من يعتري القلق قد يقترف حماقات، فكان من حسن الحظّ ألا يكون ذاك هو الشعور الذي ينتاب كال. بل كان الأقرب لوصف حالته هو التوجّس. وشعر بأنّ هذا شعور مفهوم تماماً عند سماع خبر قرب قدوم أحد لا يُشقّ له غبار في القارة. كان كال يحترم حجم التهديد الذي تُمثّله اليمين. اليد ليست بالهينة، وإذا أُجبر على قتالها، فهو يعلم أنّه سيعتاد قريباً إحساس تحوّل جسده إلى تراب. مراراً وتكراراً.
لن يكون ذلك سارّاً، وحتى لو نجح في قهرها بعد تبديل عدد لا يحصى من الأجساد، فلن يبقى ورائهما سوى الخراب. مادّياً ومعنويّاً. قتالها أمر مستحيل. غرس هذه الفكرة في ذهنه، لئلا تغلب عليه خصاله الأسوأ.
سألت أليس من مقعدها المقابل له: "أأنت بخير؟".
ولاحظ بعرف عينيه نظرات قلقها المُوجّهة إليه. التقطا بعض ألواح الشوفان للإفطار وانتقلا إلى ساحة القتال القديمة حيث كان من المقرر أن تُعقد حصتهما. لم تُصلَح، لكنهما تمكّنا من شقّ طريقهما عبر الركام ودخول غرفة تبديل الملابس القديمة. كانت منهارة جزئياً، وأنبأته رائحة التعفّن في الجو بوجود تسرّب في مكان ما.
أجاب بينما كان يجذب باب خزانة ليفتحه: "سليم تماماً".
كان المعدن معوجّاً بالفعل، فلم يتحرّج من إلحاق المزيد من الضرر به.
"أخبرتك بالأمر البارحة. ليس بي خدش".
عبس أمام محتويات الخزانة، أو انعدامها، وانتقل إلى التي تليها. كانت ملقاة بشكل مائل على الأرض، فانحنى قربها ومزق فتحة في جانبها.
"أنا أدرك ذلك".
استشعر كال تردّداً في نبرتها، فالتفت برأسه نحوها، محفّزاً إياها على المتابعة.
"كنت أقصد حالتك النفسية".
انكمشت على نفسها لحظة خروج الكلمات من فمها، وتسلّقت عيناها الجدار.
"لا أقصد الإساءة. ولكن، بالنظر إلى رحلتك الأخيرة والأحداث السابقة، سيكون من التقصير ألا أسأل".
من شخص آخر، أو في وقت آخر، لربّما تمنّع عن هذا الكلام. أما الآن؟
قال كال، مدركاً وقعها بعد لحظة: "أنا بخير".
هزّ رأسه باستهزاء من نفسه.
"لا أحاول صرفك. الأمر فقط—"
توقف عن مسعاه، منتقياً كلماته بعناية.
"أتقولين أحياناً شيئاً غير صحيح تماماً، لكنك تقلينه على أي حال؟ حتى حين لا يكون أحد حولك، تجدين نفسك تفكرين فيه".
راقب تحوّل بصرها إلى الأرض بينما كانت تتدبّر كلماته، وارتدّت حواف شفتيها إلى الأسفل.
اعترفت بقلق: "أحياناً. لا أصف ذلك بالسلوك السليم".
فهم كال من أين تأتي، وكان ذلك أمراً ناقشه مع نفسه من قبل.
"يعتمد ذلك على كيفية تأطيرك له. من زاوية، أنت تكذبين على نفسك أساساً وتُنكرين جزءاً من الواقع. ومن زاوية أخرى، أنت تعلنين عمّا تتمنّين أن يكون حقيقة. أفضّل التفكير بالطريقة الأخيرة".
غالباً ما يكون المرء أشدّ النقّاد قسوةً على نفسه، ولذا فهو الأكثر حاجة لمن يقنعه. تلك كانت طريقته في التفكير على الأقل.
أشارت قائلة: "قد يظن البعض أن هذا وهم".
وافق بسهولة: "قد يكون البعض على حق. المفتاح هو أن تدركي متى تفعلين ذلك بنفسك، وتتصرفي بطريقة تقودك إلى حيث ترغبين".
فشل كال على كلا الجبهتين في الماضي. ومع ذلك، لا يزال هنا، ولا يزال يتحرّك.
سألت أليس بنظرة فاحصة: "وماذا حين تقف الحقائق الثابتة في طريقك؟".
