حين رافقه أحدهم إلى حصته التالية، وجد كال أن زملاءه انتبهوا فجأة إلى وجوده. لم تكن الصفوف حاشدة في الأصل، لذا استحال تجاهل الهمسات والنظرات الخاطفة التي تُرمى نحوه. حتى المعلمة لاحظت الأمر، وبدت ابتسامتها المعتادة مشدودة. راحت عيناها تزيغان محاولتان تركيب أحجية ما يجري في صف اليوم. أثار ذلك في نفسه ذرة شعور بالذنب، رغم أن الظروف فاقت سيطرته. كان الأمر ليغدو أيسر لو استطاع لكم ذلك الفتى ليطوي الصفحة.
لم يبدو قوياً إلى هذا الحد؛ راهن كال على قدرته على فعلها دون إثارة الكثير من الشبهات. بيد أن أليس بدا أنها لا تفرط في رغبته بتوجيه ضربة. في الوقت الراهن على الأقل. لم تسنح له فرصة محادثتها بعد الحادثة، إذ غادرت هي وليلي بسرعة عقب إيصاله. احتمل بشدة أن يكتشف المزيد حول المسألة بالتصنت على بعض الحوارات الدائرة حوله أو تفقد ما يدور في المنتديات. ربما ظفر بتلميح حول سبب ترددها في جعله يتحرك.
لكنه استبعد الأمرين معاً. فضل التوجه إلى المصدر قبل أن يتلوّث رأيه بآثار أشخاص لا يعلمون شيئاً عما يقولون. لا كأن رأيه كان سيعني الكثير أصلاً. صحيح أن كال علق في تبادل النيران، لكن شيئاً من هذا لم يكن شأنه. كانت قناع لتكون ملائمة أكثر بكثير لهذا الوضع. لدخلا وخرجا في غضون أسبوعين، تاركين خلفهما جميع عبدة الموت مرتبين بدقة في أكياس جثث. لما فطن أحد للكارثة التي كادت تقع.
اعتادوا إنجاز أمور كهذه روتينياً. على الأقل أدرك كال سبب عدم إرسالهم الآن. كانت قناع قوية؛ لا شك في ذلك. انزع سحر العقول، وستبقى أمام شخص قادر على الوقوف بوجه أشدهم بأساً. الوقوف في وجههم، لا هزيمتهم. تلك الروح كانت لتفحمهما. سماء، كانت لتملك فرصة وافرة أمام أغلبهم. مقدار القوة الخام تلك صعب المراس على أي كان. لا عجب إذن أن نجو هذا المكان من السقوط. أفلح في إلهاء نفسه طوال ما تبقى من الحصة متظاهراً بالانتباه.
تجنب استخدام غيبوبته؛ بدا الأمر قليل الاحترام لمعلمة تبذل كل هذا الجهد. بعد جمع أمتعته، انتظر ريثما يتسلل الجميع للخارج قبل أن يبرح مكانه. لم يقطع مسافة طويلة قبل أن تلحق به ليلي. كانت تتكئ على جدار في انتظاره. أشارت برأسها كي يتبعها. بدا ظهورها متوقعاً، نظراً لبعثها رسالة إليه في منتصف حصته. لم يحتاج كال إلى حاضنة تبعده عن المشاكل، لكن إن كان ذلك يريحهم، استطاع تحمله.
سأل كال ما إن ابتعدا مسافة كافية عن الآخرين: "كيف حال المريضة؟"
هزت ليلي كتفيها وقالت: "المهجع ليس محترقاً. ليست المرة الأولى التي يتصرف فيها بيترو كغبي حقير. عادة لا تكون الأمور بهذه العلنية أو الوقاحة، لكنه ليس بالأمر الجديد. كل ما في الأمر أنها ترزح تحت ضغط هائل، لذا تتراكم الأشياء".
قال: "أدرك ذلك".
لكل شخص نقطة انهيار، ولعلّها اقتربت من بلوغها.
"أسابيع قليلة معدودة وتطلب إجازة أخرى. هذا قاسٍ".
