أنقذ المدرسة كعامل مقصف... أسهل بكثير الفصل 21

اقرأ أنقذ المدرسة كعامل مقصف... أسهل بكثير الفصل 21 باللغة العربية على مانجا تايم.

مدّت الأطياف أذرعها عبثاً، محاولةً غرز النصال في هدفها. ذبلت أشكالها النحيلة تحت الضوء الساطع الذي غمر الميدان. تصادم مصدرا السحر. أمسك مستخدم الضوء بزمام الأمور، مع أن النزال لم يُحسم بعدُ بأي حال. لم يكن كال مهتماً كثيراً بالمعارك الدائرة بين رولاند وبنجامين. كان يودّ لو يفوز الفتى الأخير؛ غير أن القتال مَالَ ضده منذ البداية. أحبّ بعض الناس الاعتقاد بأن عناصر معينة تفوق غيرها.

في تجربة كال، كان ذلك هراءً محضاً. لكلّ منها نقاط قوتها وضعفها. ومع ذلك، تمتلك عناصر بعينها مزايا واضحة عند مواجهة أخرى. وأفضل مثال على ذلك يتجسد أمامه الآن. وما زاد الطين بلّة حدوث النزال في يوم مشمس ومشرق. يا بني المسكين. وبغض النظر عن تفوقه أو عجزه، بدا الفتى مستمتاً. حتى وإن لم يقدم الطرفان كل ما في وسعهما الآن.

قال ماركوس مائلاً برأسه ردا على طلبه قبل لحظات: "أتطلب إرشادي؟"

قلّب كال الرمح في يديه مرتين.

"حسناً، يلزم أن أتعلّم كيفية استخدام هذه القطعة. وتخيلت أن بإمكانك إمدادي ببعض النصائح. بما أنك، كما تعلم".

تنقلت عينا كال بين سلاحيهما.

أجاب ماركوس وقد فاته مقصده: "أخشى أنني لا أفعل".

"كلانا يستخدم عصي مدببة".

هكذا بكل بساطة. وظن كال الأمر واضحاً. بَدا الرجل محاولا كبح آهة بوضوح.

"هذا تبسيط مخل. يتطلب الرمح الثلاثي والرمح العادي أسلوبين مختلفين تماماً في القتال".

لم يقتنع كال. في الحقيقة، لن يكون تعلُّمه بنفسه صعباً للغاية. فهو رمح في نهاية المطاف. ولمجرد أنه لم يُعمل فكره كثيراً في اختياره، فهذا لا يعني انعدام التدبر تماماً. في هذا العالم وعالمه القديم، كانت العصي المدببة أعظم اختراع للبشرية. وظلت عنصرا أساسيا في ساحات المعارك لمئات السنين، وتحديداً لسهولة استخدامها.

بدأ كال بتهكم: "أفتعني إذن... إن أعطيتك هذه القطعة، فلن تعرف كيف تستخدمها؟"

تجنب الرجل ملاقاة عيني كال، محافظا على نظراته مسلطة على القتال الجاري.

"لست ملزما بمساعدتك".

"حقّاً لا".

لم يتوقع كال أن يوافق الرجل هكذا فجأة. لم تُبنَ روما في يوم واحد؛ وسيُروّضه بالوقت.

علق ماركوس بنبرة تشبه الاستعلام عن الطقس: "سمعت أنك تناولْت الغداء مع طرف آخر بالأمس".

تساءل كال عمن زوده بتلك المعلومة. لم يكن تفاعله مع بيترو في الطابق الرئيسي طويلا. ومع ذلك، عجّ المكان بالكثير من الطلاب في ذلك الوقت. أأخبر بيترو الرجل بنفسه، أم كان طالباً آخر؟ ولم يستبعد كال أن يكون أحدهم فرداً من الطاقم. وإن كان شخصا آخر، أكانت مجرد مصادفة محضة وصول الخبر إلى ماركوس؟ أم أنه كان يراقب كال تحديداً؟ تممنى ألا يكون كذلك. لم يحتاج كال إلى أشخاص يتعقبون تحركاته ذهاباً وإياباً.

