▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 57: المقطوعة الافتتاحية
…
حين خرج تاليس من الغرفة الحجرية وهو يحمل في صدره مشاعر معقدة عصيّة على الوصف، كان قد خمّن بالفعل مغزى تلك الرنات الطويلة وما الذي سيحدث تالياً.
"هل سيحدث هذا اليوم؟" نظر بهدوء إلى غيلبرت وجينيس اللذين كانا ينتظرانه منذ وقتٍ ليس بالقليل.
(إنه مفاجئ جداً.)
امتلأت نظرات غيلبرت بالتنهّدات والأسى، بينما بدا على ملامح جينيس الباردة شيءٌ من التردّد الخفي.
(أليس من المفترض أن يقفزا فرحاً الآن؟ لماذا يبدوان بهذا الشكل؟) فكّر تاليس، مرهقاً وخالي الذهن، فيما لا يزال عقله مشغولاً بما جرى داخل الغرفة وما سيأتي بعده.
لسببٍ ما، رغم الثقل الجاثم على قلبه، استطاع أن يخفيه عن ملامحه. (أهذا ما يسمونه "وجه البوكر"؟)
تحدث غيلبرت بمرارة. "أرجوك أن تقبل اعتذاري، لم يكن هذا ما نويتُه… مبعوث الطوارئ من إكستيدت سيصل إلى الكوكبة الليلة، سواء أكانوا قادمين لإعلان الحرب أم لعقد تسوية، في ذلك الوقت أنتَ… جلالته سوف…"
قطّب غيلبرت حاجبيه بشدة، كأنه يوشك أن يقول شيئاً، ثم تنفّس بعمق وأحجم عن الكلام.
"لا تُضِع مزيداً من الوقت. سيُعقد المؤتمر الوطني عند الثالثة بعد الظهر. أمرنا جلالته أن نحضره إلى غرفة الانتظار قبل الواحدة." قطعت جينيس حديث غيلبرت، وكانت نظرتها غامضة عصيّة على القراءة.
كان وزير الخارجية السابق والمسؤولة الرفيعة يرتديان ثياباً رسمية داكنة اللون كئيبة المظهر. أما الخادمات الثمان الواقفات خلفهما، فقد حملن بصمتٍ ثمانية صوانٍ ممتلئة، ووقفن بوجوهٍ جامدة مصطفّات على جانبي الممر.
دونغ!
رنّ الجرس للمرة الثانية.
تقدمت جينيس بخطواتٍ ثابتة ووجهها يحمل تعقيداً خفيّاً، وقادت تاليس المثقل بالهموم إلى غرفةٍ أخرى، ولحقتهما الخادمات الثمان إلى الداخل.
…..
قصر النهضة، السور الخارجي للقصر، البوّابة الأولى.
هذا هو المكان ذاته الذي مرّ به تاليس بالأمس. المكان بالكاد منضبط وسط صراخ الحراس الفظّ وتوبيخهم القاسي. وقد شكّل النبلاء من مختلف الرتب والوجهاء من شتى المهن طابوراً طويلاً، تتناوب على وجوههم مشاعر متباينة، جميعهم يتزاحمون للظفر بمكانٍ للدخول إلى قصر النهضة.
أمام القصر، عند موضع البوّابة المعدنية الثقيلة الملطّخة بالصدأ، كان الحراس المتأهبون يُجرون تفتيشاً صارماً، ولا يسمحون إلا لمن يملك الأهلية بحضور المؤتمر.
"أنا! أنا نائب رئيس نقابة صهر الحديد، ولدي الحق في الدخول والمراقبة! ماذا؟ تقول إن في النقابة خمسةً وعشرين نائب للرئيس؟ آه، أنت لا تعلم، أولئك مجرد أسماءٍ لإكمال العدد، أما أنا فحالة خاصة! دعني أخبرك، انظر إلى شعري الأسود وعينيّ السوداوين! أفهمت؟ هل تعلم أن حِرفتنا تعود أصولها إلى سلالة الفجر في الشرق الأقصى، قبل معركة الإبادة… حسنٌ، حسنٌ! الرجل الشريف يناقش ولا يستخدم العنف! لن أدخل، أليس هذا كافياً؟!"
