الفصل 512: مجنون
«والتقيتَ بذلك الفتى أيضًا…»
تنهد دويل بألم، ثم قال متحسرًا:
«يا للهول، حين كنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من أعمارنا، لم نكن بهذه الدرجة من التعقيد. ألم يكن من المفترض أن نكون بسطاء، ساذجين، متهورين، ولا يشغل بالنا سوى النساء؟»
نظر إلى غلوفر بامتعاض، متطلعًا إلى أن يوافقه الرأي.
«أليس من المفترض ألّا تكون هناك مشكلة يعجز المرء عن حلها بليلة واحدة في سوق الشارع الأحمر؟»
وعلى خلاف ما توقعه، رد غلوفر، الذي لم يكن من عادته أن يبادر بالكلام:
«هذا ينطبق عليك وحدك، لا علينا جميعًا.»
ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.
اختفت ابتسامة دويل في لحظة.
وفي تلك الأثناء، سُمع صوت آخر:
«هل كل شيء على ما يرام؟»
انتفض دويل وغلوفر من الصدمة!
وفي غضون لحظة، استقام كلاهما في وقفته، واستدارا نحو البوابة المعدنية.
وهناك، رأيا اللورد أدريان، قائد الحرس الأعلى وقائد الحرس الملكي، واقفًا عند البوابة المعدنية، يبتسم لهما بينما يرافقه اثنان من مساعديه.
بدا دويل وكأن صاعقة قد ضربته. حاول جاهدًا أن يرسم ابتسامة على وجهه، لكنه ما إن أدرك أن المقام لا يسمح بذلك حتى سارع إلى تعديل ملامحه واتخاذ هيئة جادة، ثم تمتم متلعثمًا:
«القائد… القائد… القائد أدريان؟ سيدي القائد!»
أما غلوفر، فقد بدا مذهولًا هو الآخر، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه وقال:
«سيدي القائد.»
أومأ أدريان برأسه، ثم تقدم نحوهما مبتسمًا. وكان من حوله قد تعرفوا إليه بالفعل، فسارعوا إلى تحيته.
«الجميع منشغلون بأعمالهم، فما الذي تفعله هنا؟»
تجمدت ابتسامة دويل.
فاستقام على الفور، ثم تقدم خطوة إلى الأمام.
«أحم… كنا نقيّم الثغرات في دفاعات قاعة مينديس، حتى نتمكن من التخطيط لمهام الحراسة المستقبلية…»
لكن غلوفر قاطعه بجمود، وطغى صوته على كلام دويل:
«نحن نتظاهر بالانشغال، سيدي القائد، حتى نتجنب استدعاءنا من قِبل قسم الإمدادات للعمل.»
ما إن سمع قائد الحرس أدريان ذلك حتى تجمدت ابتسامته للحظة بدورها.
ترنح دويل في مكانه، ثم حدق في رفيقه غير مصدق.
في تلك اللحظة، انتقل دويل من الصدمة إلى اليأس التام، بعدما تحطمت آماله كلها في لحظات. راودته رغبة في قتل غلوفر، ثم قتل نفسه بعده.
ومع ذلك، كان أدريان أول من استعاد زمام الموقف وسط ذلك الصمت المحرج الذي لا يوصف، بفضل ما اكتسبه من خبرة طوال حياته.
«آه، إذن أنتما… من رجال مالوس؟»
كان دويل غارقًا في الحزن، لكنه أدرك أن القائد لا ينوي محاسبتهما على ما بدر منهما، فسارع إلى تدارك الموقف قائلًا:
«أمم… آه… اللورد مالوس بالداخل. ويبدو أنه…»
وكعادته، جاء رد غلوفر مقتضبًا وبسيطًا:
«سأذهب لإبلاغه بحضورك.»
لكن أدريان أوقفه.
«انتظر.»
رفع القائد الأعلى للحرس الملكي كلتا يديه، ثم تقدم نحوه ببطء، وأخذ يتفحص بنيته الجسدية المتناسقة بعينين ضيقتين.
«أأنت كاليب غلوفر، من فرقة الطليعة؟»
تبدلت ملامح غلوفر، واكتست بالجدية.
«نعم.»
أومأ أدريان برأسه، وارتسمت في عينيه نظرة حنين إلى الماضي.
«جيد جدًا.»
«أعرف جدك. فهو الذي اختارني ورقّاني إلى رتبة أحد أفراد الحرس قبل أربعين عامًا، حين كان يشغل منصب المراقب.»
