اقتربت الشمس من المغيب حين غادر كال صفّ وايت. لم يكن بقاؤه طويلاً ضرورياً، لكنّ فعله ذاك يرسّخ فكرة أنّه لا يخفي شيئاً. ومنحه فائدة جانبية لطيفة تتمثل في مراقبة مهندس سحر يعمل. مهندس عادي أعني، لا من جنس ما تعدّه ميلي. تعلّم كال عبر هذه المراقبة وظيفة عديد الأجهزة التي نثرها وايت في المكان. اضطر لجمع قطع اللغز بنفسه، إذ لم يكن الرجل يشرح ما يفعله بالتحديد، لكنّ التملّق في ملاحظة الملاحظات المبعثرة صنع العجائب في سدّ الفراغات.
كان الاستنتاج الرئيسي لكال هو وجود طرق عديدة لسلخ الهرّ، وكان وايت يحاول تطبيقها كلها دفعة واحدة. نصف الأدوات كانت طرائق مختلفة لقياس الفساد، ولعمرك لم يستطع كال تبين السبب الذي يجعل المرء بحاجة إلى كل هذا القدر من التكرار. حذراً من تفويت أمر مهم، لم يواجه كال وايت بالأمر، وقضى الوقت عوضاً عن ذلك في أطراف الحديث مع ميا. لم تكن ثرثارة استثنائياً، فتحول الأمر إلى سرد منتقى لرحلته.
تكوّنت لدى كال انطباع جليّ بأنّ ميا كانت تسايره أكثر من أي شيء آخر. وكأنّه كان يروي لها قصة قرأتها من قبل. لم يمنعه ذلك من إعادة سردها، لكنّه جعله يحرّف الأحداث في منتصف الطريق ليرى إن كانت ستواجهه بما فعل. أمّا أنّها لم تلاحظ، وإما أنّ وجهها الجامد فاق قدرته على القراءة. أمكن أخيراً تجاهل خنقة الصفّ، فاستأذن وانصرف. أمكنه التوقف عند أيّ من المطاعم المنتشرة حول الحرم الجامعي، لكنّه كان قد قرر مسبقاً طبخ عشائه بنفسه.
كان سيكون من الجميل قضاء بعض الوقت المنفرد قبل طي صفحة اليوم، لكنّ بدا أنّ لشخص آخر خططاً مختلفة.
قال كال متخبطاً بينما خبت نبرته، هادفاً لأن يؤدي الصمت المرجّح جزءاً من رسالته: "إذاً..."
ثم أردف: "أكنت تريدين الحديث عن شيء ما؟"
لم تمنحه ميا التفاتة، ومضت تقرأ في الكتاب الذي أعماها إياه. على الأقل في هذه المرة، أدرك أنها لا تتظاهر.
قالت بعد أن قلبت صفحة: "لا".
عظيم. فلمَ كانت تتبعه إذن؟ لكن مجدداً، ربما كان افتراضاً متسرعاً القول إنّها تتبعه. ربما كان محض صدفة أنهما يقصدان الاتجاه نفسه. أبقى على ذلك الوهم إلى أن ظهر الهيكل الزجاجي عند منعطف الممر الذي كانا يسلكانه. تذكّره هذا السيناريو بآخر مرّ به سابقاً، وعوضاً عن الخوض فيه، بادر ميا بالحديث.
"أكنتِ ترغبين في طبخ شيء ما؟"
كان المطبخ واسعاً بما يكفي ليعملا معاً بالطبع، لكنّه لم يراها تطبخ شيئاً قط.
قالت دون تفكير: "لست مهتمة. الأصابع اللزجة تفسد الصفحات".
وفي حين كان ذلك رداً متوقعاً منها، تساءل كال عما إذا كانت قد سمعت بشيء يُدعى المغسلة.
"وأظنك لست بحاجة إلى شيء هناك".
هزت رأسها رداً على كلماته.
"ما يعني أنك تتبعيني فحسب".