"أنا إيروس كاتا، تاجر أقمشة مُنحت إذناً خاصاً من العائلة الملكية! أستطيع الدخول! أنظر! هذه شهادة موقعة من الملك الراحل آيدي، وتحتها توقيع الأمير ميدير!"
"لدي أيضاً دعوة أرسلها مينديس الثالث إلى عائلتنا منذ سنوات! صحيح أنها قديمة قليلاً، لكنها تعود إلى مئةٍ وخمسين عاماً فقط. هيه، لا تكن عنيفاً! سأغادر بنفسي! سأغادر بنفسي!"
"أيها الفتى! أما زلت تذكرني؟ أنا لازان، الضابط الشرعي في مركز الشرطة المركزي. كنا زملاء لمدة نصف عام! هل بقيت مقاعد في قاعة النجوم؟"
"أنا في نوبة عمل هنا، لا أعلم. لكن ابن عمي، وهو حارس في القلعة، أخبرني أن القاعة الكبرى امتلأت تقريباً إلى النصف. إن لم تكن نبيلاً فوق رتبة فيكونت، فلن تتمكن من الدخول إطلاقاً!"
"إذن، هل خيارنا الوحيد هو الانضمام إلى الجموع في ساحة النجم، نستمع بينما يمرّر الحراس قرارات أصحاب النفوذ طبقةً بعد طبقة؟"
"ليكن، فبمثل مكانتنا، حتى لو دخلنا قاعة النجوم، سنجلس في أدنى الصفوف وأبعدها، نستمع بصمتٍ إلى أولئك الكبار في الأعلى يتناقشون. لن يكون لنا رأي في شيء!"
"يا للهول… تلك شعارات الغراب ذي الجناح الواحد وسيف البرجين! إنها قوافل عائلتَي كروما وكارابيَان! افسحوا الطريق حالاً! لن تكون نهايتكم سعيدة إن أغضبتموهم!"
"وماذا لو كانوا نبلاء؟ النبلاء أيضاً عليهم طاعة القوانين الأساسية… انتظر، لا، عليهم طاعة الدستور المؤقت للكوكبة!"
"أي نكتةٍ هذه؟! هؤلاء ليسوا نبلاء عاديين. إنهم تابعون رفيعو المقام، منحهم اللقب ملوكُ العائلة المالكة أنفسهم، يملكون أكثر من ألف جنديٍّ خاص، وأراضي شاسعة ورعايا لا يُحصون… بصفتك ضابطاً، عليك توسيع معرفتك. هل سمعت عن العائلات الثلاث عشرة المرموقة؟ هؤلاء، والعائلة الملكية، والعشائر الست العظمى، يمكنهم الضحك والمزاح معاً…"
"وكيف تعرف كل هذا؟"
"معذرة، كنت أعمل سابقاً في قصر عائلة كيسين في المقاطعة الشرقية، أدرّب أبناءهم الثلاثة على أساسيات القتال…"
متجاهلاً تدافع الجموع من حوله، شقّت وحدة الفرسان التابعة للكونت ديريك كروما وعربة الكونت تورامي كارابيَان طريقها وسط الزحام، لتصل إلى قصر النهضة بعد نصف ساعةٍ فقط من دقّ الجرس الثاني.
كان الكونتان ديريك كرُوما وكارابيَان العجوز من أبرز نبلاء العائلات الثلاث عشرة المرموقة، ومن بين ثلاثة عشر تابعاً رفيعاً لا يعلوهم سوى العائلة الملكية والعشائر الست الكبرى. وبأعلام الغراب ذي الجناح الواحد وشعار سيف البرجين، اجتازوا الحشود بسهولة، وعبروا سور القصر الخارجي وبوّابته وسط همهمات الجماهير ونظرات الحراس والموظفين المليئة بالاحترام.
تنهد المدير لوربيك، الجالس في العربة، تنهيدةً خفيفة. "لم يشهد المؤتمر الوطني قط هذا الكمّ من الناس. في مؤتمر حرب الصحراء، حضر فقط زعماء الحِرف، والتجّار الأثرياء، وأولئك العلماء العجائز المتغطرسون. ومن بين العشائر الست الكبرى، حضرت عشيرتان فقط، ومن بين العائلات المرموقة الثلاث عشرة، خمس عائلات لا غير."