تغيرت ملامح دويل، الذي كان واقفًا إلى الجانب.
وأصبحت نظرته إلى غلوفر مختلفة تمامًا.
تنهد أدريان وقال:
«إنه رجل صارم، لكنه جدير بالاحترام.»
لمعت عينا غلوفر.
«نعم.»
قال أدريان بنبرة ودودة تنم عن حسن النية:
«آمل أن تسير على خطاه، وأن تحظى باحترام الآخرين مثله. لكن… ليس عليك أن تكون بصرامته نفسها.»
«ستدرك، حين تعمل ضمن فريق، أنك ستجني فوائد أكبر إذا كنت شخصًا سهل المعشر.»
ارتجف غلوفر قليلًا، وجاء رده مترددًا على نحو لم يعتده أحد منه.
«حـ… حاضر.»
أومأ أدريان برأسه، ثم التفت إلى دويل.
كان دويل في تلك اللحظة أشبه بفأر ابتلع سمًّا، وقد تصلب جسده على نحو غير طبيعي.
ابتسم أدريان وقال:
«إذن، أنت… أمم… دي. دي؟»
ارتعشت شفتا دويل، ورسم ابتسامة متكلفة على وجهه.
«نعم، سيدي القائد… لكن هذا مجرد… لقب يتداوله الجميع على سبيل المزاح…»
أخذ صوته يخفت تدريجيًا، وتضاءلت ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.
قال أدريان بنبرة مسترخية:
«لقد أخبرني بريدج عنك.»
«ماذا؟»
أشرقت عينا دويل، واختفى خجله وتردده قبل لحظات.
«حقًا؟»
ثم ارتسمت على وجهه مسحة من الأمل، وسأل:
«وماذا قال عني القائد؟…»
أجابه أدريان بهدوء:
«قال إنك كنت ترغب في الانضمام إلى فرقة الطليعة في البداية، لكنك، بعدما أخفقت في اجتياز الاختيار، اضطررت إلى الانضمام إلى فرقة الدفاع التابعة له.»
ألقى غلوفر نظرة عفوية على دويل.
وفي تلك اللحظة، احمر وجه دي. دي بشدة.
«سيدي القائد، أـ… أنا…»
لكن ملامح أدريان ازدادت صرامة.
«ليس في الاعتراف بإخفاقاتنا ما يدعو إلى الخجل.»
ثم تابع ببطء:
«لن تتمكن من النجاح إلا حين تتقبل الفشل.»
«تمامًا كما يمكنك أن تصبح فردًا من الطليعة بعدما تؤدي عملك حارسًا على أكمل وجه.»
دفعت صرامة أدريان المفاجئة دويل إلى شد جسده تلقائيًا والوقوف باستقامة.
«حاضر، سيدي القائد!»
أومأ أدريان برأسه، ثم أعاد تفحصهما بنظراته.
«ما زال أمامكما الكثير، فأنتما لا تزالان في مقتبل العمر، وكلاكما من الرجال المهمين بالنسبة إلى مالوس. وأنتما أيضًا سيفان موثوقان للمملكة.»
ثم عاد إلى نبرته الودودة التي تحدث بها قبل قليل، وقال:
«ابذلا قصارى جهدكما.»
«أمرك، سيدي!»
كان ذلك رد دويل، الذي قرر أخيرًا أن يلزم الصمت.
أما غلوفر، الذي ظل متصلبًا كعادته، فاكتفى بقوله:
«نعم.»
ابتسم أدريان ابتسامة لطيفة.
«وأيضًا، احرصا على ألّا يمسك بكما سيدكما وأنتما تتقاعسان عن أداء عملكما.»
وفي تلك اللحظة، أدار رأسه فجأة ونظر إلى البعيد.
«ولا سيما… حين يكون واقفًا خلفكما.»
انتفض دويل وغلوفر، ثم استدارا بسرعة.
أما ثاليس، الذي كان يختبئ خلف الشجرة، فقد صُدم حين اكتشف أمره.
ولم يجد بدًا من الخروج من خلف الشجرة تحت أنظار دي. دي وغلوفر الغريبتين، ثم تمالك نفسه سريعًا، ورسم ابتسامة مهذبة وهادئة على وجهه.
حيّاه أدريان بأدب.
«سموكم.»
أومأ ثاليس برأسه محييًا إياه بدوره.
«اللورد أدريان. هل لي أن أعرف إن كنت…»
ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة وهز رأسه.