خطر له أنها ربما خططت للقاء شخص آخر هناك، لكنّ إيماءتها ألغت ذلك الاحتمال. مرر كال يده في شعره، مطلقاً زفرة خافتة. على صعيد الأشخاص الذين يتقصونه، كانت ميا قليلة الإزعاج نسبياً. فمن المرجح أن تجلس في الزاوية وتقرأ لبضع ساعات قبل أن تغادر. أمكنه التعامل مع هذا. تباً، ربما نسي أنها هناك من الأساس. قرّبتهما خططوهما، فعبرا مَعْلَم المياه الخارجي قبل التوجه نحو المدخل.
لم يكن مزدحماً للغاية، بيد أن ثمة عدداً من الطلاب كانوا يتجولون حائيرين. لم يعرهم كال أيّ اهتمام وهو ينتظر منصة المصعد. حين وصلت، تحرك كال إلى الجانب ليسمح للراكب بالنزول. وظلا في مكانيهما، قاطعين طريقه.
قال الرجل ذو الشعر البني بلهجة مشؤومة: "كالوم أرديري. شككت في أنك ستكون هنا".
أطمش كال في وجه الطالب المجهول. كان شعره طويلاً وعيناه داكنتين وتبدوان مألوفتين إلى حد ما. أين رأى هذا الفتى من قبل؟
قال كال بدبلوماسية: "لا أُحاول أن أكون فظّاً. لكن أسبق وأن التقينا؟"
كان هناك تلميح خافت بأنه ينبغي ألا يحب هذا الرجل، بيد أن كال أراد التأكد من مصدر تلك المشاعر قبل أن ينحيه جانباً.
قال الرجل مع ارتعاشة في حاجبه: "لوكاس فولغور. ابن الكونت فولغور، الذي تبدو مصرّاً على توجيه إهانة إليه".
انقشع الغموض عند سماع الاسم، وأدرك كال أن اشمئزازه لم يكن في غير محله. كان هذا الرجل هو من اقترب منه ومن ليلي على السطح قبل كل تلك الأسابيع. إنه شقيق وليام.
سأل كال متجاهلاً ما يعنيه حرف 'هذا': "أيمكننا تأجيل هذا إلى الأسبوع القادم؟ لدي موعد قائم".
كان يضم موقداً، وثلاجة، وعدداً غير محدد من أدوات المطبخ.
تابع لوكاس متجاهلاً طلب كال: "بما أن شقيقي عاجز حالياً. يقع على عاتقي حماية مصالح عائلتي. وتحقيقاً لهذه الغاية، أطلب رسمياً نزالاً بيننا لتسوية هذا الخلاف".
ألقى كال نظرة سريعة حوله، ولحسن حهده، لم يبدُ أي شخص مهتماً بما أُعلن للتو. في الواقع، لم يبدُ أن أحداً لاحظ حتى — وهو أمر غريب بالنظر إلى حب هذه الهيئة الطلابية للنميمة.
قال كال بصوت ودود: "سنخوض تجربة فكرية. أريدك أن تفكر في أسوأ فكرة راودتك قط، وأن تتخيلها جيداً، ثم تدرك أن هذه الفكرة أسوأ من تلك".
كان لدى أليس ما يكفيها من المتاعب، ولم يرغب كال في إخبرها أن أحداً أحمق آخر يحاول قتاله. لو أمكنه إقناع الرجل بالانصراف وحده، لكان ذلك أفضل لكل المعنيين.
تساءل لوكاس بحاجب مرفوع: "أقصد بهذا المزاح؟ أنت محظوظ لكونك من النبلاء، إذ لن تكسب فلساً كفنان استعراضي".
لقد قاد الحصاة إلى الماء، ورفض أن يشرب. أكانت الخطوة التالية هي طرح الحصان أرضاً؟ انجرف بصر كال إلى أعلى، نحو حيث ستكون غرفة النادي. تشكلت فكرة فجأة.
سأل كال ماداً كفّه المفتوحة إلى الجانب: "أيمكنني استعارة هاتفك؟"
لسبب ما، اعتبر لوكاس ذلك دعوة للكلام.
قال، تبدو عليه الحيرة أكثر من الإهانة: "أتدعوني؟"
ضيّق كال عينيه نحو الرجل قبل أن يلوي رأسه.