حدق كارابيَان عبر نافذة العربة بوجهٍ جادٍّ كئيب.
"لكن من أجل أن ينال جلالته الدعم العسكري الذي يحتاجه، لم يكن أمام العائلات النبيلة التسع عشرة إلا أن تذعن لقرار المؤتمر الوطني. أما القلائل الذين رفضوا الامتثال، فقد حوصِروا في مرحلةٍ ما بغضب المواطنين، بل وواجهوا صعوبات في مجالاتٍ عدة. وعلى الرغم من أنهم مجرد تابعين للعائلات الكبرى، فليس هذا بالمؤشر الحسن."
اقترب الكونت الشاب لدعامة الجناح، ديريك كرُوما، ممتطياً جواده قرب نافذة العربة، وقد بدت على وجهه ملامح الضيق. "يا سادتي، علينا الإسراع. فحتى وإن كانت للعائلات التسع عشرة النبيلة مقاعد محددة في المؤتمر، ولن يُجبروا على ’الاستماع’ إلى ما يجري من ساحة النجم تحت شرفة القصر، فقد نضطر قريباً إلى شقّ طريقنا بين العامة وتلك النخبة من النبلاء المتغطرسين."
…..
وعلى الجانب الآخر، كانت ساحة النجم، الواقعة مباشرةً أسفل قاعة النجوم في الجهة الشمالية الغربية من قصر النهضة، تضجُّ بالصخب والضجيج.
كانت مبادرةً رائدة من الملك الفاضل، إذ قيل إنّ المؤتمر الوطني مكرّسٌ لجميع المواطنين. إنّه الوقت الوحيد الذي يستطيع فيه العامة والنبلاء الصغار الإصغاء إلى علية الكوكبة وهم يمارسون ألعابهم السياسية، وسيُعقد هذا المساء!
كل موضوعٍ، وكل نقاشٍ، وكل قرارٍ، سينتقل عبر الساحة بأسرها بواسطة أشخاصٍ مكلّفين خصيصًا، وسيُبلّغ به جميع سكان العاصمة.
قطّب جينارد حاجبيه وهو يحدّق في الحشود المزدحمة التي تملأ الساحة.
هو ووحدة الدفاع المدني التابعة له قد نُقلوا مؤقتًا من المقاطعة الشرقية في الصباح للمساعدة في حفظ النظام في ساحة النجم جنبًا إلى جنب مع قوة الشرطة.
(يا للهول… كيف يمكن أن يكون هذا ممكنًا؟)
كان من المستحيل عليهم، بقوةٍ لا تتجاوز الألف رجل، أن يحفظوا النظام في ساحةٍ تتّسع لعشرات الآلاف من البشر.
حتى فرقة ضوء النجوم التابعة للدوق جون قبل أعوامٍ ما كانت لتستطيع فرض أيّ نظامٍ يُذكر.
كانت أنظار الجميع متجهة إلى موقع المؤتمر فوقهم — القاعة ذات الشرفة المطلة على ساحة النجم، قاعة النجوم!
تحت صرخات آلاف الحراس في الساحة، وتحت ظلّ الابراح الدفاعية الضخمة المثبّتة على جدران قصر النهضة استعدادًا لأي طارئ، تدافع الحشد بلامبالاة، يتبادلون الأخبار حول قرار الملك المفاجئ بعقد المؤتمر الوطني.
