جلس كال على كتلة فرويّة، وأرخى ظهره إلى الوراء مستنداً إلى ذراعيه. مدّ ساقيه براحة، مسروراً بعثوره على جثة ملائمة ليستريح عليها. لم تكن تلك السرّاج تروق له، ولم يُساعد موقعهما الحالي على الجلوس بمهل. باستثناء تفصيل واحد، لم يتغيّر المشهد كثيراً. تمثّل ذلك التفصيل في ظهور الماء الذي حوّل البقعة إلى بركة طينية لزجة. وحتى مع مطاياهما، كان التقدّم عبرها شاقاً للغاية.
لم يهمّ أيّ من ذلك هنا، وكبح رغبته في إطلاق صفير بنغمات اكتسبها مؤخراً. تدلى من حزامه كيس ارتجاليّ صنعه من ملابس لم يكن يتوقع حاجتها. لقد ازداد ثقلاً بمرور الليل، وكان كال يشعر بشعور جيّد. ومع تلويح ظلّ موجة عظيمة فوقه، تردّد في المبالغة بمرحه، لكن كبح نفسه بدا عسيراً. تنشق الهواء، مستمداً الدفء من السحر الكثيف المحيط. لم يكن يقارن بما يمكنه امتصاصه في الكوخ، لكنه أفضل من الأكاديمية.
أثارت الفكرة تساؤل كال عما تفعله أليس الآن. شعر بالسوء لسرقة رفيقتها الوحيدة، حسب ظنّه، طوال عطلة نهاية الأسبوع. لقد رآها تتفاعل مع طلاب آخرين، لكن مسافة معينة ظلت تفصل الطرفين دائماً. والفتاة الجالسة بجانبه، ليلي، كانت الشخص الوحيد الذي رآه يعبر ذلك الحاجز الخفيّ. أبى عقله إلّا أن يثبت خطأه، فبرزت ذكرى مدفونة حديثاً. صحيح، كان هناك شخص آخر قد تنسجم معه حقاً. ذبلت الابتسامة التي استقرت على وجهه، وسرت قشعريرة على طول عموده الفقري.
"للّهول"، تمتم كال، وتسلل التوتر إلى جلسته المسترخية بينما هبطت عليه هواجس مقلقة.
هبت ليلي واقفة، وأخذت تمسح الأفق بحثاً عن مخاطر. لمعت مخالبها في ضوء الصباح، وما زالت مبللة بدم فريسته الأخيرة.
"ما الأمر؟"، سألت بصوت خلا من أيّ مرح.
استقرت نظراتها في نقطة معينة، وبدت مستعدة للانقضاض.
"أعلينا التدخل هناك؟"
كان كال حذراً للغاية بشأن التفاصيل التي وضعها في رسالته المرسلة إلى أوليفيا. لو التقت أليس بها وقارنتا الملاحظات...
"أأخبرت أليس بالمكان الذي نتجه إليه حقاً؟"، أفلتت منه الكلمات، محملة باستعجال السؤال.
تيبّست كتفاها، وأطلقت ضحكة توتر.
"آه، أردت ذلك. حقاً أردت. لكنني حينها سأضطر للتعامل مع اثنين من أمثالك في هذه الرحلة".
سقط إلى الوراء على البقايا الفرويّة للوحش، محدقاً في السماء الصافية. حمل ذلك احتمال أزمة حقيقية. وعند التفكير في الأمر، لم تكن أليس تعرف حتى أين تعمل أوليفيا حقاً. كانت احتمالية لقائهما معدومة تقريباً. وحتى لو التقتا، فما عسى أوليفيا أن تفعل؟ أتصبح أكثر غضباً منه؟ أغمض كال عينيه وأطلق همهمة، مستمداً بعض المرح من مدى مبالغته في القلق بشأن لا شيء. والآن وقد تحرر من همومه، واصل الاستمتاع باللحظة على ما هي عليه.
"انتظر"، قالت ليلي بشك.
"أكان هذا كلّ ما يشغلك؟"
فتح عيناً واحدة، فرمقها بنظرة قبل أن يعود ويغلقها.
"أجل"، قال بلا مبالاة.
"وما عداه؟"
شعر كال بفرو الوحش يتحرك وهي تقترب بحذر. دفعته حذاء برفق، ففتح عينيه معبّراً عن عبوسه.
"ماذا؟"
أشارت بمخلبها نحو البعيد، فاعتعد جالساً ليرى ذات المشهد الذي لفت انتباهها سابقاً.