لقد لامست العيب القاتل في حجته. هناك أشياء لا يمكن لأي قدر من الجهد تغييرها. هام عقله عائداً إلى اليمين. إما أنها تعرفه أو لا تعرفه، وكلا السيناريوهين محفوف بعواقب بدأ للتو في فرزها. انتهى الكثير منها باكتشاف أمره كعميل للفدرالية. ممّ يبعث على الإحباط أنّه كلّما ظنّ أنّه أمسك بزمام وضعه، طُرحت عليه مشكلة جديدة.
أجاب بجدية: "تخوض القتال حتى النهاية".
يتمنّى الأفضل ويستعد للأسوأ. وجد كال العزاء في إدراك أنه بدأ بداية موفقة معها. لابدّ أن إنقاذ أبيها قد جلب له رصيداً ضخماً من النقاط.
علّقت أليس بعد برهة، وهي تومئ برأسها: "جريء. أنا أوافق. سأكتفي بتذكيرك بما تحدثنا عنه البارحة".
همهم رداً على كلامها، مقرّاً بملاحظتها دون أن يضيف شيئاً من عنده. استأنف كال بحثه، فابتسم حين لمس ما كان يبحث عنه داخل الخزانة. أحكم قبضته عليه قبل أن يبحث عن بقية رفاقه ويحدد مواقعهم. جلس على مقعد سليم، وبسط قيود القمع أمامه. كانت هناك أربعة أزواج، لكن روابطها كانت مكسورة بالفعل، فعملت كثماني وحدات فردية.
تلعثمت أليس قائلة: "أهذه..."
وهي تتلصّص فوق رأسه. مشت إلى جانب المقعد ومدت إصبعها.
"أخشى السؤال عن سبب وجود هذه الأشياء في مرفق تدريب، ناهيك عن تركها دون مراقبة".
لأنّ فيرغسون لم يكن بارعاً في تنظيف مخلفاته.
قال وهو يلتقط أول جهاز: "كل ما تحتاجين إلى معرفته هو أنّه من وجد شيئاً فهو له".
أغمض عينيه، ليفتح إحداهما بعد لحظة ويطلق تحذيراً: "تراجعي خطوة لدقيقة؛ لست متأكداً مما سيفعله هذا".
فعلت ما طلب، وأعاد إغلاق عينه ليزيد من تركيزه. شبكه بمعصمه، وأمرّر السحر في جسده. كما هو متوقع، لم تكن هناك انحرافات. تلا ذلك تشكيل درعه. مطمئناً لاستمرار غياب التداخل، اتخذ الخطوة الأخيرة وحاول إحداث تجسيد بسيط. عجز عن اتخاذ شكل وتبدد السحر بلا ضير. تقضي الحكمة التقليدية بأنّ أي شخص تُصفّد معصماه سيجد استخدام السحر الخارجي مستحيلاً. لم تكن هناك علاقة ودّية بين كال والأعراف.
أي أنه استطاع دفع تجسيد للعبور، لكنّ ذلك الإنجاز تطلّب قدراً مفرطاً من التدريب لتحقيقه ولم يستطع القول إنه الاستخدام الأكثر إنتاجية لوقته. مع ذلك، لما حفر بحثاً عنها لو لم يعتقد أن للفكرة جدوى. ترك كال الجهاز النشط على معصمه ومد يده لآخر. سمح لسحره بالتسرب إلى الاثنين، مقارناً بينهما لتخطيط تصميمهما بشكل أفضل. أعاق الجهاز الحي تقدمه، لكنه عجز عن إيقافه. ما وجده كان مألوفاً بشكل مذهل، مشابهاً لتلك التي استخدمها للتدريب في الفدرالية.
لم يكن يعلم ما ينظر إليه حينها، لكن مع فهم أعمق قليلاً للحصون والدوائر السحرية، استاب له الآن تركيب طريقة عملها. تقريباً. في النهاية، السحر سحر، وكان كال ماهراً جداً في استشعار تدفقه. فرّك إصبعَه على سطح القيد الخامل، مستشعراً الانخفاض الطفيف من موضع إغلاقه. أي تغييرات كبرى ستتطلب فتحه. افتقر كال إلى الأدوات والمعرفة لذلك. وهو أمر لا بأس به، إذ لم يكن يحاول إعادة اختراع العجلة.
