الفصل 10: ظهور إخوة لوين
بينما كان لين غارقًا داخل متاهة أفكاره، كانت هتافات الجمهور المدوية تهز الحلبة كعاصفة لا نهاية لها. ومع ذلك، شعر وكأنه منفصل تمامًا عن كل شيء.
الضجيج، الفوضى، الحماس العنيف… لم يصل إليه شيء منها.
كان عقله في مكان آخر، يفكر، يحسب، يبحث عن طريق للهروب.
وقبل أن يغرق أكثر في أفكاره، اخترق صوته الهادئ والثابت شروده.
"استعد."
كان إيان واقفًا بجانبه. تعبيره كالمعتاد لا يمكن قراءته، لكن نبرته وحدها كانت كافية لإعادة لين إلى الواقع.
لم يملك لين وقتًا للرد قبل أن تدخل المشرفة وتعلن الترتيب.
"سيرك سيقاتل أولًا، ثم إيان، وبعده لونا، ه لين. أريد منكم جميعًا استعادة كرامتكم وكرامة الفرسان."
وهكذا بدأت مباراة سيرك، أول من سيدخل القتال.
دخل سيرك الحلبة والغضب يشتعل في عينيه. لم يكن يسعى فقط إلى الفوز.
بل أراد إثبات نفسه أمام لونا.
أراد أن يثبت لها أنه أفضل من لين.
ما هذا الهراء؟
ألا يدرك هذا الأحمق أن حياته على المحك الآن؟
هذا السيمب سيموت موتة غبية.
انسوه. ليس مشكلتي.
كل شخص مسؤول عن قراراته.
سواء عاش أو مات لا يعني لي شيئًا.
على أي حال… لنرَ خصمه.
حوّل لين نظره إلى الجهة الأخرى. فتاة دخلت أرض المعركة، وشعرها بلون السماء الزرقاء الساطع.
صرخ الجمهور باسمها.
نوفا.
وقبل أن يتبادلا التحية حتى… بدأت المعركة بالفعل.
اندفع سيرك للأمام فورًا، ولوّح بسيفه بعزم متهور.
لكن نوفا رفعت يدها ببساطة.
ظهر حاجز جليدي ضخم أمامها، وأوقف الضربة بالكامل. وقبل أن يتمكن سيرك من التراجع، دارت دائرة سحرية متوهجة خلفها وأطلقت وابلًا من الأسهم الجليدية كعاصفة مطرية.
تفاداها سيرك بغريزته ثم اندفع مجددًا. اخترق سيفه الدرع الجليدي وشق خدها، تاركًا خطًا أحمر رفيعًا.
لكن بدلًا من التراجع…
انفجرت هالة نوفا بعنف.
"كيف تجرؤ أيها الحشرة القذرة."
بحركة واحدة منها، اندفع مدفع جليدي هائل نحو سيرك وضربه بقوة وحشية.
ترنح محاولًا استعادة توازنه، لكن الأرض تحته تجمدت فورًا.
وفي لحظة واحدة، انفجرت أشواك جليدية من الأرض واخترقت جسده بلا رحمة.
سقط سيرك بعنف، والدم يتدفق فوق الجليد.
ساد الصمت للحظة…
ثم انفجرت الحلبة بالهتافات.
بالنسبة لهم، لم تكن تلك مأساة.
بل ترفيهًا.
"الفائزة هي… نوفا."
تردد صوت الحكم، لكن لين بالكاد سمعه.
كل ما استطاع رؤيته هو المشهد المرعب أمامه.
كان جسد سيرك معلقًا فوق الجليد كدمية محطمة، عدة أشواك تثبته في مكانه. واحدة عبر كتفه، وأخرى في بطنه، وثالثة في فخذه.
غطى الدم الجليد الأبيض ببركة قرمزية مقززة.
كان لا يزال يتنفس… بالكاد.
أما عيناه الغاضبتان فأصبحتا نصف مغلقتين، تحدقان في الفراغ.
