إلى الأعلى تماما وكأنهما كانا يطيران.
ثم حدث انفجار من تحت النهر يشبه إلقاء قمبلة في النهر، وظهر تمساح عملاق من الانفجار المائي محاولا أكل أزيف وصوفيا، إذ كان فكاه العملاقان يحاولان ابتلاع البشريين.
قفزت صوفيا إلى اليمين لتتجنب التعرض للأكل ثم غطست داخل النهر بصوت ارتطام خافت.
في اللحظة التي غطست فيها سبحت تحت الماء... وجهتها؟
عبر الضفة.
لم تلتفت إلى الوراء ولم تكن قلقة بشأن أزيف. كان أزيف أقوى منها ومن المؤكد أنه سيصل إلى الضفة أسرع منها، لذا استخدمت يديها لمواصلة السباحة للأمام دون أن تلتفت إلى الوراء.
راحت بعض التماسيح الصغيرة تطاردها من الخلف. لم تستطع استخدام سهامها تحت الماء. ولم تستطع التوقف أيضا.
لم يكن في عقليها وعينيها سوى الضفة.
أما أزيف، من ناحية أخرى، فقد قرر فعل شيء... غبي.
اعتقدت صوفيا أن أزيف سيقوم بما فعلته هو أيضا، وهو تجنب التمساح، لكن أزيف اعلم أن شخصا ما يجب عليه إيقاف التمساح، وبين الاثنين، كان هو الوحيد القادر على فعل ذلك.
لم يكن بطلا مضحيا بنفسه... لكنه علم أنه الوحيد القادر على فعل هذا.
على الأقل، كان الوحيد القادر على فعل ذلك بينهما.
سيعمل على إيقاف التمساح، وعندما قفز بدلا من الغطس داخل النهر، هبط خلف جسد التمساح الخارق الضخم.
صُدم أزيف وانبهر بالخصائص الجسدية للتمساح الخارق.
كان يمتلك جسدا طويلا وأطرافاً مفرودة وخطوما ضيقة ومسطحة مرصعة بالأسنان ذات فكين قويين، كما امتلك حجما هائلاً.
بلغ طوله حوالي أربعين قدما من الرأس إلى الذيل ووزنه في حدود عشرة أطنان.
الطريقة الوحيدة لوصفه هي أنه مرعب ووحشي.
هابطا على ظهر التمساح، حاول أزيف الحفاظ على هدوئه. كان توازنه لا تشوبه شائبة. ومع ارتقائه في المستوى، وجد حقا أن كل حواسه وقدراته قد تعززت.
وفي حين أن مجرد فكرة الحفاظ على الهدوء أثناء قتال تمساح يبلغ طوله أربعين قدما وعشرة أطنان قد تبدو سخيفة، بل ومثيرة للضحك، فإن القيام بذلك قد يكون الشيء الوحيد الذي ينقذ حياته.
تمتم أزيف بينما قبض يده، وأمد نصله، وراح يجري على ظهر التماسيح: "إنه مجرد خبرة. مخلوق شبيه بالزعماء. لابد أن له نقطة ضعف".
إذا كان بإمكان أي شخص رؤيته الآن، لبدا وكأن نملة تجري على ذراع بشري. تماما مثل كراتوس وهو يقاتل غايا.
ثم ارتطم التمساح بمياه النهر وأحدث ارتطام ضخم آخر هز النهر، وترددت أصداء التموجات في كل مكان.
تفرقت التماسيح الأخرى من المنطقة تاركة أزيف وصوفيا... والتمساح الخارق.
ثم تذكر أزيف شيئا حول قتاله الأخير ضد الوحش.
على الرغم من أن الوحش الذي تقاتل معه يمتلك قوة أعظم منه، إلا أنه كان مزودا بنقطة ضعف أيضا.
كان أزيف يستهدف نقطة الضعف هذه. نظر التمساح يمينا ويسارا دون أن يدرك بعد أن البشري الذي يطارده موجود خلف ظهره.
استطاع أزيف أن يرى أن صوفيا قد بدأت بالظهور على سطح الماء لتلتقط بعض أنفاسها بينما كانت تسبح بقوة نحو الضفة، دون أن تلتفت إلى الوراء، ويتبعها عشرات التماسيح من الخلف.