"وماذا بعد؟"
في الحقل الواسع أمامهما، اخترق لسان شائك صورة باهتة لرولاند. صاحب اللسان، ضفدع أخضر شاحب بحجم أحد مطاياهما، أرجح عضلته اللحمية في قوس. سُمع صوت صفعة عند ملامسته شيئاً ما، فظهر رولاند للوجود فجأة. كان سيفه الرفيع مرفوعاً بوضع عموديّ أمامه وانزلق حذاه للخلف عبر السطح الموحل. وجّه رولاند النصل وترك اللسان يغوص في الأرض. قبض على موضع الفتح، وتألق سلاحه بضوء ساطع قبل أن يهوي قاطعاً عضو الوحش المكشوف.
التقى الاثنان وثبّت السيف الخصم لحظيّاً، مما جعله يتخبط بعنف عاجزاً عن اختراق طبقة المخاط الثخينة التي تغطيه. ارتعشت القمة الشائكة، وانطلقت أشواك دفعت الأمير إلى التراجع على عجالة أثناء تفاديه المقذوفات. سقط كال إلى الوراء مجدداً، مغمضاً عينيه وواضعاً يديه خلف رأسه.
"إنهما بخير"، أضاف بعد أن شعرت بنظراتها الملحّة.
"بيني يتسلل نحو الكائن الآن".
تعلقت عبارته لثوانٍ معدودة وفتح عيناً حين ظهر الفتى المذكور خلف الوحش. لمع سكينان، وأخذت ظلالهما تتحرك باستقلالية. إن أصابتا هدفيهما، فسيغوص النصلان في مؤخرة رأسه بينما يلتف الظلان ليجتاحا مقلتيه. كان ذلك احتمالاً بعيداً، وتلقى المنفذ جزاءه وجهاً ممتلئاً بالطين حين قفز الوحش مبتعداً، ليهبط على مسافة آمنة مستديراً ليواجه الفتيين ويطلق ما بدا نقيقاً ساخراً.
"مه"، قال بلا اكتراث.
"سينجزان الأمر، في النهاية. ساعديهما إن شئت".
كان ذلك الوحش مراوغاً، لكن ضرباته لم تكن قوية. كان يجب أن يُقضى عليه منذ زمن، لكن ليلة المعارك أظهرت له مدى سذاجة رفاقه حقاً.
"أنا؟"، سألت ليلي بميل رأسها قبل أن تهوي جالسة بجانبه.
"لااا شكراً. لقد فزعت فقط لرؤيتك أنت بالذات تشعر بالقلق. علاوة على ذلك"، راحت تربت على جلد الوحش المهزوم تحتهما.
"قمت بدوري، وليست مشكلتي أنهما فاشلان في هذا".
امتدت يده، تبحث عمياء حتى قبضت أصابعه على رمحه. أمسك بنهايته وضاربها برأسه بخفة، أو حاول، إذ أبعدته بنفضة من مخالبها.
"تس، تس، تس"، أصدر صوتاً بلسانه استنكاراً.
"سمعت عن نبلاء يسرقون فضل أعمال الآخرين، لكنني ما ظننتك ستكونين إحداهم".
لو حدث هذا في الأكاديمية، لنال منه وخزة وصعقة محتملة. أما هنا؟ فقد لاحظ تحفظها معهم. وكانت تلك خطوة حكيمة.
"لقد فقأت أنفه"، أضافت بخجل ظاهر.
رمقها بنظرة مسطحة، فمررت خصلة شعر خلف أذنها.
"حسناً، لقد فعلتَ معظم الأمر".
همهم كال إقراراً بذلك، فتحول نبرتها إلى الحدة.
"لا تبدُ هكذا مغروراً. بالكاد تمنحني فرصة لفعل أي شيء. فنصف الوقت تستخرج الجوهر حين ألحق بك أصلًا".
أبدا مغروراً؟ لقد شعر بذلك حقاً. شهدت أيامه في الأكاديمية تخبطه هنا وهناك. كان ثمة شيء يجهله دائماً، يتربص مستعداً للقفز ونهشه. أحب أن يعتقد أنه تقبل معظم ذلك برحابة صدر، لكن الاسترخاء هنا وقتل وحش أو اثنين كان أمراً ممتعاً بحق.
"ذلك لأنك تتكاسلين. بإمكانك مجاراة سرعَتي إن اردتِ".
