لم يكن كال غريباً عن المشاكل. بدا وجوده ذاته مغناطيساً لها. ولهذا السبب، لم يكن رأساً مقطوعاً مهضوماً جزئياً كافياً لإزعاجه. جلس مسنداً ظهره إلى الحائط، رافعاً إياه، ومحملقاً في العينين الفارغتين بينما يتساءل عمّن يكون ذلك المسكين. لم يتعرّف عليه أحد، مما تركهم أمام لغز. لغز سيضطر إلى مواجهته خلال بضع ساعات.
قالت ليلي بصوت همس، أو أمر إن اعتبر المرء نبرتها كذلك: "ألا يمكنك رمي هذا بعيداً؟"
كانت ملقاة على جانبها بعيداً عنه قليلاً، متخذة من ذراعها وسادة.
"أنت تصبح أغرب من المعتاد."
أكان هو من يصطنع الغرابة أم الجميع سواهم؟ إنه مجرد جزء من جسد، ولو أخبره أي شخص هنا أنه لم يتعامل مع مثله قط، لوصفه بالكاذب. لم يكن ذلك يعني أنها نقطة تستحق القتال من أجلها.
أجاب بصوت منخفض، قاذفاً به عبر الثقب الصغير الذي أتوا منه: "إن كنت تقولين ذلك."
لعلّه أصبح متبلداً حسياً تجاه الأمر. فإمساك المرء بأطرافه المقطوعة يميل ليفعل ذلك.
"ألا يفترض بك أن نائمة؟"
لقد أثقل الجولة الأخيرة من الوحوش كاهل المجموعة، وبعد جمع ما احتجوه من المهزومين، أقاموا معسكراً. لسوء الحظ، كانت دوابهم، إلى جانب مؤنهم، لا تزال مفقودة. يُرجح أنها في بطون الوحوش، لكن كال كان يأمل أن تكون بخير. كان يرى أنه ما كان ينبغي إحضارهم إلى هذا الحد، لكن يقال إنها موثوقة هنا. من الناحية الإيجابية، لم يحملوا معهم شيئاً أساسياً للغاية. كانت بمعظمها ملابس إضافية وإمدادات طبية.
وكان عليهم فقط توخي الحذر أكثر — وهي مهمة تافهة داخل الأنقاض، أو تحتها. مع معرفتهم بنهم التغذية الذي يعقب قتلهم، قطعوا مسافة ما قبل العثور على شق بحجم مناسب يمكنهم الالتواء داخله. دار نقاش حول العودة إلى السطح. غير أن الهبوط لم يكن صغيراً وافتقرت جماعته لوسائل الطيران. كان بإمكانهم التسلق، لكن إن كانوا سيخلدون للراحة، فالكهف خيار جيد كأي خيار آخر. بلى، كان هناك شيء غريب يجري، لكن تلك كانت الأنقاض بوجه عام.
تذمرت ليلي منه: "لا أعرف كيف تفعلها."
سافرت عيناها إلى حيث يرقد بيني وريولاند في سبات. كانا يستريحان في وضعية الجلوس بظهريهما متكئين على بعضهما البعض ورؤوسهما متدلية للأسفل.
"أنا أفهمهم. لقد تناولوا شيئاً للمساعدة، لكنك تغمض عينيك فحسب وتغط في نوم عميق."
إذن لذلك وُجدت تلك القارورة. لقد انزعج منها لتناولهما شراباً مسائياً دافئاً دونه.
علق، واجداً التفاخر بالأمر غريباً: "إحدى مواهبي العديدة."
ما رأته هي نومًا هادئًا كان هو غيبوبته. لم تكن مهارة ينسبها تمامًا لنفسه، إذ كان للفراغ دور فيها بقدر ما كان له. عالقاً في مكان لا معنى فيه للوقت، وجب عليه تطوير طريقة لحجب أفكاره. وكونها انتهت لتكون الطريقة المثالية لتخطي الحصص الدراسية أثبت أن جهوده لم تذهب هباء.
مطه ليلي الكلام: "مواهب، بالتأكيد..."
