الفصل 31: ملتهم البركات
السمّ الأسود أحرق يد لورزاك، بينما تصاعدت خيوط رفيعة من الدخان من اللحم المتفحّم.
بحركة بطيئة ومتعمّدة، أعاد شعره إلى الخلف، كاشفًا عن عينين قرمزيتين تشتعلان بنية قتل خالصة.
لهب رمادي خافت اشتعل عند أطراف أصابعه، وبدأت أصابعه المقطوعة تلتحم من جديد واحدة تلو الأخرى. ثبت نظره على خصمه وهو يتحدث بصوت منخفض مليء بالسمّ:
"أتعلم… أنت أول شخص يجعلني أرغب في أخذ قتالٍ على محمل الجد."
ارتسمت ابتسامة ساخرة خفيفة على زاوية شفتيه.
"كنت فقط أحاول الاستمتاع. لا تندم على هذا يا لين."
ثم اشتعلت عيناه القرمزيتان أكثر، كجمرات تتوهج في الظلام. تقدم للأمام، وكل خطوة منه كانت مثقلة بالحقد.
"سأجعلك تشهد بركة أمير عشيرة الغول الأبيض."
رفع يديه وبدأ يرتل باللغة القديمة.
ضوء أبيض مريض ومبهر انفجر من جسده، ملتويًا وفاسدًا، وكأن القداسة نفسها قد تعفنت.
"هذه هي قوة بركتي، فساد الغول الأبيض الأول.
أيها الضوء الفاسد الذي فشل في الصعود، امنحني إشعاعك الملعون،
وحطّم روح غير المستحق!"
ارتجّت الحلبة بينما اندفع الضوء الفاسد للخارج، ملوثًا المانا في الهواء.
التعاويذ ذبلت، والأرض اهتزت بنبضات من التحلل.
ومع صدى الكلمات، انفجر من جسد لورزاك ضوء أبيض ملوث يعمي الأبصار،
وكأن القداسة نفسها قد فسدت في كل مكان.
غمر الضوء الفاسد الحلبة، ولوّن المانا في الأرجاء،
حتى الجليد نفسه التهمه تعفن زاحف.
أغلق لين عينيه بعنف. رؤيته ابتلعها بياض مشوش، وألم لا يُحتمل مزق دماغه.
ضرب رأسه بالأرض بيأس محاولًا الهروب منه.
وعندما حاول فتح عينيه مجددًا، اخترق الضوء شبكيتيه كإبر مشتعلة.
لم يعد قادرًا على الرؤية.
ولم يمنحه لورزاك أي فرصة.
في طرفة عين، كان بجانب لين.
قبضته الرمادية المتوهجة ارتطمت بمعدة لين، مرسلة إياه ينزلق على الأرض كدمية محطمة.
لكن لورزاك لم ينتهِ بعد.
قبل أن يتمكن لين من التنفس، سحقت ركبة أضلاعه.
شيء ما انكسر، ثم جاء الألم.
"بطيء جدًا." همس لورزاك وهو يمسك وجه لين ويضربه بالأرض.
مرة.
مرتين.
وثالثة،
حتى اختلط الدم بالثلج، وأصبحت رؤية لين مجرد ضباب وضجيج.
حاول الزحف مبتعدًا، وأصابعه ترتجف، لكن لورزاك داس على يده وسحقها بالحجر وهو يبتسم بسخرية.
"هل ظننت أن هذا نزال؟" قال بازدراء. "لا أيها العبد الصغير، هذا إعدام."
ثم جاءت ركلة إلى العمود الفقري.
وأخرى إلى الوجه.
ثم رفع لين من عنقه كدمية قماشية، تاركًا ساقيه تتدليان.
"سأمزقك قطعة قطعة."
اشتدت قبضة لورزاك حول عنق لين. ساقا الفتى ارتعشتا في الهواء، عاجزتين، تبحثان عن أرض غير موجودة.
"ظننتك مميزًا." همس لورزاك قرب أذنه. "لكن انظر إليك الآن، ترتجف كجرذ يحتضر."
اندفعت نبضة من الطاقة الرمادية من كفه، تسللت إلى عنق لين، جمدت قنوات المانا لديه وأغلقتها.
شهق لين.
لم يعد يشعر بنواته.
لم يعد قادرًا على استدعاء أي شيء. لا المانا، ولا القوة، ولا حتى غضبه.
ثم…
تركه لورزاك.
انهار لين كجسد فارغ، يسعل ويتقيأ، ووجهه مغطى بالطين والدم.
لكن لورزاك لم ينتهِ.
رفع قدمه وضرب بها،
مرة على عمود لين الفقري،
وأخرى على كتفه،
وثالثة مباشرة على ركبته اليمنى.
صدر صوت مقزز من جسد لين
وهو يصرخ. وذلك كان أقل ما يمكنه فعله في تلك اللحظة.
"موسيقى." قال لورزاك ببرود. "أعدها."
جرّ لين من كاحله أمام الجميع، وساقه المحطمة تسحب خلفه كقطعة لحم عديمة الفائدة. رفع ذراع لين عاليًا، ثم لوىها بالعكس حتى اخترقت العظام الجلد.
