الفصل الثامن عشر: العجوز الثاني
"لماذا فعلت ذلك؟"
باغتني سؤال العجوز. توقفت في منتصف قضمة طعامي، بينما كان عقلي يتسابق ليفهم مقصده. وحين رأى ارتباكي، أوضح كلامه بصوت رقيق لكنه فاحص.
"لماذا ساعدتني هناك أيها الشاب؟"
بلعت ريقي بصعوبة، وأنا أدرك فجأة ثقل نظراته. بدا السؤال بسيطاً، لكنه تطلب أكثر من إجابة بسيطة. خفضت بصري نحو طعامي، بينما كانت أفكاري تعود بي إلى المشهد السابق، إلى وجوه التنمرين والغضب الذي تصاعد داخلي.
لماذا ساعدته؟
"أنا لا أعلم..." بدأت كلامي، وكان صوتي غير متأكد. "أظنني لم أستطع وحسب أن احتمل رؤيتهم وهم يعاملونك بهذه الطريقة."
استمر العجوز في النظر إلي، وقد امتزجت في عينيه مشاعر الامتنان والفضول. "ولكن لماذا؟ لم تكن مضطراً للتدخل. كان بإمكانك الابتعاد مثل الكثيرين غيرك."
ترددت كلماته في ذهني، لتستدعي ذكريات صراعي الخاص، وسخرية سترود، وعدد مرات لا تحصى شعرت فيها بالعجز. أخذت نفساً عميقاً، محاولاً ترتيب مشاعري.
"ربما... لأنني أعرف شعور ذلك،" اعترفت بصوت يكاد يكون هامساً. "أنا أعرف كيف يكون المرء هدفاً للتنمر، وكيف يُرى ضعيفاً عاجزاً. وكنت أمقت ذلك تماماً في ذلك الوقت."
أومأ العجوز برأسه ببطء وقد خفت حدة تعبيره. "إذن، لقد تصرفت انطلاقاً من التعاطف؟"
فكرت في الأمر لحظة. التعاطف... أكان ذلك هو السبب؟ ربما كان جزءاً منه، لكن كان هناك ما هو أكثر. شعرت بغضب دفين، برغبة في مقاومة كل هذا الظلم.
"أعتقد أنه كان أكثر من مجرد تعاطف،" قلت بصوت ازداد قوة. "لقد كان غضباً أيضاً. غضباً لرؤية شخص آخر يعاني بالطريقة التي عانيت بها. وغضباً من أولئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم أخذ ما يريدون لمجرد أنهم الأقوى."
أصبحت نظرات العجوز أكثر تأملاً. "أنت تذكرني بشخص عرفته في الماضي،" قال بهدوء. "شخص لم يكن يطيق بدوره رؤية الظلم."
رفعت نظري إليه بفضول. "ومن يكون؟"
"قبل زمن طويل، كان لي صديق. كان يشبهك كثيراً؛ شجاعاً، متحمسأ، ولا يتراجع في مواجهة الظلم. لقد وقف بجانب الضعفاء وحارب أولئك الذين استغلوا قوتهم." أصبحت عينا العجوز بعيدتين، غارقتين في الذكريات. "لكن العالم لم يكن رحيماً به. فقد واجه الكثير من المصاعب، ولم يكن طريقه سهلاً."
أصغيت إليه باهتمام، وشعرت برابط غريب يربطني بالقصة. "ماذا حدث له؟"
"لقد أصبح محارباً عظيماً، يحترمه الكثيرون ويهابونه. لكن في النهاية، كلفه حرصه على حماية الآخرين الكثير. صنع أعداء كثر وخسر الكثير في طريقه. وحتى أولئك الذين ظن أنه قريب منهم تبين أنهم غرباء."
أصبح صوت العجوز أكثر رقة، ومشوباً بحزن يعكس ثقل كلماته. "لقد فعل كل شيء لأجل الجميع دون تمييز بين عائلة أو أصدقاء. عامل الناس كل هم سواسية وحاكمهم بالمعايير ذاتها. وربما بسبب ذلك، ابتعد عمن היו الأقرب إليه."
