▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 47: التفكير البشري.
….
قصر النهضة كان أطول وأهم مبنى في مدينة النجم الأبدي، يقع في قلبها تمامًا.
في السنة الرابعة والثلاثين من تقويم الإبادة، خلال السنوات الأخيرة من حُكم تورموند الأول، قلد طراز عاصمة النصر التابعة للإمبراطورية القديمة وبنى هذا القصر. كان ذا ستة جدران تحيط بقصرٍ على هيئة نصف هرم. بعد ذلك، قام ما لا يقل عن ستة ملوك أعليين بتوسيعه أو ترميمه، وأسهم عدد لا يُحصى من الحرفيين في إضفاء طابعٍ كلاسيكيٍّ متآكلٍ على القصر وجدرانه. بعد ستمئة عام، بدا القصر وكأنه قد شهد تحوّلاتٍ عظيمة.
بعد مئتين وخمسٍ وعشرين درجة، امتدت قاعة النجوم، المدعومة بأربعةٍ وعشرين عمودًا ضخمًا. كانت فسيحة وعريضة، خُصصت لعقد اجتماعات مجلس الشؤون الوطنية. الجهة الشمالية المكشوفة من القاعة كانت تُطل على ساحة النجوم خارج الأسوار — أكبر ساحة تجارية في المنطقة المركزية. أما في الجنوب، فكانت هناك قاعة اجتماعات تُستخدم لـ المؤتمر الإمبراطوري. وفي المركز، قاعة أعمالٍ ضخمة تصلح لاجتماعات النبلاء الكبرى.
في تلك اللحظة، جلس شخصان على جانبي الطاولة داخل تلك القاعة الإمبراطورية. تحت ضوء مصباحين أبديين، خيّم الصمتُ الثقيل على الجو.
الملك الأعلى التاسع والثلاثون لـ الكوكبة، القويّ كيسل الخامس، وضع التقرير الذي في يده، ثم رفع رأسه لينظر إلى النبيل المُتعب المقابل له.
سيد القلعة الباردة، حامي الشمال، الدوق ڤال آروند، البالغ من العمر تسعةً وأربعين عامًا، ضيّق عينيه ونظر إلى الملك مقابلاً نظرته.
بصفته أحد أفراد العشائر الست الكبرى في المملكة، بدا ڤال أقل شبهًا بالنبلاء. وكان ذلك في الأغلب بسبب الندبة الممتدة من صدره حتى ذقنه. كان شعره محلوقًا قصيرًا بعناية، بحيث يصعب على الناظر معرفة أن لونه بني داكن.
كان مظهر ڤال مختلفًا عن باقي أبناء الكوكبة. عيناه سوداوان ونظراته حادّة، جسر أنفه مرتفع وشفاهه بارزة، ولحيته كثيفة خشنة. بدا كرجلٍ صلب الملامح. كان درعه الحديدي ما يزال يحمل برودة الشمال، يتساقط منه أحيانًا قطراتٌ من الصقيع الذائب.
على صدره وكتفيه كان شعار النسر الأبيض الخاص بعائلة آروند، زعيمة العشائر الست الكبرى، التي كانت تحرس الشمال منذ زمن الإمبراطورية القديمة. بدا النسر وكأنه حيّ، يحمل في فمه ندفة ثلج، يُحدّق بكيسل ومخالبه منبسطة.
النسر الحديدي، الدوق ڤال آروند، كان أقرب إلى محاربٍ في الجبهة الأمامية منه إلى سيدٍ نبيل مدلّل.
"هدية مبهرة لعيد ميلادي الثامن والأربعين، يا دوق آروند." قال كيسل ببرود.
رفع ڤال رأسه دون أي بادرة ضعف، نظر إلى الملك بغضبٍ صريح.
"وماذا في ذلك؟ هل ستجعلني أدفع الثمن بقتلي هنا؟ أيها الملك بلا وريث؟"
…
(قراءة العقول؟)
لم يُصدّق تاليس ذلك بسهولة، كان يسمع حتى اضطراب ضربات قلبه.
نظر إلى عيني مورات، وتساءل بمرارةٍ في نفسه، (ما الذي يمكنني إخفاؤه إذًا؟)
"يا سيدي الشاب، لا داعي للدهشة المفرطة." مرّر مورات يده على عصاه التي بدت عادية مثل صاحبها. "هل تعلم؟ لقد رأيت كثيرين يحملون نفس تلك النظرة التي في عينيك الآن."