لم تتقدم التماسيح نحو التمساح الخارق ربما لأن التمساح الخارق يأكل التماسيح أيضا.
عندما قفز أزيف إلى الأعلى من قبل، استطاع أن يرى أن التمساح الخارق يأكل التماسيح الصغيرة.
عندما قال أزيف صغيرة، فهذا لا يعني أن التمساح كان صغيرا، بل كان صغيرا مقارنة بالتمساح الخارق.
صوفيا التي كانت تسبح الآن، لم تكن تعتقد بالطبع أن أزيف كان على ظهر التمساح الآن وأنه كان يخاطر بحياته من أجل حياتها.
لم يكن التمساح الخارق عائدا إلى النهر. ولو فعل ذلك لتمكن أزيف حينها من القفز والانضمام إلى صوفيا في السباحة بعيدا.
قد لا يكون يجيد السباحة لكنه كان سيتدبر أممره.
ولكن حتى لو تبعها من الخلف، عرف أزيف كيف يمكنهما التفوق على التمساح في الماء.
يحتاج شخص ما للبقاء. يحتاج شخص ما للعرقلة. وهو قائد المجموعة. هناك سبب يجعل القادة يتمتعون بامتياز إصدار الأوامر لمن هم تحتهم.
لماذا؟ لأنه عندما تسوء الأمور، تكون مهمة القائد هي تنظيفها. يتحمل القائد العمل الشاق والعمل المخيف وبالتالي يتمتع بامتياز إصدار الأوامر للتابع بالعمل.
على الأقل، هكذا كان الأمر بالنسبة لأزيف.
حدد التمساح الخارق هدفه وبواسطة قدميه الكبيرتين انطلق إلى الأمام. وكان هدفه صوفيا. في الوقت الحالي، لم يدرك بعد أن أزيف كان على ظهره.
قال أزيف في نفسه: "ليس جيدا".
كان التمساح يطارد صوفيا الآن وبسرعته، يمكنه الوصول إليها في غضون ثوان معدودة.
جرى أزيف بأسرع ما يمكن كالريح، والمياه تتناثر حول ردائه الأسود وصوت الريح يدو في أذنيه بينما قرر مهاجمة التمساح.
تذكر أمرا واحدا حول قتال التمساح. وبما أنه تذكر إحدى نقاط ضعف التمساح، فقد فَعَّل هالة الخوف وقفز في الهواء.
في اللحظة التي فَعَّل فيها هالة الخوف، أدرك التمساح بسرعة أن شخصا ما يقف خلفه.
لكن التمساح لم يلتفت، وأما أزيف الذي كان في الهواء، فقد طعن إلى الأسفل كبرق يضرب الأرض، مهاجما عيني التمساح بدقة متناهية.
التفت في منتصف الهواء، مؤديا إحدى الحركات التي شاهدها مرة على التلفاز.
عندما ضرب، فَعَّل الرياح القاطعة، مما جعلها ضررا مزدوجا. واحدة من شريحة الرياح والأخرى من قوته الغاشمة.
وفي حين كانت حراشف التمساح صلبة، إلا أن هناك أماكن كان التمساح فيها معرضا للخطر بشدة، واعتقد أزيف أن نقطة ضعفه تكمن في هذه الأماكن.
تم تحقيق الضرر المزدوج
كانت العيون تنزف بينما هبط أزيف على طرف فم التمساح. أطلق التمساح شيئا يشبه الصرخات من فمه، معبرا عن ألمه.
لم يتأخر أزيف في هجومه التالي. لم يكن لديه وقت للتوقف. كان بحاجة لاستفادة من الفرصة التي امتلكها لهزيمة التمساح.
وبما أن التمساح كان ينزف الآن من عينه اليمنى، كان أزيف يندفع الآن من طرف الفم إلى العين اليسرى، جاريا عبر أنفه وعندما وصل أمام عينه اليسرى، طعن أزيف التمساح مرارا وتكرارا.
ضربة واحدة، ضربتان، ثلاث ضربات، وسرعان ما وصل الأمر إلى عشر ضربات.