استطعت أن أرى الألم في عيني العجوز، والندتم الذي بدا وكأن كل كلمة ترشح به. وتابع قائلاً: "لقد آمن بالعدل والإنصاف، لكنه غفل أثناء ذلك عن الروابط الفريدة والمسؤوليات التي تصاحب العلاقات المقربة. فحاديته، رغم نبلها، جعلته يبدو بارداً ومنفصلاً عن أولئك الذين اهتموا لأمره.
لقد شعروا وكأنما يضع احتياجات الغرباء فوق احتياجاتهم."
شعرت بغصة تعاطف ولمحة من الخوف. "ماذا حدث له في النهاية؟"
تنهد العجوز بعيق، وكانت نظراته بعيدة. "في النهاية، تم نبذه من قبل أولئك الذين سعى لحمايتهم. لم يستطيعوا فهم خياراته، وبات في أعينهم غريباً. الأشخاص نفسهم الذين ظن أنه يحميهم بدأوا يروْن فيه دخيلاً، شخصاً لا ينتمي إليهم."
عبست، فقد أثارت قصة العجوز خليطاً من المشاعر داخلي. لقد كانت مألوفة على نحو مزعج، إذ كانت تعكس وضعي الحالي المتمثل في نبذي من عائلتي، وعدم وجود من يؤمن بي. وما زال ثقل حكمهم يضغط بقوة على كتفي.
نظر إلي العجوز متأملاً، وضاق طرفا عينيه قليلاً. "تبدو صغيراً،" قال بصوت رقيق لكنه فاحص. "كم عمرك؟"
"أربعة عشر عاماً،" أجبته بهدوء، بينما بدا الكلمة ثقيلة على لساني.
اتسعت عينا العجوز دهشة. "أربعة عشر؟ وما الذي تفعلة هنا، في هذا المكان؟"
ترددت، إذ أعاد السؤال ذكريات محنتي الأخيرة. الاتهام، المحاكمة، العقاب؛ كل ذلك بدا ككابوس لا أستطيع الاستيقاظ منه. جاهدت لأجد الكلمات المناسبة للشرح.
"إن لم ترد الإجابة، فلا بأس بذلك." أجاب العجوز وهو يلوح برأسه. لكنه لم يبرح مكانه.
"..."
وكأنه كان يعلم أنني سأتحدث عاجلاً أم آجلاً. وببطء، بدأت أصيغ الكلمات في رأسي.
"لقد اتُهمتُ... بجريمة لم أرتكبها،" قلت ببطء وبصوت يكاد يكون هامساً. "عائلتي لم تصدقني. وأرسلوني إلى هنا كعقاب، لكي أقاتل في الخطوط الأمامية."
لان تعبير العجوز بتفهم وتعاطف. "إنه لحمل ثقيل على شخص بمثل صغر سنك،" قال بهدوء. "أن يُنبذ المرء من عائلته، وأن يُقذف به في عالم من العنف والموت... إنه لمصير قاسي."
أومأت برأسي بينما كان ثقل كلماته يضغط علي. "لا أعرف لماذا حدث هذا،" اعترفت. "لقد حاولت أن أكون ابناً صالحاً، وأن أكون على قدر توقعات عائلتي، لكن ذلك لم يكن كافياً قط. والآن ها أنا هنا، وحيداً أقاتل من أجل حياتي."
"إنه لمصير محزن،" أجاب العجوز وهو ينظر إلى السماء. كانت مظلمة، وتملؤها النجوم. وقد أثارت النسيم الباردة بين الأشجار شعوراً إضافياً ببرودة الليل.
جلسنا في صمت، بينما كان الهواء البارد يحيط بنا كالكفن. لم يحاول العجوز تهدئتي أو تقديم عزاء زائف. وبدلاً من ذلك، تحدث بوضوح، حاملاً في صوته ثقل سنوات من الخبرة.