لم تقتصر على وحدها. كانوا جميعاً يضبطون أنفسهم إلى حد ما. لقد تفهم السبب — فالاستنزاف هنا سيحولهم إلى عبء هائل. تساءل فقط عن المدة التي سيستغرقونها لإدراك أن العبث طويلاً يزيد بشكل كبير احتمالية انضمام وحش آخر إلى المعركة. في أعماق القفر، لا سبيل لإيقاف ذلك، لكن كان بإمكانهما قطع معظم الليل بلا إزعاج لو أنهما قتلا المخلوقات بسرعة أكبر.
"عذراً لعدم اندفاعي بأقصى سرعة في فكّ كل وحش أراه. يحب بعضنا معرفة ما نحاربه قبل الشروع في الطعن. أعلم أنه لمفهوم مجنون".
استطاع كال متابعة المنطق في ذلك على مضض. لم تكن قدرات الوحش واضحة فوراً دائماً، وقد باغتته المخلوقات مرات لا تحصى من قبل.
"الخدعة تكمن في قتلها قبل أن تفعل أي شيء مميز"، قال مستنداً إلى خبرته.
"أمر محفوف بالمخاطر، لكن دروعنا ليست للزينة. إن كان ذلك يعني تمكينك من توجيه ضربة قاضية، فتحملي الضربة".
عمد إلى جيبه، مستخرجاً شريحة لحم وأخذ يمضغها. لم تكن بقرب جودة ما يمكن أن تكون عليه، لكنه سرّ بنتيجتها. التقط قطعة أخرى ومدّها نحو ليلي. امتدت مخلب مترددة، تقرص قطعة اللحم بين إصبعين. رفعتها ليلي إلى أنفها، شمتها مرة قبل أن تأخذ قضمة.
"تباً لي، هذا لذيذ".
خرج كلامها مشوهاً بسبب المضغ الذي كانت تفعله.
"من أين لك بـ..."
توقفت، وضاق عينيها. قطعت جزءاً ورفعته إلى أنفها مجدداً.
"له رائحة قوية حقاً".
إن كانت تلك شكوى حقيقية، فلن تحصل على المزيد.
"لم تجلب هذا معك".
كانت تلك جملة تقريرية، فاستمر في تناول طعامه بسلام.
"كنت معك طوال الوقت. متى... لا، كيف أتيحت لك الفرصة لصنع لحم مقدد؟"
كان وصفه باللحم المقدد كرماً، إذ لم يملك ما يتبله به. شابه اللحم المجفف أكثر. والسبب الوحيد لروعة مذاقه هو جودة المكونات الأساسية.
"في ذلك العش مع مجموعة من الوحوش شبيهة السحالي. كنتم تستغرقون وقتاً طويلاً جداً لقتل وحشكم، فشعرت بالملل".
فاجأه أكثر أنها لم تلاحظ. لم يكن متخفياً تماماً في تقطيع ذيل السحلية. كانت بحاجة ماسة للعمل على يقظتها.
"حسناً".
مدت ليلي الكلمة، وضعت راحة يدها على رأسها للحظة.
"أدرك أن أياً منا ليس طبيعياً. أعني، أنا جالسة على وحش ميت وأتناول اللحم المقدد بينما أرااهد فرداً ملكياً يُركل في وجهه".
تطلع كال إلى القتال، ليرى رولاند وقد تلقى قدمًا في رأسه وهو يندفع في الهواء.
"لكن لدي على الأقل ذوق الشعور بالقلق بين حين وآخر. تبدو كأنك في عطلة".
نعم، كان مدركاً كيف قد تُفسر أفعاله. ومع ذلك، فشذوذه كان السبب الكامل لوجوده هنا.
سيحرص على «المكابدة»
ما إن يصادفوا شيئاً يستحق الذكر، لكنه الآن في شارع مريح.
"قرية حدودية، أتعلم؟ كانت الوحوش تتجول بشكل متكرر أكثر مما تظن. الذعر والتوتر لا يجديان نفعاً. لن أكذب وأقول إنني لم أرتعب تماماً في المرة الأولى، لكن المرء يتجاوز الأمر".
حتى مع معرفته بأنه سيعود، فإن استدعاء الشجاعة لتحدي المنطقة المحيطة بالكوخ لم يحدث بين ليلة وضحاها. لقد جبن في أكثر من مناسبة، مبرراً ذلك في كل مرة بأن المرة القادمة ستشهد كونه أقوى أو أكثر مهارة. وعند حد معين، أدرك أن لديه خياراً: إما البقاء خلف الخط وعدم مغادرة الكوخ أبداً، أو اتخاذ خطوة واحدة للأمام. خطا كال الخطوة... وبُقر بطنه فوراً بواسطة وحش يتربص في كمين.