بالتأكيد احتاج كال لإجازة. بدت المدن الحرة أفضل يوماً بعد يوم.
"لا تخبرها بهذا. قد تنتزع رأسك".
مهلا، ربما لم تكن التجربة ممتعة، لكنها بعيدة كل البعد عن أسوأ سبل الموت.
أصدرت ليلي سخرية قصيرة رداً على "من أجل السلام في زماننا هذا".
ثم أردفت: "لدي بعض الأخبار السيدة لتغيير الجو".
"هاه؟"
اقتربت منه وخصته بوخزة.
"عذراً، كان علي التأكد من أنه أنت حقاً".
"مضحك".
اعتاد هذا الجانب منها لذا لم يوقف مشاكساتها. لم تكن تستخدم سحراً خطيراً على أي حال.
"على أي حال، الأمر يخص ماركوس".
أطلقت ضحكة قصيرة وتحدثت وبصوتها مسحة مرح: "أخبار سيدة، وماركوس؟ ماذا، هل قتلته؟"
"كاد، لكن ليس هذا-"
توقفت، وأسرت ياقته، وجذبته ليحاذي مستواها.
هست قائلة بطريقة توحي بأن موته متوقف على الإجابة: "ماذا تقصد بكلمة كاد؟"
كاد يجزم بأنه ذكر ذلك من قبل. حسناً، لا بأس. قبل أن يرد، قرر أن هذه الوضعية غير مريحة. تقابلا جبهتاهما، لتطلق الفتاة صياحاً.
هتفت وهي تفرك جبهتها: "الأجداد! من ينطح سيدة برأسه؟!?"
"الأشخاص الذين يهتمون بمساحتهم الشخصية".
اعتدل كال في ربطة عنقه التي تجعدت بفعل جذبتها.
"وتوقفي عن التظاهر بالألم؛ درعك مفعل".
لقد لمسها بالكاد.
تمتمت: "في اللحظة الأخيرة. كدت تصيبني بارتجاج في الدماغ بهذه الحيلة".
"وكدت تصيبينني بنوبة صرع بتلك الصدمات الكهربائية التي تفضلينها. ألا ترينني أتذمر من الأمر؟"
عاد للمشي مجدداً؛ انتظرت لحظة قبل أن تقفز للحاق به.
قالت بصوت غلب عليه التلاعب وبيدين متشابكتين خلف ظهرها: "أهوه، أتخشي أن أوقف قلبك؟"
ثم ختمت بنبرتها الجادة مجدداً: "لكن يكفي مماطلة، فسر لي".
"خضنا نزالاً؛ لم يفعل الأحمق درعه، لذا كدت أحوله إلى كباب".
تسليماً للموضوع، لم يستعمل درعه هو الآخر، لكن ذلك كان مجرد الحالة الطبيعية للأمور.
حدقت به بشك وقالت: "كان يحمل شارة درع، أليس كذلك؟ إذن لم يكن هناك أي خطر حقيقي؟"
هز كال رأسه بالنفي. لو لم يعنِ ذلك احتمال خوضه للمزيد من القتال، لطالب فيرغسون بإعادة النظر في تلك القاعدة. ارتسمت على محيا ليلي ملامح مذهولة.
"أين كان المعلم-"
قطعت جملتها؛ فتحولت ملامحها إلى الاستيعاب.
"أجل، هذا متوقع".
أومأت لنفسها.
"هناك سبب لعدم قبولي دعوة ذلك الصف، ولم يكن سببه تخمني لمن سحضره سواي. ذلك الرجل عارٍ. ألم تعلم أنه كام قريبًا من أن يصبح يداً ذات يوم؟ إنه ليس حتى من مواطني الإمبراطورية الأصليين؛ لقد نشأ في المحمية المقدسة. أتدري كم كان ذلك ليعد أمراً عظيماً؟ ثم يلقي بكل ذلك في مهب الريح ليغدو سكيراً بائساً".
كان من الجميل أن يشاركه أحد مشاعره تجاه الرجل.
تذمر كال من تسجيله القسري: "كنت لأود نيل ذلك الخيار".