بسرعة ذراعه وتواتر طعناته، تحولت عينا التمساح اليسرى إلى كتلة لزجة بينما زأر التمساح ألما.
أُجبر أزيف على القفز إلى الوراء، بينما راح التمساح يتدحرج في الماء.
وعندما تدحرج التمساح مرة أخرى إلى وضعه الأصلي، هبط أزيف مجددا على ظهر التمساح.
كان القيام بذلك ممكنا لأنه قفز عاليا جدا واستغرق الأمر حوالي عشرين ثانية ليهبط بينما تدحرج التمساح لمدة خمس ثوان فقط ووصل إلى وضعه الأصلي في خمس ثوان أخرى، مما أعطاه تقديرا لمدى الارتفاع الذي يحتاجه للقفز والمدى الذي يمكنه قفزه للوصول إلى أفضل مسافة ووقت ممكنين للهبوط بدقة على ظهر التمساح الخارق.
الآن لم يعد التمساح مهتما بمطاردة صوفيا بل بدأ بالتركيز على قتل هذا البشري الذي يجري خلف ظهره.
يقال إن عين الإعصار هي المكان الأثبت أمنا.
الآن، عرف أزيف أن هذا صحيح.
كان يقف على ظهر التمساح لكن التمساح لم يستطع فعل أي شيء له سوى التدحرج لعدة مرات في الماء.
في كل مرة شعر فيها أزيف أن التمساح سيتبدحرج، كان أزيف يقفز إلى الأعلى قبل الهبوط مرة أخرى.
لو امتلك مهارات الإطفاء فحسب، لاستخدام هذا النوع من التكتيك للعبث مع التمساح.
كان من حسن الحظ أيضا أن التمساح كان غبيا. لو أنه التفت لفترة أطول قليلا أو غطس مباشرة داخل النهر، كيف كان لأزيف أن يهبط على ظهره؟
كان سيغرق بالتأكيد. ولكن ما لم يكن أزيف يعلمه هو أن الوحش لم يكن وحشا عاديا، بل كان وحشا عميقا.
حتى لو كان هناك عشرة رجال في مستوى أزيف، لما استطاعوا هزيمة التمساح.
كانت هذه مهمة انتحارية. حتى لو أصاب أزيف عيني التمساح بالعمى، فكيف لأزيف أن يهزيمة مثل هؤلاء الوحوش؟
لهذا السبب لم يتدحرج التمساح الخارق لفترة طويلة جدا أو يغطس مباشرة في النهر لأنه استخف بأزيف.
ثم فجأة تدحرج التمساح مرة أخرى بقوة، وأحدث تأثير تدحرج جسده العملاق حول النهر دوامة في الماء وتناثر المياه لارتفاع عشرة أمتار حول المنطقة، بينما تشتت في نفس الوقت العديد من التماسيح الأخرى في النهر، وأوقع هذا أزيف في المفاجأة هذه المرة.
تبلل أزيف بالمياه واعترض الماء المتناثر رؤيته.
لا يزال الدم ينزف من عينيه ولم يكن يستخدم سوى حاسة الشم واللمس لمحاولة التخلص من أزيف عن ظهره.
تخلص التمساح من أزيف وفي الهواء ضربه ذيل التمساح وكأنه أصطدم بشاحنة، فسعل دما وتمزقت بشرته حول منطقة معدته.
قذف أزيف بعيدا جدا عندما التفت التمساح في اتجاهه، ناظرا إليه ومندفعا إلى الأمام، فاتحا فمه وكان على وشك ابتلاعه بالكامل.
لكن في هذا المنعطف ناور نفسه وباستخدام قدميه ركل إحدى أسنان التمساح الخارق فانطلق أبعد بعيدا لكنه لم يكن بعيدا بما يكفي بعد عن نطاق هجوم التمساح.
كانت يد أزيف في نطاق فم التمساح ولم يفوت التمساح هذه الفرصة.
بعضة واحدة، صرخ أزيف الذي كان في منتصف الهواء ألما، وغرق صراخه وسط تناثر المياه.