«لا داعي إلى تكلف عناء السؤال، يا صاحب السمو. لقد جئت فحسب… لأسلّمكم مرسوم التعيين الرسمي دوقًا.»
ثم استدار، ومدّ لفافة ورقية نحو غلوفر. كان دويل قد همّ بالتقدم لتسلمها، لكن اللفافة انتهت في يد غلوفر قبل أن تصل إليه.
«واغتنمت الفرصة أيضًا لأتفقد استعداداتكم.»
ابتسم قائد الحرس، الذي تجاوز الخمسين من عمره، وهو ينظر إلى دويل وغلوفر. فابتسم دويل بحرج، بينما ازداد غلوفر تصلبًا.
«ففي نهاية المطاف، هذه أول مرة نحشد فيها الحرس الملكي لتشكيل وحدة خاصة جديدة.»
ألقى ثاليس نظرة على مرسوم التعيين الذي استقر بين يدي غلوفر، ولم يكن لديه وقت للتكهن بما يرمي إليه أدريان من وراء كلماته.
«أشكرك على اهتمامك.»
واصل قائد الحرس ابتسامته، ثم قال:
«آمل ألّا يكون تورموند قد تسبب لكم في أي متاعب.»
تجمد ثاليس في مكانه.
«تور… من؟»
تورموند.
كان أول ما خطر بباله رسم ملك عصر النهضة المعلّق في قاعة مينديس.
لكن أدريان لم يفعل سوى أن تنهد.
«لقد سمعت من الكونت كاسو عن الخلاف الذي نشب بينكما خلال الرحلة، وأود أن أعتذر إليكم عما بدر منه.»
عندها أدرك ثاليس فجأة من يقصده أدريان…
لكن أدريان تابع بجدية:
«أرجوكم أن تصدقوني حين أقول إن اللورد مالوس لم يقصد الإساءة إليكم، كما أنه ليس عنيدًا كما قد يبدو.»
«إنه فحسب… يتعامل مع الأمور باستخفاف شديد»..»
رمش ثاليس بعينيه.
«عفوي؟»
أخذ نفسًا عميقًا، وتذكر كيف أخبره مالوس بأنه لن يكترث أحد لأمره، ثم قال بشك:
«قائد حرسي الشخصي؟ عفوي؟»
لم يجرؤ دويل وغلوفر حتى على التنفس بصوت مرتفع، لكنهما لم يستطيعا منع نفسيهما من إلقاء نظرات فضولية على الرجلين.
ضحك أدريان بخفة.
«أرجو ألّا تسيئوا فهمي، يا صاحب السمو. حين أقول إنه عفوي، فلا أعني أنه مهمل أو مستهتر. فلا مجال للشك في قدرات اللورد مالوس.»
ثم ألقى نظرة على قاعة مينديس، الواقعة عند الطرف الآخر من النافورة، وتنهد قائلًا:
«كل ما في الأمر أنه ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة. فعندما يواجه مشكلة، يميل إلى اختيار الحل الذي يسهل تحقيقه. لكنني أفترض أن هذا يُعد ضربًا من… الغرور أيضًا، أليس كذلك؟»
ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة.
الغرور.
حين سمع ثاليس هذه الكلمات، أدرك فجأة أمرًا ما.
قال أدريان بنبرة تنم عن الاستسلام للأمر الواقع:
«خذوا على سبيل المثال أن أسهل طريقة لحماية الأمير هي ألّا نسمح له بالخروج من الأساس. لكنه لا يدرك… أن ذلك قد يتسبب أحيانًا في مشكلات أكبر.»
أومأ ثاليس برأسه، ورد بابتسامة.
وبدا أن أدريان قد غلب عليه الحنين إلى الماضي، إذ تنهد قائلًا:
«ولهذا، فهو يحتاج دائمًا إلى شخص ما… يحثه على التقدم.»
«شخص يرشده إلى كيفية أداء عمله على نحو أفضل.»
تبادل دويل وغلوفر النظرات.
«حقًا؟»
أومأ ثاليس بأدب، ثم قال:
«سأولي الأمر مزيدًا من الاهتمام. وبالمناسبة، هل اللورد مالوس الآن…»
لكن أدريان رفع يده فجأة مقاطعًا إياه.
«أوه، لا. لن أذهب لرؤيته.»
ابتسم قائد الحرس وهو ينظر إلى ثاليس.
«يكفيني أن أراك أنت.»