كان يحاول فقط كسرها بطريقة محددة. بصورة عامة، كان واثقاً من تحديد ثلاثة أقسام متميزة للقيود. كان الزناد الأسهل عزلاً، ويتألف من السنّ والثقب الذي يُغرز فيه. وبمجرد إغلاقهما، شكّلتا حلقة تُخبر باقي الوحدة بالتشغيل. تلا ذلك مصدر الطاقة. بخلاف الدوائر التي كان يدرسها مؤخراً، لم تستخدم هذه جوهراً مخصصاً. بل جذبت السحر المحيط. كان تصميمه ذكياً لأنّ سحبه الطبيعي للطاقة كان ضئيلاً، مما أبطأ معدل التآكل الذي سيفرضه السحر المحيط عليه.
وحين يستشعر تركيزات أعلى فقط, فإنه يسرّع استهلاكه، وتحت هذا السيناريو، من المحتمل أنه لم يعد يتغذى على السحر المحيط بل على سحر مرتديه. وهو ما قاده إلى أهم ميزة فيه، الجزء الذي يقطع السحر. إذا كان السحة قادة يحاولون نقل الأوامر لاسلكياً، فقد عملت القيود عبر بث دفعات تشويش تجعل أي اتصال يبدو كثرثرة مبهمة. أدى هذا بالجندي الموجود على الطرف الآخر، أو التجسيد في هذه الحالة، إلى فقدان الاتجاه.
المضاد هو وجود قائد قادر على ضبط توقيت إرسالات متعددة بحيث تنقل كل رسالة مقطعاً لفظياً واضحاً ومنفرداً يمكن دمجه لاّحقاً لتكوين أمر متماسك. في المقابل، ستكون طريقة كال في تدمير التجسيدات مكافئة لاستخدام سحر العقل على الجندي. كانت طريقته أكثر مباشرة بكثير ولكنها أسهل أيضاً في التحديد ومكافحة من جانب القائد. بغض النظر عن هذا التشبيه المتزعزع، أزال كال القيد وباشر العمل.
انسلّ سحره بداخله، ووجهه بحذر، باذلاً قصارى جهده لعدم إتلاف أي شيء. وحين بلغ القسم المسؤول عن التشويش، سمح له بالضرب، مستهدفاً موقعاً دقيقاً بقدر ضئيل من السحر. كرر الفعل، مطرقاً عليه شريحة سحر واحدة تلو الأخرى. استغرق الأمر وقتاً أطول مما رغب، ولكن في حين أن إضافة سمة إلى السحر ستجعله أقوى، فإنها ستجعل الأمور أكثر فوضوية أيضاً. أخيراً، استشعار استجابة ما، فمنح الأمر بضع ثوانٍ قبل تثبيت القيد واختبار ثمار تعبه.
كالمتوقع تقريباً، لم يحدث شيء.
علّقت أليس مذكّرة إياه بوجودها: "أُكافح لفهم ما تحاول إنجازه. بخلاف تخريب ممتلكات المدرسة".
رمى عمله الفاشل جانباً والتقط القيد التالي. ممّا تبين له، فقد أحرق نظام الطاقة في السابق بطريقة ما، لذا سيوجه سحره بشكل مختلف عبر هذا.
قال وهو يعيد تشغيل عمله: "لا يمكن أن يكون أسوأ من الجدار الذي أسقطته ليلتنا الأولى".
غاب عنه ردها لتركيزه.
تمكّن القيد التالي من التنشيط بعد تعديلاته، لكنه تدهور بسرعة إذ عجز عن تحديد "التردد"
الذي سيبث عبره. انضم إلى رفاقه الساقطين، مشكّلاً كومة المرفوضات. تلاها المزيد، كلّ منها تضحية لزيادة معرفته. في الخامس، حقّق اختراقاً أخيراً. ويا لأسف، لم ينجُ من اختبارات لاحقة، لكنه مهّد الطريق للسادس، الذي نعته بالنجاح.
سأل كال، بينما ترقص شعلة صغيرة على رأس إصبعُه: "ما رأيك؟".
رفرفت، ولكن رغم القيد النشط حول معصمه، لم تنطفئ قط. ضيّقت أليس عينيها ناظرة إلى القيد بقدر ملموس من الشك.
"أأتلفته لخديعة ما؟".
لم يكن ذلك مراده. لكن عوض الشرح، فكّه وناوله إياها. لم تمد يدها، ناظرة إليه كأنه قد ينبض بالحياة ويعضها. نقرته نحوها، مجبراً إياها على التقاطه. أمسكت به أليس بارتباك، وبدت السخطة واضحة على وجهها. ذكّره ذلك بتردد الآخرين في ارتدائه.