كانت بداية مشؤومة. ومع ذلك، ظلت المعادلة كما هي، لذا استمر في اتخاذ تلك الخطوة. أكل ذلك الوحش جيداً لمدة نصف عام تقريباً.
"حسن إذن"، صفقت ليلي، مما جعله يعود إلى الحاضر.
"أظن أن عليّ عملاً أؤديه".
قربت ساقيها نحو صدرها وبدت مستعدة للنهوض قبل أن تتراجع عن الحركة.
"ربما ليس هذا. أجل، كما قلت، لقد توليان الأمر".
التفتت عينا كال نحو القتال، ولم يستطع منع نفسه من الضحكة عند رؤية المشهد. بدا الفتيان كالقنافذ، مغطَيْن بالطين والأشواك. كم مرة أخرة سيسمحان له بالقفز بعيداً؟ علم أن هذا سيتحول في النهاية من مرح إلى مرحلة كئيبة، لكنه كان يستمد كل متعة ممكنة من الأمر الآن. دفع ليلي بمرفقه وأشار برأسه نحو الثنائي.
"متى تعتقدين أنهما سيفرمان بحاجتهما لضرب مؤخرة ساقه؟"
وأمام نظرتها الحائرة، تابع الشرح.
"انظري إلى الجلد هناك. أترين بياض عظامه؟ هناك يكون الجلد أنحف، وكعلاوة إضافية، يغطي الغشاء المخاطي جسده الأساسي فقط. ليست لدي أي فكرة عن سبب إصرارهما على استهداف وجهه".
التفت رأسا الفتيان نحوه في نفس اللحظة، ولسبب ما، استطاع استشعار مستوى من العداء منهما. مدّ يده إلى جيبه واستخرج قطعة أخرى من اللحم (غير) المقدد، قاطعاً قسماً منها بأسنانه ومضغها بمبالغة. بدا ذلك الرد الوحيد المناسب.
"كال."
تقدّم رولاند أمامه بخطوات واسعة وعنيفة. اجتازوا المستقنَع وباتوا الآن في رقعة غابيّة متفرّقة الأشجار. كانوا يسرون على أقدامهم بينما تتبعهم دوابّهم من الخلف. اغتسل الفتى لكنّ رائحة الضفادع ظلت تلابسه.
"أدرك أنك قد ترى في معرفتك كنزاً ثميناً."
لم يكن يدرك ذلك البتّة بطبيعة الحال.
"لكن في المرات القادمة، ألا يفيدنا جميعاً أن تشاركنا مثل هذه المعلومات؟"
كلا، لم يكن يعتقد ذلك البتّة.
"أرحنا من هذه المحاضرات،"
تدخلت ليلي. كانا يمشيان على شكل أزواج بينما تولى الفتيان الآخرون القيادة في الوقت الراهن.
"بينيامين لا يتذمر. أليست حقاً يا رجل الضخم؟"
كان بيني في حال أفضل من رولاند، إذ امتصّ الرداء الذي يرتديه معظم تلك الرائحة النتنة. لم يكن كال متأكداً ممّا دفع رفيقه لإحضار أردية إضافية، لكنّ الفتى كان ممتناً لذلك غالباً.
"أرى مزايا لتجربة كهذه،"
تمتم بيني بامتضاض، متبرماً لكنّه متفهّم في الوقت ذاته.
"لن نواجه سوى وحوش أشد بأساً كلما توغّلنا أكثر."
مرّر رولاند يده على خاصرته ثم نفضها بقوة ليزيد ما علق بجسده من بقايا لزجة.
"كنت أظنّ أن الوحوش الأربعة عشر التي قتلناها طوال الليل ستكون كافية لهذا الغرض."
قد ينظر شخص أكثر رقة ورحمة إلى الثنائي الممزق فيشعر بالأسف حيال أمْرِهما. لكنّ كال وجد صعوبة بالغة في كبح ضحكة كادت تنفجر منه. شعر بالسوء إزاء الأضرار الجانبية، ولكن رولاند؟ لقد جلب الأمير هذا كله على نفسه تماماً.