«قبل ست سنوات، حين أصبحت أميرًا لتوك، لم أتمكن من الحضور بسبب بعض الشؤون العائلية، ففاتتني أهم لحظة في حياتك.»
وفجأة، ازدادت نظرات أدريان جدية على نحو لافت.
«لكن لحسن الحظ، لم تفُتني اللحظة التي أصبحت فيها دوقًا.»
حدق ثاليس فيه بشرود، وقد شعر بما تنطوي عليه تلك النظرات من معانٍ.
ظل أدريان يراقبه بهدوء، ثم قال له بصدق:
«يا صاحب السمو، يستطيع المحارب المتميز أن يتحمل شتى الصعاب والتحديات، بل لا بد له من تحملها.»
«أما النبيل الجدير بهذا اللقب، فيستطيع حمل الأعباء الثقيلة، بل لا بد له من أن يحملها.»
قال قائد الحرس بصوت خافت:
«والأمر ذاته ينطبق على الملك.»
ثم أضاف، وكأن الكلمات أفلتت منه دون تفكير:
«بل إن الملك ملزم بذلك.»
كانت كلماته كافية لتصيب ثاليس بالذهول.
انحنى أدريان مرة أخرى، ثم استدار وغادر المكان.
وما إن اختفى قائد الحرس عن الأنظار حتى بدأ دويل يلتقط أنفاسه بعمق، وكأنه ظل يحبسها طوال الوقت.
«واو، واو، واو… هذا لا يُصدَّق! لقد تحدث إليّ قائد الحرس!»
قال دي. دي بحماسة بالغة:
«بعد سبع سنوات ونصف من انضمامي إلى الحرس الملكي، هذه هي المرة الثانية التي ألتقي فيها بالقائد أدريان وجهًا لوجه وأجري معه حديثًا شخصيًا! أما المرة السابقة، فكانت قبل ثلاث سنوات!»
قبل ثلاث سنوات.
التقيته في غرفة المراقبة.
ويبدو أن الحوار دار على النحو التالي:
«سيدي القائد، هل ترغب في بعض الماء؟»
«لا، شكرًا.»
استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.
أما غلوفر، فقد أطلق شخيرًا ساخرًا، ونظر إليه بازدراء، بملامح توحي بوضوح بأنه يقول:
«يا لك من عديم الخبرة!»
ثلاث سنوات.
إلى أي حد بلغ تهميش هذا الرجل، حتى أمضى ثلاث سنوات كاملة في قصر عصر النهضة دون أن يحظى بحديث منفرد مع القائد؟
أما أنا…
همف!
استعاد غلوفر، بشيء من الاعتزاز الخافت، آخر محادثة أجراها مع قائد الحرس.
قبل بضع سنوات…
غريب، لماذا لا أستطيع تذكرها؟
كان لكل منهما شعوره الخاص، لكن ثاليس، الذي وقف إلى جوارهما، كان يفكر في أمر آخر تمامًا.
«هذا يعني…»
التفت دويل إليه بحماسة، مجيبًا عن تساؤلاته قبل أن يكمل كلامه.
«أوه، يبدو أنك لا تعرف عنه شيئًا بعد، أليس كذلك؟ إنه أروع رجل في الحرس الملكي!»
ثم نظر دويل إليه بفخر، وتابع:
«القائد الأعلى، اللورد أدريان، يفوق جميع الحراس مكانةً، وهو شاهد على المجد والدمار.»
المكانة؟
المجد والدمار؟
لم يبدُ أن ثاليس قد فهم ما يقصده.
أومأ غلوفر برأسه، ونظر إلى الجهة التي غادر أدريان من ناحيتها، وقد اكتست ملامحه بالجدية.
«يُقال إن القائد شهد العام الدموي بنفسه، وإنه الناجي الوحيد من بين أفراد الحرس الملكي الأسطوريين… إنه أحد رجال الحرس الذين خدموا في ذلك العهد.»
شهد العام الدموي…
تبدلت ملامح ثاليس قليلًا.
«أتعني أفراد الحرس الملكي في عهد جدي؟»
أخذ دويل نفسًا عميقًا، ثم أطرق برأسه وأومأ موافقًا.
وحين تذكر ثاليس السجناء في سجن العظام، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالصدمة.
«أأدريان… نجا من العام الدموي؟ كيف تمكن من فعل ذلك؟»
هز غلوفر كتفيه.
لكن دي. دي تنهد وبسط ذراعيه قائلًا:
«تهانينا يا صاحب السمو. لقد طرحت للتو السؤال الثالث ضمن الألغاز التي لم تُحل في تاريخ الحرس الملكي.»