"أُخمّن أن الأمر يتعلق بالانفجار العظيم الذي حدث في سوق الشارع الأحمر قبل شهر! أهه، هل لأنّ عصابة قوارير الدم سُحقت سحقًا ذريعًا على يد أخوية الشارع الأسود حتى جنّ جنونها من اليأس؟"
"هل يُعقل أن معركةً ضئيلة بين عصابتين تثير ذعر النبلاء هناك في الأعلى؟"
"من أين جئت بهذه الإشاعة؟ بل ومقدّمة بطريقةٍ بليغة أيضًا. ما أهمية عصابة قوارير الدم وأخوية الشارع الأسود؟ كيف يمكن أن توجد عصاباتٌ في عاصمة المملكة؟ نحن نعيش في مجتمعٍ متحضّر! حياتنا الآن مريحة للغاية! لِمَ تنشر نظرياتٍ هدّامة كهذه؟ ها؟ بوجهك المريب هذا، لا بدّ أنّك جاسوسٌ من قوةٍ أجنبية، أليس كذلك؟"
"صدّقني، فأنا واثقٌ تمامًا. لا بدّ أنّ شعب العظام القاحلة قد تمرّد من جديد! أولئك التجّار من اتحاد كاموس، الأكثر جشعًا من مصّاصي الدماء، هم حتمًا وراء ذلك! الشهر الماضي، احتجزوا قافلة عائلتي التجارية! أرادوا فرض ضريبةٍ بنسبة خمسين بالمئة علينا! أتصدّق؟ خمسون من مئة!"
"أولئك الأوغاد من العظام القاحلة! لماذا جناح الأسطورة متساهلٌ إلى هذا الحد؟ ينبغي له أن يتعلّم شيئًا من جلالته — ليقبض عليهم جميعًا ويدفنهم أحياء في مذبح تجسيد الصحراء مثل الأورك!"
"ليس مسموحًا لك بإهانة جناح الأسطورة! إنه وسيمٌ للغاية، وجودٌ يمكنه أن يوحّد شبه الجزيرة الغربية بأسرها بجماله وحده!"
"خالتي خادمةٌ في منزل نائبٍ في إقليم نجم الصباح. أخبرتني أنّ إكستيدت تعرّضت لحادثٍ في الشمال على ما أظن. آه، لماذا لم تصل بعثتهم الدبلوماسية بعد؟"
"كيف يكون ذلك ممكنًا؟ لقد وُقّعت معاهدة الحصن لتسري لمدة عشرين عامًا. فضلًا عن أنّ لدينا زهرة الحصن التي تحرس حصن التنين المحطم بإحكام. وهناك أيضًا عائلاتٌ قوية في الإقليم الشمالي مثل عائلة أروندي، وعائلة زيمونتو، وعائلة فريس. لا يمكن أن يتكرر ما حدث قبل اثني عشر عامًا…"
"ولا تنسَ أنّ سخط المملكة ما يزال في العاصمة! وحده، ومعه قوسه ذاك، يمكنه أن يُفني عشرين ألفًا من رجال إكستيدت!"
"إكستيدت ربما لا تملك عشرين ألف جندي في كامل البلاد."
"خلاصة القول، هذا ما أعنيه!"
"أظنّ أنّ الأمر يتعلق بـ دوقية سيرا في الشمال الغربي. قريبٌ لي جاء لاجئًا من هناك قال إنّ ساحرةً شريرة تنشر الطاعون في تلك الأنحاء. جيرانهم، دوقية آنلينزو ودوقية نورتون، أغلقوا حدودهم. انتظر، لم ينتشر الطاعون إلى الكوكبة بعد، صحيح؟ هل النبلاء من الجنوب الغربي لم يأتوا بعد؟ ماذا عن عائلة تابارك وكارابيّان ولاسشيا؟ لا تقل لي إنّهم ماتوا جميعًا بالطاعون؟"
"إذًا، هل يعني هذا أن أسعار الأعشاب سترتفع؟ يجب أن أعيد تخزينها فورًا!"
"أنتم تتحدثون هراءً. مصدري السري أخبرني أنّ جلالته سيختار شخصًا من بين العشائر العظمى الست ليكون الملك التالي!"
"ماذا؟ وماذا عن العائلة الملكية جيدستار؟ عائلتنا تملك تصريحًا ملكيًا خاصًا بحقوق تجارة الأثاث!"
"وما الذي يمكن فعله؟ هل يمكنك إجبار جلالته على إنجاب ابنٍ آخر؟"
"أظنّ أن الكونت كوڤندير ليس سيئًا! العام الماضي، حين جاء ليتفقّد السوق الكبرى، أمسك بيدي! مع كونتٍ كهذا، كيف لا تزدهر مملكتنا؟"
"لكنني أرى أنّ ابنة عائلة تابارك ليست سيئة أيضًا! علينا أن نتعلّم من دوقية آنلينزو. فكّر بالأمر، ملكةٌ جميلة وشابة… يا للهول، قلبي يكاد يذوب!"