لم يعد هناك ألم فيهما.
فقط سقوط بطيء نحو الظلام.
تحركت شفتاه بضعف، يكرر كلمة واحدة.
لونا… لونا…
بينما ارتفعت هتافات الجمهور أكثر، مستمتعين بالمشهد.
شعر لين بضيق في صدره.
ارتجفت يده قليلًا فوق مقبض السيف.
لقد رأى الموت من قبل…
لكن ليس هكذا.
اليوم شاهد الحقيقة الكاملة لهذا العالم الملتوي.
انقطعت أفكاره فجأة.
ارتفع صوت المشرفة بحدة.
"إيان، استعد."
"كن حذرًا يا إيان." قال لين بشعور لم يستطع تفسيره بالكامل. "والأهم… لا تخسر. إذا شعرت أنك ستخسر، انسحب فورًا."
"لا ترمِ حياتك بعيدًا."
ابتسم إيان بينما كان يتجه نحو الحلبة.
لم تكن ابتسامة طبيعية تدل على المودة، بل شيئًا أخطر بكثير.
في تلك اللحظة، كان إيان يبني مخططًا أكبر، يستخدم فيه لين كطُعم وأداة لتحقيق هدفه الحقيقي.
بدأت خطته باستخدام أخته التي أثارت غضب فروستيتا.
وهذا حوّل تركيز المعركة، ومنع سيدة العائلة من ملاحظة تقدمه الحقيقي.
بدلًا من ذلك، تركزت كل الأنظار على لين، الذي جعله إيان بنفسه البطل الرئيسي لهذا الحدث بأكمله.
لكن السؤال الحقيقي الذي بقي مقلقًا هو:
هل الشخص الواقف هناك هو إيان الحقيقي فعلًا؟
أم مجرد نسخة؟
أو ربما شخص يدّعي أنه إيان؟
لكن إذا كان الشخص الذي يدعي أنه إيان الحقيقي موجودًا منذ البداية… فسيكون هذا مخططًا أعظم بكثير.
"لا تقلق يا أخي المستقبلي. لن أخيب ظنك."
رفع لين أحد حاجبيه بينما خفض الآخر.
التفت ليجد وجه لونا قد احمرّ بالكامل.
تمتم لين داخل عقله:
رائع. هذا ممتاز. كدتما تتسببان في قتلي قبل قليل، والآن تتغازلان في لحظة كهذه.
في المقابل، انفجرت هالة فروستيتا كعاصفة ثلجية هائجة.
تجنب لين النظر إليها فورًا.
وركز بدلًا من ذلك على أول مباراة لإيان.
دخل إيان الحلبة بابتسامة هادئة، وكأن القتال ليس أكثر من نزهة مريحة.
وقفت نوفا في الجهة المقابلة، محاطة بالصقيع، وعيناها حادتان وباردتان.
"لن تجدني خصمًا سهلًا." قالت وهي ترفع يدها.
انطلقت عشرات الرماح الجليدية نحوه بسرعة مرعبة.
لكن إيان لم يركض، ولم يرتجف حتى.
بل اكتفى بالمشي، متفاديًا كل مقذوف بسهولة، وكأنه يتنزه وسط النسيم.
"هل هذا كل ما تستطيعين فعله؟"
توقف مبتسمًا بسخرية.
"كنت أتوقع شيئًا أكثر إثارة من ساحرة جليد عجوز."
اشتعل الغضب في عيني نوفا.
ضربت الأرض بكلتا يديها، فتجمدت الساحة بأكملها حول إيان، وارتفعت جدران جليدية لسجنه.
لكن قبل أن يكتمل سحرها، اختفى إيان.
"ماذا؟!" شهقت نوفا، بعدما أدركت متأخرة أنه أصبح خلفها مباشرة.
"أحب رؤيتك غاضبة." همس بسخرية، ثم ضرب رأسها بمقبض سيفه.
اتسعت عيناها…
ثم سقطت فاقدة الوعي.
صمت الجمهور لنبضة واحدة فقط.
