كانت النسمة منعشة وتملأ الجو بزقزقة الطيور. استطاع كال أن يسمع من بعيد طنيناً خافتاً للحركة. كانت مصادفة لطيفة أن هذا العالم يسير وفق جدول أسبوعي مؤلف من خمسة أيام عمل ويومين راحة. كانوا يطلقون عليها أسماء غريبة، لكنه استبدل بها في ذهنه ما يعتاده. كان اليوم ليكون في العادة موعداً لحصصه الدراسية في السنة النهائية، في اليومين الثاني والرابع من الأسبوع. وبما أنها لم تُحدد لتبدأ إلا في الأسبوع القادم، فقد نال يوم عطلة.
كان السكن الذي يقيم فيه يقع بالقرب من برج الساعة وعلى الجانب الشرقي من ممر الحرم الجامعي الرئيسي. ومع وقوع غرفتهم في الجزء الجنوبي من المبنى، منح الشرف كال إطلالة لائقة على الأجزاء المركزية من الأكاديمية. ومع شمس الصباح، صار بإمكان رؤية مبنى التسجيل اللعين ذاك بوضوح أكبر. ما كان ينبغي للتعاويذ أن تقتله، ليس بهذه الطريقة. حتى مع احتساب أقوى ما واجهه منها على الإطلاق، كان المفترض أن يحصل على أدنى تنبيه ويمكنه المقاومة للحظة واحدة.
عوضاً عن ذلك، ضغطوا على الزر فهوى ميتاً. بدا الأمر كأنهم تسللوا من باب خلفي متجاوزين دفاعاته. وهو ما كان، بحسرته، طبيعة عمل العهود. بعد الوحي الأولي، تمتع بالتعقل الكافي لعدم اقتحام ذلك المكان والمطالبة بإجابات. لتصرف كال القديم أن يكون كذلك، أما كال الجديد فمحترف يجمع معلومات بالغة الأهمية ثم يصوغ عددًا من الخيارات المحتملة قبل اختيار المسار الأفضل. وإن صادف وكان المسار الأفضل هو ضرب أيا ما كان ذلك الشيء حتى تحطيمه؟
حسنًا، فسيكون ذلك حظًا طيبًا فحسب.
"ألا يفترض بك أن تكون في طريقك؟"
جاء صوت أليس من غرفة المعيشة حيث كانت تجلس أمام حاسوبها المحمول تعمل على شيء ما.
"سيكون إهداراً لجهودنا إن تسبب تأخيرك في امتلاء إحدى الحصص التي اخترتها."
"سؤال سريع، لو دفعت طالباً في السنة الرابعة من هنا، أسيظل بخير؟"
"أتخيل ذلك—"
أجابته شارذة الذهن قبل أن تلتفت إليه فجأة.
"أشعر أنه ما كان ينبغي لي قول هذا. على سبيل الاحتياط، لا تدفع الطلاب من الشرفات."
"ليس شيئاً كهذا."
بث بعض القوة في ذراعه وقفز متخطياً الصابورة. دافعاً نفسه إلى ما بعد الممر بالأسفل ونحو منطقة حديقة صغيرة مجاورة له. أدى الهواء الذي صفعه إلى إغراق التوبيخ الذي لا شك أن أليس قد بدأته. كانت لدى ليلي الفكرة الصائبة في ذلك. كانت غرفتهم في الطابق الخامس، ولم يكن التنقل عبر الممرات والدرج يستحق عناءه حين توفر باب مريح يؤدي إلى الخارج مباشرة. خفف القليل من هوائه هبوطه، وبدأ المشي نحو حيث تقع مباني الكلية.
احتاج إلى استشارة خريطته لفترة قصيرة لكنه عثر أخيراً على المبنى المناسب. لم يعره تفكيراً يذكر وصعد بضع درجات حجرية قبل أن يدخل ويحدد مكان اللوحة الإرشادية. راحت عيناه تبحثان في اللوحة حتى وجد معلم صفه. كان باب المعلم المذكور مغلقاً، لكن صندوق بريد كان إلى جواره، فدس اختياره فيه واعتبر المهمة منجزة. بعد تسليمه، تناول كال فطوراً هادئاً شكّل استراحة مرحباً بها. ويا للأسف، كان ذلك على وشك الانتهاء.