"كُفّ عن المزاح! تلك الأمور تناسب أماكن ريفية مثل آنلينزو وألومبيا! مملكتنا العظيمة الكوكبة هي وريثة الإمبراطورية! كيف نسمح لامرأةٍ أن تصير ملكًا؟ لست أزدري النساء، لكن يجب أن نعترف بالفوارق الموضوعية!"
"أيها الشاب، كفّ عن التخمينات الجامحة هناك!"
"إنني مهتمّ بالسياسة فحسب!"
"أظنّك مجرد محاربٍ باللسان… عذرًا، أعني (محارب مدفع الفم)!"
"عليك أن تؤمن بالمملكة، وتؤمن بجلالته، وتؤمن بـ المؤتمر الإمبراطوري! كيف يمكن أن يجهلوا أمرًا تعرفه أنت؟"
…..
وقف تاليس ببطء، يحدّق في النبيل الشاب المنعكس في المرآة، ذي الثياب الفاخرة والتعبير البارد.
كان شعره لم يعُد فوضويًا، بل مقصوصًا ومصفّفًا بعنايةٍ في تسريحةٍ بسيطة أنيقة، تُظهره يقظًا وسيم الطلعة.
حتى أنّ جينيس علّقت في أذنه اليسرى قرطًا مرصّعًا بحجرٍ بلّوري متلألئ دون أن يأبه لتعبيره الجامد.
ارتدى سترةً طويلة الأكمام سميكةً بعض الشيء، مزخرفةً ببلّوراتٍ زرقاء داكنة لامعة. وتحتها قميصٌ أبيض بأكمامٍ محكمة الأزرار بأزرارٍ من قطرات الكريستال، ورداءٌ مخرّم مفصّل خصيصًا له. جعلت تلك الثياب جسده النحيل يبدو أكثر انتصابًا وهيبة.
رفع يديه. كان قفازاه الجلديّان الأبيضين نقيّين لامعين، ينساب منهما بريقٌ خافت يزيد من عمق كلّ حركةٍ يقوم بها.
وسرواله الأسود النبيل، مزدانٌ بحزامٍ تتلألأ على أبزيمه نجومٌ محفورة، وأحذيةٌ جلدية فاخرة زادت طوله بوصتين، منحت مشيته رَزانة النبلاء.
وعلى ظهر ثيابه خُيّط شعار النجم التساعي الذي يرمز إلى عائلة جيدستار، فيما توهّجت على صدره شارةٌ من الذهب والفضة على شكل النجم نفسه تحت الضوء.
رشّت الخادمات عليه قليلًا من العطر؛ رائحةٌ بالكاد تُشم، لكنها قرّبته إلى عبق الطبقة العليا.
ابتسم تاليس بسخريةٍ حزينة وتنهد.
(أناقةُ الثياب، رُقيّ السلوك، آدابُ المجالس، ومعرفةٌ محدودة… هذه هي الأدوات المثلى لعزل الناس وفصلهم إلى طبقات. هذه هي دائرة النبلاء. تلك الثقافة الملعونة الشريرة.)
حتى جينيس وغيلبرت اللذان راقبا المشهد من الجانب، لم يستطيعا إلا أن يومئا برأسيهما إعجابًا.
تنهدت جينيس، وكانت نبرتها مُرة.
"لقد حان الوقت تقريبًا. كيسل — جلالته يأمل أن تدخُل في وقتٍ أبكر."
كان تاليس يعلم أن مشاعرهما لم تكن على ما يُرام، لكنه، وقد بلغ هذا الحد… أفرغ ذهنه من كل ما يَشغله، وغادر ببطءٍ مع غيلبرت وجينيس.
"أحتاج إلى تأكيدٍ نهائيٍّ منك بشأن بعض الأمور."
رفع تاليس رأسه ونظر إلى غيلبرت.