تحولت مستلقية على ظهرها ورافعة كفها. رقصت الشرر على أطراف أصابعها، منيرة مسكنهم المظلم قبل أن تُخمد.
"كالوم، سؤال جدي. أهل تعرف أي تجليات متقدمة؟ لأنني راقبتك تقاتل طوال اليوم، وكل ما رأيتك تفعله هو رمي النار."
لقد تعلم القليل منها فقط ليثبت لنفسه أنه يستطيع ذلك. ومع ذلك، لم تكن أي منها متعلقة بالنار أو القتال. حسناً، في الواقع، تخيل أنها قد تكون مميتة للغاية، لكنه لم يستعملها بهذه الطريقة قط.
"ذكريني، كم النتيجة مجدداً؟ لأني متأكد تماماً أنني أسحق مؤخراتكم جميعاً مجتمعين."
لم يكن يحتفظ بسجل لها بنفسه، إذ كانت مسألة عديمة الجدوى. أياً كان الرقم، فقد عرف أنه سيكون أعلى من رقمهم. بلا شك، كانت هناك بعض التحسينات من جانبهم، لكنها لم تكن قريبة بما يكفي لسد الهوة في خبرتهم.
أجابت بنفخة وهي تنقر بإصبعها: "نعم، هذا رفض قاطع بالتأكيد."
انطلقت صعقة مصغرة. انفجرت لتشبه الألعاب النارية.
"سيتعين علينا تغيير ذلك. لقد شعرت بحرارة تلك الأساسية لديك، والسحر الذي استخدمته للوصول إلى ذلك. تقاربك ليس بقوة ألفي، لكنه قريب. يجب أن يكون تعلمها سهلاً. كنت سأساْل لماذا لم تفعل ذلك بالفعل، لكني أخمن أنك ستقول شيئاً غبياً مثل الطعن يفعل العجائب."
تأمل نوع رد الفعل الذي ستُبديه عند علمها أنه لا يملك تقارباً نارياً. كانت الحرارة نتاجاً لتحكمه، مما سمح له بفعل المزيد بالقليل.
قال محفزاً إياها على إدارة رأسها نحوه: "أنت مخططة."
كان وجهها خالياً من التعبير، كأنها تتوقع ما سيقوله تلياً.
"أحياناً عليك اللكم بقوة حقاً."
رسمت ابتسامة خفيفة على محياها وهي تدير عينيها.
"يا غبائي إذن. سأحاول ذلك بنفسي المرة القادمة."
تعقبت عيناه مخالبها. لن يختلف الأمر كثيراً عما تفعله عادة.
"كيف حال رمحك؟"
أفزعه سؤالها قليلاً، فاستعاد السلاح من حيث كان مستنداً إلى الحائط. سري سحره عبره، ولم يكن التدفق بسلاسته السابقة.
قال مغرساً بعض اللسع في صطوه: "بحال ساقك تقريباً."
ألقت ليلي نظرة حولها، باحثة على ما يظهر عن شيء ترميه. ومما يأسف له، كانت الخيارات محدودة، فاستسلمت عن البحث.
قالت بنبرة توضح أنه آخر ما يكون طريفاً: "أنت مرح للغاية."
سحرت ساقها أقرب، محكة قصبة ساقها.
"الأمر جيد في الغالب، لكني شفيت بسرعة كبيرة، ويستمر جسدي في نسيان أنه غير مكسور."
متلازمة الطرف الوهمي، أو تنوع منها. افترض أن الأمر منطقي، لكنه لم يتعامل معه شخصياً قط. وعزاه إلى نزوة أخرى من نزوات جسده. بقدر ما تجنب السؤال، كان رمحه مشكلة. لقد شك في أن من صاغه توقع استخدامه لشك العديد من الوحوش على تعاقب سريع. أخرجه دوي من تأمله، فوضع يده بحزم على الأرض، مرسلاً نبضة سحرية عبر الحجر.
قالت ليلي بتوجس: "هذه الرابعة."