ثم انفجر بالهتافات المصدومة.
رفع إيان سيفه، مستعدًا لإنهائها بضربة أخيرة.
"توقف!"
قفزت لونا إلى الحلبة وأمسكت بمعصمه.
تبادلا النظرات للحظة، قبل أن يتراجع إيان بابتسامة واثقة.
"الفائز هو… إيان."
ثم أُعلنت المباراة التالية.
دخل شقيق نوفا إلى الحلبة.
توتر الجمهور، وامتلأ المكان بالترقب.
كايل، الساحر المزدوج للجليد والماء، كان مستعدًا لقتال إيان بغضب اشتعل بسبب إهانة أخته.
"أيها ابن الخائن! ستدفع ثمن ما فعلته!" صرخ كايل وهو يطلق أول تعويذة له.
دار الجليد والماء حوله كعاصفة هائجة.
تجمدت الأرض تحت قدمي إيان، وتكونت الحواجز حوله، بينما دارت دوامات الماء من حوله.
لكن إيان، المعتاد على القتال وسط الفوضى، أدرك فورًا أن هذا مجرد البداية.
"تظن أن الجليد والماء سيوقفانني؟ مثير للشفقة. هل هذا كل ما لديك للدفاع عن أختك؟"
ابتسم بسخرية.
"دعني أريك قتالًا حقيقيًا."
فجأة، أطلق إيان هالة مشتعلة.
اندلعت النيران حوله كجحيم دوّار، مشكّلة سلاحًا ودرعًا في الوقت نفسه.
بدا وكأنه يستخدم كل قوته… لكن هنا كانت الخدعة.
شاهد لين المشهد بعدم تصديق.
"كيف أصبح قويًا بهذا الشكل بهذه السرعة؟" همس مذهولًا من الحرارة الساحقة المحيطة بإيان.
ضغط كايل على أسنانه وشكل جدرانًا جليدية حادة حول النيران.
ثم بدأ بدمج عناصره، مكونًا تعويذة هجينة أقوى بكثير من أي عنصر بمفرده.
توهجت يداه، وارتجف الهواء، بينما التف الصقيع والماء بعنف حول بعضهما.
كانت نيته واضحة.
تعويذة جديدة… وقاتلة.
تقدم إيان، متفاديًا الانفجارات، مقتربًا من كايل.
ثم بدأ كايل ترتيله.
"أيها الصقيع والماء يا أنفاس الشتاء الوليدة تجمعا في يدي كنور بارد انهضا وشكلا ستارًا جليديًا لا رحمة فيه حولي…"
لكن قبل أن يكمل، دوّى أمر غير متوقع.
صرخ لين على إيان أن يرمي سيفه في منتصف التعويذة.
ومن دون تردد، قذف إيان سيفه بكل قوته، مشبعًا إياه بمعظم هالته النارية.
انطلق النصل عبر الهواء كالبرق، ملفوفًا باللهب المشتعل.
واخترق التعويذة المندمجة.
انفجرت التعاويذ بالكامل.
حطم الانفجار الحلبة.
تناثر الماء والثلج في كل مكان، بينما اندفع كلا المقاتلين للخلف بعنف.
موجة صدمة اجتاحت الملعب.
"تعادل."
أعلن الحكم بصوت مرتجف.
وقف إيان وكايل ببطء، مرهقين لكن غير مستسلمين.
أو على الأقل… هذا ما أراد إيان أن يبدو عليه.
"أنت قوي يا كايل." قال إيان بهدوء. "لم أتوقع منك هذا القدر."
"من أجل أختي، سأقاتل بكل ما أملك." رد كايل وهو يلهث. "تذكر ذلك."
حمقى… تمتم لين بانزعاج بينما شعر أن هناك شيئًا غريبًا.
لم يكن سوى إحساس، لكنه شعر أن حركات إيان القتالية ليست طبيعية، وكأنه يتحرك عمدًا لإخفاء أسلوبه الحقيقي.
