▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 55: كانت كابوسًا
…
"يبدو أنّ والدتي سبّبت لكِ مشكلاتٍ كثيرة في الماضي."
كان وجه تاليس مفعمًا بالعزم. لقد اتخذ قراره — عليه أن يعرف الهوية الغامضة لأمه مهما كان الثمن.
ضحِكت ليسيا بخفةٍ ازدرائية، ثم تقدمت نحوه بخطواتٍ مهيبةٍ تنبعث منها رهبةٌ خفية.
"مشكلات؟ الأمر أعظم من ذلك بكثير. لقد كانت كابوسًا."
(كابوس؟)
لمح تاليس في ذاكرته برود كيسل الخامس ولا مبالاته نحوه، فداهمته الحيرة والارتباك.
"عليك أن ترحل الآن، يا سليل المملكة." حدّقت ليسيا فيه من الأعلى بنظرةٍ كأنها حكمٌ يصدر من عرشٍ مقدّس.
"لقد التقيتُ بك، وقد أدّيتَ واجبك."
استعاد تاليس وعيه، وشد على أسنانه بخفّة وهو يخطو خطوةً للأمام.
"ثيرين جيرانا."
تجمّدت ليسيا فجأةً حين سمعت الاسم. وتبدلت ملامحها على الفور.
تنفّس تاليس بعمق، وتابع بصوتٍ واثق.
"هذا اسمُ أمي. لا أعلم ما الذي يعنيه بالنسبة لكِ، لكن مهما كانت، يجب أن أعرف حقيقتها."
خفضت ليسيا رأسها قليلًا، وضاقت عيناها بتأملٍ غامض.
وفجأة، لاحظ تاليس بذهولٍ أن جميع المصابيح الأبدية في الغرفة بدأت تزداد وهجًا ولمعانًا، حتى غمر الضوءُ الساطع الحجرة المظلمة.
اللهب الذي كان هادئًا قبل لحظاتٍ صار يشتعل بشررٍ متوهج!
(أهذا… هو الفن السماوي؟) قبض على كفه اليسرى بإحكام.
حدقت ليسيا في عينيه الرماديتين، وكانت ملامح وجهها تزداد عمقًا لحظةً بعد أخرى، حتى لوّحت بذراعها باحتقار.
"أنت فعلًا إمتدادٌ لذلك الكابوس. خذ نصيحتي — توقف عن السؤال عن تلك الأم الملعونة. لن أبوح لك بشيء."
نظر تاليس إليها بعينين مذهولتين.
ومع ذلك، كبح سخطه، وقال بنبرةٍ يغمرها الاضطراب:
"لكنّكِ بالفعل أجبتِني! لقد قلتِ لابنٍ إنّ أمّه كابوس!"
رفع رأسه متحديًا، وحدّق في عينيها السوداوين الباردتين دون أن يتراجع.
"أنا فضولي… كابوسُ مَن كانت؟ أبي؟"
ثم عضّ على أسنانه وتحدث بصوتٍ متوتر.
"أم كابوسُكِ أنتِ؟"
انفجر من عيني ليسيا ضوءٌ حادٌّ مبهِر!
ولم يكن ذلك توصيفًا بل حقيقة — ضوءٌ ذهبيٌّ حقيقيٌّ انبعث من عينيها!
أغمض تاليس عينيه بعنف، وتراجع خطوةً للوراء رافعًا يده اليسرى ليحجب النور، بينما امتدت يده الأخرى لا إراديًا تلمس خنجر "جي سي".
شعر بغثيانٍ وضيقٍ تحت ذلك الضوء الذهبي الساحق.
(إذًا هذه هي القوة التي تأتي من التجسيد المزعوم، تجسيد الغروب؟)
"احذر كلماتك، أيها الفاني."
كانت عينا ليسيا تشعّان نورًا ساطعًا، ونبرتها مهيبة كأنها صدىً من السماء.
"في هذا العالم البشري، لا أحد يعرف قذارة أمّك وحقدها أكثر مني."
تسمّر تاليس في مكانه مذهولًا.
"إنها باردةٌ، قاسيةٌ، خائنةٌ، ماكرةٌ، امرأةٌ فاسدةٌ مسكونةٌ بهوس النفوذ والسلطة. كل أفعالها كانت تحمل نوايا وضيعة لا يُمكن البوح بها."
تقدمت خطوةً، وصوتها كوقع المطرقة.
"احفظ كلماتي — انسها تمامًا، وإلا سيأتي يومٌ تندم فيه على ذلك أشد الندم."
…..
نزل تاليس الدرج بخطًى بطيئةٍ متعثرة، يتبع جينيس في ممرٍّ من ممرات قصر النهضة، غير مدركٍ أيّ طابقٍ هو فيه الآن.
لم يزل كلام ليسيا يطنّ في رأسه دون أن يفارقه.