توقف عن الكلام بغتة مدركاً أنه وحيد، فقال: "لا، كنت أتحدث إلى—"
ثم تابع: "أعلم أنك لا تزال هنا. أذلك رفض للهاتف إذن؟"
لم تكن هناك استجابة، وشعر كال بلوكاس يزداد تشككاً في قواه العقلية ثانية بثانية.
شعر كال بالحاجة إلى توضيح الأمر فقال: "أنا لست مجنوناً".
حقق ذلك العكس تماماً، فتحركت قدم لوكاس اليمنى إلى الوراء في حركة تراجع لا شعورية. حاول كال استغلال الثغرة.
"أم أنني كذلك؟"
إن كان ذلك سيخرجه من المأزق، لأمكنه التظاهر بالجنون. ويا للأسف، قرر لوكاس حينها أن كال كان يحاول السخرية منه، وغطى وجهه شعور بالإحراج.
قال بنبرة مظلمة: "لن أكون أداة تسليتك. أجب الآن عن تحديي".
هذا ما كان يحاول فعله بطريقة ملتوية. لكنه احتاج إلى هاتف لأجل ذلك — وكانت ميا تبدو غير متعاونة البتة. على وقع هذه الفكرة، سقط ثقل على يده.
قال كال للفتاة غير المرئية: "شكراً لك".
تساءل لوكاس وقد عاودته الحيرة: "من أين لك هذا؟"
تجاهل كال الأمر وهو يعبث بهاتفك. حاول ألا يتجسس، ضاغطاً على الرقم الذي يبغيه — ليقترح عليه الهاتف اسماً محفوظاً.
سأل موجهاً حديثه نحو الفراغ: "أسميته حقاً بني البغيض في هاتفك؟ سيتعين علي تسميتك ميا البخيلة في هاتفي".
بعد توبيخه الخفيف، ضغط على زر الاتصال، متأكداً من أنه على مكبر الصوت. بدأ يرن، لكن بدا أن جمهوره فقد صبره.
"من—"
رفع كال إصبعاً وفوجئ معتدلاً حين نجح الأمر. لم تستغرق المكالمة وقتاً طويلاً للاتصال، وسرعان ما سمع صوت بني.
قال كال سريعاً قاطعاً ما كان بوضوح عنوان بنجامين لرئيس ناديه: "هـ—"
ثم استطرد: "أهلاً يا بني. أنا على وشك مداهمة غرفة النادي للحصول على المؤن. ما شعورك حيال التوجه إلى المدينة نهاية هذا الأسبوع لإعادة التخزين؟"
انقطع الخط لبضع ثوان، يرجح أن بني كان يفكر في جدول أعماله المزدحم.
قال بني بحذر: "نصحنا بالبقاء في أراضي الحرم الجامعي. مع ذلك، يجب أن يكون سموه قادراً على تغطية غيابي".
ألم يضع إيفرغرين حداً لذلك؟ ينبغي عليه السؤال عن هذا لاحقاً.
"حسن بشري. سأصطحبك في الصباح وسننجز الأمر مبكراً في اليوم".
وجب أن يكون كذلك، إذ كان عليه مقابلة عملاء الاتحاد وقاتل لاحقاً.
"وبينما أنت معي على الهاتف، لدي ورطة بسيطة هنا يمكنني الاستعانة بمساعدتك فيها".
شعر بشيء من السوء لاستغلاله بني هنا، لكن بدا الأمر مبرراً بالنظر إلى الفوضى العارمة التي مرّوا بها.
"ما النسب التي استخدمتها لصنع المحلول المالح؟"
كبح كال ضحكة خفيفة عند الاستفسار الفوري. ربما كان عليه اختيار كلماته بعناية أكبر.
قال كال بذهول: "لا محلول مالح، وهذه الورطة من النوع البشري".
وأمعن النظر في لوكاس الذي بدأ يشحب.
"شعر بني طويل، واللقب فولغور. انتظر ثانية، أليست تلك العائلة في ورطة الآن؟"
كان هناك توقف في الطرف الآخر، وبدأ كال يقلق من أنه بالغ في رهانه حين تحدث بني مجدداً.
قال بني بتبرم: "أثارت هزيمة الميريد تساؤلات حول مدى ملاءبته كعضو في الأصابع. كنت أتوقع منهم اتخاذ خطوات لإظهار أن عائلتهم لا تزال قوية".