"اسمك — أعني، جلالته كان ينوي أن يمنحك اسمًا أكثر توافقًا مع «تقليد جيدستار»، كـ جون أو ميدير، أو كيسل وتورموند. فاسم «تاليس» يُستعمل بين عامة الشعب. سيظهر في شجرة النسب الملكي للمرة الأولى… وسيُمكّن المراقبين المتبصرين من اكتشاف ماضيك…"
أدار تاليس رأسه إلى الأمام، وبينما كان يسير دون أن يغيّر ملامح وجهه، قال:
"تاليس."
"ماذا؟"
"أريد أن يُناديني الناس بـ تاليس."
(لن أُغيّر اسمي. تلك التجارب الماضية… لن أنساها، ولن أتخلى عن أيٍّ منها.)
حدّق في الممر اللامتناهي الطول، وقبض قبضتَيه بإحكام، غير عابئٍ بنظرات غيلبرت المترددة.
"هاه… سأمتثل لرغبتك." تنهد غيلبرت تحت نظرات جينيس القاتلة.
كان الممر طويلًا جدًا. لم يرمش تاليس بعينه، قطع عشرات الخطوات ثم توقّف. كان أمامه باب أسود ضخم.
"هذه هي قاعة النجوم. ستدخل إلى الغرفة الداخلية المظلمة. لا داعي للتوتر. حين يحين الوقت، سأفتح الباب، وكل ما عليك هو أن تفعل ما أُخبِرت به سلفًا."
خفض غيلبرت رأسه وهو يتكلم، لكنه سرعان ما نظر إلى أحد جانبي الباب، فارتسمت على وجهه نظرة حيرة.
"آيدا؟ في مثل هذا الوقت، ينبغي أن تكوني إلى جوار جلالته تحمينه!"
نظر تاليس إلى الأمام، حيث كانت هناك هيئة صغيرة تتكئ على أحد جانبي الباب.
(إنها هي.)
استطاع تاليس أن يتعرف عليها، كانت المرأة ذات العباءة التي قادت الحرس الملكي البارحة وأنقذته من زاين. وجهها لا يزال مغطى بعباءتها، ولم يُرَ تحت الإضاءة الخافتة.
كانت المرأة المعتمرة عباءتها تعقد ذراعيها، ثم نهضت من الجدار الذي كانت تتكئ عليه.
"هيه، أيها الفتى، ذلك المقنّع طلب مني أن أُعطيك هذه الهدية نيابةً عنه."
رنّ صوتها الشاب العذب المفعم بالحيوية وهي تُناوله شيئًا.
تجمّد تاليس لحظة، أخذها دون أن يُلقي بالًا إلى بشرتها شديدة النعومة والصفاء.
كان غِمد خنجرٍ أسود، ومعه حزامٌ جلديٌّ مُثبت بإبزيم. نُقشت على أحد جوانبه كلمات:
«الملك لا ينال الاحترام بفضل سلالته.»
قاوم تاليس رغبةً لا شعورية في لمس صدره، ثم بسكونٍ متوتر أخرج خنجر جي.سي من حزامه وأدخله في الغمد — كان المقاس مثاليًا.
"شكرًا… يودل، هل هو بخير؟"
هدّأ تاليس أنفاسه وأحكم ربط الغمد على حزامه.
"لا تقلق، هذا النوع من الأشخاص لن يموت بسهولة."
ضحكت المرأة المعتمرة عباءتها بخفة.
"أنا أعرفه جيدًا."
أومأ تاليس ومضى متجاوزًا إياها، متوقفًا أمام الباب.
وهو يُحدّق في الباب الحجري الأسود أمامه، عضَّ على أسنانه.
(خطوة واحدة فقط.)
خلفه، ازداد تجهم غيلبرت عمقًا، بينما عضّت جينيس شفتها السفلى بقوة. أما المرأة ذات العباءة، فحرّكت عنقها بلا اكتراث.
لم يلتفت تاليس. ظل يحدق في الأرض الرمادية الحجرية أمامه.
"غيلبرت، هل لن أستطيع الرجوع أبدًا بعد أن أخطو هذه الخطوة؟"
أُصيب غيلبرت بالذهول، لكن تاليس لم يكن ينوي منحه فرصة الرد.
رفع الفتى رأسه وابتسم ابتسامةً قسرية.
