▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 69: صانع السوابق السيئة (1)
….
في القاعة، بدأ الوزراء الكبار والسادة الإقطاعيون يتهامسون فيما بينهم، وارتسمت الابتسامات على بعض الوجوه.
ضحك الدوق كالين بملء فيه وهمس إلى الدوق المكروه فاكينهاز، "إنّها فتاة جيّدة. أتعلمت الحديث اللاذع منك؟"
"الحديث اللاذع؟ أبدًا." أجاب سيريل فاكينهاز بصوتٍ خافتٍ وشفاهٍ ملتوية، وضحك ابتسامةً شرّيرة. "في نظري، تلك قدرةٌ فطرية في النساء."
في القاعة، تجمّدت ملامح لاسال للحظة، ثم انفجر غضبًا. "إذن، أهذا هو أسلوب الكوكبة؟ أن تستخدموا هذه الطرق لزرع الشقاق بين ملك إكستيدت ورعاياه؟ تمامًا كما دبّرتم بخسةٍ ودناءةٍ لاغتيال أميرنا موريا!"
اضطرب قلب تاليس في صدره. (ها هو ’الطبق الرئيسي’.)
تسبّبت كلماته في إثارة السخط والغضب في نفوس معظم نبلاء الكوكبة داخل القاعة.
لكن قلّةً منهم غرقوا في التفكير العميق.
قبل أن يتمكّن تاليس من الرد، قال غيلبرت بابتسامةٍ مُعجبة: "ردّ فعل الدوقة جدير بالثناء. لقد شننّا هجومًا مضادًا دون قصد. سموّك، ضربة الدوقة تابارك ينبغي أن تجلب لنا بعض النتائج الإيجابية."
استدار تاليس نحو الدوقة الأنيقة.
كما بدا أنّ ليانا قد شعرت بنظرة تاليس، فاستدارت وردّتها إليه بنظرةٍ حادّة كالشفرة.
ابتسم تاليس على عجل، ثم ألقى نظرةً خاطفة على القاعة متظاهرًا وكأنّ شيئًا لم يحدث، كأنّ نظرته إليها كانت عرضية.
"الأمر ليس مجرّد زرعٍ للفتنة. بل وسيلة لاستكشاف ما إذا كان الملك نوڤين ودوق الرمال السوداء يتشاركان الإرادة نفسها والغاية نفسها. وهذا مهمّ للغاية!"
تجمّد تاليس في ذهول.
تابع غيلبرت بصبرٍ وهدوء، "إنّ عودة لاسال المفاجئة إلى صلب الموضوع إشارةٌ واضحة. من الجليّ أنّه يعرف أنّ عليه ألّا ينزلق إلى الجدل حول مَن الأقوى: الملك نوڤين أم أرشيدوق الرمال السوداء."
"في الجولة الأولى، كان هو من اضطرّ لتسديد الضربة أولًا."
وبينما يستعيد تاليس استنتاج غيلبرت في العربة سابقًا، أدرك فجأة أنّ اغتيال البعثة الدبلوماسية لإكستيدت ربما كان فعلًا مقصودًا من قِبَل بعض الجهات في بلادهم أنفسهم.
"يبدو أنّه… رغم عدم وجود دليلٍ قاطع… لكن… على الأقل…"
على الأقل في أذهان معظم الناس، كانت الفجوة بين الملك نوڤين وأرشيدوق الرمال السوداء هائلةً حقًا.
أعاد تاليس نظره إلى القاعة.
زمجر تنّين نانشيستر أحادي العين.
"نحن من قتل أميركم؟ حتى الأحمق يُدرك أنّ اغتيال بعثتكم الدبلوماسية كان مؤامرةً لإشعال الحرب بين بلدينا — أَتُرى إكستيدت ستسمح بأن تُستَغل بهذه السهولة والطواعية؟ حتى كلاب الصيد خاصتي ليست مطيعةً كما أنتم!"
"أبناء الكوكبة، أتظنّون حقًا أنّنا نهتمّ أكنتم أبرياء أم محرّضين؟" نطق لاسال ببطء.
"ما دمتم غير مهتمّين بالبحث عن الحقيقة، فلِمَ أنتم هنا؟ لِمَ لا تقطعون رؤوس بعض المارة في الشوارع وتهدونها إلى ملككم نوڤين؟" قال دوق الساحل الجنوبي زايِن بسخرية.