قال بنفاذ صبر، مشيراً لها بالعجلة: "اعتبريه سواراً ضخماً".
تنهّدت وارتدته. حدقت به، منتظرة تعليمه التالي. ظنّ الأمر واضحاً، لكنه أشعل شعلة أخرى ليوضح ما يقصده. حاكاته أليس، فرقصت الشعلة لحظة قصيرة قبل أن تخبو. عبست قبل أن تصلّب ملامحها وتُعيد تشكيلها. هذه المرة، صمدت شعلة بحجم شمعة. أو هكذا فعلت — إلى أن صفّق أمام وجهها، مما دفع نظرتها نحو فجأة وأطفأ النار.
قالت أليس بنبرة شبه اتهامية: "جعلته معطوباً".
هزّ يده بينما أمال رأسه برفق جانبًا.
"هذا في عين الناظر. لقد قوضت مستوى تداخله وجعلته ينبض على فترات منتظمة. إنه لا يمنعك من استخدام التجسيدات، بل يصعّب الأمر فقط".
بينما كانت طريقته القديمة إما الكل أو لا شيء، سمحت هذه الطريقة للمرء بإحراز تقدم تدريجي. تلك كانت النظرية على أي حال.
وأردف، مشيراً لتجربته الخاصة: "ستحتاجين إلى ارتدائه طوال الوقت للحصول على أفضل النتائج".
أليس، رغم عمله الجاد، لم تبد سعيدة، وثبتت تعبيراتها الكئيبة على القيد.
اعترفت مترددة: "يمكنني تتبع منطقك. ومع ذلك، لا يرتدي النبلاء قيوداً. إن كنت تقترح أن نتمرن في السر، فيمكنني التسليم بهذه النقطة — ولكن ليس علناً أبداً".
نهض كال من المقعد، داسّاً القيدين الأخيرين غير المعدّلين في جيبه. مدّ كتفه إلى الخلف، مرخياً إياه قليلاً.
نصحها بإخلاص: "إن كان هذا يزعجك، فأخفيه في حذائك. سيعمل بالطريقة ذاتها. والآن ركّز في اللعبة".
حدّد الواقع أن الأمر سيحتاج لأكثر من بضع أفكار تدريبية مجنونة وشجاعة لصنع أصبع. ولكن متى أوقفها ذلك من قبل؟ ظل وجهها مكجّماً، وتفحصت كومة القيود المهملة قبل إعادة تركيز انتباهها عليه.
"كيف لك حتى أن تعلم كيف—"
قاطعتها قبضته، مصطدمة بمعدتها ودافعة إياها نحو الركام. بعد كل ما قيل وُفعل، ستكرهه على الأرجح. حتى ذلك الحين، سيجعل وقتهما مجدياً.
— صاح كال محيطاً فمه بكفيه وهو يتمايل متقدّماً: "يا عزيزي، لقد عدت للمنزل!".
كان الظهر قد حلّ، و للتوّ افترق عن أليس التي أمضى الصباح يضربها في التدريب. بدخوله الكامل لمبنى التسجيل، وجده غريباً للغاية. شابه التصميم الداخلي مصرفاً، بموظفي استقبال يديرون المكاتب. عبر الطلاب الطابق، عاملين مع الموظفين لإنجاز غاياتهم. وقف كال هناك، متدبراً الأمور، قبل أن يقترب من مكتب. ولمخاوف المحيطين به، رفعه، مستخدماً إياه فوراً لتحطيم رأس أقرب طالب. ولاحظ عرضاً بقع الدم الواقعية قبل الاتجاه نحو موظف الاستقبال.
وحين كان يلوح، انهار المكتب بين يديه إلى كتلة من الضباب. تغوّشت المحيطات، ثم انقلبت هي الأخرى مجردة من الجسد، تاركة إياه وحيداً في الظلام.
سأل الروح الواضحة جليّاً: "أهلاً؟ ما المغزى من ذلك؟".
اشتعلت المشاعل، كاشفة عن شكل الروح الدمية.
أجابت بحرية: "كنا نأمل أن تمل وتغادر".
وبتلويحة يد، ظهرت طاولة بكرسيين. لم يتردد كال في الجلوس، ملاحظاً صحن الكعك في المنتصف. التقط واحدة، ليقضم الهواء.
"الآن، ألديك أي جنون معين ترغب في مشاركته؟ أم نتحدث عما تحمله؟".