ردّ كال ببرود: "كان الطعام مقبولاً".

تابعا المشاهدة في صمت لوهلة حتى استأنف ماركوس كلامه.

"بيترو رجل طموح. وأحيانا يمدّ قدميه أبعد من لحافه".

أكان ذلك تحذيراً؟ ظنهما من الفصيل ذاته، بناءً على تواجدهما معا في المدينة. ودون معرفة طبيعة العلاقة بين ماركوس وبيترو، صعُب تحديد ما سيقوله تاليا. عادت أليس متأخرة الليلة الماضية وخلدت إلى النوم بعدها بوقت قصير، لذا لم تسنح له فرصة الحديث معها بشأن الغداء. وبأثر رجعي، كان عليه سؤال ليلي. ولو فعل، لما ظلّ يساوره الشك فيما إذا كان ماركوس يحاول التلاعب به بألاعيب معقدة.

انتهى القتال الذي كانا يراقبانه. وكما كان متوقعاً، خرج رولاند منتصراً. التفت كال جانباً، حيث أعدّ معلماهما ما يشبه مقعد حديقة وكان يقيل نائماً هناك.

أشار ماركوس نحو الميدان الخالي الآن: "أَنَبْدَأ؟"

كبح كال رده التلقائي بالرفض. بدا بنجامين منفتحاً عليه أكثر بعد القتال، فهل سيكون ماركوس مثله؟ لتبتعد الجحيم. سار صامتاً إلى نقطة البداية.

"حsناً، لقد جرحت مشاعري الآن".

لم تُغفل أفعاله عن رولاند الذي بدا مبتهجاً.

"حين طلبت منك نزالاً، ادعيت الإرهاق، لكنك تقبل بكل رحابة صدر نزالاً آخر؟ ومما يسترعي الانتباه، سمعت إشاعة عن مشاجرة أخرى أقحمت نفسك فيها. وأنت محظوظ حقاً لأني تمكنت من تدارك الأمر في الوقت المناسب. لكان من المؤسف أن تنقطع دراستك هنا مبكراً".

توقف كال في خطوته.

"أتظن أنني مدين لك بشيء أو ما شابه؟"

تحركت زوايتا فم رولاند إلى الأعلى.

"لن تضيرك كلمة شكري".

لا بد أن العرافة وهذا الرجل يمتان بصلة ما؛ لم يسبق له وأن رغب في تعديل ملامح وجه أحد بهذه الشدة قط. تنفس الصعداء وأخرجه ببطء.

تمتم قائلاً: "شكراً"، وعاد للتركيز على القتال القادم.

خاض كال الكثير منها مؤخراً.

أكثر بكثير من المعتاد بالنسبة له في مساحة "متضورة".

فمنذ أيامه الأولى في الاتحاد، كان العثور على شريك للتدريب مهمة بالغة الصعوبة. وفي البداية، لم تكن سمعته هي ما أخافهم. وبامكانه الإقرار بتغير ذلك اليوم، وصار الأمر مزيجاً من الاثنين. إنه شعور غريب، التواجد في مكان يبدو فيه الجميع مستعداً للوثب. جلب التغير في الإيقاع تعقيداً بالنسبة له. وكقاعدة عامة، كان يلقي بمعظم تجدده الطبيعي في العدم، محتفظاً بربع طاقته المعتاد ممتلئاً في أي وقت مضى.

وفي الآونة الأخيرة، ظل يساهم بأقل مما يودّ، مستخدماً السحر بحرية أكبر بكثير مما نوى أصلاً. لزم أن يتغير ذلك. كانت المواجهات كتلك مع كائن الروح استثناءً. كانت تلك نفقة ضرورية. ضرب الأوغاد النبلاء؟ تلك كانت نفقة اختيارية. بالطبع، كان يبذر المال بين الحين والآخر، لكنه لا يستطيع فعل ذلك في كل حصة. وبطبيعة الحال، إن أبقى القتال قصيراً، فبإمكانه أكل كعكته والاحتفاظ بها أيضاً.