أو هكذا كان مفترضاً. جلس على مقعد ونقر بقدمه في ضجر، فكان الطرف الآخر مفترضاً وجوده هنا بالفعل. وكأنه كان ينتظر تلك الإشارة، لمس رايان أشعث الشعر يندفع جاضباً عبر الممر.
"عذراً"، قال رايان بين الأنفاس بعد توقفه أمام كال.
"استغرقت في النوم وما شابه."
هبط بجانبه.
"على ذكر النوم. أراهن أنك لم تنل الكثير منه أنت الآخر البارحة."
توتر كال. ما كان ممكناً له أن يعرف ذلك بأي حال.
"أصبتها من مرة واحدة، أليس كذلك؟"
تفاخر رايان.
"تعلم حقاً أنه يتوجب عليك أن تتوخى حذرًا أكبر بشأن الانكشاف."
عما كان يتحدث؟ لم يبدأ كال حتى في فعل أي شيء مريب، عدا عن الموت بضع مرات. وإن كان يعرف شيئاً...
"يا رجل، تبدو على وجهك نظرة مرعبة."
كان رايان هادئاً بشكل ملحوظ لشخص يقترب إلى هذا الحد من الموت.
"ولكن بجدية، عمل لطيف. لست متأكداً كيف فعلتها لكن هذا عمل سريع."
"بحق الجحيم الذي تتحدث عنه؟"
سسأل بينما رسمت ابتسامة سخيفة على وجه رايان. اتسعت الابتسامة حين أخرج رايان هاتفه وعرض شاشته عليه.
"تعلم أن هناك أماكن أفضل في الحرم لمثل هذا النوع من الأمور؛ إن احتجت يوماً لأي نصائح، فأطلق صرخة فحسب وسأمنحك القليل. سأضطر للاحتفاظ بالأفضل لنفسي، أنت تفهم."
على الشاشة، التقط أحدهم صورة لفتى وفتاة متوقفين في منتصف الممر. أجسادهما تفصلها بوصات، والفتاة تحدق بحدة صعوداً إلى عيني الفتى. أطرت الصورة سماء زرقاء وأزهار في الخلفية. التحية للمصور؛ حتى مع معرفته أنها كانت تهدده هناك، بدت كبطاقة بريدية رومانسية. أطلق كال أنيناً خافتاً.
"ليس الأمر كما يدو؛ من أين جئت بتلك أصلاً؟"
من الناحية المشرقة، لم يكن عليه معرفة كيفية إسكات هذا الفتى. كان يمزح بشأن إيذائه لكن تهديده أو إخفاءه لفترة كان خياراً مطروحاً. أطلق رايان ضحكة.
"بالطبع يا صاح، أياً ما قلت، والمنتديات بالطبع. من أين غيرها؟"
نهض ماداً جسمه قليلاً.
"على أي حال، لنتحرك. لقد وعدت بجولة، وهناك الكثير لرؤيته."
"لقد صدقت في ذلك"، وافق كال.
"لماذا لا نبدأ بغرف الخوادم؟"
لن يشتكي أحد لو انتزع حفنة من الكابلات، أليس كذلك؟
"غرف ماذا؟"
سأل رايان مميلاً رأسه.
"لا تهم إذن."
تجاهل كال الأمر، ناسية مدى حداثة هذا كله بالنسبة لهم.
"لنتحرك وحسب."
تبين أن ما تلا ذلك كان غنياً بالمعلومات بشكل مدهش. كان رايان يعرف الحرم جيداً، وهو أمر بديهي نظراً لأنه عاش فيه لعدة سنوات أساساً. لم تسنح لهما الفرصة لرؤية كل شيء، لكن جزءاً جيداً قد غُطي. كانت الإسطبلات مثيرة للاهتمام بشكل خاص، لكن الطلاب مُنعوا من دخول المنطقة ما لم يستأجروا مقصورة أو سُجلوا في دورية مقابلة. من المؤسف أن أياً منها لم يكن متاحاً؛ لقد جرب حظه في الترويض من قبل وقوبل بنتائج هزيلة.