لم تفشل هذه الكلمات في إذكاء الغضب والحقد في صدر لاسال. وتحت أنظار النبلاء، تقدّم بخطواتٍ حازمة، ورفع بيمينه الرقّ الأحمر المختوم بشعار التنين القرمزي عاليًا!
على العرش، قبض الملك كيسل قبضتيه وخفّض ذقنه. غامت نظرته واتّسعت أعماقها.
"مهما كان من اغتال الأمير بخسّةٍ ونذالة — نقسم أن نُبيدهم! إكستيدت ستقيم العدل بيدها، ولسنا بحاجةٍ إلى أحد!
"لكن أميرنا، الابن الوحيد ووريث أرشيدوق مدينة سحابة التنين والملك المنتخب من شعب إكستيدت، قد مات على أرض الكوكبة!"
مدّ لاسال ذراعيه، واستدار بعنفٍ ونظر إلى كلّ سيّدٍ ونبيلٍ ومسؤولٍ في القاعة بنظراتٍ قاسيةٍ لا ترحم.
"سقطت آخر قطرةٍ من دمه على أرض الكوكبة، وآخر أنفاسه استنشقها من هوائها، وآخر ما أبصره كان مشهدها. جاء إلى الكوكبة بحسن نيّة، ومع ذلك لم تستطيعوا — بل لم ترغبوا — في حمايته!
"سواءٌ كان مقتله عمدًا أم لا، فإهمالكم وتواطؤكم هما ما تسبّبا في موته.
"وذلك كافٍ!
"على الكوكبة أن تتحمّل المسؤولية — وأن تدفع الثمن!"
مزّق لاسال بخفّةٍ غاضبةٍ ختم الرقّ الأحمر، ثم فرده بقوّة!
"مهما كان الأمر، فإن الملك نوڤين وإكستيدت لا بدّ أن ينالا تبريرًا ما من الكوكبة!"
تقطّبت حواجب الدوقات الستّة في آنٍ واحد.
تقلّصت حدقتا تاليس، ورأى أن الرقّ المفروش لا يحمل توقيعًا ولا ختمًا.
بل طبعةُ كفٍّ واحدة.
طبعةُ كفٍّ حمراء قانية.
أتكون كفّ الملك نوڤين الدامية؟
عادت الفوضى إلى القاعة!
"رأيتُ بعينيّ. لم يوقّع، ولم يختم. فقط شقّ كفّه وضغطها ليترك هذه الطبعة!"
"ذلك هو ألم الملك نوڤين ويأسه! أَفهمتم الآن، يا أبناء الكوكبة؟!"
الكلمات الأخيرة خرجت من بين أسنان لاسال كما لو كان يبصقها حقدًا.
بدأت الضوضاء في القاعة تخبو تدريجيًا.
كان تاليس من قبل لا يُلقي بالًا كثيرًا لاغتيال البعثة الدبلوماسية لإكستيدت. فموت أميرٍ غريبٍ لم يكن يعني له شيئًا. لكنّه الآن أدرك أخيرًا خطورة الأمر.
ارتفع صوت الملك الأعلى مجددًا، عميقًا جهوريًّا.
"أستطيع أن أستوعب يأس الملك نوڤين وغضبه. صدّقوني، لقد اختبرتُ ذلك الشعور من قبل. والكوكبة لن تتنصّل أبدًا من مسؤوليتها."
تحدّث كيسل ببرودٍ خالٍ من الانفعال.
صرّ التنّين احادي العين كوشدر أسنانه، وإن كان بطريقة غير ملحوظة.
"أيستسلّم الملك الآن؟
"هل يُعقل؟ كيف سيرضى التنّين الشمالي المفترس ما لم نَدفع ثمنًا باهظًا، كأن نسمح له باقتطاع جزءٍ عظيم من أراضينا الشمالية؟
"إن خضعنا، سيُوصم الملك كيسل بالعجز والضعف. وستدهور حتمًا علاقتنا مع الشمال أكثر، وهي أصلًا ليست وديّة."
وبينما تدفقت تلك الأفكار في رأسه، رمق ڤال آروند بنظرةٍ طويلة، كان يرتدي بزّته العسكرية كاملةً، متجهّم الوجه، صامتًا تمامًا.
بدت الأجواء وكأنها السكون الذي يسبق العاصفة.
أنزل لاسال يده وتابع ببرودٍ ساخر، "أشكرك على تفهّمك، جلالتك. آه، والآن تذكّرت. هوهو، طالما أنّك أنت، فمهما قلتَ سنفهم."