"هل شعرت يومًا بأعصابك تتمزق واحدًا تلو الآخر؟" سأل وهو يميل رأسه. "دعني أعلّمك."
بحركة من إصبعه، تشكل خنجر رمادي من الضوء الملعون. أدخله تحت ظفر لين وبدأ يقتلعه ببطء، مستمتعًا بالصراخ.
ارتجف لين، والدموع اختلطت بالدم.
رؤيته اختفت. ماناه مختومة.
أطرافه محطمة.
والأسوأ من ذلك… لا أحد يوقف ما يحدث.
انهار لين على الأرض وهو يسعل الدم، وجسده يرتعش من الألم.
لماذا أنا؟ هل الاستمتاع بتعذيبي ممتع لهذه الدرجة؟ هل الجميع يستمتع بذلك؟ من تلك المرأة القذرة ذات الشعر الذهبي، إلى عائلة فروست، إلى تلك الأفعى القذرة التي عذبتني، إلى جميعكم… لقد اكتفيت.
ضربت يداه المتشققتان الأرض، وصدى الصوت بدا كروح تتحطم تحت جنون حقيقي.
"اللعنة عليكم… اللعنة عليكم… اللعنة على جميعكم… اللعنة عليكم!"
دموع سوداء انهمرت على وجهه، كل قطرة منها جرح منحوت من الحزن والغضب.
كان قلبه فارغًا، وروحه متصدعة.
"سأقتلكم.
كلكم… واحدًا تلو الآخر."
وكان ذلك القشة الأخيرة، لحظة ولادة جنون نشأ في ذلك المكان بالذات.
وقف لورزاك فوقه بخيبة أمل.
"ممل." تمتم متنهدًا.
"ظننت أنك شيء مميز."
وفجأة، خرج صراخ من حنجرة لين.
"غرااااااهههههه!!!!!"
حطم الجليد.
وتردد صداه عبر الحلبة، مشوهًا ووحشيًا، وكأن ألف صوت معذب يصرخ في آن واحد.
تجمد لورزاك.
الجميع تجمد.
بدأ ظلام ساحق يتسرب إلى الهواء.
شهق إلينيوس وشحب وجهه.
"لا… ليس هذا الوحش مجددًا."
بحركة من عنقه وصوت تكسير مقزز،
انفجرت نبضتان شوكيتان من ظهر لورزاك،
زوائد عظمية ملتوية ذات حواف مسننة كالأنياب،
تقطر بطاقة فاسدة نابضة.
اندفعت نحو لين بسرعة ووحشية،
مستعدة لاختراقه وامتصاص ما تبقى من حياته.
لكن قبل أن تصيبهما،
تحرك لين.
ارتفعت يده.
اشتعلت مانا مظلمة من كفه.
لامست النبضتين الشوكيتين،
وفي لحظة، تفككتا.
اختفتا.
أُبيدتا بالكامل.
ساد صمت أثقل من الموت.
وقف لين، وعيناه سوداوان كهاوية لا نهاية لها.
ثم جاء ذلك الصوت.
منخفض، مشوه، وغير بشري.
"اقتل… اقتل… اقتل."
تردد في عقول الجميع، يمزق اتزان كل من يسمعه.
حتى إيسفيرييلا، التنين المتجسد بهيئة بشرية، شعرت بقشعريرة تزحف على عمودها الفقري. شيء ما حذرها من السماح لهذا بالاستمرار، لكن كبرياءها كتنين جعلها تتجاهل الأمر، فالتنانين يرون أنفسهم فوق جميع الكائنات.
وفي غمضة عين،
كان لين هناك دون أي صوت.
مجرد حضور خانق ومفاجئ.
غرائز لورزاك صرخت… لكن بعد فوات الأوان.
لكمة قصيرة يسارية ارتطمت بأضلاعه وجعلته ينحني،
ثم كوع صاعد مزق أسفل ذقنه، دافعًا رأسه للخلف بعنف.
وقبل أن تسقطه الجاذبية، اندفعت ركبة لين إلى بطنه،
ورفعه الاصطدام عن الأرض قبل أن يسحقه للأسفل مجددًا.
دون توقف.
تقدم لين، كعبه يدور.
ركلة دائرية منخفضة حطمت فخذ لورزاك،
تلتها ركلة جانبية وحشية إلى ركبته،
ثم دعسة ساحقة على كاحله، وكان صوت التحطم مسموعًا حتى فوق شهقات الجمهور.
أطبقت يد لين على عنق لورزاك.
تدفقت مانا ماهولية المظلمة عبره، لم تكن مجرد مانا، بل شكلًا من الطاقة الملعونة، ملتويًا وفاسدًا.
بدأ لحم الأمير يتفكك إلى دخان، يُسحب إلى كف لين كرماد يحتضر.
حتى البركة نفسها تم التهامها.
انهار جسد لورزاك إلى العدم.
ومع تفككه، تحولت خصلات من شعر لين الأسود إلى الأبيض،
علامة واضحة على أن لورزاك فقد بركته وأن لين استولى عليها.
وهكذا، سيطرت غريزة التكيف.
أصبح لين وحشًا كاملًا بحق، مدفوعًا فقط بشظية من الوعي.
ومن بين حطام الألم والمعاناة، فتح رعب جديد عينيه.