وشك في نجاح ذلك هنا. لم يبدُ له ماركوس غبياً؛

ولن يتمكن من تكرار "استراتيجيته"

ضد بنجامين. مما يعني أن هذا سيكون قتالاً مطولاً. إنه خاسر لا محالة. حسناً. ليس بالأمر الذي لم يفعله من قبل. اصطف الطرفان متقابلين. لم يتكلف ماركوس المراسم، ملوحاً برمحه الثلاثي للأمام. دَبَّت فيه الحياة، وشرعت الشرر تسري على طوله. اشتدت الرياح، منجذبة نحو الرجل. والتفت حوله، مكونة شرنقة من الهواء. كبرت الشرر وتحولت إلى صواعق برقية، تقفز لتلامس كال. انتظر كال وصولها بصبر.

بخطوة قصيرة، وتلويحة بالرمح، خرج سليماً لا يعاني شيئاً. صُدَّت الصواعق أو تفاداها. كان البرق رائعاً بحق لكونه وسيلة هجوم سريعة وقوية. وأثبت أيضاً صعوبة التحكم في عناصره. ونتيجة لذلك، كان يُعامل غالباً كنوع من الهجوم الذي يرمى وينسى. لم يتقدم كال للأمام. قضت حاجز الرياح تلك على أي آمال في شنّ هجوم خاطف. ومع قيوده الحالية، فإما سيُقذف جانباً أو يُمزق إرباً إن حاول. ومن الناحية الإيجابية، ستشكل الطاقة المستخدمة للحفاظ على ذلك عبئاً مستمراً على خصمه.

اندفعت صواعق بأعداد أكبر. ولم يعرها كال اهتماماً كبيراً؛ فالتهديد الحقيقي كان مختبئاً في خواصرها. شفرات الرياح. ومقارنة بجيرانها، فإن ما خسرته من سرعة وقوة قد عُوّض بأضعاف مضاعفة في الفتاكة المحضة. ولهذا السبب كانت الرياح عنصره المفضل. تلاحم السحرا عليه. صُممت الصواعق لسد واجهته بينما التفت الرياح لضربه من الجوانب. شرع كال في تكرار إنجازه السابق. ومهما كثر عددها، فإن ذلك المقدار من الصواعق لم يكن كافياً لدفعه.

تخطى أول صاعقة بخطوة، مستعداً للتراجع خطوة أخرى لتفادي شفرة رياح. تلاشت خطته حين طالبته غرائزه بالقفز بعيداً تماماً. ولم تكن مخططة، إذ انفجرت الأرض التي كان يقف عليها فجأة كنافورة ماء. تصادم السحران، ممتزجين قبل أن يعودا لمطاردته. انطلق نحوه ماء متألق، بعضه في خيوط طويلة، وبعضه الآخر لا يكاد يجاوز القطرة. وبغض النظر عن الشكل، لاحظ كال أنها مغطاة بطبقة رقيقة من الرياح.

أفضل من عبدتكم العاديين. فكر في تركها تجرفه، لكن لن يكون من الإنصاف أن يسقط بمثل هذه السهولة. حدق كال في الموجة المتكسرة المندفعة نحوه. هنا، وهنا، وهناك. لا داعي للمماطلة أكثر؛ واجهها وجهاً لوجه عند إحدى الفجوات التي لم تبدُ كطعم. نسج طريقه عبر المد، متفادياً ما استطاع ومبعداً ما عجز عنه. دار أحد الجداول ليعود نحوه. ولم يكن الوحيد، إذ ظهرت المزيد من الهجمات لتكرر الكرة مرة ثانية وثالثة، وهكذا هلم جرا.