"أنا لست من يوشك على قتل الطلاب الآخرين".
الطريقة التي تحدثت بها جعلته يتساءل أحياناً عن ذلك. فحص كال وجهها باحثاً عن أي علامة واضحة.
"إن لم يكن الأمر واضحاً تماماً. توقف عن محاولة قتل زملائك في الصف. أأحتاج لجعلك تعيدها على مسامعي؟"
من نظرتها، أدرك أنها تفكر في فعل ذلك تماماً.
تحرك كال لتصحيح مسار المحادثة: "لقد تشعبنا قليلاً. الخبر السار الذي كنت أهم بنقله هو أن ماركوس وافق على تدريب شخصي معي. ظننت أن أليس ستسعد بذلك".
ارتفع صوتها بضع درجات قبل أن تخفضه مجدداً: "ماذا؟ لم تدرب مع ذلك الرجل من بين كل الناس؟ ولماذا ستسعد هي بذلك؟"
رمقها بنظرة محتارة.
"ألم تطلب أليس مني الاقتراب منه، لأتجسس عليه بشكل ما؟"
ظن أنهما يتبادلان كل شيء. من واقع ملامحها، تبين أن الأمر لم يكن كذلك البتة.
ركلت حصى على الدرب فأرسلتها طائرة: "هذه ليست أغبى خطة سمعتها. لكنها تحتل مركزاً متقدماً على المنصة. ماركوس ليس غبياً؛ ولن يدع شيئاً يفلت منه. لا مفر من أن ينتهي هذا الأمر إلا بشكل سيء بالنسبة لك".
لم تكن هناك حاجة لثقتها العمياء.
"وعمَ يدور هذا التدريب الشخصي على أي حال؟ لم تعد بشيء، أحيح؟ لكلماتك وزنها الآن".
"ليس شيئاً كهذا؛ سنساعد بعضنا البعض".
"أجد من الصعب تصديق أن ذلك الرجل سيقبل المساعدة من أي كان. ناهيك عنك".
أدار كال عينيه ضجراً من الإهانة.
"سيعلمني كيفية استخدام الرماح، وسأعلمه كيف لا يتلقى الضربات".
"لا أرى سبباً لاحتياج أي شخص لمساعدة في تعلم كيفية المراوغة؛ فالمسيرة ليست معقدة".
قيلت هذه الكلمات من شخص لم يش قط بمئات الأشياء وهي تحاول قتله بنشاط.
"إذن أنت تلتقط الرماح. أيعاني سلاحك الأساسي نقصاً ما، أم أنه مجرد عذر؟"
كان سلاحه الأساسي قبضة؛ خلت من الأناقة ولا شيء سواها.
"الرماح هي سلاحي الأساسي؛ لم أمتلك واحداً قبل مجيئي إلى هنا".
علقت قدمها في الهواء للحظة قبل أن تتابع مسيرها.
"أتقول لي إنك كدت تقتل ماركوس بسلاح لا تعرف كيف تستخدمه؟"
بدت على محياها علامات عدم التصدق. متسائلة عما إن كان يظنها بهذه السذاجة.
"لقد بالغ في ثقته".
لم ير كال حاجة للدفاع المفرط عن نفسه. كانت تمتلك فكرة عن قوته؛ وفكرة خاطئة تحديداً، لكنها ظلت مرتفعة حين تقارن ببقية طلاب الأكاديمية.
قالت متخلية عن الأمر: "تلك هي الحقيقة".
ثم أردفت: "متى اتفقتما على هذا التدريب؟"
"لم نرتب شيئاً بعد؛ لقد اقترب مني اليوم بعد الحصة بشأن ذلك".
"أها، وبعدها بساعات يأتي بيترو ويتحدّاك في مبارزة. ألا يبدو هذا التوقيت مريبًا بالنسبة لك؟"
وضعت الأمور هكذا، بدت أكثر من مجرد مصادفة.