لكنه لم يملك وقتًا للتفكير أكثر.
لأن الحكم أعلن المباراة التالية.
دخلت لونا إلى الحلبة.
كانت خطواتها مليئة بالثقة، وعيناها حادتين بالعزم.
هالة ذهبية أشرقت من جسدها، نابضة بالضوء وكأنها انعكاس لروحها.
خصمها الأول، ساحر رياح، استدعى أعاصير دوّارة لإبقائها بعيدة.
لكن لونا لم تمنحه أي فرصة.
اشتعلت هالتها بقوة، وتحولت إلى خيوط ذهبية التفّت حول سيفها.
اندفعت بسرعة مستحيلة.
وانقسمت الرياح نصفين أمامها.
تحطم حاجزه.
وسقط بضربة واحدة نظيفة.
خصمها الثاني كان محاربًا ضخمًا بهالة رمادية كثيفة ودفاع شبه مستحيل الاختراق.
تحركت لونا كالبرق.
ضربت مفاصل ساقيه بدقة جراحية.
انهارت ركبتاه.
وضربة مضيئة أخيرة أرسلته خارج الحلبة.
أما خصمها الثالث، إيرينا، فكانت تستخدم سحر الدفاع المائي.
تدفقت هالتها حولها كدرع متحرك.
لكن لونا كانت أسرع من تعويذتها.
توهج سيفها بضوء مركز.
وشقت حاجز الماء وكأنه هواء.
أُرسلت إيرينا طائرة قبل أن تدرك ما حدث.
ثلاثة انتصارات متتالية.
هدر الجمهور، لكن عيني لونا بقيتا مثبتتين على شخص واحد.
فروستيتا.
وقبل المباراة النهائية بلحظات…
جلست سيدة العائلة في الأعلى بعينين هادئتين وثاقبتين.
كان الجميع ينتظر إعلان المقاتل التالي.
تقدمت فروستيتا نحو والدتها.
"سأقاتل في النهائي."
لم يكن طلبًا.
بل إعلانًا عن تملكها وبرودها.
انتشرت هالتها الجليدية، مجمدة الهواء حولها.
حتى المحاربون المخضرمون ارتجفوا.
"لقد تم اختيار المقاتل بالفعل." قالت سيدة العائلة.
"هذا لا يهم." ردت فروستيتا. "إذا كانت هذه الجولة النهائية، فيجب أن أكون أنا فيها. لا أحد غيري يستحق ذلك."
ثم أضافت بصوت حاد وصل إلى كامل الحلبة:
"يجب أن أُري هؤلاء الخونة أنهم لا يلمسون ما يخص فروست."
شعر لين بقشعريرة تسري في جسده.
كانت عيناها تتوهجان بصقيع قاتل، لكن النار الحقيقية كانت داخل قلبها.
هذه لم تكن مجرد مباراة.
بل انتقام.
انفجرت الحلبة بالهتافات.
"فروستيتا! فروستيتا!"
اشتدت هالتها الجليدية مع كل هتاف.
راقبتها سيدة العائلة بصمت طويل، ثم ابتسمت بخفة وسألت:
"هل هذا حب… أم تملك؟"
لم تجب فروستيتا.
لم تكن بحاجة لذلك.
أغلقت سيدة العائلة عينيها لنبضة واحدة، ثم فتحتهما وأعلنت:
"حسنًا يا فروستيتا. المباراة النهائية لكِ."
تضاعفت الهتافات.
واسمها دوّى عبر الحلبة.
استدارت فروستيتا ببطء، مثبتة عينيها على لونا.
النظرة التي منحتها لها لم تكن تحديًا.
بل تحذيرًا.
"يبدو أن الخيانة تجري في عائلتك." قالت فروستيتا ببرود. "أخبريني، هل ورثتها من والدك… أم أنك تطورينها بيديك؟"
انفجرت هالة لونا بالضوء الذهبي، بينما اشتعلت عيناها بالغضب.
"لننهِ هذا، أيتها المرأة الحقيرة."