طوال الجولة، بدأ يلاحظ نمطاً في جودة المباني التي ضمت حصصه. وُجد نطاق واسع من الأنماط والأحجام المختلفة، لكن مبانيه كانت بلا شك في الجانب الفقير. حاول السؤال عن ذلك بدقة، وكانت الاستجابة بسيطة. حصص أفضل في مباني أفضل. بديهي. وهو ما يعني أنه أعد جدوله بطريقة غير مقصودة في بعض الأرجح أماكن لحدوث طقس ما. أأثمر عبقري ميللي فيه أخيراً؟ إن كان الأمر كذلك، فقد حان أوان ذلك منذ زمن.
بينما مروا بمبنى التسجيل، اغتنم الفرصة لطرح السؤال الذي احتفظ به طوال الصباح.
"ما الذي تعرفه عن ذلك المكان؟"
أشار إلى الهيكل المشؤوم المصنوع من الحجر الأسود.
"التسجيل؟"
هز رايان رأسه قليلاً.
"ليس الكثير، فقط أنه أحد أقدم المباني في الحرم."
"وماذا عن الرجل الذي يعمل هناك؟"
ضغط كال أكثر.
"رجل؟"
استدار رايان إليه بجبين مقطب قليلاً.
"ماذا تعني بذلك؟ الكثير من الناس يعملون هناك."
"أمتأكد من ذلك؟"
جاء الدور على كال ليصاب بالارتباك.
"لم يكن هناك سوى رجل مرعب واحد يعمل حين ذهبت من قبل."
"لقد مرت عدة سنوات منذ أن كنت هناك. بغض النظر عن إعداد العهد، لا توجد داهية للذهاب إلى هناك."
أجاب رايان بشتات وهو يتفقد هاتفه، "لكن مما أتذكره، كان هناك حفنة من أعضاء الطاقم يتعاملون مع الأمر. ربما قلصوا عددهم منذ ذلك الحين. أو نظراً لكونك الطالب الانتقالي الوحيد، فقد راهنوا على عدم قدوم أي من الطلاب الجدد مبكراً وصادف أن ذلك الرجل نال القشّة القصيرة؟"
"مرجح أن يكون الأمر كذلك"، أومأ كال ظاهرياً.
"أقلت إننا سنقابل الآخرين لتناول الغداء؟"
"أجل، انتهيت للتو من مراسلتهم."
بدا رايان مهتزاً حين اعترف كال بتناوله الطعام في قاعة الطعام المركزية وحدها.
"سيقابلوننا هناك لذا دعنا لا نجعلهم ينتظرون."
لم يكن كال متحمسساً لمقابلة كل أولئك مجدداً، لكن سيكون من الجميل الحصول على خيارين إضافيين لتناول الطعام.