أتقولين إن هذا مستقرار؟ تتبع السحر عبر الأرض، مستشعراً بنية جيبهم وما وراءه. شد وجهه مع تزايد تركيزه. في الأكاديمية أو المدينة الملحقة بها، لن يكون هذا شاقاً، لكن هنا، كانت الأمور مختلفة قليلاً. حمل الحجر مستوى من السحر الكامن جعل الأمور معقدة. استطاع، وفعل، جذبه إلى داخله، لكن القيام بذلك أبطأه. في أغلب الأحيان، لم يكن الأمر يستحق زيادة احتمالات الكشف. وهو ما كان شاغله الأساسي حالياً.
استهل كلامه مسحباً سحره: "إن أردت الإنصاف، لم تطلبي مني قط تعريف المستقرار. هذا ذنبك أكثر من أي شيء آخر."
لن يسقط السقف عليهم، على الأرجح. لم تكن هناك شقوق واضحة في محيطهم المباشر، لكنه لم يكن مهندس إنشاءات. لم يكن يعرف حتى إن كانت تلك هي الخبرة ذات الصلة في هذا السيناريو.
"لن ينفجر في وجهك، إذن هذا تحسن بالنسبة لك، أليس كذلك؟"
أغفل كال حقيقة أنه قد ينفجر فعلاً. يمكن للسحر الكامن أن يكون مضحكاً هكذا أحياناً.
تنهدت ليلي قائلة: "أكرهكما كليكما. سأحاول النوم مجددًا. أعلمني إن كنا على وشك الموت."
أصدر صوت همهمة موافقاً، مراقباً المدخل بينما يستمع إلى تنفسها. تباطأ، ليس بما يكفي ليقنعها بأنها نائمة، بل بما يكفي ليجعله يؤمن أنها تبذل محاولة صادقة. وصلت يده إلى سترته المغطاة بالتراب، مستخرجة حزمة من الملاحظات. قلب صفحاتها بإبهامه، عاطراً على الصفحة التي توقف عندها. مسحباً إياها بعناية، جلبها نحو ساقه مسطحاً الورقة. كانت قطعة أخرى مميزة من ميلي، مع شطب فقرة كاملة من كتابها المدرسي والكتابة فوقها.
كان متأكداً تماماً أنها كانت تتحدث عن المنظفات، لكن مع مدى تشوهها، لم يكن متأكداً. وقد استُبدلت بسلسلة من الخربشات. جلس كال هناك، معصراً عقله لمعرفة معناها. عاد إلى النص، محاولاً القراءة متخطياً الخطوط الحمراء السميكة. برزت له كلمات التطور، والدراسة، والمقارنة. إن حدق بتمعن، كانت الرسومات لنبات. أكانت ميلي تحاول القول إن المنظفات تشبه النباتات؟ استطاعت كل الكائنات الحية تطهير مستوى معين من الفساد لجعل السحر خاصاً بها.
وكلما كانت الإرادة أقوى، كان الأمر أسهل. بدت النباتات مختلفة قليلاً في أنها بلا إرادة تُذكر. ليس بعد الآن، هذا صحيح. إما أن تذبل وتموت، أو تتحول إلى شيء جديد. تعنت خبرته في سحر النمو معرفة أكثر من معظمهم، لكنه شعر كأنه يفتقر لشيء ما. لمر يرغب في التورط، لذا دوّن ملاحظة ذهنية وسحب صفحة أخرى. كان يعمل على ورقة أخرى حين دخل صوت حوافر بعيد أذنه المعززة. قابضاً على رمحه، ضرب ليلي بخفة ثم الآخرين.
انتفضا، لكن كفه المرفوعة أوقفت أي رد فعل أعظم. كان على وشك عمل إشارات باليد قبل أن يتذكر أن هؤلاء ليسوا عملاء الفيدرالية الذين يتعامل معهم. اكتفى برفع إصبع للأعلى ثم الإشارة نحو المدخل. تبادلا الإيماءات، وجمعوا أسلحتهم ببطء، حذرين من إحداث أي ضجيج. بمجرد تسلحهم، وقفوا بجمود، منتظرين وآملين أن يمر بهم أياً ما كان، لكن أصوات الحوافر زادت حدة فحسب. ومع اقترابهم، أدرك أنها مألوفة.