"أعتقد ذلك؟ لا أرى ما يجنيه ماركوس من تحدي بيترو لي وتعرضه للضرب المبرح. أم أنك تقولين إن بيترو يحاول دق إسفين بعد معرفته باتفاقنا؟ لن يكون ذلك منطقياً لأن معرفته تعني درايته بأنني سأمسح به الأرض".
قالت واليأس يتسرب من كلماتها: "لا أعلم. قد يكون عالماً باتفاق ما فحسب وليس بمضمونه. أعتقد أن التورط مع أي منهما فكرة سيئة. وفي الوقت نفسه، القرار ليس قراري".
تنهدت ليلي وانقطع حوارهما إلى أن اقتربا من المبنى القديم الذي يحتضن هندسة السحر ١٠١. كان أقرب شيء لعرين حقير رآه في الحرم الجامعي. أحاطت جدران من الجص البني بطابق وحيد ذي سقف خشبي. ارتاب في أنه ربما كان كوخ بستاني في حياة سابقة. التفتت برأسها مستوعبة إياه مع المشهد المحيط.
"هذا المكان منعزل نوعاً ما؛ ينبغي أن تتمكن من العودة إلى المهجع بمفردك إن كنت متخفياً بما فيه الكفاية".
"لن يمثل مشكلة".
لم يحتج حقاً لمن يمشيه إلى الحصة كطفل. استدارت ليلي مستعدة للرحيل.
فناداها كال: "أه، التقطي هذا".
أخرج كيساً من جيب صدره، وقذف به نحوها. التقطته وهي تبدو مرتبكة.
"كان يجب أن أسلّمه لك مبكراً لكنني نسيت".
فتحته لتجد ال رقاقات الصغيرة التي صنعها تحسباً لأي طارئ.
قالت وهي تفحص الكيس نفسه: "هذا لم يُشترَ. عامل مقصف، أم أقنعت بنيامين بصنع بعضها لك؟"، متفحصَة دبوس ياقته.
سبقها كال بالقول: "صنعتها بنفسي. لماذا يفترض الجميع أنني لا أستطيع الخبز؟"
"ليست مهارة شائعة بين أقراننا".
أخرجت واحدة وراحت تتذوقها.
"أكنت تحمل هذه معك طوال اليوم؟"
"أجل".
كان يفعل؛ ولم تحتج للتبريد أو ما شابه. كل ما تطلبه الأمر منه هو الانتباه وعدم سحقها.
قالت وهي تحدق به بغرابة: "تعلم، أنت أكثر اعتمادية مما تبدو".
"أت-"
أوقف كلمة الشكر التي كادت تفلت، وعدل عن ذلك.
"أكان ذلك إطراءً أم إهانة؟"
ضحكت وهي تبتعد بخطى مترنحة. تردد صدى صوتها بينما كان يدخل المبنى.
"لم أقرر بعد".
كان هناك شخص إضافي داخل الصف عندما دخل كال.
قال: "أهلاً بني، طال غيابك".
كان الرجل يقف بجوار ميا التي لم تكن جالسة بجوار مكتب المعلم اليوم. بل كانت جالسة عند أحد المقاعد المخصصة للطلاب غير الموجودين، وتوقعّع بعض المستندات.
قال بجدية تامة: "التقينا آخر مرة قبل عدة ساعات".
ملاحظة لنفسي، هذا الرجل يفتقر تماماً لحس الدعابّة.
تابع كال قبل أن يسأل الرجل عن مغزى كلامه: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟ أعتقد أنه تخصّص النادي".
وأشار بيده نحو الاستمارات. تحرك بنيامين قليلاً، محجباً الرؤية عن كال.
"هذا صحيح. الرئيسة توشك على الانتهاء، ولن أقاطع درسك".
التفت بنيامين نصف استدارة وبدأ يجمع الأوراق المكتملة ووضعها في ملف. احتفظ به إلى جانبه، وبدا لكال أن القليل منها فقط ما زال بحاجة إلى التوقيع.
قال: "لا داعي للقلق بشأن ذلك".
مشى كال نحو مكتب ويات، حيث كان الرجل نائماً كعادته. أحدث صوتاً أصم حين طرق الخشب بكنه.