ولهذا السبب تواجد لوكاس هنا، محاولاً التسلط على من هم دونه. استنتج كال قدر القليل من ذلك وظن أن هناك أعداء لم يكن لوكاس مستعداً لصنعهم.
قال كال بسخرية مصطنعة: "يبدو ذلك ساحراً. لدي شخص يتوق للقتال أمامي — محاولاً بلا شك إثبات جدارته. أنا مجرد سمكة صغيرة نوعاً ما، لذا تمنيت لو تسنى لك المرور ومنحه تحدياً حقيقياً. إنه توقيت رائع، إذ يمكنك إخبار الإمبراطور بكل شيء حين تلتقيان".
كان كال يتحدث من تفكيره. وقد علم ذلك. وعلمه بني. أما لوكاس فلم يعلم.
أجاب بني متلهفاً تقريباً: "هذا ضمن قدراتي. أقلت إنك في غرفة النادي؟"
ارتفعت أسهم بني في نظر كال، وحدق في لوكاس، مجبراً إياه على التواصل البصري.
قال محقوناً بنبرة شريرة: "قريب بما يكفي. أين تقول إننا موجودون بالتحديد؟"
وجّه السؤال إلى لوكاس، الذي ابتلع ريقه قبل أن يهز رأسه طفيفاً.
تخاطر كال قائلاً: "على فكرة ثانية، ربما نحن بخير هنا"، متلقياً إيماءة أشد حزماً من عقبته الحالية.
"أجل، كل شيء على ما يرام. آسف على الإنذار الكاذب. أراك عطلة نهاية الأسبوع".
كان على وشك إنهاء المكالمة حين سمع بني يتحدث بإلحاح.
"كالوم، أيمكنني أن أسمع ما تفعله مع الرئيس في هذه الساعة؟"
ضيّق كال عينيه نحو المساحة الفارغة بجانبه. كان ذلك سؤالاً وجيهاً.
"أتنمر على شخص ما على ما يبدو. والآن ينبغي علي الذهاب. وداعاً".
أنهى المكالمة بسرعة لضمان عدم طرح الأسئلة الصحيحة.
قال كال متوقعاً: "أكاد أجزم أن هذا هو الجزء الذي تبتعد فيه عن طريقي. يمكنني دائماً الاتصال مجدداً إن اضطررت".
لوّح كال بالهاتف في الهواء، مصدراً صوتاً من الاستياء لدى لوكاس. ابتسم حين تحرك الرجل إلى الجانب، سامحاً له بالمرور. هه. كانت السلطة الملكية ممتعة نوعاً ما للتلويح بها.
بصق لوكاس بصوت منخفض: "أيها الجبان. لن تنجح مثل هذه الحيل دائماً".
لم يلتفت كال إلى الوراء بينما بدأت المنصة ترتفع، حاملة إياهما بعيداً عن الطابق الأرضي.
تمتم كال لنفسه: "من الأفضل لك أن تمني النفس بنجاحها".
حسن لنفسه، ولميا التي تجلت فجأة بجانبه.
قالت مطمئنة: "في المرة القادمة، يمكنك لكمه".
ألقى عليها نظرة مزدوجة، مدركاً غرابة تلك الكلمات الصادرة عن الفتاة. أكانت تعوض عن شيء ما؟
"يا ميا، المغزى ليس إحداث جلبة".
وأدى ذلك بشكل جيد جداً. فلم يرَ شخصاً واحداً يلتقط صورة لتلك المواجهة.
"لن تحدث".
قيلت بتلك النبرة السلطوية التي جعلت كال عاجزاً عن منع المرح من الظهور على وجهه.
"مع احترامي يا ميا، اتركي دور المرعبة لبني. لست بارعة فيه".
نظرت إليه وكأنه أحمق.
"وعلاوة على ذلك، فإن عدم تواجد بني جسدياً هنا، ولا موافقته رسمياً على أي شيء، يجعل الأمر كأن لم يحدث قط. وهي طريقة لطيفة للغاية لتجنب العواقب".