كان الغداء أفضل بقليل من طعام قاعة الأكل المركزية. يقع أيضاً على الجانب الآخر من الحرم الجامعي مقارنة بسكنه. نظراً لوجوده قرب اثنتين من حصصه، توقع أنه سيزوره مجدداً. بدت المحادثات مع المجموعة التي انضممت إليها جيسيكا وأن آن خفيفة. غاب غريغور بشكل ملحوظ. لم يعلق أحد على الأمر. توجب عليه تحمل القليل من المزاح بشأن تلك الصورة، واضطرّت جيسيكا لإيقاف آن التي أرادت تفاصيل أكثر بكثير مما يوجد؛
وبغض النظر عن ذلك، كان الأمر ممتعاً بما يكفي. افترقوا بعد ذلك. لم يسأل الفتيات عن مبنى التسجيل، لكن هذا لم يَعنِ أنه سيتوقف عن البحث. على العكس تماماً، قادته خطاه إلى أحد أكبر مستودعات المعرفة في القارة. هذا ما ادعته الإامبراطورية. وقف كال في منتصف المبنى وشعر أنهم قد لا يبالغون في هذا الشأن. كان ضخماً بشكل مناسب وعلى شكل خماسي الأضلاع. يكثر استخدام هذا الشكل في السحر الطقسي بشكل عام، لذا لم يكن مقلقاً للغاية؛
سجل ملاحظة في ذهنه للتحقق من الطابق السفلي على أي حال. انتشرت على الأرض جميع أنواع الطاولات، وهيمنت طاولة دائرية كبيرة على المنتصف. اقترب من الطاولة رافعاً بصره أثناء تقدمه. امتدت مساحة مفتوحة صعوداً مباشرة حتى السقف. لمح عدة طلاب يتجولون في الشرفات العلوية. لابد أنه كان هناك عشرون طابقاً على الأقل. بلغ الطاولة وانتظر بصبر ريثما ينتبه له الموظف. بعد محادثة سريعة، وُجه نحو الطابق السابع، القسم الثالث.
موطن الكتب المخصصة لتاريخ الأكاديمية. بعد صعود الطوابق، وقف أمام القسم مكتوف الأيدي. كان هذا حشداً هائلاً من الكتب. أكثر مما ينبغي. بدون سجل، سيكون عليه فرزها بطريقة ما. راح يمسح الرف القريب منه بعشوائية. يسحب أي شيء يثير الاهتمام ويتصفح الصفحات. يتيح لك التفعيل العقلي بأبسط أشكاله الاستجابة للأمور بالغريزة. وعند الارتقاء به إلى المستوى التالي، تُفتح المزيد من الاحتمالات.
لم يجعله ذلك أكثر ذكاءً، وكان التحسن في ذاكرته طويلة المدى ضئيلاً. لو فعل أياً منهما، لما أخفق في الاختبار بهذا الشكل الذريع. تكمن الميزة الحقيقية في القدرة على معالجة شيء ما بالكامل في جزء من الثانية. لا التعلم، بل المعالجة. لن يصبح خبيراً في علم الأحياء بتقليب بعض الكتب المدرسية، لكن طالما أن النص لا يحتوي على أي مفاهيم جديدة أو مصطلحات صعبة، فيمكنه تلخيص معظم الأمور.
لفترة من الوقت على الأقل، تميل المعرفة إلى الإفلات ما لم يكرر العملية باستمرار. مفيد للغاية للحفظ السريع والبحث عن الكلمات المفتاحية. نسخته الخاصة والمقلدة من اختصار البحث. انقضى الوقت بينما كان يقلب مجلداً تلو الآخر. كان يبطئ أحياناً حين يعثر على خيط أمل واعد، لكنها كانت تنتهي جميعاً بخيبة أمل. لم تكن هناك إجابات قاطعة، وغالباً ما تعارضت الإجابات التي قدمتها الكتب مع نظيراتها.
لم يكن يتتبع رقم الكتاب الذي يقرأه حين قاطعه صوت.
"اشرح".
تكلمت شابة بنبرة استياء بينما كانت تحدق في كتاب خاص بها. كانت جالسة على طاولة قريبة منه فشل في ملاحظتها. أجرى فحصاً سريعاً لنفسه فلم يجد شيئاً غير معتاد. لابد أنه كان شارد الذهن أكثر مما ظن في البداية. عندما رأى انتباهها لا يزال بعيداً عنه، أشار إلى نفسه بحذر.
"أتحدثني أنا؟"
"نعم"، جاء ردها مكوناً من كلمة واحدة.
كانت حركة مألوفة، وشعر بالغباء لعدم إدراكه مبكراً أن هذه هي نفس الفتاة التي قادته إلى الاختبار الكتابي. حسناً، إنه سيء في تذكر الوجوه، ووجهها تحديداً يبدو قابلاً للنسيان. بوجها البيضوي وشعرها وعينيها البنيتين المتطابقتين، لم تكن قبيحة؛ بل بدا بالأحرى أنها افتقرت إلى اللمحة أو الحضور الذي يتمتع به الطلاب الآخرون عادة. أاد کتابه الذي انتهى منه للتو إلى مكانه الذي عثر عليه فيه قبل أن يلتقط كتاباً آخر.