"إما أن يصحو هذا الرجل ليُلقي محاضرة لعشر دقائق ثم ينهار مجدداً، أو لا يصحو أبداً".
قال: "أرى ذلك".
كان بنيامين قد تحرك مرة أخرى، ليحجب رؤية الطاولة مجدداً. لم تكن حركة طبيعية، وقاوم كال بقوة ليتظاهر بأنه لم يلاحظ.
"هذا مؤسف".
سلمت ميا المستندات الأخيرة لبنيامين الذي وضعها مع رفاقها.
قال: "أنا بخير؟"
كان بنيامين على وشك الرد عندما هزت رأسها مشيرة إلى كال.
"أسمعت عن ذلك أيضاً، أليس كذلك؟ لست متأكدة مما يقوولنه، لكني أراهن أنهم يضخمون الأمور".
رد بنيامين بنبرة كئيبة: "وصلتني بعض الثرثرة العابرة. لم يمض وقت طويل منذ أن اضطررت لتحمل ظروف مشابهة. وكوني عاجزاً عن الرد كما أردت، فقد صعُب عليّ كبح جماح نفسي أحياناً".
وضع يداً على كتف كال، رامقاً إياه بنظرة حادة ظن كال أنها مبنية لتكون مطمئنة.
"اصبر؛ وسجل كل الإساءات دون استثناء لكي يحين الوقت وتستوفي ثأرك كاملاً".
كسر كال النظرة ناظراً إلى ميا، التي بدا أنها لم تستوعب كلمات بنيامين.
قال: "شكراً؟"
بدأ كال يدرك إلى حد ما لماذا يجد الناس هذا الرجل مخيفاً.
"لكن هذا مجهود أكبر مما أرغب في بذله. لا أهتم بما يكفي لأتذكر من قال ماذا".
"التدوين يساعد. ومع ذلك، أنا أدرك وجهة نظرك. لقد تعلمت ألا أقدر آراءهم أيضاً".
دَقّ الجرس في البعيد جاضباً انتباههم.
"يجب أن أرحل إذن".
غادر بنيامين دون كلمة أخرى. استقر كال في المقعد المجاور لميا، وأخرج الكتاب المدرسي ودفتر الملاحظات. شرع في روتينه المعتاد للدراسة الذاتية. لم تكن الهندسة السحرية مفهوماً بسيطاً ولا حتى مفرداً. بل كانت مزيجاً لكل ما يدخل في بناء الأجهزة العاملة بالسحر. البشر، إن دققت النظر، سيئون جداً في استخدام السحر. متقلبون للغاية، ومحدودون، ومقيدون. اطلب من ساحر نار عادي أن يغلي إبريق شاي عشرات المرات، وسيستغرق وقتاً مختلفاً في كل محاولة.
اطلب منه غلي المئات في آن واحد، وسيتذمر استحالة الأمر. اطلب منه تجميد الماء بدلاً من غلييه؟ سيلعنك. وهنا تكمن روعة الآلات العاملة بالسحر. صُممت لغرض محدد، ويمكنها إنجاز المهام دون مساعدة ساحر في الوقت المناسب ودون ضجيج. طالما وجد هذا المجال بشكل أو باخر لكنه اكتسب زخماً حقيقياً بعد السقوط. متحررين من نير الكنيسة والملوك، أقبل مؤسسو الاتحاد عليه بحماسة لا تضاهيها أي حزاما أخرى.
ونتيجة طبيعية، كانت إحدى الوسائل القليلة المتاحة لديهم لمجابهة البأس القتالي للإمبراطورية. كان هناك عقبة طفيفة في ذلك. عانت الأجهزة العاملة بالسحر من نفس البلاء الذي يصيب البشر، السحر المحيط. لأسباب مختلفة بالطبع. فبينما يمكن للسحر أن يتسبب في اضطراب مشاعر السحرة وعقولهم تَبَعاً لذلك، فإنه قد يتسبب للأجهزة السحرية في أي شيء ابتداءً من التعطل البسيط وصولاً إلى الاحتراق.