كل ما كلفه الأمر على الأكثر هو بعض النوايا الحسنة التي أمكن استعادتها نهاية هذا الأسبوع. بذل كال قصارى جهده لئلا يركز على نظرة الفتاة العادية الحادة وانطلق حين بلغت المنصة طابقه. بلغ غرفة النادي في وميض، وفُتح الباب دون عناية تذكر. أه، حمل هذا احتمالاً ليكون محرجاً للغاية.
"عليك حقاً أن تحسن استخدام درعك"، هكذا وبّخ كال الطفل الباكي.
انحدرت الدموع على وجه الأمير الثالث. احمرّت وجنتاه بغضب وهو يحاول محو عارِه بكمّه باحتدام.
"ليس هكذا"، أرشده كال.
وضع يداً على كتف الصبي، ساحباً إياه بعيداً عن لوح التقطيع وناحوية الحوض.
"رش بعض الماء على وجهك وتنفس من فمك".
نفذ سبي نصيحته بحماس زائد عن الحد، غامراً رأسه تحت الصنبور.
"أي نوع من الخضار يجعلك تبكي!"
تذمر بحنق، رامشاً بعينيه المغرورقتين بالدموع. ألقى إليه كال بمنشفة أطباق نظيفة ثم تحرك لإنهاء أمر البصل. أنجز سكينه العمل عليه سريعاً، وسرعان ما انضم البصل إلى المكونات الأخرى في القدر.
"لا تحتقر البصل"، قال كال، ملوحاً بالآداة الحادة في وجه الصبي.
"لقد فعل لأجلك أكثر مما تتخيل".
بعد أن أوضح نقطته، وضع كال السكين جانباً. وضع يديه على جانبي القدر، وبلغ به درجة غليان هادئة.
"يمكن البدء بالأرز الآن"، أضاف كال.
"سحرك أم الموقد، اختر أحدهما لكن أنجز الأمر".
وضع سبيستيان القماش جانباً، كاشفاً عن جبهة تغطيها خصلات شعر فضي رطبة. قطب حاجبيه ناظراً إلى المنشفة قبل أن يضعها جانباً. اقترب من القدر المعد مسبقاً، وأدار القرص إلى المستوى المناسب.
"أنا لا أمارس سحر النار"، تمتم بخشونة خافتة.
إذن، تلك خسارته.
"حسناً، بمجرد أن ينضج الدجاج، سنقوم بتفتيته"، قال كال، مشيراً إلى قدره ثم قدر سبي.
"بعد ذلك، ندمج الاثنين معاً وفويلا، حساء الدجاج والأرز. أمر سهل للغاية، أليس كذلك؟"
تلك كانت روعة الحساء الجيد أو اليخنة. كل ما تطلبه الأمر بضع مكونات مقطعة تُلقى في قدر.
"بغض النظر عن الخضار الذي يهاجمك؟"
تذمر سبيستيان، مبتعداً عن كال ومربتاً على وجهه بالمنشفة.
"إن هزمك بصل، فهذه مشكلتك وحدك"، نصح كال بحكمة.
أبقى عيناً على قدره والأخرى على الأمير.
"والآن، أتريد أن توضح لي لماذا وجدتك تتقرفص هنا؟"
لم يسأل كال أية أسئلة عندما دلف لأول مرة. بل سار ببساطة نحو البراد، وقرر ما سيفعله، وألقى بمئزر على الصبي ليضعه في العمل. أفقدت كلماته سبيستيان استقامته ليتصلب، ووضع المنشفة بهدوء.
"أُبلغت أنك عدت مؤخراً من الأراضي القاحلة برفقة أخي الملكي"، قال سبيستيان بطريقة بدت وكأنها محفوظة.
"وأنه كانت رحلة مليئة بالأحداث".
بدا أن الأمير القزم يملك دوافع خفية.
"هذه إحدى طرق قول الأمور"، ردّ كال بعفوية.
"أسمعت ذلك من رولاند نفسه؟"
لم يتلق سبيستيان سؤاله بشكل جيد، فاستدار متجنباً التواصل البصري.
"لم أره"، قال الصبي بإحباط مكتوم.
من الواضح أنه لم يكن مخفياً بما فيه الكفاية إن تمكن كال من التقاطه. لسبب غير مسمى، انحرفت عينا كال نحو زاوية فارغة.