"بحث"، رد بطريقة مماثلة.
"توقف"، قالت بينما كانت تقلب صفحة بطريقة منهجية.
"لا أظنني فاعل"، قال باستهتار.
تصفح الكتاب الجديد الذي يحمله ولم يجد فيه ما يثير الاهتمام. أعاده إلى مكانه ومشى خطوتين قبل أن يعثر على كتاب آخر ليفحصه.
"أنت بصدد إبداء قلة احترام"، ارتفع صوتها قليلاً.
كان هذا أكبر عدد من الكلمات التي سماها ترصفها بجانب بعضها، لذا لابد أنه أثار جنونها بالشكل المناسب. تذكر محادثته مع ليلي. بدا زي هذه الفتاة عادياً كزيّه تماماً. برز أمران؛ مشبك الشعر الفضي الذي يمسك جزءاً من شعرها القصير ودبوس دائري صغير باهت على ياقاتها. إذن لا، لم تبدو مهمة.
"لست متأكداً مما يدور في ذهنك. أنا هادئ جداً بشأن هذا".
أشار إلى الشرفة حيث كان بإمكانه رؤية الطلاب يضحكون على الجانب الآخر.
"لست مثل هؤلاء المهرجين".
"كتاب".
كان على وشك السؤال عن توضيح عندما فتحت فمها مجدداً. لاحظ أنها قبضت على صدرها لثانية.
"أعمالهم هي ما تعامله باستهتار".
هكذا إذن، هذا ما تشغل نفسها به.
"كلهم موتى منذ زمن طويل على ما أرى، لكن لا تقلقي، سأعتذر عندما أراهم".
شددت قبضتها على صفحتها الحالية، لكنه استمر قبل أن تتمكن من الرد.
"إلى جانب ذلك، لا يملك أي منهم ما أبحث عنه".
"أسهب في التوضيح".
درس طلبها. لم يكن هدفه الإعلان عن اهتمامه، لكنه سيخاطر إذا كان ذلك يعني العثور على ما يبحث عنه.
"أبحث عن سجلات تخص مبنى التسجيل".
قالت ببطء وكأنها تخفي شيئاً: "العديد من الكتب التي استبعدتها تحتوي على معلومات ذات صلة. كتاب (سجل متواضع) لغوستاڤ سيڤلار كان بين يديك قبل عشر دقائق فقط".
"متواضع؟"
لم يكن متحفظاً في ملاحظاته.
"كان سيرة ذاتية بكل ما للكلمة من معنى ولا يشير إلى المبنى إلا إشارة عابرة ليقول إن مواد تشييده تتطابق مع مواد الجدران. وهو أمر يمكن لأي شخص يملك عينين معرفته، لكن الرجل يصور الأمر على أنه اكتشاف كبير. متفاخر تام".
ولأول مرة، رفعت بصرها عن الكتاب لتحدق به. تلاشت تلميحات الانزعاج على وجهها ببطء، ليحل محلها شعور عجز عن تفسيره.
"مجموعة مختارة للمؤسسين"، تحدثت كمعلمة تشرف على اختبار شفهي.
"قصاصات لأغبياء متكبرين. يتحدث أحد⁄ם عن كون الأكاديمية أعظم رسالة حب، في إشارة إلى الاعتقاد بأن الملك أَمير أسسها لمغازلة الملكة إينيس".
أعاد الكتاب الذي كان لا يزال يحمله إلى الرف.
"لكن هذا يتناقض في نفس الكتاب بالقول إن الإمبراطور الخامس أسسها في محاولة لتعزيز روابط الإمبراطورية".
"لماذا كل هذا التركيز على الأمر؟"
"فضول".
مشى متكئاً على أحد المقاعد المقابلة لها.