فن الهندسة السحرية هو بناؤها بطريقة لا تفعل أياً من ذلك، أو على الأقل، تتوقف عن العمل بجدول زمني يمكن التنبؤ به. تفاوتت مستويات النجاح؛ فكلما زاد تعقيد الشيء، زاد التحدي في جعله يعمل بشكل صحيح. كانت الإشارة التي حملها تحفة تكنولوجية تقريباً. القدرة على إرسال إشارة في النفايات بكل مكان، وإن لم تكن في المنتصف، كانت إنجازاً عظيماً. إنجاز عجزت الإامبراطورية عن نسخه، على حد علمي.
حتى الآن. تشابه هذا الكتاب كثيراً مع تلك التي أعطته إياها ميلي. كانت كتبها مليئة بالشروح مع أقسام مشطوبة وكتابات تشبه الطلاسم على الهوامش، لكنها بصورة عامة قالت نفس الأشياء. ثم مجدداً، كانت كتبها تعود لعقود مضت. رغم مظهرها، كانت ميلي في الثلاثينات من عمرها، وعلم أنها تخرجت مبكراً. ومن المنطقي أنها بدأت مبكراً أيضاً. ومع ذلك، كان مجرد كتاب تمهيدي؛ ولو تسنى له الوصول إلى الإصدارت اللاحقة، لربما وجد فرقاً أكبر.
لا تزال الهواتف تفاجئه، شأنها شأن شارات الدروع. تساءل عما تمكنوا من اكتشافه أيضاً. لم ير أي سفن هوائية. كانت تلك تطوراً حديثاً، ولم تُستخدم في الحرب الأخيرة. ونتيجة لذلك، ظلت غير مثبتة الكفاءة إلى حد كبير. ليس الأمر كأن ذلك يصنع فرقاً مع إحالتها للتقاعد. هل لدى الإمبراطورية حقاً ما يصد سرباً من المروحيات؟ هل يوقف أي شيء قصفاً صاروخياً على عاصمتهم؟ بوسعه الإقرار بأن الاتحاد يعاني في قدراته المضادة للطائرات.
لقد أعدوا في الأساس استخدام مدافع المدفعية القديمة بقذائف ذات صمامات تقاربية ووجهوها نحو الأعلى. آملين أن يوقف التشبع أي هجوم. لم تكن استراتيجية عظيمة. لا بد أنهم يملكون شيئاً ما؛ فغزوات الوحوش السحرية الجوية ليست بالشيء النادر. ولعل ذلك كان حلهم أيضاً؟ وحوش سحرية مستأنسة كالتي رأاها في اليوم الأض. إن كان الأمر كذلك، فهم على موعد مع صحوة قاسية إن نشب أي نزاع. ربما تتفوق عليهم الصلابة أو القدرة على التحمل، لكن المروحيات شديدة المناورة وتحمل لكمة قوية.
يمكن تصنيعها في وقت أقل مما أراهن أنه يستغرقه استئناس وحش. هل استبدال الراكب أسهل من استبدال الطيار؟ لم يكن كال واثقاً من تفاصيل أيهما. عض كال داخل خده. كان يكهن عشوائياً بشأن حرب لا داعي لوقوعها. بغض النظر عن سوء كتابة النص، لم يبدو الناس هنا مهووسين متعطشين للدماء. لم يحتاجوا لقتل بعضهم البعض من أجل أرض سخيفة أو مجد. منع أمر كهذا كان عمل الدبلوماسيين. هذا لا يعني أنه لا يستطيع المساعدة في ترجيح الكفة.
قيل له إن مهمته ستُحسن العلاقات إن كتب لها النجاح. كل ما عليه فعله هو ضمان حدوث ذلك. عليه بدء تحقيقاته بجدية. سيستغل الروح لكنه لن يعتمد عليها وحدها. كان سيقوم بعمله. عمل سيغدو معقداً إن وجد نفسه وسط فضيحة ما. فضيحة من صنع شخص معين. استخلص نتيجة بسيطة. كان بيترو تهديداً للمهمة. كان لا بد من التعامل معه.