كان لابد له من تقديم بعض التنازلات والسماح للعديد من الهجمات الأصغر بملامسة سترته. ولم يكلف نفسه عناء رفع درعه لأجلها، إذ لم يكن التلامس الطفيف كافياً لاختراق المادة المصنوع منها. انفسخت الأرض تحته مرة أخرى لسيْل من الماء. وعلى غرار المسابقة، تمكن من تجنبها. ارتفعت حدة الهجمات درجة، ووجد كال نفسه يبدأ في الكفاح للتعامل مع كل ذلك بمستوى التعزيز الحالي الذي سمح به.

كم قد مضى من الوقت؟ أبلغ الحد الذي يسمح له بالانسحاب بلباقة؟ كان جسده يتحرك ليتفادى مرة أخرى حين انفجرت فجأة أربع نوافير متفرقة من الأرض، محاصرة إياه. انغلقت المياه من جميع الجهات. حسناً، كان ذلك كل شيء. وقف بانتظار المحتوم، حين أبلغه إحساسه ببعض التطورات المثيرة للاهتمام. ربما يتمكن من الهجوم بعد أرجاء كل شيء! وثب عالياً، مصعداً في الهواء اثني عشر متراً وأكثر. لم يكن وحده هنا؛

سارعت شفرات الرياح للترحيب به. لقد كان فخاً، وفخاً جيداً أيضاً. استغرق إعداده قدراً ليس بهين من الجهد. كان كال قد ألقى بنفسه فيه طوعاً. عالماً أنه مع أن الارتفاع سيكشفه، فإنه سيتيح له تسديدة واضحة نحو ماركوس. الذي، وأثناء إعداده والحفاظ على دوامة الموت التي وجد كال نفسه فيها، خفض حاجزه الواقي. ظل كال معطياً ظهره للرجل، غير راغب في كشف أي شيء. وهو في الهواء، لوى جسده، متفادياً بشق الأنفس قطعاً في كتفه.

وللمرة الأولى، استغل التركيز في الرمح. سحب السحر المحيط إليه، ووجدها عملية بطيئة؛ كانت جودة الشيء دون المتوسط. تفادى عدة هجمات أخرى لكنه سرعان ما وجد نفسه في وضع لا يمكن حله بتغيير بسيط. نقر بقدمه، ودفعه انفجار صغير من النار بالقدر الكافي ليبعده عن طريق الأذى. كان القتال في الجو مزعجاً بحق. مرت لحظات ثمينة وهو يبذل قصارى جهده للبقاء على قيد الحياة دون خدش. لقد بدأت المياه تلحق به أخيراً.

لقد نفد وقته. كان الرمح دافئاً لمسه. وضع ما تبقى من السحر الذي خصصه لهذا القتال فيه.

بدا الاستسلام بعد هجمة واحدة بكل "سحره"

أمراً معقولاً. ثم يمكنهم التصافح وتمثيل الصداقة أو أيا يكن. تعثر شكله، بعد أن بلغ ذروة قفزته. الآن أو لا إذن. اشتد قبضته، وسحب ذراعه للوراء. قلب كال نفسه، موجهاً نفسه رأساً على عقب. لم تكن بالوضعية الأكثر راحة. ومع ذلك، فقد منحته المنظر اللطيف لعينَيْ ماركوس وهما تبدآن في الاتساع إدراكاً. انطلق الرمح للأمام، مغادراً حوزة كال. وما إن يصطدم، حتى نوى كال تفجير السحر المتبقي بداخله.

لن يفعل الكثير، لكن الإصابة ستظل إصابة. لم يعتد رمي العصي، لذا فاجأه أن ينتهي المطاف بالرمح على المسار الصحيح لإصابة ماركوس. شريطة ألا يتحرك الرجل... لمَ لم يتحرك؟ أينوي تلقيه بدرعه؟ انتظر. لمَ تعذر على كال استشعار درعه؟؟ توقف ذعر كال المتصاعد عندما اعترض الرمح عمود من الأرض، غارساً نفسه بعمق. أستخدم أربعة عناصر إذن؟ دعه يُبهر بما رأى. بالأسفل، كان المد الممدود يتذبذب، وتنهار أقسام منه.