"سجلت في وقت سابق من هذا الأسبوع وباع الأمر الرعب في نفسي".
وضعت شريطاً في كتابها وأغلقته، محافظة على نظراتها موجهة إليه. التقط الإشارة الصامتة لمواصلة الكلام.
"لا يمكنك إخباري بأن الأمر ليس غريباً بعض الشيء. غرفة قديمة ضخمة فيها طاولة واحدة ورجل كفيف يديرها".
همهمت قليلاً. ارتفعت زاودتا شفتيها. شعور انتابه بوجود مزحة لا يعرف شيئاً عنها.
"الكتب التي قرأتها. أقرأت مراجعها؟"
هز رأسه رداً على سؤالها.
"هنا تكمن حماقتك. لو فعلت، للاحظت نمطاً من المؤرخين ينسبون الفضل إلى المصدر الأساسي ذاته. مصدر حي".
طاف عبر مجموعة من الكتب. تعود أحدثها إلى القرن السابق، بينما لم تنتمِ الأقدم إلى هذه الألفية. قفز قفزة منطقية.
"أتقولين ما أظنك تقولينه؟"
اتسعت عيناه عند إيماءتها.
"ظننت أنه قد تكون هناك بعض الأرواح المختبئة حول العالم. تفكير بأن تكون روح موجودة هنا".
كانت الأرواح مخلفات لعصر الملوك. قوى طبيعية مفترض أنها مُسحت أثناء السقوط.
"من المثير للفضول أن تفترض هويتها بهذه السهولة".
"نحن نتحدث عن شيء يمكنه العيش لآلاف السنين. هناك ثلاثة أشياء فقط خطرت ببالي فوراً. لقد تصرف بحرية مفرطة لا تفعلها آليّة ولم-"
كان على وشك الاعتراف بأنه لم يشعر وكأنه شيطان.
"الأكاديمية لن تسمح بوجود شيطان بين جدرانها".
تذكر اقتباساً مناسباً.
"بمجرد أن تستبعد المستحيل، فإن ما يبقى، مهما بدا غير مرجح، لابد أن يكون الحقيقة".
"كلمات حكيمة".
أغلقَت عينيها بمظهر راضٍ.
"إنها روح. ومشاكسة أيضاً. معظم من يمرون عبر التسجيل لا يلمحون أي مخالفات، لكنها تقرر أحياناً إظهار حقيقتها لطالب ما. وبالمثل، أعطت روايات مختلفة حول أصولها وأصول الأكاديمية. تكهن البعض بأنها قد تكون خرفَة نظراً لعمرها، لكن ليس لدينا غيرها من نفس النوع لنقارنها به".
قال بجفاف: "حسناً، هذا ليس مقلقاً بتاتاً".
فكرة وجود كيان فائق القوة وناضج النسيان مسؤول عن الحواجز التي يمكنها تحديد حياة وموت كل شخص في الحرم الجامعي كانت مزعجة.
"لقد أطلقت نفس الحيلة عليّ".
جعله ذلك يشعر بتحسن، لذا لم يكن الوحيد الذي استُهدف.
"ظننت نفسي مجنوناً لفترة قصيرة قبل اكتشاف حقيقة الأمر. لقد تمكنت من التحدث إليها منذ ذلك الحين، وكانت صافية الذهن".
"يسعدني سماع ذلك. أظن ذلك. على أي حال، هذا ما كان يزعجني، شكراً إذن..."
ترك الجملة معلقة لثانية قبل أن يدرك أنه لا يستطيع تذكر اسمها. أمر محرج نظراً لأنه كان متأكداً تماماً من أنه سمعها قبل بضعة أيام. نقر المقعد الذي استند إليه قبل أن يغادر، متظاهراً بأن هذه هي الطريقة التي قصد بها إنهاء المحادثة. روح، أليس كذلك؟ لقد ضيق ذلك خياراته. انجذب نحو شيء يبرع فيه حقاً.
سمع همس اسم "ميَّا"
بضعف قبل أن يصل إلى السلالم.