ظهرت نظرات غريبة بين الحاضرين في القاعة.
"كفّ عن الهراء. ما هي شروط الملك نوڤين؟" تجاهل كيسل كلماته المبطّنة بالتهكّم وسأله مباشرة.
تحت أنظار الجميع، أطلق لاسال زفرةً فولاذيةً حادّة، وأخرج اللفافة مجددًا وبدأ بتلاوة محتواها.
"جميع رعايا إكستيدت، من جلالة الملك نوڤين إلى الآرشيدوقات التسعة، عند سماعهم بالمأساة، وبينما يرزحون تحت وطأة الحزن واليأس المهول، استخدمنا كامل عقلانيتنا وذكائنا، وبإجماعٍ تامّ، نرى أنّ مملكة الكوكبة يجب أن تتحمّل المسؤولية عن المصير البائس الذي لحق بالأمير موريا شارلتون."
عقب إنهاء هذا التصريح، رفع لاسال نظره ومسح القاعة بنظرةٍ شاملة.
"إنّه عادل. إنّها وصمة عار على جبين الكوكبة أن يلقى الأمير موريا المهيب مثل هذا المصير في هذه البلاد."
ضيّق لاسال عينيه الباردتين قليلًا، ثمّ خفّض رأسه ليواصل التلاوة من اللفافة.
"أولًا، لإراحة روح الراحل، يجب على الكوكبة أن تُعيد رفات بعثتنا الدبلوماسية، وبالأخصّ رفات الأمير موريا، في هيئةٍ مهيبةٍ ومحترمةٍ ومجيدة."
"ثانيًا، لإحقاق العدالة، يجب على الكوكبة أن تُقدّم العون في تحقيقنا، وأن تُسلّم القاتل، بما في ذلك العقل المدبّر وراء الحادثة."
أطلق فاكينهاز شهيقًا خفيفًا، وتمتم إلى الدوق كولين الواقف بجانبه: "يساعدونهم؟ يا للهول، هذا يُشبه أكثر أوامر سيّدٍ إلى خادمه."
غير أنّ الأخير، المثقل بالقلق، اكتفى بالتحديق في لاسال بنظرةٍ جليلةٍ متجهّمة.
واستمرّت تلاوة المبعوث الطارئ من إكستيدت.
"ثالثًا، لاستعادة الشرف، نودّ أن يُقدّم الملك كيسل اعتذارًا علنيًّا أمام مملكة إكستيدت بأسرها."
ارتفع حاجبا تاليس.
تردّد في ذهنه كلام غيلبرت من جديد:
"سواء اخترنا الحرب أو الهدنة، فلن يتمكّن جلالته من الإفلات من الانتقاد بوصفه ملكًا قاسي القلب لا يبالي بشعبه، يضطهد الضعفاء، ويجلب العار على الكوكبة. وهذا سيؤثّر بشدّة على سمعته وسمعة عائلة جيدستار ونفوذهما في المملكة."
غير أنّ لاسال تابع خطابه الفظّ القاسي دون هوادة.
"رابعًا، للتعويض عن الضرر والخسائر، سواء أكانت أراضي أو موارد، نتوقّع تعويضًا منصفًا وكافيًا. بالتحديد، تتوقّع إكستيدت التعويض بأحد الأشكال التالية:
(1) المقاطعتان الشماليتان المتاخمتان لمملكتنا، على ألا تقلّ مساحتهما عن مقاطعة صنوبر الجوز.
(2) ثلث الحصّة التفضيليّة من الويت الأبدي الفاخر المستخرج من ساحل البحر الشرقي لمهنة صيد الحيتان في الكوكبة.
(3) خُمسَا الحصّة التفضيلية من منجم قطرة الكريستال في أراضي الساحل الجنوبي للكوكبة
". أيٌّ من الثلاثة يكفي."
"خامسًا، لترسيخ المساواة، يجب على الكوكبة وإكستيدت إعادة صياغة ’معاهدة الحصن‘، خصوصًا الحدود العبثية التي رُسِمَت قبل اثني عشر عامًا. يجب إعادة مقاطعات صنوبر الجوز، شارلادان، ليفور، الدب، وصيحة الأيل إلى حكم إكستيدت دون قيد أو شرط. سينسحب دوق مدينة المراقبة بفريق استصلاحه من غابة الصنوبر الشمالية، ولن يُسمح بتحديد عدد الصيّادين والرعاة الداخلين إليها سنويًّا إلا بعد التشاور مع آرشيدوق الرمال السوداء. كما على دوق البرج العتيق المنعزل سحب حُرّاسه ثلاثة كيلومترات إلى الوراء، وألا يمنع الإكستيدتيان من دخول منطقة الصيد العامة بغير وجه حق."