جرّب كال كعكة أخرى، وثالثة لضمان السلامة. لم يكن الضباب طعماً استساغه بعد، فأمسك يده عن محاولة رابعة. مادّاً ذراعه، مدّد سلاحه الجديد، مشكّلاً عصا.
"أأعجبك؟ التقطته من رجل ميت".
بدا جليّاً أنّه لم يقصد ما أشارت إليه الروح، لكن هذه الطريقة كانت أمتع. تجهم وجه الروح المنكمش بينما تفحّصت عيناها الغامتان سلاحه.
"ألديك أدنى فكرة عما تعبث به؟".
نوع خاص من الخيوط استجابيّ للغاية للسحر. طبعاً.
"انظر، يمكنني تحويله إلى أشكال".
تحرك الخيوط، مشكّلة إبصاعاً أوسط. لم تكن هناك ردة فعل فورية، وأسف كال لعدم كون تلك إيماءة متعارف عليها عالمياً. أمستطاع تغيير ذلك؟
علّقت، بادية بمستوى معتدل من الإعجاب: "غباؤك يواصل إذهالنا".
ابتسم كال رداً قبل أن يمد يده إلى جيبه. أول ما فرشه كان نجمته الموثوقة، مكتسباً سخرية. تلتها الأقطة، محصدة حاجبًا مرفوعاً. بعد ذلك، شرع في العمل.
سأل رافعاً التبرة الذهبية: "إذن؟ ماذا ربحت؟".
تلاشى الكسي من تحته، وكان ليحفظ نفسه لولا عيون الروح المرجوانية الصافية التخترقانه. سقط كال على الأرض، متجمداً ليشعر بروحه العارية. لم يدرِ كم بقي ممدداً قبل أن ينثب واقفاً، متحولاً سلاحه إلى رمح. اعتبرته الروح بنظرة ضجرة، بعيون حليبية رمادية تحدّق في الأفق.
طالب كال، متعرفاً على الشعور فوراً: "ما بحق الجحيم كان ذلك؟".
كان ذلك ما أربكه خلال مواجهتهما. التفتت عيناه نحو الأثر، فرآه سليماً على الطاولة.
"ولماذا يبدو الأمر هكذا؟".
جسّدت الروح كوب شاي ومثّلت احتساءه. عاد كرسي كال للظهور، ولم يبطئ في استعادته. كان هادئاً ومتحكماً. وكإجراء احتياطي، أعاد إدخال النجمة والأثر في جيبه.
تمتمت: "احزر. لدينا أبدية".
ثبّت أنفاسه، مجبراً نفسه على الظهور باسترخاء. لقد هزّه ذلك، ووبّخ نفسه لإظهاره بهذه الفجاجة. وما إن فرغ من تنظيم أفكاره، حتى تكلّم.
"أأنت نوع من الهجينة الآلية الروحية؟".
رمش كال، ليجد نفسه في الفراغ. سارع بالعودة قبل أن يترنح جسده للأمام.
بدت الروح منزعجة حقّاً وهي تقول لدى وصول كال: "وجودك إهانة لنا. وكذا ذكاؤك".
حسناً، ليس هذا. مع ذلك، لم يُبطل هذا الرابط بينهما. إن لم تكن القوة حكراً على الآلية... فما هذا الإحساس الغريب الذي شعر به عند تفعيلها، ولماذا شاركته تلك العيون إياه؟ قيل إن الآثار تحوي بقايا قوة الملوك. وإن صح ذلك، أفلا تملك الروح قوتهم أيضاً؟ أجل، بدا ذلك منطقيّاً. ففي نهاية المطاف، اعترفت أ لينا مسبقاً بحشد تأثير أمير الباقي إلى المستويات السفلى للأكاديمية. ولإنجاز ذلك، لابد وأنها امتلكت شيئاً مشابهاً.
قال كال لنفسه قبل أن يستطرد في التخمين: "لست مولوداً طبيعيّاً، مما يعني أن أمير صنعك بنفسه. فمن إذن غمر عينيك بجزء من قوته؟".
كان أفضل تخمين يمكنه فعله؛ ولم يُعجبه الضمنيّات حوله. انحرفت شفتا الروح المتجعدتان إلى ابتسامة، وانفتح فكه ببطء.
أكّدت الروح: "كنت كذلك. ولا، لم يفعل. رغم أنك تقترب؛ ربما تكتشف ذلك بعد قرون قليلة".