ألقى نظرة على رفقائه، مخفضاً رمحه.
تمتم صامتاً بالسؤال: "دواب؟"
بدا الأمر كأنها هي، لكنه وجد صعوبة في تصديق أنها ستجد طريق العودة بعد كل هذا الوقت. أومأ ريولاند، لكن وجهه أخبر كال بأنه متشكك في الأمر أيضاً. فكر كال في الأمر لبضع ثوان قبل اتخاذ قرار. شق طريقه خارج الشق، مستشعراً بصمة رفقائه الخافتة خلفه. إن حدث قتال، سيحتاجون إلى مساحة للمناورة. كان مخبأهم يقع قرب عمود، وأبقى يده عليه وهو يلتف حول الهناء. توقف، مستشعراً لمحة من شيء ما.
لقد اختفت في لمح البصر، لكنه كان أعقل من أن يتجاهلها. تومض بصره جانباً، ملاحظاً الرأس الذي رماه. إن كان الأمر كذلك...
تحدث بنعومة، قبل أن يرفع صوت ويصيح: "ريولاند، جهزه. تحذير عادل. معي رمح ولا أعرف كيف أستخدمه."
تصلب رفقائه عند صياحه، وخفض صوته مجدداً لتوضيح أي لبس.
"في الواقع أنا أتعود عليه، لكنني أريد مباغتتهم."
صدرت بعض التمتمات غير اللائقة التي اختار التظاهر بالصمم حيالها. ففي النهاية، كان مشغولاً. فحص كال المنطقة، وفي حالة نادرة، شكل قوقعته مسبقاً. لم تكن متأكداً من الموجود هنا، لكنه شعر بلا شك بسحر إنسان.
تابعت ليلي نظره قائلة: "على مقياس من واحد إلى عشرة، ما مدى هلاكنا؟"
لم تكن لديه أدنى فكرة. قد يكون شخصاً في مستواهم أو وحشاً كاملاً. كان مصادفة شخص هنا أمراً جديداً عليه. كانت الفرص ضئيلة، وكان أعقل من أن يظن أن هذه صدفة.
كذب، مخططاً لأن يُسمع: "في حدود التسعة، ربما ثمانية، إن شاء الأسلاف."
بهذا القرب من الحدود، ينبغي أن يكون شخصاً منتمياً للإمبراطورية. والسيناريو الثاني الأكثر ترجيحاً سيكون أحد أبناء وطنه. ستكون تلك مواجهة مربكة وغير مرغوب فيها بالمرة.
ردت ليلي بكآبة: "من الجيد إذن أنني كتبت رسالة قبل المغادرة. سيكون الأب غاضباً جداً. أتمنى لو أستطيع رؤية ذلك."
كان متأكداً تماماً أنها تمازح.
أجاب بنيامين بجدية، واقفاً أمام ريولاند بحماية: "سنضربهم إن وصل الأمر لذلك."
سجل كال أصابع ريولاند تحت درعه، ومنحه ذلك بعض الطمأنينة. كانت الأثرية ملاذاً جيداً.
"أأقترح ألا نندفع نحو العنف؟"
نظر كال إلى الرجل المجنون كأنه مجنون. لم يكن معارضاً للفكرة، لكنه لم يكن يعتمد على نجاح تلك الطريقة.
"امضِ قدماً، لكني أذكرك بأن أياً منا لا يبدو ودوداً للغاية."
لوح بيده على نفسه، مستعرضاً الدم المتخثر وقطع الأحشاء التي التصقت به. كان الجميع في حالات مشابهة، مع كون بيني أفضل حالاً بقليل.
"والاحتمالات تشير إلى أن أياً كان هذا الشخص يفضل ضرب الأشياء بدلاً من التحدث إليها."