"لا… ربما، منذ أن فتحتُ عيني في هذا العالم، لم يكن هناك سبيلٌ للعودة أصلًا. لا خيار أمامي سوى المضيّ قدمًا."
عند سماع ذلك، غدت نظرات جينيس مترددة غامضة يصعب فهمها. مدت يدها نحوه، لكن غيلبرت بجانبها أمسكها برفق وهزّ رأسه.
"لا تقلقا، كونا أكثر سرورًا. هذا أمرٌ جيد، السيد غيلبرت، السيدة جينيس، و… هذه السيدة المعتمرة. لقد قال لي شخصٌ طيب ذات مرة…"
تحت ضوء المصابيح الأبدية، وقد تسللت أشعة الشمس من نوافذ الممر على الجانبين، استدار تاليس، رفع إبهامه، وابتسم ابتسامة مشرقة.
"… اعتبرها مجرد لعبة أخرى."
قبل أن يتمكن الثلاثة الآخرون من الرد، دفع تاليس الباب ودخل.
اندفعت نسمة باردة من خلال الباب الحجري الضخم. كانت الإضاءة أمامه خافتة، وكأن الظلام لا نهاية له.
اختفى ظل تاليس وسط تلك العتمة.
أطرق غيلبرت رأسه متنهدًا، فيما أدارت جينيس وجهها دون أن تنبس بكلمة.
أما المرأة ذات العباءة، فصفّقت بأصابعها بسرور.
"آه، أنا حقًا أحب هذا الفتى."
رفعت جينيس رأسها وضحكت بمرارةٍ عاجزة، وقد غمر وجهها الأسى والشفقة.
"حقًا، هذا الفتى… ما يزال طفلًا. كيف له أن يحمل عبئًا ثقيلًا كهذا… ومستقبلًا كهذا؟"
ساد الصمت لحظة، إلى أن دوّى صوتٌ أجشّ فجأة.
"إنه قادر."
رفعت المرأة ذات العباءة ذقنها.
"تَعافٍ سريع كهذا؟"
التفت غيلبرت وجينيس بدهشة إلى الخلف، وهناك تجسدت هيئة الحارس المقنّع من العدم.
لكن الغريب أن جسد يودل كان متماوجًا ضبابيًا، وكأنه مغطى بحجابٍ من الهواء.
قال يودل بصوتٍ مبحوحٍ ثابت:
"إنه قادر على تحمّل مثل تلك المسؤوليات. أنا أعرفه جيدًا. يمتلك خصائص فريدة لا يملكها أحد في هذا العالم — لا بشر، ولا تجسدات، ولا شياطين. ولا حتى الصوفيون."
حلّ صمتٌ آخر.
هزّ غيلبرت رأسه وأطلق شهيقًا خفيفًا ساخرًا، ثم رفع قبعته بتحيةٍ مهذبة.
"أعتذر لاستئذاني. المؤتمر الوطني سيبدأ خلال ساعتين فقط. سيدتي جينيس، علينا رؤية جلالته."
أومأت جينيس وغادرت مع غيلبرت.
تلاشى ظلاهما في آخر الممر مع خفوت وقع أقدامهما.
بقي الحارس المقنّع والمرأة ذات العباءة وحدهما.
"لقد اخترق صدرك ثلاث سهامٍ من اقواس نشاب مُسمّمة بعشب الكرمة الزرقاء السامّ بشدة. لم تمر سوى ليلةٍ واحدة، ومن المستحيل أن تتمكن من الوقوف. هل عقدت صفقةً أخرى مع ذلك القناع؟ لقد حذّرتك مرارًا! انهيار مملكة الإلف القديمة لم يكن بعيدًا عن ذلك القناع! وأنت…"
"ما الثمن الذي دفعته هذه المرة؟"
لم يُجب يودل، بل لاذ بالصمت، يربّت على القناع البنفسجي فوق وجهه.
"أيًّا يكن الثمن الذي دفعته"، أخذت هيئته بالتلاشي تدريجيًا، ولم يبقَ سوى صوته الأجشّ،
"فإنه لا يساوي عُشر عُشر الأثمان التي سيُضطر ذلك الفتى لدفعها."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