"إن كنت تظنّ ليلة البارحة كثيرة، فالأفضل لنا أن نستدير ونعود أدراجنا،"
بادرهم كال بالقول، دون أن يحاول إخفاء المرح في صبره. كانت لكال آراء متضاربة حيال هذا الأمر. فالجواهر التي جمعها كانت رائعة، وكانت الغاية الأساسية من رحلته، لكنها ظلت قليلة العدد حتى الآن. البقاء يعني زيادة حصادها، لكنه يعني أيضاً بقاء إغواء الأثر القديم قائماً. ورغم مبالاته الظاهرة، ظل يتتبع موقعه باستمرار.
"أهذه..."
توقف رولاند مفترضاً. استدار وواجه كال بنظرات متسائلة في عينيه.
"أكانت اختباراً من نوع ما؟"
توقف كال في مكانه وأخذ يحكّ رأسه مفكراً. لم يكن اختبار قدراتهم غايته الأصلية، لكنّ الأمور سارت على هذا النحو. نعم، تلك الرواية للواقع كانت تروقه أكثر. فتح فمه ليؤكد ذلك قبل أن تقاطعه ليلي بصوتها.
"أظنّ أنك تمتصّ قدراً أكبر من اللازم من السحر المحيط،"
قالت مخاطبة رولاند بنبرة جافة.
"إذ لا توجد أدنى فرصة لأن تكون هذه خطته أصلاً."
رمقته بابتسامة مشاكسة خففت قليلاً من حدّة لدغة الخيانة.
"احذرْ خطواتك يا ليلي،"
حذّرها ملوحاً بإصبعه.
"بدأت أفكر جدياً في استبدالك ببينيامين."
كان ذلك عادلاً تماماً. ما منعناه من عرض الأمر من قبل هو إدراكه التام بأن الفتى سيقاطعه رافضاً.
"أنا واعية تماماً بالمخاطر يا ليليان،"
قال رولاند بنبرة ثقيلة.
"للقصر مناطق تتركز فيها هالات السحر بكثافة عالية، وقد تدربنا في ظل تلك الظروف."
كان ذلك تصرفاً ذكياً. غالباً ما يستهين الناس بخطر السحر المحيط في الأراضي المقفرة. إنه ببساطة ليس بتهديد مباشر مثل الوحوش التي تسعى لابتلاعك. بل إنه في الواقع يساعدك ضدها. إنه خبيث بحق، يغوي الناس كأنه نداء حوريات البحر.
"يا رجل، لقد كانت تلك هدية وداع فاسدة بحق،"
علّق كال بتهكم.
"لا بد أنها أكبر حركة خاسر متذمر في التاريخ."
كانت كلماته القاسية تنطوي على مفارقة طفيفة، إذ حرص الفراغ على حمايته من عواقب أفعال الملك المتبرمة. ومع ذلك، تساءل عن مدى حقارة النفس المطلوبة لتسميم سحر العالم.
"مهلاً يا هذا،"
تدخلت ليلي.
"نحن لا نعلم إن كان هم من فعلوا ذلك. الملوك... لم تكن مثالية، لكننا لا يمكننا إلقاء اللوم في كل أمر سيء يحدث على عواتقهم."
لم يكن كلامها غير دقيق؛ فالناس يميلون إلى افتعال مشاكلهم بأنفسهم. ومع ذلك، كان حجم مشاكلهم يفوق بآلاف المرات ما تركته لهم الملوك.
"تلك،"
توقف رولاند برهة وبدت على وجهه ملامح صراع داخلي عابرة، "كانت من صنع أيديهم. كانوا الوحيدين القادرين على إحداث مثل هذا التغيير الجذري في العالم."
ثم استطرد بنبرة تأملية.
"لكن، مَنْ نحن لنصدر الأحكام؟ لم يعش أحد منا في ذلك العصر، وسجلاتنا ناقصة. أنا واثق من أنه لو عاش منهم فرد واحد فقط، لأصلح ما تفسّد."
لم يكن كال يعرف ما يكفي عنهم ليجزم إن كان أحدهم سيفعل ذلك. ربما كان قاسيًا في حكمه عليهم، لكن منح أيّ منهم صكّ غفران كان أمراً شديد الصعوبة.
"وماذا عن الجحيم؟"
قال وقد تسللت الحرارة إلى نبرة صوته.
"لقد أتيحت لهم فرصة القضاء عليها، لكنهم اكتفوا ببناء الجدران حولها فحسب."