(باردة، قاسية، خائنة، ماكرة؟ مجنونة ومهووسة بالقوة؟)
من تكون أمي حقًا؟
كان يشعر أن غموض ماضيه يتعاظم أكثر فأكثر — خاصةً حين يتعلق الأمر بتلك الأمور الغريبة التي تحيط بجسده وروحه.
عضّ على أسنانه بقوة.
نظرت إليه جينيس وهزّت رأسها بخفة.
"لا تُعِر ذلك اهتمامًا." قالت ببرودٍ خالٍ من الانفعال. "ليسيا لا تحبك، وهذا طبيعي… تلك المرأة عنيدةٌ دومًا، ولا تعرف كيف تُسامح."
رفع تاليس رأسه بدهشة، لكن المسؤولة تابعت بنبرةٍ هادئةٍ مسطحة.
"قبل أن تُصبح كاهنةً عليا، كانت مخطوبةً لوالدك."
اتسعت عينا تاليس بدهشةٍ مذهولة.
"مخطوبة؟!"
"نعم… لكن لأسبابٍ عديدة، لم يتزوجا أبدًا." ابتسمت جينيس بسخريةٍ باردة.
"ليسيا… تلك المرأة لا تعرف كيف تعيش بلا رجل. وحين استشاطت غضبًا، هرعت إلى قاعة الغروب، ومنذ ذلك اليوم كرّست حياتها كلها لخدمة التجسدات."
ثم أضافت بابتسامةٍ خافتةٍ تتخللها مرارة:
"لذلك لا تطيقني أيضًا — عشيقة الملك."
انفتح فم تاليس مصعوقًا من هذه الفضيحة الملكية التي لم يتخيلها يومًا.
لكن جينيس ما لبثت أن استعادت مظهرها المهني الصارم، وقالت بابتسامةٍ خفيفةٍ تكسوها الحكمة،
"لكن ما أهمية ذلك؟ لماذا تدع آراء الآخرين تتحكم بمصيرك؟ حتى لو كانت آراء التجسدات نفسها."
وفي تلك اللحظة، توقفت أمام غرفةً حجريةٍ أكبر من سابقتها، ودفعت الباب برفق.
"ها قد وصلنا. وكما من قبل، عليك أن تدخل وحدك."
لكن تعبيرها تغيّر — حلّ محلّ الصلابةِ السابقة حزنٌ خفيف، وقالت بنبرةٍ متعبةٍ يغلّفها الأسى،
"فقط أنت وعائلتك يمكنكم دخول هذا المكان."
"نحن… عائلتنا؟" تمتم تاليس في حيرة، متسائلًا عن الاضطراب الذي بدا واضحًا على وجه جينيس.
لكنها لم تجبه. دفعت الباب فجأةً — ثم دفعت تاليس إلى الداخل دون أي شرح.
…..
مدينة النجم الأبدي — البوّابة الغربية.
"انتظروا! أأولئك في المقدّمة هم قافلة عربات عائلة كارابيان؟ هل الكونت كارابيان نفسه هناك؟ يا عمّي؟ عمّي، أأنت هو؟"
اندفعت فرقة من الفرسان ترفع رايةً تحمل غرابًا ذا جناحٍ واحد من بوّابة المدينة، حتى لحقت بعربةٍ يرافقها أكثر من عشرة فرسان، وكان على بابها شعارٌ محفور يصوّر برجين وسيفًا.
قاد الفرسانَ ذوو رايات الغراب أحاديّ الجناح نبيلٌ في الثلاثين من عمره تقريبًا، أسرع بفرسه حتى تجاوز العربة، وحدّق في النبيل المسنّ ذي الملامح المهيبة وخصلات الشيب عند صدغيه وهو يهبط منها.
"ديريك؟ أأنت هو؟ كونت حصن الجناح الشاب من عائلة كروما جاء راكبًا بنفسه؟" سأل الشيخ بصوتٍ لطيف.
ابتسم الكونت الشاب ديريك كروما قائلًا، "يستغرق السفر بالعربة يومين وليلتين على الأقل، ولم أكن لأصل في الوقت المناسب، لذا آثرت ركوب الحصان بنفسي.
"في طريقي التقيتُ بقافلتي عائلتي بوزدورف ولاسيا، لا بدّ أنهما ستصلان قريبًا. وهكذا، من بين العائلات المرموقة الثلاث عشرة، ستكون كلّ العائلات الغربية حاضرة.
"وماذا عنك يا عمّي؟ لم أرك منذ زمن طويل… كيف حال ابن عمّي كوهين، وعمّتي، وكاسا وجينا؟"
تنفّس الكونت كارابيان بعمق وقال بأسى، "منذ أن عاد كوهين من ساحة المعركة، لم يعرف الهدوء… رتّبت له وظيفة ضابط شرطة في العاصمة… آه."
"أمّا عمّتك، فهي كما كانت دائمًا — لا همَّ لها سوى زواج كوهين. وقد أسعد هذا الصغيرين في المنزل أيّما سعادة، فهما لا يكفّان عن حثّ أمّهما على إقامة حفلات راقصة بحجّة البحث عن زوجةٍ لأخيهما."