ومع ذلك، ظل يشكل خطراً. هممم... ربما كان عليه الاحتفاظ بالمزيد للتعامل مع هذا. وقبل أن يبدأ في تشكيل خطة، ابتلعت الأرض المرتفعة الهجمات. لم يكن ذلك ماركوس. ولو استطاع فعل ذلك، لانتهى القتال قبل وقت طويل. شكلت الأرض منصة التقطت كال بعد أن اعتدل في وقفته، مخفضة إياه ببطء عائداً إلى الميدان الرطب.

قال فيرجسون وقد استيقظ في وقت ما أثناء المباراة: "أيها الفتى. أتستطيع فعل معروف لي وألا تحاول قتل الطلاب هؤلاء وأولئك؟ قلبي لا يتحمل".

ولم يتذمر كال بأي شكل رداً على ذلك.

صحح كال بسرعة متجهاً نحو الرجل الذي بدأ بالاقتراب: "لسنا بذنبٍ مني. لمَ لم تتفادَ الهجمة؟ وأين كان درعك؟"

زمّ ماركوس شفتيه، متوقفاً على مسافة بعيدة منه.

"يمكنني أن أطرح عليك السؤال ذاته. كان درعك غائباً بشكل ملحوظ طوال النزال تقريباً".

استدعى كال درعه على أساس الحاجة. لا بد أنه بدا غريباً بعض الشيء من منظور شخص خارجي.

فكر مطولاً بحثاً عن عذر: "أنا... نسيت".

ومما يثير الدهشة، أنه لا بد وأن ذلك نجح إذ لم يبدُ أي منهما متشككاً في ادعائه.

تحدث ماركوس تاليا: "كان التجلي الذي نسجته معقداً إلى حد ما؛ ولو أنني حطمت التركيز باتخاذ تدابير دفاعية، لاستمر في طريقه".

أوقف هناك إذن، مخاطراً بالهجوم من أجله؟ ارتفع تقييم كال للرجل.

"كان لدي إيمان بتدخل معلمنا".

انحنى ماركوس قليلاً تجاه فيرجسون.

"ولم يكن في غير مكانه".

هبط تقييم كال مجدداً إلى مستوياته السابقة؛ فهو لا يشارك السكير ذات القدر من الثقة.

أثبت فيرجسون مشاعر كال فوراً: "ما كان ينبغي لك؛ لم أستيقظ إلا في النهاية. وأنتما الاثنان، ماذا كنتما تفعلان واكتفيتما بالمشاهدة فقط؟ ألم تستطيعا فعل شيء بأنفسكما!"

وجه فيرجسون غضبه نحو جمهورهما، الذي لاحظ كال الآن أن نظرات حادة قد صُوبَت نحوه.

تحدث رولاند بنبرة جافة، محافظاً على تركيزه على كال: "المعذرة. أظن أننا أسرنا جميعاً بهذا العرض".

أومأ بنجامين ببلاهة. تحرك كال بارتباك، غير متفهم مصدر هذا الجو الغريب. لم يتحرك بأسرع مما فعل من قبل؛ بحق الجحيم، لقد تحرك ببطء أشد طوال معظم ذلك الوقت توخياً للكفاءة. ولم يكن الأمر وكأنّه عرف كيف يقاتل فجأة أيضاً؛ فقد أمضى معظم الوقت في تجنب التعرض للضرب فحسب. صحيح أنه قيل له إنه بارع للغاية في... توقفت أفكاره بحدة. ميلي. سبق أن أخبرته ميلي بأنه بارع جداً في المراوغة بينما كانت تستخدمه كهدف للتدريب.

أخبرته ميلي، الآنسة المثالية في كل ما تفعله، بأنه بارع جداً في شيء ما. وترجمته إلى حديث شخص عاد... حسن، لم يكن يدري ما يعنيه ذلك.