لم يكن الجميع بعقلانية شخص مثله. أومأ ريولاند له برأس مقتضب، وتفرقا، مكونين مثلثاً والأمير في المنتصف. أياً كان الشخص، كان كال واثقاً من كسب الوقت الكافي لهم لتفعيل الأثرية. قد يكون إجبارهم على الخروج من نطاق النقل أمراً صعباً، لكنه يستطيع تدبر أمر ما. وسّع اتصاله بالفراغ مسبقاً، مستعداً لصفع هذا المعتدي الجديد.
قال صوت من الأمام: "أنا أتفق عموماً مع صديقنا الشاب هناك."
خطا رجل من خلف عمود، مجراً معهما التيريوس المفقود. كان طويل القامة ونحيفاً، بلون بشرة داكنة. قُص شعره بقصر شديد حتى تعذر تمييز لونه، ورُسمت دوائر بنفسجية حول عينيه الرماديتين. ارتدى قميصاً أزرق طويلاً ومتموجاً، يطابقه زوج من السراويل. بدا ناعماً ومصنوعاً من الحرير أو الساتان. وحول عنقه وُجدت ميدالية بنفسجية.
"ومع ذلك، مصادفة أنني دبلوماسي."
كانت فكرة كال الأولى هي أن الرجل تائه. فماذا سيُفعل دبلوماسي شرايي هنا بخلاف ذلك؟
قال الرجل بمرح وهو يقطع بسطح سكين قطعة أخرى من اللحم عن الفخذ التي شواها كال: "هذا قابل للأكل على نحو مدهش! أبسط ممّا اعتدتُ عليه، لكنّ هذه هي ظروفنا الحالية".
أمام هكذا موقف لا يُصدّق، لجأ كال إلى ما يتقنه أكثر. حسناً، ما يتقنه ثانياً. لم يكن قادراً على لكم دبلوماسيّ تماماً، لذا وجب عليه إطعامه. جلسا في معسكرهما، حول نار صغيرة أوقداها. كان الأمر متهوراً، وتمنّى جزء منه لو تعثر بهما وحش. القتال سهل؛ والكلمات أقل سهولة بوضوح. نخزته ليلي بكتفها، ناظرة إليه بحدة قبل أن تومئ برأسها نحو ضيفهما. صحيح، الأخلاق. كان يملكها. في مكان ما.
"شكراً لك؟"
تلك كانت أفضل نتيجة ستستخلصها منه.
ابتسم الرجل بمرونة وقال: "حقّاً كذلك. أشكر الصانع على تعثري بكما. يا لتفكيري في إيجاد حلفاء في هكذا بقعة!"
صحيح... حلفاء. أحبت المدن الحرة استخدام ذلك المصطلح. أصدقاء للجميع، أعداء لا أحد، هذا ما يحاولون إقناعك به. لم تكن الأمور وردية إلى هذا الحد، وعرف كال من التاريخ ما يكفي ليعرف أين تكمن أولوياتهم. وهي أنفسهم. لم يستطيع لومهم على خدمة مصالحهم الشخصية، لكنّه تمنّى لو كانوا أقل وقاحة في ذلك. من بين الخيار الخماسيّ، كان شيراي الأكثر سفوراً فيها.
"موافق، باسم. ومع ذلك، إن لم تخدعني ذاكرتي، كان مقرراً أن تستقل سفينة في لوكمور تُرسلك في جولة ساحلية عبر الإمبراطورية تنتهي عند مقر الدوق بروسيلاي. لقد تلقيت جدول الرحلة المحدث، أليس كذلك؟"
أثار اسم لوكمور جرس إنذار في ذهنه؛ فقد كان الميناء الرئيسي للجيب المقدس، ولا صلة له بمكان وجودهما الحالي.
قال باسم وهو يهز رأسه: "نعم، نعم. وكان مُملاً بشكل مزعج. لحسن حظكما، وجد أبناء وطني حلاً. تلقيت رسالة تخبرني أنهم تعقبوا لصوصاً يخصوننا قرب حدودكم الشرقية. وبصفتي مضافاً لشيراي، كان واجبي التحقيق وجمع الدين الذي تكبدوه".