"كيف علمت إذن؟"
قائمة الأشخاص العارفين كانت قصيرة. لكان بيني المرشح الأفضل، لكنه كان مثبطاً عن مشاركة أي شيء يصوّر رولاند بشكل سيء.
"لدي مصادري"، قال سبيستيان، مظهرًا الفخر في نبرته.
كانت هذه العائلة فوضى حقاً. لودّ كال لو أنه لم يحشر أنفه في الأمر، لكن ديناميكيتهم أثرت مباشرة على مستقبل الإمبراطورية، التي قرر مسبقاً التأثير عليها.
"يجب ألا تكون جيدة جداً إن كنت تحاول انتزاع الأمر مني"، لاحظ كال علانية، ليقابله انقباض في فك سبي.
"ما الذي كنت ترغب في سماعه بالتحديد؟"
التقتا نظراتهما، لكن سبيستيان قطع التواصل، مفضلاً تفقد الأرز المغلي.
"الحقيقة، بطبيعة الحال".
شكّ كال في ذلك كثيراً، لكنه لم يأخذ الأمر مأخذ الجزر ضد الطفل.
"ماذا لو كانت الحقيقة ترسم رولاند كبطل؟"
استفسر كال ببراءة.
"أخي أناني للغاية بحيث لا يمكن أن يكون بطلًا"، رد سبيستيان باقتضاب.
استوى حاجبه المقطبان، وتحنحن قبل أن يتابع.
"أدرك أن ذلك قد يبدو قاسياً، لكن لا بد أنك لاحظت نفس الشيء، أليس كذلك؟"
لقد لاحظ؛ بل بدا الأمر خاطئاً شتم الرجل أمام شقيقه الأصغر.
"من يسأل؟"
راوغ كال.
"أنت أم شخص آخر؟"
انتفض سبيستيان، مرسلاً إليه نظرة لاذعة.
"ما الذي تلمح إليه؟"
تخيل كال أن المقصود من ذلك أن يبدو خطيراً، لكن صوت سبيستيان الرفيع قلل من التأثير.
"سأواجهك بسلسلة من الأسئلة البسيطة"، قال كال بفظاظة.
"أولها، أتريد حكم الإمبراطورية؟"
تحولت عينا سبيستيان إلى نقطتين دقيقتين، مرجح أنه فوجئ بمدى صراحة كال. هذه الأنواع من الأمور عادة ما يتم التمهيد لها.
"هذا ليس فخاً"، أكد كال.
"نعم، لقد قضيت وقتاً مع شقيك، لكنني لا أتبع له. كما أن آل أردير كانوا أجهل من أن ينحازوا لأي طرف، لذا لسنا مدينين لأحد".
ومع معرفته أن ذلك قد لا يكون كافياً، حاول كال ضخ أكبر قدر ممكن من الإخلاص في كلماته التالية.
"إن كان ذلك يريحك، أمنحك كلمتي بأنني لن أشارك ما تقوله هنا".
وجه كال انتباهه إلى زاوية. لم يكن هذا مريحاً تماماً بالنسبة له، لكنه شعر أن هذا المستوى من الصراحة كان مطلوباً. ملأ صوت الماء المغلي المكان بينما وقفا في صمت. تطلع كال داخل القدر، ممسكاً بمغرفة ومنخساً الدجاج.
"أنا مناسب لها"، قال سبيستيان، كاسراً جمودهما غير المريح.
بقيت حزمة من أعشاب الجزر مخلفة من تحضيرهما. أمسك كال بقبضة منها وألقى بالأوراق الخضراء على سبي، مما أكسبه صرخة فزع ساخطة.
"ليس هذا ما سألته"، قال بينما حاول الأمير إزالة الأوراق الريشية من شعره.
"أجب، وإلا ستحصل على قشور البصل التالية".
تنفيذاً لتهديده، بدأ كال بتكور البواقي. تحولت عيناها سبي إليه، مراقباً ذراعه وهي تترجف للخلف. أبقاها كال هناك، مرسلاً للأمير نظرة ذات مغزى.