خاطب فيرجسون رولاند: "أها، ألاحظت ذلك؟ لم يكن من السهل رؤية ذلك أثناء قتالك بسبب سوء مهاراتك الفردية في الرمح، لكن الفتى يتمتع بحس قتالي أفضل من بعض أصدقائي".

رمق كال بنظرة تشكيكية.

"وهذا يطرح تساؤلاً حول المكان الذي تعلمت فيه التحرك بهذه الطريقة".

لم يكن هذا خطأه.

لو أخبروه: "أهلاً، بالمناسبة، إليك ما يمكنك فعله دون إثارة أي شبهات"، لما ظل يركض ويدخل في هذه المواقف.

لكن لا. دعونا نرسل الفتى بلا أدنى تدريب أو معلومات إلى مرجل اجتماعي وسياسي ساخن. ما الذي قد يسوء؟

آه صحيح، بعضهم كان يراهن على الجزء "الخاطئ".

أيها الأوغاد. تمنى أن تسير التحقيقات والمحاكمات اللاحقة على ما يرام. وعد ألبرت بتسجيلها، وكان مستعجلاً لمشاهدتها فور عودته. رؤيتهم وهم يتلوون ويصدر الحكم بحقهم سيجعل هذا كله يستحق العناء. ولمَ التوقف عند هذا الحد؟ عليه زيارة الأهم في السجن. ربما يصطحب كعكة؟

ويخبزها برطل من الملح ويكتب عليها، "لمَ لا تقطع هذه عوضاً عن ذلك؟".

وربما سيتعين عليه تهديد الكثير من الناس للإفلات بفعلته تلك. ممكن. لم يساعده أي من هذا الخيال في وضعه الحالي، فعصر ذهنه بحثاً عن إجابة. وكان الأمر أسهل مما توقع.

"الموت محفز قوي".

ربما بدا متشنجاً هناك. ومع ذلك، فالحقيقة تظل حقيقة. كان الموت تجربة كريهة. واحدة تقبلها ومع ذلك يحاول تجنبها على أي حال. يمكنك أن تتعرض للبقر عدة مرات فقط قبل أن تضجر من الأمر. خلّفت كلماته وقتاً أعمق مما توقع، وساد الصمت المجموعة لفترة.

كسر فيرجسون الصمت، وشاركت الشفقة صوته: "أليست كذلك؟ معلمة قاسية تلك، مقارنة بصغر سنها".

وقع كال بين مشاعر متصارعة. فمن جهة، كان ممتناً لأن الرجل قد ابتلع تفسيره. ومن جهة أخرى، جعلته الشفقة يرغب في ركل السكير خارج ساحة التدريب.

"سأذهب لأغتسل؛ أراكم الأسبوع القادم".

غادر كال دون مزيد من العنف. أحياناً يكون معرفة أنك تستطيع مريحاً بحد ذاته.

قال كال وهو يتأمل مشهد الليل: "لم أكن أعلم أن الصعود إلى هنا مسموح".

كانت قدماه تتدليان من حافة مبنى مرتفع بالقرب من المدخل الرئيسي للأكاديمية. تتيح هذه البقعة الزاوية المثالية لرؤية المدينة المتناثرة في الأسفل. يشكل صخبها وحركتها النابضة تناقضاً صارخاً مع الحرم الجامعي الهادئ الآن. تنثر الأضواء نقاطها في الأرجاء، لتحل محل النجوم الغائبة في الأعلى.

ردت ليلي وهي جالسة بجانبه، مسندةً كفيها إلى الخلف بينما تتأرجح ساقاها إلى الأمام والخلف: "القواعد لا تهم إلا إن استطاعوا الإمساك بك. أنا وأنت أسرع من أن يمسك بنا أي شخص يعبث بأمر كهذا".

سألها: "أي شيء أردته بشدة لدرجة أنه لم يحتمل الانتظار؟ أترضين أن يُقتطع هذا الوقت المخصص لنفسي؟".