لم يلتقِ كال بأي مضاف قط. كانوا تلامذة سادة المدن وبدلاءهم المحتملين. وبالنسبة لشيراي، سيحدث ذلك قريباً نظراً لتقدم التيتان في السن.
كانت خبراً جيداً نوعاً ما، إذ تعني أن كال لم يضطر لإضافة "حماية الدبلوماسي"
إلى قائمة مهامه. سيكون باسم بمستوى ويليام على الأقل، وربّما يسبقه بنصف خطوة. استخدم مصطلح نوعاً ما لأنّه لم يكن على وشك الثقة برجل التقاه في النفايات.
سأل رولاند باجبين مقطبين: "لصوص؟ لا أعني التقليل من شأن العمل الذي ينجزه مواطنوكم الأفاضل، لكنّك تلمح إلى أنكم تعقبتموهم إلى هنا؟"
كان الأمر إشكالياً. واجه كال صعوبة كافية في إيجاد الكوخ وقد عاش هناك لسنوات. بغض النظر عن ذلك، أي عيار من اللصوص سيختبئ هنا في المقام الأول؟ ليس النوع الذي يرغب في جلب هذه المجموعة إلى أي مكان قريب منه. لم يبدُ باسم منزعجاً من السؤال؛ بل رسمت ابتسامة متعجرفة على وجهه.
"بالتأكيد. زودنا أحد بني قومهم بطريقة غريبة لإيجاد معقلهم. لقد كانوا متعاونين للغاية بمجرد توفير الحافز المناسب".
آتية من شيراي، قد تعني هذه العبارة أي شيء بدءاً من دفع فدية فلكية لهم وصولاً إلى سلقهم أحياء. توترت الابتسامة الملساء المرتسمة على وجه رولاند، وشارك نظرة مع بيني، الذي لم تبتعد يداه قط عن سكاكينه. وهو أمر مذهل بالنظر إلى مدى رغبته الواضحة في القفز عندما كان كال يُعد الشواء.
قال رولاند بطريقة جعلت كال يتساءل عمّا إذا كان يعتقد ذلك حقاً: "يا له من حظ سعيد. وهل لي أن أستفسر عمّا إذا كان سيد المدينة على دراية بمكان وجودك الحالي؟ أخشى أن سعيك يحيـد كثيراً عن غرض رحلتك. المؤتمر يقترب بسرعة، ولا تزال التفاصيل بحاجة إلى اتفاق".
تناول باسم قطعة لحم، رافعاً إياها إلى فمه بشوكة. مضغ ببطء، تاركاً إياهم جميعاً ينتظرون قبل أن يلقي بطرحه التالي. كان التصرف متعمدًا، ولم يستطع كال إلا أن يشعر بأن الرجل كان يماطل. قاده ذلك إلى الاشتباه في أن باسم قد تخلى عن حاشيته واندفع إلى هنا لحسابه الخاص.
قال باسم ببساطة وهو يمسح فمه بقطعة قماش: "أيعلم الإمبراطور بأمر سعيك؟"
تجمد وجه رولاند، وقبل أن يجمع رداً، انفجرت ضحكة طاهرة في الكهف.
قالت ليلي وهي تمسح دموعاً وهمية من مآقي عينيها: "تستحق ما جرى لك".
أخذت أنفاساً، وضاقت عيناها.
"لصوص، أها؟"
رفرفت عيناها نحو كال قبل أن تعود إلى باسم.
"ألن تكون هناك مكافأة لهم يا ترى؟"
ستكون هناك، وإن أنصفتهما القصص، ستكون مكافأة سخيفة. ربّما تكون كافية لشراء لقب ثانوي مثلما امتلكت عائلة آن.
قال باسم بطريقة تقريرية: "ولكن بالطبع. لن نخدع أبداً أولئك الذين قدموا لنا العون. حتى إنني جعلتها رسمية بإرسال التماس رسمي إلى مقامك. لم أكن قد تلقيت رداً بعد قبل أن أرحل من تلقاء نفسي؛ ومع ذلك، سررت بمعرفة أنها سلمت أحد أفضليكم".