"أنا أرغب"، شمّ سبيستيان، رافعاً ذقنه.
"أهذا ما رغبت في سماعه؟"
"لا، هذا ما كنت أخشاه"، رد كال دون تردد.
وقبل أن يأخذها سبيستيان بالطريقة الخاطئة، واصل الضغط.
"حين أسأل، فلأنني أريد أن أسمع ما يريده سبي، لا ما يعتقد أن كال يريد سماعه".
فتح سبيستيان فمه، ليغلقه فوراً. قطب حاجبيه ناظراً إلى كال، عارضاً وجهه مزيجاً من المشاعر.
"البسيط لا يعني السهل، يا بني"، عرض كال بتعاطف.
"سأمنحك استراحة. لنفترض أنك تريد. سؤالي التالي هو، لماذا؟"
انتعش الصبي، واثقاً فيما يبدو أكثر بهذا السؤال.
"كان أخي حاداً للغاية في نهجه. لقد أهان تسرعه أسلافنا وتراثنا. علاوة على ذلك، فقد أبعد أعضاء حيوين في الإمبراطورية. إن استمر هذا، فسيتعين اتخاذ تدابير صارمة لحماية إرثنا".
"أررر"، قلد كال جرس إنذار.
"إجابة خاطئة. أنا لا أسال لماذا قد تكون ملائماً أكثر. أنا أسال لماذا تريد الوظيفة في المقام الأول".
عاد عبوس سبيستيان بانتقام. لم يُصحح كال للصبي بينما أمسك مغرفة وبدأ يحرك الأرز. كان هذا هو نوع الأسئلة التي يأخذها الناس كمسلمة. من الفلاحين في الحقول إلى النبلاء في دراساتهم، يمكن لأي شخص سرد عشرة أسباب تجعله يرغب في أن يكون الرئيس الأعلى لدولة ما. سيكون بعضها أنانياً، والبعض الآخر صالحاً.
"أنت لا تحب ذلك"، قال كال، هازاً رأسه بحسرة.
"أنت تعرف لماذا تريدها؛ أنت فقط لا تحبها".
يجب أن يكون أكبر قلق لسبيستيان هو اختيار مكان الجلوس عند الغداء. أو من يدعو إلى حفل رقص قادم. كان من القسوة طرح هذه القرارات على طفل.
"أنا أمير"، قال سبيستيان بازدراء.
"أنا لا أجيب لابتن إيل كونت".
لم يكن على كال أن يكون بارعاً في الإشارات الاجتماعية ليععرف أنه في أرض هشّة الآن. هذا فقط أبلغ اختياره ولم يغّره.
"لا أحد يدعي أنك تفعل"، قال كال بلطف.
"مع ذلك، الجميع يجيب لشخص ما. حتى والدك ذاك".
تحول تعبير سبيستيان إلى التشكيك، مستاء لمجرد الاقتراح.
"الأب هو الإمبراطورية".
كان الضمنا أنه لا يجيب لأحد. كلاهما عرف أنها كذبة، فقط ليس بالطريقة ذاتها.
" ومع ذلك حتى هو بحاجة للنظر في المرآة".
انتفض سبي بينما ربّت كال على كتفه.
"هذا ليس نوع الأرز الذي تحركه"، قال، مسحباً المغرفة من يد سبي.
"الآن اجعل نفسك مفيداً والتقط الأوعية".
تراجع الصبي عن القدر، متبعاً تعليمات كال. كانت حركاته بطيئة، وعلم كال أنه مشتت. تم وضع كومة من الأوعية على المنضدة، وأمسك كال بما كان مطلوباً منها، تاركاً إياها مرتبة بانتظام.
"ارفع رأسك، يا بني. الشياطين -هؤلاء هناك"، أشار نحو النافذة، ثم نقر على صدر الصبي، "وهنا- لا يجب محاربتهم وحدك".
لم يكن لدى سبيستيان أي شيء يقوله حيال ذلك، لكن عقله ثبت على خطأ واضح.
"لقد أخطأت في العد"، قال الأمير، مشيراً إلى الأوعية الثلاثة الموضوعة.
ضحك كال، مرسلاً للزاوية نظرة حكم.
"لست متأكداً أنني فعلت".