ساد صمتٌ مطبق في القاعة حتى إنّ صوت سقوط إبرةٍ كان ليُسمع.
لكن تاليس علم أنّ ذلك لم يكن سوى هدوءٍ ظاهريّ.
أنزل لاسال اللفافة ببطء.
"كما ذُكر آنفًا، هذه هي الشروط التي وضعها الملك نوڤين ومملكة إكستيدت."
وفجأة، انكسر الصمت المهيب في القاعة.
"أيّ هراءٍ هذا؟"
لم يَعُد الكونت زيمونتو قادرًا على الاحتمال، فصاح: "مدينة المراقبة لن تتراجع ولو خطوة! ولن نسلّم مقاطعة صنوبر الجوز ولا مقاطعة الدب! أبلغوا ذلك الوغد في إقليم الرمال السوداء: إن أراد أرضنا فليأتِ ويأخذها بجنوده!"
وتكلّم الكونت فريس ببرود: "مقاطعة صيحة الأيل ستظلّ على حالها! ثمّ إنّ البرج العتيق المنعزل سيُسيّر دورياته حيث يشاء!"
ومع ذلك، آثر دوق الإقليم الشمالي، الذي يملك أكبر سلطة في الحديث، الصمت. كان يُمعن النظر في الملك كيسل الخامس.
تحوّلت أبصار الحاضرين نحو الملك الأعلى بتعابير متباينة.
كان كيسل يحدّق في الدرج تحت قدميه، وكأنّ ما يحدث لا يعنيه، ومن ثم تحدث بهدوء.
"نوڤين، آه يا نوڤين… إكستيدت طمّاعة إلى درجةٍ فاحشة، لتظنّ أنّ بإمكانها مقايضة موت أميرٍ واحد بسبعٍ من مقاطعاتنا."
لم يحتمل لاسال الإهانة، فرفع رأسه وحدّق في كيسل.
"الضرر الذي لحق بإكستيدت لا يكمن في فقدان أميرٍ فحسب، بل في جرحٍ لكرامتنا وشرفنا!"
"بعثتنا جاءتكم بنيّةٍ حسنة، فقوبلت بالإهمال! فمن سيُنصف إكستيدت من هذا الإذلال؟ ومن سيُخمد نيران غضب التنّين العظيم؟
"وفوق ذلك، يا الكوكبة، أنتم من سلبتم أبًا ابنه الوحيد!" تابع لاسال بغضبٍ جامح. "الوارث الشرعي الأوحد للعرش، الذي جاء يحمل رسالة صداقةٍ وسلام، فقضى نحبه بفعل اغتيالٍ دنيء!"
"الملك نوڤين فقد قرابته، ابنه الوحيد، وريثه الأوحد. وإكستيدت فقدت الآرشيدوق القادم لمدينة سحابة التنّين، مستقبل أسرة والتون!"
وفي الختام، زمجر لاسال بأعلى صوته.
"حتى بعد تلك الضربة المدمّرة، لم يُرسل الملك نوڤين جيشًا، بل اكتفى بطرح بعض الشروط. أليس هذا أسمى درجات التعقّل وضبط النفس؟"
غصّت القاعة بأنفاس النبلاء المُثقلة.
حافظ كيسل على نبرته الهادئة، غير أنّ صوته حمل حدًا لا يُجادل.
"الشروط الثلاثة الأولى يمكن تلبيتها، أمّا الرابعة والخامسة…"
رنّ صوت الملك ببرودةٍ شديدة في أرجاء القاعة.
"الكوكبة لن تسمح لي مطلقًا ببتر أرضنا، أو بالتنازل عن حصّتنا من الموارد. وإن قلنا ذلك، فماذا أنتم فاعلون؟"
بدأ ڤال يقطّب حاجبيه.
تنفّس الدوق كولين بعمقٍ ثقيل، فيما أطلق فاكينهاز ضحكةً خبيثةً منفّرة.
شدّت ليانا وزاين شفتيهما بصمتٍ مطبق.
انكمش قلب تاليس في صدره بأسى. (ألا يمكن تفادي الحرب؟)
"هاهاهاها، الملك كيسل." ضحك لاسال بغضب شديد.