عجز ثاليس عن الكلام.
وفي تلك اللحظة، تعالت جلبة من خارج البوابة المعدنية.
«لا، لا، لا! المكان مغلق اليوم… حتى لو كنت نبيلًا، فلا يمكنك…»
استرعت الجلبة انتباه الثلاثة، فتوجه دويل نحو البوابة المعدنية، وتبعه غلوفر مباشرة.
أما ثاليس، فقد أثار الأمر فضوله، وأراد اللحاق بهما، لكنه وجد نفسه مدفوعًا إلى الخلف خلف غلوفر، الذي وقف أمامه حاجزًا منيعًا.
«ما الذي يحدث؟»
نادَى دويل أحد جنود جاديستار الخاصين الواقفين خارج البوابة، بينما كانت البوابة المعدنية تفصل بينهما.
استدار الجندي وأشار بامتعاض إلى رجل يقف بعيدًا، وقد أحاط به عدد من الجنود ومنعوه من التقدم.
«يا صاحب السمو، هذا الرجل يحاول اقتحام المكان… ويزعم أنه نبيل، وإلا لكنّا…»
ضيّق دويل عينيه، وأمعن النظر في الرجل الذي يمنعه الجنود من التقدم.
ثم اتسعت عيناه فجأة.
«مهلًا لحظة، أنا أعرفه…»
شعر دويل بالذهول حين رأى الرجل الواقف خارج البوابة يلوّح له بيديه.
«ما الذي جاء بك إلى هنا؟»
تمكن الرجل خارج البوابة من الإفلات من قبضة الجنود الذين كانوا يطوقونه، ثم سوّى ملابسه ونظر إلى دويل بدهشة.
«هاه؟ بل أنا من ينبغي أن يسألك! دي. دي، ما الذي تفعله هنا؟»
اسودّ وجه دويل.
«بالطبع، أنا أحد أفراد الحرس الملكي… لا، لا، لا! دعني أسألك أولًا: ما الذي جاء بك إلى هنا؟»
رمش الرجل الواقف خارج البوابة بعينيه، ثم أخذ يتلفت حوله بحيرة، قبل أن يجيب:
«لأنني… لأنني هنا ببساطة!»
انفجر ثاليس، الذي كان يقف خلف غلوفر، ضاحكًا حين سمع ذلك الحوار الغريب بين الرجلين.
نظر إليه غلوفر باستغراب.
«لا شيء، الأمر فحسب…»
لوّح ثاليس بيده معتذرًا، ثم قال:
«لقد تذكرت نكتة يتداولها أهل الشمال: لماذا أنت هنا؟»
لم يتمالك ثاليس نفسه، وعاد إلى الضحك.
أما غلوفر، فلم يفهم شيئًا، بل ازدادت الحيرة في ملامحه.
واستمر الحوار المحيّر بين دويل والضيف غير المرغوب فيه خارج البوابة، بينما أخذ كلاهما يلوّح بيديه بحركات مبالغ فيها.
«لماذا… لماذا أنت هنا؟»
حكّ الضيف رأسه، ثم قال:
«أنا… حصلت على إجازة مسبقًا. وجئت خصيصًا لإلقاء نظرة على الأمير. أوه، أعني الدوق الآن… لقد سمعت أنه عاد…»
هز دويل رأسه.
«لا، على النبلاء حجز موعد مسبقًا…»
لكن دي. دي استعاد انتباهه فجأة، وكأنه أدرك أمرًا مهمًا.
«انتظر! كيف عرفت أن الأمير سيعود اليوم؟ وكيف عرفت أنه أصبح دوقًا؟»
«آه، الغراب الرسول لدى عائلتي سريع إلى حدٍّ ما… حسنًا، ابتعد الآن، ولا تقف في طريقي. أريد زيارته!»
«لا، انتظر! كيف عرفت أنه هنا أصلًا؟»
«ألا تتذكر أننا كنا المسؤولين عن إخلاء الطريق حين رافقتَ الأمير إلى هنا؟»
«لا، لا، لا! عليك أن تنتظر قليلًا… أقصد، بأي صفة أو استحقاق تظن أنك تستطيع زيارة الأمير؟»
«لا بد أنك تمزح! فأنا، رغم أنني ما زلت في مثل هذه السن، الشاب الوحيد الذي مُنح لقب اللورد!»