أما صوفيا فلم تستطيع رؤية ما كان يحدث خلفها لأنها كانت تحاول الفرار من التماسيح بجنون.
كل ما استطاعت سماعه هو تناثر المياه العارم والشعر بوجود صراع يدور خلفها.
نظر أزيف إلى يده اليسرى. عُضت يده اليسرى وعلقت في الفراغ بين أسنان التمساح لكن الأسنان اخترقت إصبعه الصغير وسُحق إصبعه الصغير بالفعل، ولم يبق منه سوى لحم ممزق.
كان التمساح يحاول الآن سحب أزيف إلى الأسفل.
وبالنظر إلى وزنه، كان سحب أزيف إلى الأسفل أمرا سهلا. وعلى الرغم من أن يد أزيف كانت بقوة الصلب إلا أنها عُضت بسهولة من قبل التمساح.
علم أزيف أنه إذا سحبه التمساح إلى الأسفل، فقد انتهى أمره.
لذا، اتخذ قرارا بسرعة.
شتم قائلا: "تبا!"، بينما شد جسده لما هو قادم. ضغط على أسنانه ولوح بنصله نحو يده اليسرى قاطعا يده بنفسه.
واندفع الدم من يده المبتورة. تدفق بغزارة. لم يتدفق الدم بتدفق مستمر، بل بالتزامن مع نبضات قلبه.
وأما الألم؟ أه، الألم! أراد أن يغيب عن الوعي لكنه لم يستطع. حاول إيقافه لكنه لم يقدر.
لذا، جز على أسنانه، متحملا الألم، ومحاولا الحفاظ على وعيه. كان التمساح أعمى في كلتا عينيه.
أنقذته الحظ والظروف مرة أخرى. لو قذف أزيف أعمق بقليل داخل نطاق هجوم التمساح، بدلاً من أن يفقد ذراعه لكان ابتلع داخل معدة التمساح.
ولو لم يركل أسنان التمساح ويستخدمها كدفع، لانتهى به المطاف كوجبة للتمساح.
عندما اندفع التمساح نحوه من قبل، استطاع أن يرى أمعاء التمساح الكبيرة وبداخلها، كانت مليئة بالزومبي في سائل لزج، وبعضها كان يتحلل في معدته.
ربما هذا هو السبب في أن أزيف لم يستطع رؤية أي زومبي منذ مجيئه إلى الجسر. ربما أكل هذا التمساح الخارق كل منهم.
ثم سقط أزيف إلى النهر ولكن في اللحظة التي لامست فيها قدماه الماء، دفع نفسه إلى أعلى مستخدما كل قوته على قدميه وثار انفجار مائي بينما قفز مرة أخرى على ظهر التمساح.
وقف هناك، غارقا في الدماء ومنهكا.
تقطر الدماء على ظهر التمساح. كان الدم يغادر جسده، وأصبح ذراعه اليسرى باهتا، وبدأت نبضات قلبه تدق ببطء وضعف.
كانت معدته مليئة باللحم المتمزق وجعله الماء يرتجف ألما، لكنه أجبر نفسه على البقاء مستقرا وواعيا.
كما غادرت القوة جسده نظرا لوجود بعض الحلقات التي تعزز القوة في يده اليسرى.
الآن أصبحت يده اليسرى في النهر العميقة.
على الأقل كانت حلقات تخزينه في يده اليمنى لذا استحضر بسرعة جرعة صحية وبيد واحدة تجرعها.
توقف النزيف ببطء حول مناطق معدته لكن اليد المفقودة لم تعاود التشكل.
باستخدام يده اليمنى، أمسك الجذع ومن الضمادة التي حصل عليها من حلقات التخزين أحكم ربطها بسرعة وكأنه محترف.
بين الحين والآخر كان التمساح يتدحرج لكنه لم يغطس للداخل.
ثم شعر أزيف بأن حشدا كبيرا من الوحوش قادم إلى هنا. أراد أن يشتم. تساءل: "ماذا الآن؟".
ولكن بعد ذلك فتح عينيه واستطاع أن يرى.
كانت التماسيح الصغيرة المنسحبة من قبل قادمة مرة أخرى لكنها لم تطارد صوفيا التي كانت تقترب من الضفاف بل كانت تتجه نحو التمساح الكبير.
