الفصل 732: سيفراس
مع ازدياد شراسة المعركة بين تنين العاج ووحش الشفق لتغدو أكثر تدميرًا، ركض ساني عبر السلسلة السماوية واقترب من أسوار مدينة العاج. وفي الأعالي، واصل سيفراس ونوكتيس تمزيق أحدهما للآخر، بضراوة مروعة كافية لتهشيم السماء.
لم تكن إيفي في حالة تسمح لها بالقتال، بينما استنزفت كاسي كامل جوهر الروح لديها. كما أُصيبت برضوض أثناء هروبها من السفينة الهاوية، ولذا بقيتا معًا في الخلف تعتني كل منهما بالأخرى.
لم يتبقَّ سوى عضوين فقط من فوجهما الصغير قادرين على المشاركة في المعركة — ساني وكاي. وكان لكل منهما مهمته الخاصة، ومضى كل منهما في طريقه لإتمامها.
ومن الآن فصاعدًا، وربما حتى نهاية الكابوس بالذات، سيكون ساني بمفرده تمامًا.
مستدعيًا الجناح المظلم، شق طريقه صعودًا إلى قمة سور المدينة ولبث هناك لبرهة، مختبئًا في ظل برج حراسة رشيق البنيان.
كانت مدينة العاج تمتد تحته، غارقة في ضوء الشمس. وبدت ساحرة كما تذكرها تمامًا… بل وأشد روعة عند النظر إليها عن كثب.
شُيِّدت المباني الرشيقة من حجر أبيض ناصع، وتسلقت جدرانَها نباتاتٌ متسلقة ذات خُضرة زاهية. وهنا وهناك، كان خرير المياه المتلألئة يُسمع وهي تنساب عبر قنوات منحوتة؛ بينما ربطت جسورٌ هوائية مذهلة وقناطرُ مقوّسة بين عشرات الجزر الطافية.
ومع بزوغ الشمس، تدفقت أعداد هائلة من الناس إلى الشوارع. بدت عليهم جميعاً علامات الصحة والجمال، وتغطت جلودهم السمراء النضرة بأردية بيضاء. استطاع ساني أن يتخيل إلياس وهو ينشأ سعيداً في هذا المكان البديع…
في هذه الجنة المشيدة على الدماء.
وفي هذه اللحظة بالذات، كان كل شخص في مدينة العاج يحدق عاليًا نحو السماء، حيث امتزج الخوف بالرهبة على وجوههم. وبأعين تلتهب حماسة، همس الجميع بصلواتهم.
"لتشرق الشمس عليك يا لورد سيفيراكس…"
"بارِكنا، يا تنين العاج…"
"…احمِنا!"
"احمِنا!"
تعالت صلواتهم كأمواج البحر، تلطم التنين الهائج الذي زأر حزنًا وألمًا بينما نهش النور القاسي جسده مرارًا وتكرارًا، سافكًا دماءه ودافعًا إياه نحو درك أعمق من الجنون.
وفجأة، قشعر جسد ساني.
تذكر ما أخبره به نوكتيس ذات مرة عن سيفراس النبيل والباسل والحكيم، اللورد العاجي. وكيف أنه كان أرجحهم عقلًا، وأقربهم في الوقت نفسه إلى هاوية الجنون التام.
لقد قاوم سيفراس هوب لفترة أطول من أي لورد سلاسل آخر… لكنه ولهذا السبب تحديدًا كان الأشد عرضة لسمها الخبيث. فبفضل صموده الذي لا يلين، حافظ على أغلب رجاحة عقله سليمة، وبذلك لم تسنح له الفرصة قط لبناء أي مناعة ضد التأثير الماكر لشيطانة الرغبة على مر العصور.
والآن، بعد أن دفع به موت أمير الشمس إلى حافة الهاوية، انفلت كل ما كبته سيفراس بثبات عن السيطرة، وغمر عقله في لمح البصر. مئات السنين من الصراع المروّع تدافعَت لتصطدم بحصن عقله المتماسك دفعةً واحدة.