نظر كال إلى الجمع.
لم يكن أي منهم مؤهلاً ليكون "الأفضل"
للإمبراطورية. لم يغب ذلك عن أي منهم، وأراح بيني يده على كتف رولاند قبل أن يتمكن من النهوض.
سأل الأمير دون توقف تقريباً بين الكلمات: "ماذا تقصد بحق الجحيم بذلك؟"
أمال باسم رأسه، وفي تلك اللحظة، بدأت البيئة المحيطة ترتجف مرة أخرى. مر الأمر، ومع عدم انهيار السقف فوق رؤوسهم، رد باسم.
"أنا أتحدث عن الهزاز. بصراحة، كنت أظنه قد تقاعد، لكن الرجال الذين أسرْتُهـم بالقرب ادعوا أنه كاد يدمر منشأتهم بالكامل. ولم ينجوا إلا من خلال استدعاء ما لم يكن يجدر بهم استدعاؤه".
أطلق تنهيدة وهو يهز رأسه: "يا للأسف لقد وصل قبلي. لو لم يكن الأمر كذلك، لكنا هزمناه معاً".
أثارت الكلمات شيئاً في داخله، وقرر كال زمام السيطرة على المحادثة.
سأل وعيناه مسمرتان على الرجل: "ماذا استدعوا؟"
توقف باسم قائلًا: "أحد ن—"
ثم استطرد: "شيطان. ممّا لاحظته، الفئة الخامسة. لقد غلب رجلَك، لكن المعركة كانت ضارية وما خلفته من هزات ارضية هو ما تختبرناه مؤخراً".
جمد الدم في عروق كال، واهتزت يداه. تطلب الأمر كل طاقته لكيلا ينهوض. الفئة الخامسة، كارثة ماشية. كانت التصنيف الأعلى، ببساطة لعدم وجود جدوى من تصنيفها أعلى. حين يُنادى بذلك الرقم، فإنك تُرسل أفضليكم — سواء أكانوا أعضاء الكوكبة أم أصابع أم أيادي.
طالب كال وصوته يخرج بقوة أكبر ممّا قصد: "أين هي؟ ولماذا نحن جالسون هكذا؟"
لن يسمح لهذا الكيان بالوصول إلى الحضارة. كان عليها أن تموت. وسواء أتعلق الأمر بمهمته أم لا، فهذا لا أهمية له.
قال باسم بلا فائدة: "هدئ من روعك، أيها الصديق الشاب. لقد فصلوا الهزاز عنها قبل توجيه الضربة القاضية. مع عدم اكتمال عقد استدعائها، لن تتمكن من التجوال. كما لم تكن المعركة ذات طرف واحد. لقد أُصيبت بجروح بليغة. كنت مستعداً لتحدّيها بنفسي؛ ومع ذلك، هناك تعقيدات معينة".
في ذهن كال، التعقيدات الوحيدة ستكون إيجاد طريقة لإقناع هؤلاء الرجال باستخدام الأثر والخروج من هنا. حينها يمكنه قتل الكيان، واستجواب الجميع في الجوار، و... إنقاذ فيرغسون؟ واحد من هؤلاء لم يكن يشبه البقية.
أعاد كال صياغة سؤال، ولا يزال عقله يحاول استيعاب الموقف: "أجب عن السؤال. أين هي؟"
لم يرد باسم على الفور، بل اتجه نحو حقيبته. فتح الغطاء اللامع وأمسك بمقبض حديدي. يشبه الشيء الذي أخرجه فانوساً، إلا أنه بدلاً من اللهب، وُجد كائن ذابل يشبه العفريت. لقد صدم جسده الصغير بالزجاج، مخادشاً وعاضاً إياه بجنون. أشارت إنجاز إصبع إلى الاتجاه الذي هاجمت فيه.
قال وكأن احتجاز شيطان أمر عادي: "في هذا الاتجاه. أخبروني، يا سليل الإمبراطورية الشباب. أترغبون في رؤية ما تبقى من عاصمتكم المُبجّلة؟"