«مُنحت لقب لورد؟ أتقصد أنك حصلت عليه بفضل علاقاتك القوية ونفوذ عائلتك ووالدك ذي المكانة الرفيعة، حتى تُمنح الألقاب لأبناء النبلاء عديمي الفائدة؟»
«تبًّا لك! اذهب إلى الجحيم! لقد رُقّيت إلى مرتبة اللورد بفضل إسهاماتي للمملكة!»
«إسهاماتك؟ أتعني أنك ألقيت القبض على لص في الشارع؟»
«القبض على لص؟ هراء! لقد تطوعت بشجاعة قبل ست سنوات للمشاركة في حملة عسكرية، وأنقذت المملكة من حرب!»
«همف، دعني أرى إلى متى ستواصل التباهي…»
«دعني أخبرك يا دي. دي، إنك تحسدني بوضوح! أنت تغار مني لأنك عاجز عن نيل لقب مثلي!»
«تبًّا لك! أنت من قضى أكثر من عشرين عامًا دون أن يتزوج، فكيف تجرؤ على التحدث إليّ بهذه الوقاحة وكأنك…»
شعر غلوفر بالحرج، فضرب جبهته بكفه خلف البوابة المعدنية.
من الواضح أن دويل والرجل الواقف في الخارج لن ينهيا جدالهما في أي وقت قريب، حتى إن جنود جاديستار الخاصين المحيطين بهما بدأوا يشعرون بالملل، فعادوا إلى مواقعهم.
لكن ثاليس بدا وكأنه أدرك شيئًا من خلال ذلك الحوار.
«دويل؟»
لم يكترث ثاليس بنظرات غلوفر الغريبة، بل قرر أن يتجاوزه، ثم نادى بصوت مرتفع لتنبيه دويل:
«دويل!»
كان دويل واقفًا أمام البوابة المعدنية، غارقًا في جدال لا ينتهي، لكنه ما إن تذكر واجباته حتى استدار على الفور، ورسم ابتسامة اعتذار على وجهه.
«أعتذر يا صاحب السمو عن إزعاجكم… المعذرة، دعوني أعرّفكم إلى هذا الشخص. إنه…»
مدّ دويل يده مشيرًا إلى الضيف غير المرغوب فيه خارج البوابة، ثم نطق بصعوبة بسلسلة طويلة من عبارات القرابة:
«… ابن أخي زوج أخت جدتي.»
تنهد غلوفر مجددًا، ثم ضرب وجهه بكفه.
وفي تلك اللحظة، تمكن ثاليس من رؤية الضيف خارج البوابة بوضوح.
فتجمد في مكانه من شدة الدهشة.
قال دويل وهو يضحك ضحكة جافة:
«إنه وريث إحدى العائلات التي تحمل لقب الكونت، ويعمل حاليًا في العاصمة، كما أنه يقضي إجازته فيها…»
ثم ذكر اسم الرجل:
«كوهين كارابيان.»
ظل ثاليس يحدق في الرجل الواقف خارج البوابة بشرود.
«مرحبًا! مرحبًا! مرحبًا، يا صاحب السمو! هل ما زلتم تتذكرونني؟ أنا ذلك الرجل… الرجل الذي أكل الكثير من الفاكهة وأكباد الحيوانات…»
وقف الضابط كوهين طويل القامة خارج البوابة المعدنية، وقد بدا مندهشًا حين رأى ثاليس، ولاحظ كم كبر منذ آخر لقاء بينهما. ثم أشار إلى نفسه، كاشفًا عن أسنانه البيضاء، وابتسم ابتسامة حمقاء بدت وكأنها تقول بوضوح:
«إنه أنا!»
ارتبك دويل حين رأى كوهين يلوّح بذراعيه بجنون، فسعل بحرج.
«عليّ أن أنبّهكم إلى أمر، يا صاحب السمو.»
لم ينتبه إلى التعبير الغريب الذي ارتسم على وجه سيده، بل خفض صوته وقرّب رأسه من أذن ثاليس.
ثم أشار سرًا إلى كوهين، الذي ظل يضحك ويلوح بيديه، وأومأ برأسه، قبل أن يهمس بصدق، وكأنه يؤدي قسمًا :
«يتناقل النبلاء في العاصمة شائعات مفادها أن هذا الرجل… مجنون.»
_______________________________________________________________________________________________________
دعمكم للرواية يسرّع من عملية الوصول للراو
حساب الانستا الجديد لأي استفسارات ag00.ego@