"حين جئنا إلى النجم الأبدي في الماضي، رفض الملك آيدي الطلبات ذاتها التي حملناها باسم الملك نوڤين والآرشيدوقات التسعة.
"وماذا حدث بعد ذلك؟" بسط لاسال ذراعيه على وسعهما وجال بنظره في القاعة.
توترت وجوه العديد من الأسياد والنبلاء والوزراء الأكبر سنًّا.
"نعم، لقد أرسلنا جيشنا ’بكرم‘."
تابع لاسال بأنفاسٍ متسارعة وتعبيرٍ أكثر جليدية.
"كلّ ما يخصّه بحقّ، سيأتي التنّين العظيم ليأخذه بيده."
شرع الحاضرون في التفكير بعواقب كلماته.
فما تزال فوضى الحرب وكوارثها التي عصفت بمعظم الكوكبة قبل اثني عشر عامًا حيّةً في ذاكرتهم.
"حين تعجز العدالة عن الصمود، ويتحوّل الإنصاف إلى غبار…"
رفع لاسال يده اليمنى مهيمنًا على الأجواء، وقبضها ببطءٍ في الهواء.
"لن يكون أمام إكستيدت خيار سوى أن تستخدم الحرب لصون شرفها وكرامة جلالته."
توعّدهم.
"وحينئذٍ، لن تُحلّ المسألة ببضع مقاطعاتٍ أو بعضٍ من الزيت الأبدي."
"كفى!"
أجاب كيسل بلهجةٍ غامرةٍ بالعمق.
"أفي نظرك ونظر الملك نوڤين لا وسيلة أخرى لتسوية النزاع بين الكوكبة والتنين العظيم؟"
"أتريدان حقًّا رؤية الدم يُراق بين رعايا بلدينا على الحدود؟"
أجاب لاسال على الفور:
"يا جلالة الملك، الحرب أو السلام، كلاهما بيدك. أن تتحمّل الإذلال من أجل رعاياك، أو أن تذهب إلى الحرب بأي ثمن؟"
مسح بنظره الجليدي صفوف الوزراء، وتوقّف عند الكونت زيمونتو، ثم أطلق ضحكةً ساخرة.
"خصوصًا وأنّ إقليمكم الشمالي لا يملك حتى ما يكفي من القوّة العسكرية لحماية حصن التنّين المحطم من جيش آرشيدوق الرمال السوداء؟"
قبض دوق الإقليم الشمالي قبضته بشدّة.
همس غيلبرت في أذن تاليس وهو يتنهد بعمق٫
"في العام الدموي، تلقّى الإقليم الشمالي ضربةً قاصمة من طلائع إكستيدت القويّة، لا يقلّ ضررها إلا عمّا عانته تلال حافة النصل في الجنوب الغربي. حينها، فاقت الأرامل عدد الأطفال في الشمال."
"أتطلب منّي اتخاذ قرارٍ في كهذه المعضلة؟" زفر كيسل باستهجانٍ بارد.
"لِمَ لا تأتي للكوكبة بملكٍ جديد بدلًا من ذلك؟"
رفع لاسال رأسه مبتسمًا.
"جلالتكم، أنتم الملك الأعلى للكوكبة. قدركم أن تتحمّلوا هذه المسؤولية."
"وإن لم تستطيعوا، فكما قلتم، اختاروا من بين هؤلاء النبلاء من هو أكفأ لتولّي قيادة الكوكبة. وإكستيدت ستكون في غاية السرور إن حدث ذلك."
ارتفعت القاعة فجأة على وقع صخبٍ عارم.
بل إنّ بعضهم تفوّه بالشتائم علنًا.
ومع ذلك، لم يكن مبعوث إكستيدت الطارئ قد فرغ من كلامه بعد.
تابع لاسال بنبرةٍ مظلمةٍ شريرة.
"في جميع الأحوال، الملك القادم للكوكبة ليس من آل جيدستار، أليس كذلك؟"
تبادل كثيرٌ من النبلاء نظراتٍ غريبة مع كيسل، لكنّ أكثرهم حوّل أنظاره إلى تاليس.
أترى هذا المبعوث ما زال يجهل أمر المؤتمر الوطني؟
وفجأةً، أدرك تاليس شيئًا.