"العالم غالباً ما يكون غير عادل،" قال. "هناك أوقات يبدو فيها أن كل شيء يقف ضدك عندما تتساءل عن سبب حدوث الأمور على هذا النحو. لكن الأمر هكذا فحسب. العالم ليس عادلاً دائماً، ولا يحمل دائماً معنى واضحاً."
تمكنت من رسم ابتسامة خفيفة، مقدراً صدقه. "نعم، هذا صحيح،" قلت. "إنه أمر غير مفهوم، لكننا ما زلنا مجبرين على المضي قدماً."
أومأ العجوز، وعيناه تعكسان فهمًا مشتركًا. "بالضبط. علينا أن نستمر في المضي قدماً، مهما بدا الأمر صعباً."
مرت لحظة صمت قبل أن ألتفت إليه بسؤال ظل يشغل تفكيري. "كيف انتهى بك المطاف هنا؟"
تحولت نظرات العجوز، وظهرت نظرة بعيدة في عينيه. "كنت مجرد متسول في الشوارع، أحاول النجاة،" بدأ حديثي. "لم أمتلك الكثير، سوى ملابس على جسدي وأمل العثور على ما أتناوله كل يوم. في أحد الأيام، كنت جائعاً لدرجة أنني سرقت بعض الطعام. لكن للأسف، الخبز الذي سرقته كان مُعَداً لابن البارون.
لم أكن أعلم؛ ولو كنت أعلم، لما فعلت شيئاً كهذا قط. وفي النهاية، تم القبض علي، وأرسلوني إلى هنا عقاباً لي لأن تلك الأرغفة كانت الآن في جوفي."
كانت قصته بسيطة مقارنة بقصة صديقه. كانت غريبة وعجيبة، لكنني عجزت تماماً عن إيجاد كنهها.
ومع ذلك، لمجرد رغيف خبز، تم إرساله إلى هذا المكان.
"الحياة خارج القصر مختلفة بالتأكيد."
وللمرة الأولى في حياتي، تواصلت مع شخص لا ينتمي لعائلتي وكان عامة الشعب.
"هذا قاسٍ،" قلت بهدوء. "فقط لمجرد محاولة النجاة."
ألقيت نظرة حول المتدربين الآخرين، وكان الكثير منهم ما زالوا ينظرون إلي بعين الريبة والازدراء. وللمرة الأولى، بدأت أفهم كرههم. لو كنت مكانهم، وأعاني تحت أهواء الأقوياء، لكنت شعرت على الأرجح بالطول ذاته.
"لا عجب أنهم يكرهونني،" تمتمت، لنفسي أكثر من كونها للعجوز.
هز العجوز كتفيه، وقد بدا على وجهه استسلام لواقعة. "الحياة قاسية أحياناً. لكنك تفعل ما يجب عليك فعله للاستمرار."
أومأت، شارعاً بشعور من التضامن معه. فعلى الرغم من اختلاف خلفياتنا، كُنا هنا معاً، نواجه المصاعب ذاتها ونقاتل من أجل حياتنا.
"شكراً لك أيها الشاب،" قال العجوز بابتسامة صافية.
"لاكافيون،" رددت، مقررًا أنه من الأفضل أن ينادي كل منا الآخر باسمه.
أومأ العجوز بتأمل. "آه، لاكافيون. إنه لاسم جميل."
"وبماذا يجب أن أناديك؟" سألت بفضول حقيقي.
"حسناً،" قال وفي عينيه بريق، "لست بحاجة لمناداتي بشيء مميز. نادني فقط بـ 'العجوز'."
ولكن بدا أن هذا العجوز يمتلك غريزة غريبة.
يمكنك تفقد ديزكوردي إن أردت. الرابط تجده في الوصف.
أنا منفتح على أي نقد؛ يمكنك التعليق على الأشياء التي تود رؤيتها في القصة.