الفصل 733: الجحيم
بينما تقاتل خالدان في السماء فوق مدينة العاج، التهمت النيران المزيد والمزيد منها. وبدافع من الجنون الناجم عن الحزن والألم والعبء الرهيب لحياته الأبدية، فقد التنين النبيل آخر ما تبقى من رشده. وفي ثورة هياجه لتدمير العدو البغيض المراوغ، صب طوفانًا من اللهب المحرق على المدينة الجميلة.
كانت الخسائر في الأرواح هائلة. وكان عذاب المحتضرين فوق الوصف. وكانت الحرارة لا تطاق.
قضى الآلاف نحبهم في الحريق، بينما كانت أعدادٌ أخرى لا تُحصى تتحول إلى رمادٍ مع كل دقيقة تمر. غمر الذعرُ والرعبُ المدينةَ بأسرها، محوّلين سكانها إلى حشودٍ هائجةٍ فاقدةٍ للوعي والإدراك؛ فقد حاولوا الفرار داهسين في طريقهم أعداداً لا تُحصى حتى الموت… ولم يلبثوا أن ابتلعتهم ألسنة اللهب في اللحظة التالية.
كانت المباني المشيدة من الحجر الأبيض تذوب كالشموع، وتهاوت الجسور الهوائية الرشيقة التي تربط اجزاء الجزيرة في الهاوية متداعية. إذ ساد الموت والدمار والمعاناة، وفرضت سطوتها المطلقة..
…وفوق كل ذلك، انتصب البرج العاجي شامخًا ومُتَّسماً بلامبالاةٍ قاسية.
اجتاز ساني المدينة التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، شاهداً على مشهدٍ مروعٍ لنهايتها الكارثية؛ فبينما كان يشق طريقه عبر الأزقة والشوارع المشتعلة، بدا وكأن العالم بأسره يشارف على الزوال. لقد أحاطت به النيران والدخان وضجيج صرخات البشر المترددة في الأرجاء، وهاجمته من كل جانب رائحة اللحم المحترق المقززة، وشعورٌ طاغٍ بخوفٍ بدائيٍ يائس.
كان لورد النور ملك الخلق… لكنه كان أيضًا ملك الدمار. واليوم، نزل هذا الجانب منه على المدينة المنكوبة بكل مجده الرهيب.
وكان ساني نفسه على بعد زلة واحدة من الفناء.
راح يركض وسط الكابوس المشتعل، ملازمًا الظلال حيثما أمكن ومستعينًا بالدخان لإخفاء وجوده عن الحشد المذعور. وبفضل مخالبه القوية، لم يكن من الصعب عليه تسلق المباني أو دفع نفسه عن جدرانها للبقاء فوق جموع الناس. وعند بلوغه حافة الجزيرة، كان يتخذ من جسر أو قناة مائية أو السلسلة السماوية سبيلًا للوصول إلى الجزيرة التالية.
كان ساني سريعًا وقويًا بما يكفي لينجو بنفسه من الحرائق التي انتشرت بسرعة في أرجاء مدينة العاج، ملتهمة اللحم والحجر بشراهة متساوية. ومع ذلك، لم يكن لأي شيء أن ينقذه إذا أطلق سيفيراكس سيلًا من اللهب فوق رأسه… فحتى عباءة العالم السفلي ما كانت لتصمد في مواجهة مباشرة أمام لهب التنين لأكثر من ثانية واحدة.
ولم يكن أمامه سوى الاتكال على حدسه وسرعة رد فعله.
وعند وصوله إلى حافة سطح مبنى ضخم، تهيأ ساني للقفز فوق الشارع الممتد في الأسفل… لكنه ارتد متراجعًا وغاص في الظلال، ليظهر على بعد بضعة أمتار.
وبعد جزء من الثانية، هوى عمود من النيران المستعرة من الأعلي، مدمرًا المبنى الذي كان يقصده من الوجود، ومجتاحًا الشارع بأكمله معه. وانشطر السطح الذي كان يقف عليه إلى نصفين، وارتجف البناء بأكمله وهو يشرع في الانهيار داخل الجحيم المتوقد.
وانقطع السبيل أمامه بفعل النيران المدمرة، مما أرغمه على تغيير مساره.
أطلق ساني سيلًا من اللعنات، ثم اندفع جانبًا وقفز إلى الأسفل، ملقيًا نظرة خاطفة نحو السماء.
والمدهش في الأمر أن نوكتيس كان لا يزال يقاوم التنين الهائج.
بدا نهر الضوء الذي يؤلف هيئته المتحولة باهتًا وضعيفًا أمام السطوع الطاغي للشمس. وجعلت هالة القوة المهيبة المنبعثة من سيفيراكس ذلك النور يبدو أشد عجزًا… وكان التفاوت في القوة بين الاثنين جليًا وهائلًا.
ومع ذلك، واصل وحش الشفق الصمود والاستبسال.
والآن بعد أن خضع اللورد العاجي للجنون ونبذ كل عقلانية، انقلب إلى بهيمة غاضبة. بهيمة جبارة، لكنها ما تزال بهيمة على كل حال. ورغم الموقف شديد الصعوبة الذي وجد نفسه فيه، استخدم الساحر دهائه ومكره الملتوي ليبقى متقدمًا بخطوة واحدة على خصمه.