رمقته بنظرة غاضبة وقالت: "ربما احتمل الانتظار. أردت التحدث مع أليس في الأمر، لكنها أخبرتني أنها ستبقى في المدينة هذه الليلة".

بدا الأمر تناقضاً صارخاً في نظره، بالنظر إلى كمية التوبيخ التي تكيلها له كلما تأخر خارجاً.

قالت ليلي مجيبة عن سؤال لم يطرحه بعد: "أعمال ورثة. لا تقلق بشأنها".

قال: "صحيح... على أي حال، أتذكرين ذلك الشخص الذي وصفته بالعلقة؟".

توقفت ساقاها عن التأرجح.

قالت: "لقد حاصرني بالأمس، وانتهى بنا المطاف لتناول الغداء معاً".

مالت برأسها إلى الجانب وثبتت نظراتها الخالية من الطرف عليه: "من الأفضل أن تبدأ في شرح ما حدث بالضبط".

أطلق كال ضغطة ساخرة؛ فقد فقدت تهديداتها الفارغة بريقها المعتاد. التفسير هو سبب وجوده هنا، لذا نزل عند رغبتها بعد ذلك العرض وسرد أحداث اليوم السابق.

قبضت ليلي على شعرها بيديها وهي تهتف: "تباً، لما لم تراسلني؟! لقد أخبرتك أن تراسلني!".

نهضت لتشير بسبابتها نحوه بينما تتطاير الشرارات منها. وجد كال رد فعلها مبالغاً فيه. في رأيه، لقد تصرف بحكمة.

"كان بإمراسي المراقبة من النافذة وتسجيل كل شيء! ألديك أي فكرة عن حجم الفرصة الضائعة؟ أكاد أتخيل تلك الابتسامة اللزجة وهي تتداعى. كان سيكون أمراً مثالياً".

قال كال مستدركاً وقد أدرك وجهة نظرها للتو: "آسف؟ لقد كان ذلك سيكون مضحكاً بالفعل".

رددت: "جيد أنك تأسف. كن أفضل في المرة القادمة. قلت إن الخمر انسكب على ملابسه كلها؟".

أومأ كال برأسه.

تابعت ونبرة الحقد تقطر من لسانها: "في المرة القادمة لا تتوقف عند هذا الحد، اغرق اللقيط فيه".

"لست متأكداً حقاً إن كنت جادة الآن".

"شبه جادة، لا أعتقد أن أحداً يحبه إلى هذا الحد. ومع ذلك، فهو لا يزال نبيلًا. إن لحقه أي أذى بالغ، فستخضع الظروف لتدقيق مكثف. بمعنى أننا سنجد القضاة يحومون حولنا ويجرون تحقيقاً رسمياً".

عقد العزم على التوقف عن التورط في "حوادث"

عرضية مع الطلاب.

قال كال بحذر: "يبدو أنك فكرت في الأمر".

"من الصعب ألا أفعل. إنه محظوظ لكونه سمكة صغيرة مقارنة بغيره، ولا يستحق الجهد المبذول للتعامل معه بتلك الطريقة".

حتى هذه اللحظة، كان كال يعتبر تصرفاتها السابقة مجرد مزاح. أما الآن؟ فبات متأكداً تماماً أن هذه الفتاة تنطوي على نزعة إجرامية حقيقية. لم يواجهها بالأمر؛ فهذا سيكون أشبه بمن يرمي الناس بالحجارة ودارهه من زجاج.

"على أي حال، أردت معرفة المزيد عنه؟ حسناً، عائلة لوسينا كانت في الأصل فرعاً تابعاً لعائلة أردير. عندما كانت عائلتك تملكهم، أعني. لا يزالون تحت المظلة السياسية للدوق بروسيلاي، على الرغم من أننا لا نعرف ما يكفي لنحدد رأي الدوق فيهم".