اتّسعت عينا كروما بدهشةٍ، ثم قال مبتسمًا, "ما زالت على حالها إذن. حين بلغتُ سنّ الرشد، جمعت نصف فتيات تلّة والا في قصرنا!"
اقترب خطوةً وهمس بصوتٍ خافتٍ جاد، "هل ما يُقال صحيح إذن؟ أن ابن الملك نوفين الوحيد قد مات في الكوكبة؟"
نظر إليه كونت تلّة والا، تورامي كارابيان، وتنهد.
"يبدو الأمر كذلك. لقد التقيتُ بكونت زيمونتو من عائلة آروند، وسمعتُ أن مبعوث إكستيدت في طريقه، وجيشهم بدأ في الحشد. والآن، أكثر من يقلقهم الأمر هو دوق الإقليم الشمالي والعائلات التابعة له."
زفر كروما، وانحنى قليلًا إلى الأمام. "هل ستكون هناك حرب؟"
تأمّله كارابيان طويلًا. "إن لم تقع معجزة… فالسؤال الحقيقي هو إلى أيّ مدى ستكون الحرب مروّعة؟"
"ابدأ بتخزين المؤن، واستعدّ لتجنيد الرجال في الإقليم." ثم نزل من العربة، ومدّ ذراعيه ليعانق مدير شرطة المدينة الغربية، اللورد لوربيك ديرا، الذي كان يستقبله عند البوّابة. "مرّ زمنٌ طويل يا صديقي القديم!"
ضحك ديرا بحرارة. "ها قد ازددتَ سمنةً يا تورامي!"
ثم أشار إليه كارابيان قائلًا، "هذا هو كونت حصن الجناح، وابنُ أختي، ديريك كروما، أحد التسعة عشر تابعًا المخوّلين باستلام المرسوم الملكيّ العام من جلالته."
قال لوربيك بإعجاب، "إذن أنت المنقذ أحاديّ الجناح من بين العائلات المرموقة الثلاث عشرة… الكروما الأسطوري!"
ابتسم ديريك. "وأنت لا بدّ أنك ’قاتل الخيول‘، اللورد لوربيك ديرا، الذي ذاع صيته في ’معركة الحصن‘ قبل اثني عشر عامًا؟"
تنهد ديرا. "آه… تلك المعركة الملعونة…"
وبينما يعرّف كارابيان بين الرجلين، دوّى فجأةً صوتُ أجراسٍ رخيمٍ من بعيد.
دونغ!
رنّ الجرس طويلًا وثقيلًا، وصدى صوته امتدّ عبر الأحياء.
قطّب كروما حاجبيه وقال: "إن لم أكن مخطئًا، أليس هذا جرس الكوكبة؟ هل وقع أمرٌ جلل؟"
أومأ لوربيك، وقد عرف الصوت جيّدًا بعد أعوامه الطويلة في العاصمة. "نعم. حين يُقرع جرس الكوكبة، فهذا يعني أنّ إعلانًا عظيمًا سيُذاع في قلب المقاطعات جميعًا. عادةً يكون زفاف أحد أفراد العائلة المالكة، أو نبأً ذا شأن… غير أنّه مؤخرًا لم يحدث شيء من هذا القبيل…"
لكن حينها—
دونغ!
دقّ الجرس ثانيةً، طويلاً وقويًّا.
تبدّل وجه لوربيك، وتحدث بنبرةٍ متوترة. "دقّ الجرس للمرة الثانية! هذا يعني أنّ جلالته سيعقد مؤتمرًا وطنيًّا في قصر النهضة، في ’قاعة النجوم‘، خلال بضع ساعات!"
"مؤتمر وطني؟ المؤتمر الذي يُوجَّه إلى جميع المواطنين، نبلاءً وعامةً على حدٍّ سواء؟" شحب وجه كروما. "لكن خبر اغتيال بعثة إكستيدت الدبلوماسية ما يزال سرًّا بين النبلاء فقط! حتى اجتماع البرلمان الأعلى لن يُعقد قبل الليلة! فلماذا يعقد مؤتمرًا عامًا الآن؟"
(صحيح، ما يُقال في المؤتمر الوطني يُذاع على ساحة النجوم بأكملها… وعلى المملكة بأسرها. أتذكُر إعلان حرب الصحراء؟) — فكّر مدير الشرطة لوربيك بقلق.
نظر الكونت ديريك كروما إلى سكان العاصمة المندفعين بحماس نحو ساحة النجوم وهم يتناقلون الشائعات، فتغيّر وجهه إلى القتامة. "أتُراه ينوي إعلان الحرب على إكستيدت علنًا؟"
تحدث كارابيان بعبوسٍ ثقيل، "من يدري؟ إنّه ’ملك اليد الحديدية‘، ولم يسبق له أن تردّد في فعل أمرٍ كهذا من قبل…"
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