…قال نوكتيس أيضًا إن اللورد العاجي كان يحب شعبه ويمقتهم في آن واحد؛ إذ كانوا عبئًا ثقيلًا يثقل كاهل روحه، عجز عن الفكاك منه بدافع من حس الواجب لديه. فقد قيدوا التنين إلى ذواتهم بإيمانهم وإخلاصهم وثقتهم واعتمادهم عليه.
نظر ساني إلى الأسفل، فرأى ساحة فسيحة تقع مباشرة تحت جزء السور الذي يختبئ عنده. كانت تعج بآلاف البشر، وجميعهم يحدقون في السماء بينما يلمع الإيمان والأمل في عيونهم.
ورويدًا رويدًا، لاحت صورة أخرى أمام عينيه؛ مشهد الصخرة الملتوية كما بدت في المستقبل…
لم يكن كامل سطحها سوى رقعة غير مستوية من الحجر الداكن. إلا أن ذلك الحجر بدا غريبًا للغاية، كما لو أنه قد صُهر في يوم من الأيام، قبل زمن بعيد، بحرارة تفوق الخيال ثم عاد ليتصلب مجددًا، مشكلًا دوامات وتعرجات عجيبة.
وهنا وهناك، برزت عظام سوداء من الحجر المنصهر، تروي مأساة عدد لا يحصى من البشر والـوحوش الذين غرقوا في ذلك الجحيم الحارق. وكان مشهدها مروعًا ومقبضًا، كأنما انتُزع من قعر الجحيم الحقيقي.
…شحب وجهه.
وتحته، ابتهل سكان مدينة العاج:
"احمِنا!"
"احمِنا!"
وفي اللحظة التالية، زأر التنين إثر تلقيه جرحًا مبرحًا على نحو خاص، وانحدرت حبات من الدم القرمزي على حراشفه العاجية.
فاقدًا آخر ذرات عقلانيته، التوى في الهواء ليرى عدوه بصورة أفضل، ونفث طوفانًا من اللهب المحرق.
بيد أن غريمه كان أشد مكرًا؛ إذ اتخذ نوكتيس موقعه عمدًا بين التنين والشوارع المكتظة، على أمل استخدام المدينة في الأسفل كدرع… أو ربما أملًا في استدراج سيفراس ليدمرها بنفسه.
وقد آتى فخه القاسي ثماره؛ فانطلق شعاع الضوء الشاحب متفاديًا نهر النار، الذي هوى بعد لحظة وابتلع الساحة بأكملها.
ترنح ساني إلى الخلف.
وفي لمح البصر، احترق آلاف البشر حتى الموت، وتحولت أجسادهم إلى رماد. وتحولت الساحة إلى جحيمًا لاهبًا، حتى الحجر نفسه ذاب وتحول إلى حمم متوهجة. وملأت صرخات الألم والرعب الأرجاء؛ ونجا بعض الناس وحاولوا الفرار، إلا أن النيران كانت تحاصرهم من كل جانب. ولم يكن هناك أي مهرب…
…كان هذا هو الجواب الذي أرسله اللورد العاجي لصلواتهم.
وتجمد سيفيراكس في الهواء مذعورًا ونظر إلى الأسفل، بينما دارت الصدمة في عينيه الوحشيتين المتألقتين.
وكاد ساني أن يرى الصراع الداخلي الدائر في عقل التنين المهيب المشوش.
وللحظة خاطفة، سطع وميض العقل في عينيه.
ثم ما لبث أن خبا بالكامل.
ودون مبالاة بعد الآن وبشوق جارف للحرية، أطلق التنين زئيرًا غاضبًا آخر، ثم نفث سيلًا هائلًا من النار، مدمرًا جزءًا صغيرًا من عدوه البغيض، ولكنه أغرق في المقابل عدة شوارع من مدينة العاج في اللهب.
حدق ساني في المذبحة وهو متجمد في مكانه، لكنه نفض شلله عنه سريعًا.
لم يعد مهمًا كم كان مصير تنين العاج ومدينته شنيعًا ومأساويًا…
فكل ما يهم الآن هو أنه يتعين عليه أن يشق طريقه بنفسه عبر الجحيم المشتعل في الأسفل.
ومع زمجره خافتة، استدعى ساني ذكرى النار إلى عباءة العالم السفلي وقفز نحو الأسفل.
فلم يتبقَّ الكثير من الوقت…