راهن على أن تلك كانت إحدى المعلومات التي كانت أليس تأمل أن يتمكن من انتزاعها من ماركوس.

"لقد أبليت بلاءً حسناً بشكل عام. بعيداً عن المزاح، لا تقم بمثل هذه الحركات مرة أخرى دون إذن مني. كان هدفك هذه المرة بلا مخالب؛ أما لو كان يملكها، لكنا وقعنا في ورطة نكراء الآن".

"لم أفعل ذلك عشوائياً؛ لقد رأيت كيف نبذتموه جميعاً".

تحولت نظراتها إليه للحظة قبل أن تعود لتستقر على المدينة مجددًا.

تمتمت ليلي وهي تجلس على الحافة مرة أخرى: "أنت أكثر فطنة مما اعتقدت. دعني أتنول أنا شرح ما حدث مع بيترو لأليس. حسناً، حساسة فكاهتها ليست بجودة حسّي. إن لم يكن لديك شيء آخر، فانزل عن سطحي".

قامت إحدى يديها بحركة تطرده.

قال كال بنبرة متعجرفة: "كما تأمر السيدة".

نهض مستعداً لمغادرة الحافة والعودة إلى السكن الجامعي عندما تردد صوت من خلفه.

"ظننت أنني شعرت بسحرك هنا، ليليان".

انضم إليه شاب ترمق نظراته الداكنة كال.

"والتفكر أنني استبعدت تلك الصورة وما رافقها من شائعات. أنسيت التزاماتك بهذه السهولة؟".

بصقت ليلي كلماتها وهي لا تزال جاغسة: "لوكاس. لكنت قلت إنه ليس كما تظن، لو كان يعنيني أصلاً ما تفعله".

"كلمات قاسية".

خطا الرجل خطوة للأمام، وحظي كال برؤية أوضح له. يتدلى شعره البني الطويل متجاوزاً كتفيه، وتذكره كال من على المسرح في وقت سابق من هذا الأسبوع.

"سيتعين عليك تعلم كيفية ضبط ذلك اللسان".

"لن يتسنى لي فعل أي شيء".

ضحكت وهي تعيد بصرها نحو المدينة.

"أنت ومن معك لستم سوى نكرة؛ غادر بساقيك بينما لا يزال بإمكانك ذلك".

"يا لها من امرأة عنيفة".

بدأ يقترب من ليلي، فوقف كال في طريقه.

قال لوكاس ناظراً من خلف كال: "سيصاب والدك بخيبة أمل".

قالت ليلي ببساطة: "لن أطلب للمرة الثانية".

كانت أصابعها تنقر على الحافة، وتصدر كل نقرة شرارة أشد من سابقتها.

"سنستكمل هذا لاحقاً إذاً".

تجهم لوكاس وتراجع للخلف. ولم ينسَ رمق كال بنظرة حارقة.

تحدثت ليلي بعد أن غادر الرجل: "لم أطلب منك التدخل".

بدا كال حائراً بنفسه؛ فلم يقصد التدخل قط.

"لم يكن الأمر من أجلك. كنت أحمي نفسي. أخبرني شخص مؤخراً بما يحدث إذا تعرض نبيل لخدش بسيط؛ ولست واثقة من قدرتي على الكذب أمام القضاة عندما يسألون عن سبب وصول هذا الشخص إلى هنا سليماً ومغادرته مبعظماً".

تلاشى جزء من العبوس الذي لازم وجه ليلي منذ وصول الرجل. تطلعا إلى المدينة معاً؛ ولم يدر كال ما يقوله.

حثت ليلي صمته: "ماذا، ألا توجد أسئلة؟".

هز كال كتفيه: "شأنك الخاص".

وافقت ليلي: "هكذا هو. هل هناك سبب لبقائك؟ أخبرتك أن هذا وقت مخصص لنفسي".

لم لم يغادر؟ لم يكن سؤالاً يملك له إجابة. منحها نظرة أخير قبل أن يختفي في عتمة الليل.