وبحركته الدائبة وتحوله المستمر، دار الضوء الباهت حول التنين وتسلل بين حراشفه ليعض جسده بضراوة لا هوادة فيها. وعلى الرغم من أن كل جرح كان طفيفًا وعديم الأثر، إلا أنها أذاقت الوحش قدرًا كبيرًا من العذاب. ومن حين لآخر، كان النور يلتحم متجسدًا في صورة الذئب العملاق ويغرس أنيابه في التنين، محطمًا حراشفه مباشرة.
كما توخى نوكتيس الحذر دومًا ليضع نفسه بين سيفيراكس ومدينة العاج، مجبرًا لورد السلاسل فاقد العقل على إحداث المزيد والمزيد من الخراب.
وكلما زاد الألم الذي يذوقه سيفيراكس، زاد ما يلحقه من دمار بمدينته الحبيبة، وتعمق جنونه ويأسه، وتضاءل ما تبقى من تعقل في ذهنه المنهار، مما يسر على الساحر القاسي مقارعته. وأخذت الجروح المتناهية الصغر التي لا تحصى والتي ألحقها بالتنين تتراكم رويدًا رويدًا…
ولكن نوكتيس كان يتلقى الضرر هو الآخر. ورغم براعته في تفادي معظم النيران، كان جزء ضئيل من كيانه يُفنى في كل مرة إلى غير رجعة. وبدا الضوء الذي يشكله أشد شحوبًا بالفعل…
وعجز ساني ببساطة عن التنبؤ بمن سيكتب له النصر في هذا النزال المروع. وتوجب عليه أن يكون على أهبة الاستعداد لكلا الاحتمالين.
…وتمامًا كما أنبأه نوكتيس، وبينما كان المتساميان المتصادمان يدوران في عنان السماء، انحرفا ببطء نحو البرج العاجي. وكان ساني يقترب منه هو الآخر. إذ كان قد قطع بالفعل ست جزر، متجاوزًا المخاطر بأعجوبة دون أن يناله سوى حرقين بالغي الخطورة. والآن، لم يعد يفصله عن ذلك المعبد العظيم سوى بضع سلاسل.
وفي اللحظة التي ارتقى فيها إلى الجزيرة الأخيرة الواقعة قبل وجهته، تردد فجأة في الأعلي هدير مروع، زلزل أركان العالم بأسره.
سقط ساني على ركبتيه، ضاغطًا كفيه على أذنيه، ورفع بصره في ذهول تام.
وما وقعت عليه عيناه جعله يتصلب في مكانه مصدومًا.
كان التنين العظيم سيفيراكس…
يهوي ساقطًا.
كانت حراشفه العاجية ملطخة باللون الأحمر، وقد انتُزع جزءٌ كبيرٌ من لحم عنقه؛ إذ كان سيلٌ من الدم الفائر يتدفق من ذلك الجرح المروع، وبدا أحد جناحيه الجبارين مكسوراً. وعجزاً منه عن حمل وزنه في الهواء، هوى التنين من الأعالي وارتطم بقوة بأرض جزيرة العاج، مثيراً سحابة من الغبار ومختفياً عن الأنظار.
ترنح ساني، ثم استقام واقفًا على مهل.
'أيها الـ—وغد المجنون… لقد حقق ذلك بالفعل…'
نوكتيس… هل انتصر حقًا؟
استدار باحثاً في السماء، فرأى هيئة ذئبٍ شبحيٍ تلتهمه النيران؛ إذ كانت تلك النيران تلتهم الضوء الشاحب بسرعةٍ خاطفة، حتى تلاشى تماماً.
ثم، سقطت هيئة بشرية صغيرة، لتستقر في مكان ما بعيداً داخل المدينة.
كان يدرك تمامًا أن نوكتيس لا يزال على قيد الحياة… فالساحر خالد، في نهاية المطاف. إلا أن ساني استبعد أن يتمكن من استرداد عافيته في وقت قريب.
ولكن لم يكن لذلك أدنى أهمية.
فقد أنجز الساحر ما عليه. وغدا سيفيراكس جريحًا بجراح مميتة، وما تبقى سوى غرس السكين في جسده حتى تزهق تلك الإصابة روحه بالفعل.
اندفع ساني إلى الأمام. ولاح البرج العاجي شامخًا فوقه، حاجبًا عنان السماء. ولم ينقصه سوى بلوغ حافة الجزيرة واجتياز سلسلة أخيرة ليقترب من قاعدة البرج.
وكانت الجزيرة التي يعبرها آنذاك خالية تمامًا من أي عمران؛ إذ لم يكن فيها سوى كتلة صخرية بيضاء شاهقة ومُسنَّنة تبرز من وسطها وتتدلى منها سلاسل ملطخة بالسخام.
ودون أن يلقي إليها بالًا، انطلق ساني ركضًا صوب الجسر الهوائي المؤدي إلى جزيرة العاج.
غير أنه ما إن اقترب منه حتى خفف من وطأة ركضه، ثم تسمر في مكانه بالكامل.
…كانت ثمة شخص يجلس وحيدًا على الدرجات المؤدية إلى الجسر.
بدا ذلك الغريب مسترخيًا وغير مبالٍ على الإطلاق بالمعركة الملحمية التي انتهت للتو. موليًا ظهره نحو البرج العاجي، حدق الرجل في ساني…
متربصًا به.