(كما توقّعت… اغتيال البعثة الدبلوماسية، وضغط الأسياد للتنازل عن العرش، ووصول مبعوث التنين العظيم—كلّها خيوط متشابكة في مؤامرة واحدة. كانت ستكون خطةً محكمة لولا ظهوري. كما خمّن غيلبرت، هناك من كلا الجانبين—الكوكبة وإكستيدت —يتآمرون معًا لانتزاع عرش الكوكبة من ملك اليد الحديدية.)
(لكن لِمَ ساق كيسل، والده، الحديث إلى هذه النقطة بالذات؟)
الكلمات التي تسلّلت إلى أذنه جعلت قلبه يخفق بعنف.
في القاعة المفعمة بالذهول، رفع كيسل رأسه وحدّق في لاسال.
"إذن، إكستيدت، أو بالأحرى نبلاؤها، يفضّلون أن يكون الملك الأعلى للكوكبة من أحد نبلاء هذه البلاد؟"
"اسمح لي أن أقول الحقيقة." ضحك لاسال باحتقار.
"لا أحد من الحاضرين يلبّي تطلّعاتنا.
"الإكستيدتيان لا يعجبهم سوى أبطال الحرب، حتى وإن كانوا من أعدائنا."
"فهل بينكم من يستوفي هذا الشرط؟"
تنفّس كيسل تنهيدةً لم يُدرِ أحد سببها.
"بالطبع، أتباعي إمّا بعيدون أو غير راغبين في تحريك جيوشهم. إذًا، المؤهّلون الوحيدون هم من يُجبرون على القتال دفاعًا عن أراضيهم، أليس كذلك؟"
ساد الصمت القاعة إثر كلمات الملك الغريبة.
أحسّ لاسال بأنّ ثمّة خللًا في الأمر. نظر إلى أحدهم وقد ارتسمت على وجهه علامات الشكّ المتزايد.
(شيء ما ليس على ما يُرام… الملك كيسل… هو…)
وفيما الجميع غارقون في الحيرة، بدا أنّ الدوق كولين البدين قد استوعب شيئًا آخر. زفر بعمقٍ، ووجّه نظره إلى الشخص ذاته، وقد ارتسمت على وجهه ملامح ألمٍ بالغ.
ومن تعبير الدهشة على وجه تاليس، أدرك غيلبرت فجأةً ما يجري. وبعد تنهيدةٍ قصيرة، عضّ على أسنانه وخفّض رأسه مطلقًا زفرةً مريرة.
تحت أنظار القاعة المذهولة، أخذ الملك كيسل نفسًا عميقًا، أغمض عينيه.
"إذن، هذا ما في الأمر."
همس الملك بصوتٍ مبحوحٍ حزين.
"من التعاون مع الطامحين من إكستيدت، إلى إشعال النزاع عبر مؤامرة اغتيالٍ دبلوماسية."
"إلى أن يعلن لي بنفسه إمكانية الحرب ويقترح إصدار المرسوم العام النهائي."
"ثمّ إلى تحريض الأسياد الذين يتحيّنون الفرصة لإجباري على تعيين وريث، لندخل في صراعٍ داخلي وأنتم تراقبون من بعيد."
"وأخيرًا إلى هذا المبعوث الإكستدالإكستيدتي، الذي وضعني في مأزقٍ قد يكلّفني غاليًا."
"وفي النهاية، ستنجح في إشعال الحرب، وتنال بسهولة الاعتراف بك في ساحة المعركة بعد تآمرك مع إكستيدت، وتنتهي بتنحيتي."
"ومن أجل غايتك، لم تتردّد في التضحية بأرضك، وبشعبك، بل وبوطنك ذاته."
"أليس كذلك… أيها الخائن؟"
كانت كلّ كلمةٍ من كلمات الملك الأعلى أدهى من سابقتها.
وباتت أنفاس تاليس تتسارع مع كلّ جملةٍ يسمعها.
وفجأة، فتح ملك اليد الحديدية، كيسل الخامس، عينيه، وحدّق بنظرةٍ موحشةٍ في زاوية القاعة نحو شخصٍ ظلّ صامتًا طوال الوقت.
وفي تلك اللحظة، كانت عينا الملك مثقلتين بالبؤس والعذاب.
"إذًا… أنت هو."
نطق ببطء.
"العقل المدبّر وراء كلّ الدسائس والمؤامرات."
خرج صوت الملك المبحوح الخافت ليُلقي اسمًا لم يكن ليخطر ببال أحدٍ قطّ.
"ڤال آروند."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
طاطاطاااا