بالتأكيد، نجحت الخطة طوال فترة وجودهم، لكن ما إن سقطوا حتى بدأت عمليات الاختراق. صراحةً، أثار ذلك غضبه. لقد ارتكب كال نصيبه الوافر من الأخطاء. والسبب برمته لوجوده هنا متصل بأحدها. وإن كان يستطيع محاولة إصلاح أخطائه، فلمَ لا يستطيعون هم ذلك؟
"معذرة على مقاطعة هذه المحادثة المثمرة،"
قال بينامين دون أن تبدو عليه أيّ مسحة من الاعتذار. كانت عيناه مغلقتين بنصف إغماضة ورفع إصبعاً مشيراً نحو الأفق.
"أيبدو لكم ذلك طبيعياً؟"
عبر صف الأشجار، لمح كال ما يشير إليه الفتى. أدار كال رمحه محولاً إياه من عصا مشي إلى سلاح مرّة أخرى. تبادل نظرة سريعة مع الآخرين، وأعقبت ذلك سلسلة من الإيماءات المتبادلة قبل أن يتقدموا في صمت. تحرك رولاند في المنتصف، وكان بيني قريباً منه ليتخذ موقعاً في ظل الأمير مندمجاً معه ظاهرياً. انتشر كلّ من كال وليلي ليغطي كل منهما خاصرة مختلفة. كان التشكيل الابتدائي ساذجاً واضطروا مراراً لتعديله كلما خرج أحد عن الصف، لكنهم تحسّنوا شيئاً فشيئاً.
لم يظن كال أن التمرين كان ضرورياً تماماً، لكنه لم يضر بأي حال، لذا فقد جارهم فيه. كان الهناء محجوباً جزئياً بشجرتين، لكن بات بإمكانهم رؤيته بوضوح تام الآن. التفت الأعشاب حول جدار حجري دائري. وبدت فجوة هائلة منفتحة في أحد جوانبه، بينما برزت عوارض خشبية مسننة من أعلاه. لم يستطع تقدير طوله الأصلي، لكن بقايا الجدار بالكاد تجاوزت قامته. لم يكن هناك باب يُذكر، فانحنى رولاند برأسه ودخل البناء المتهالك.
لم يتبعه كال، مفضلاً القفز فوق الجدار المكشوف والانحناء في الأعلى. قلدته ليلي في فعلته وراقبا محيطهما بينما اقترب رولاند من مركز المبنى.
"أحد أبراج المراقبة القديمة الخاصة بنا،"
قال رولاند مفسراً وهو يمرر يده على الأرض.
"كانت محاولة لزيادة يقظتنا المبكرة قبيل موجات الهجوم. تبيّن أن التكلفة باهظة جداً للصيانة، فهُجرت الأبراج."
باهظة؟ عبس كال في وجهه. كانت هذه إحدى النقاط التي يتفوق فيها الاتحاد بجدارة. لقد مرّ بالعديد من محطات المراقبة التابعة لهم والتي تنتشر على طول الحدود. كانت عبارة عن ملاجئ منخفضة تضم تشكيلة متطورة من معدات الاستشعار. تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتستهلك معداتها بوتيرة مذهلة. وهو أمر حتمي نظراً لطبيعة السحر. لم تكن تلك البنى التحتية الوحيدة المُشادة للدفاع ضد الأراضي المقفرة، بل امتلك الاتحاد مساحات واسعة من الخنادق التي تحرسها طواقم قليلة العديد.
وكان ثلث الجيش كاملاً في حالة تأهب دائم للانتشار في أي لحظة. كل هذه التدابير كانت باهظة التكلفة بشكل متهور، لكن بالنسبة لشعب عانى موجة تلو الأخرى عبر أجيال، كانت تكلفة مدفوعة في محلها تماماً. كان اكتشاف أن الإمبراطورية لا تشاطرهم هذا التقييم أمراً محبطاً. عبث رولاند بأرضية المكان بيديه، منقباً وسط رماد ما يُرجح أنه كان حفرة إحراق. التقطت أصابعه شيئاً فسحبه إلى الخارج.
مسحه برفق، ثم وضعه في كفّه ورفعه ليراه الجميع. كان دبوساً، شبيهاً بذلك الذي رآه من قبل على صدر ويليام. إصبع ذهبي يشير إلى الأعلى، إيذاناً برتبة أحد أصابع الإمبراطورية. للجحيم، لم يكن كال يخطط لأن يعثروا على أي شيء على الإطلاق.