انضم المزيد والم المزيد إلى هذا الحشد من التماسيح، مسبحة لتهاجم التمساح الخارق.
أيمكن أن يكون ذلك صحيحا؟
استطاع أزيف أن يرى بصيص أمل. ولكن حتى مع رؤيته له، لم يغير ذلك وضعه الحالي. كان يشعر بألم لا يوصَف.
أدرك للتو أن إحدى أسنان التمساح الخارق تمكنت من إصابته وكان الدم ينزف بغزارة من ذراعه اليسرى أيضا.
بغض النظر عن الضغط الذي طبقه، كان الدم لا يزال يتدفق بين أصابعه وينشح.
انتشر الدم على ردائه الداكن مما جعله يبدو أداكن وأكثر سوادا وهالة سوداء لفت أزيف، مما جعل قدميه تشعران بخفة أكبر.
استطاع أن يشعر بالحياة وهي تتسرب منه، وجسده يصبح بارداً.
ابتسم وقال: "هه". لم يكن يعلم لماذا ابتسم ولماذا، لكنه ابتسم على أي حال، وكان عقله فارغا، لكنه ابتسم.
أكان ذلك لأنه لا أمل؟ أم لأنه لم يكن هناك شيء آخر يفعله؟ كان عقله فارغا الآن.
إن لم يكن هذا التمساح، فسيقبض عليه الحشد الكبير. وإذ أدرك ذلك، شعر بالإرهاق، وشعر بالتعب. لكنه قرر أمرا أخيرا.
كان بحاجة لترك هدية لهذا التمساح الذي كلفه أطرافه.
وعندما اتخذ قراره، جرى إلى الأمام هذه المرة، وكانت كل خطوة أصعب من التي قبلها لكنه لم يستطع التوقف الآن.
ثم قفز وطعن هذه المرة في رأس التمساح وتدفق الدم كالنافورة.
كان رأسه يشبه نافورة دم تجذب المزيد والم المزيد من التماسيح الصغيرة، وعندما استسلم للموت، قفز أزيف من أعلى رأس التمساح.
وبينما كان على وشك السقوط في النهر نظر إلى ذلك الفم الواسع المفتوح للتمساح الخارق، فابتسم وضحك وهو يلقي شيئا نحو فم التمساح الخارق وسقط في النهر.
بسقوط مدو سقط في النهر. تحولت المنطقة المحيطة بسقوطه بسرعة إلى اللون الأحمر مع استمرار تدفق الدم من يديه المتمزقتين وعلامات الجروح.
في الماء، كان رأسه يدق كطبلة، وكل خلية في جسده تصرخ طلبا للأكسجين.
استمر في القتال حتى شعر أن رأسه على وشك الانفجار، وعروقه قد تنفجر الآن، وكان عليه أن يلتقط أنفاسه لكنه لم يمتلك الطاقة.
ففتح فمه محاولا التنفس، واستطاع أن يشعر بالماء يهاجم حلقه وبدأ يسقط.
سقط أكثر فأكثر في الظلام حتى كاد يبتلعه بالكامل. مغمضا عينيه، ترك النهر يأخذه بعيدا.
ابتسم مرة أخرى.
كانت رؤيته الأخيرة تنظر إلى التمساح الخارق وهو يقاتل مئة تمساح، ودماؤه تتدفق بغضب، والتمساح الخارق يتخبط عبثا.
تمتم باكتفاء: "خذ هذا!".
وبينما سمح للظلام بأن يلفه، فكر في طموحه السامي والناس الذين تركهم وراءه، والأصدقاء الذين امتلكهم، متسائلا، هل سيبكون عليه لو علموا أنه مات؟
كان يريد منهم أن يشعروا بالأسف من أجله على الأقل. هل ستحد عليه صوفيا؟ هل ستحد عليه الأميرة؟
وعندما استسلم أخيرًا للبرودة والظلام، أغلق عينيه، وأرخى جسده، فاتحا ذراعيه على مصراعيه، احتضن موته وكلما سقط أعمق.
وعندها، في آخر نفس التقطه... ابتسم برضى.