أكان جزء الجزء خاطئاً؟ اقتنع كال بأنه على الطريق الصحيح، لكن لا بد أن شيئاً فاته.
قالت الروح مشيرة للبذرة في يده: "ما كان يجب أن تملك تلك. بالمناسبة".
أرخى كال قبضته، غير مدرك لمدى إحكامه للإمساك بها.
ردّ تلقائياً: "باء يقول مرحباً ويعتذر عن كل بطاقات العطلات الفائتة".
لقد حاد عن المسار. خلفية الروح، رغم أهميتها، لم تكن ذات صلة في النهاية. كان كال هنا ليكتشف ما يمسك به وحالة التحقيق.
نطقت الروح بشفاه محتارة: "باء؟".
أدرك كال أن هذا قد يصبح حرجاً فاستعد لتجاوز مقتل ابن عمها بأسرع طريقة ممكنة.
"كانت هناك روح أخرى. لا يمكنني مناداتكما كليكما بـ "الروح"، لذا أطلقت عليه لقب باء، مما يجعلك ألفا".
تحرك الخيوط، متهجية الحرف.
"إنه—أعني، بصراحة، لست متأكداً مما جرى لباء".
غادرا قبل وفاته، مما وفر لهما إنكاراً معقولاً.
"لكنني خطفت هذا الشيء الجائع الصغير".
بدا وجه ألفا خالياً من التعبير، وازداد كال حذراً قليلاً حتى هز كتفيه. أجابت ألفا بلمحة من...
شيء ما: "لا يهمنا إن قتلته. الأمر أفضل للجميع هكذا".
لم يدر كال ماذا يصنع بذلك فاختار تجنبه تماماً.
سأل ممسكاً البذرة بإصبعين، حاشناً جزءاً من فائض سحره فيها: "أتعلم ما هي؟".
تشبثت عيون الروح بها قبل أن تنجرف كسلًا لمكان آخر. نقرت أصابعه العظمية على الطاولة، مطيلة فترة الصمت.
"أقال الآخر شيئاً لك؟".
استرجع الذاكرة، لكنه قرر أن ترديد ما قالته سيضر بمصلحته.
"هذر قليلاً، هراء بغالبه. لقد جن جنون باء نوعاً ما".
توقف النقر، وشدّ كال عضلاته. كان درعه متشكلاً بالفعل، وعزم على ألا تباغته تلك النظرة مجدداً.
بددت ألفا جزءاً من التوتر قائلة: "يمكنك اعتبارها روحاً ناشئة".
رسم كال تعبيراً، مبعداً البذرة عنه قليلاً.
"هذه نسخة مصغرة منك؟".
لم تكن تافهة — بل لم تكن ما أراده.
قالت الروح بحزم ولمحة تحذير في نبرتها: "كلا. ولا تشبه الأخرى. ما كان ينبغي لها أن تكون هنا أو حية، لكن ما كان يجب أن تكون أنت كذلك، لذا نفترض أنكما تستطيعان مؤانسة بعضكما".
أكان هذا الشيء شبه خالد أيضاً؟ بدا ذلك حشوًا.
"لن تفقد وتناديني بـ "أبي"، أليس كذلك؟".
إن كان الأمر كذلك، فسيستعملها كحطب. لم يكن مستعداً أبداً ليكون أباً. ترددت ضحكة عميقة في أرجاء المبنى. اهتزت الطاولة، مرتجفة في مكانها تقريباً، بينما دار الضباب المحيط باضطراب.
"نادراً، لكن تلك كانت مزحة سيئة، حتى بمعاييرك".
لم تكن متأكداً من ذلك. الضحكة المرعبة ظلت ضحكة.
قال كال بلا شعور: "عظيم. والآن بخصوص—".
أُخرس إثر تجسّد برج من الورق على الطاولة. ارتفعت رقبته صعوداً محاولاً تقدير ارتفاعه.
"ذلك سجل دقيقة بدقيقة للثلاثة الذين رغبت بمراقبتهم، للأوقات التي أمكننا مراقبتهم فيها بلا قيود. أضفنا حتى بعض رحلاتهم في المدينة. مملة للغاية بمعاييرنا، ومن المحتمل أن ينتحر أحدهم، لكن الموت الذاتي لا يقع ضمن نطاق اختصاصنا. تصفّح على مهلك".
ومع ذلك، تلاشت عن الأنظار، تاركة كال مع جبل من الورق. أكان يتعرض لغرق وثائقي؟