كشف مورات عن مجموعة أسنانٍ تالفة وضحك ضحكةً مشوّهة. "من المجرمين… إلى الملك نفسه."
"هاهاها…" ضحك مورات.
(أنا في مواجهة رجلٍ كهذا… شخصٍ مرعبٍ إلى هذا الحد…)
كانت حالة تاليس الذهنية في فوضى تامة.
(قد يكون من الأفضل أن…)
في تلك اللحظة…
"اهدأ."
همس صوتٌ في أذنه.
"ذلك الرجل كان يخدعك طوال هذا الوقت."
تجمّد تاليس من الصدمة.
ضرب الطاولة بيده، الصدى المفاجئ لذلك الصوت الفتيّ أذهله.
ضحك مورات ونظر إليه بنظرةٍ غريبة.
"لا تتصرّف بتهوّر. الآن، أنت وحدك من يسمع صوتي."
قبض تاليس على حافة مائدة الوليمة بإحكام وحدّق بمورات، منسّقًا ذهوله المصطنع مع خوفه من قدرة مورات المزعومة على قراءة العقول.
"إنه لا يعرف كيف يقرأ العقول!" تسلّل إلى أذنيه صوتٌ ناعمٌ طفوليّ لنغمة فتاة صغيرة.
(إنه لا يعرف قراءة العقول؟)
"لكنّه يستطيع كشف الكذب." أضاف الصوت الغامض.
كبح تاليس الاضطراب في ذهنه بقوة وأغمض عينيه بإحكام.
ثم عادت إليه الذكريات.
"تشيرين، إن هدف دراسات علم النفس هو سلوك الأفراد ونفسياتهم، أما هدف دراستنا فهو سلوك الجماعات ونفسياتها. وهناك فرقٌ شاسع بين الاثنين." كان الأستاذ العجوز ينفث الدخان من غليونه وينظر إلى وو تشيرين الذي كان يقلب المسودة الأولى لأطروحته بانزعاج.
ابتسم العجوز وقال ببطء: "ومع ذلك، هناك أمرٌ مشترك. السلوك الإنساني والنفس الإنسانية يظلان دومًا عصيّين على الفهم، لا يُمكن التنبؤ بهما أو حصرهما في نمطٍ محدد. أمام مثل هذه الأعجوبة، ينبغي للباحثين أن يتحلّوا بالتواضع."
"وكما تعلم، فإن كل محاولةٍ لتطويق الظواهر الاجتماعية البشرية بنظريةٍ كلية أو أكثر، طالما وُصفت بأنها مثقلة بالثغرات. لأنّه لم يوجد بعدُ تفسيرٌ شاملٌ للعقل البشري."
تلاشَت ذكريات حياته السابقة كما تنحسر الأمواج، واندمجت في خزان ذاكرته الهائل.
فتح تاليس عينيه فجأةً وحدّق في النبي الأسود الذي كان ينتظر جوابه.
(حان وقت اللحظة الحاسمة), فكّر مورات هانسن بصمت، ضيّق عينيه باهتمامٍ وهو يتأمل الصبيّ الصغير أمامه.
(لكن، من مظهره هذا، هل يخفي حقًا شيئًا جوهريًا يبقيه يودل سرًّا؟)
أمسك مورات بعصاه بإحكام.
(جيد. لِنرى كم كذبة أخرى يستطيع أن يختلقها.)
كان هدف مورات في هذا اليوم لا يقتصر على التحقق من ادعاءات يودل، بل كذلك البحث عن خيوطٍ تتعلق بـ الصوفيّ الوليد.
استنشق مورات الهواء العذب.
(رائحة مترفة منحطّة بحق.)
(لكن الأهم هو لقاء الملك الجديد، وبناء احترامه وإجلاله لرئيس الاستخبارات السرّية… وكذلك اعتماده وطاعته لنا. ملكٌ "عنيد" واحد مثل كيسل يكفينا. تلك هي الطريقة الوحيدة التي ستتألّق بها الكوكبة في ظلمات العالم.)
ابتسم مورات لنفسه برضا.
"استمع إليّ، وتحدّث بحذر." جاء الصوت الفتيّ ذو اللثغة في أذن تاليس بخفوت.
"إنه لا يعلم أن الصوفيّ قد كلّمك."
"إنّه لا يعلم سوى ما قاله بنفسه. لا أستطيع أن أتحدث أكثر وإلا سيفطن للأمر. اعتنِ بنفسك، يا فتى."
الكشف الجاد من الصوت جعله يشعر ببعض الارتياح، لكنه لم يعد بعد ذلك.
استنشق تاليس نفسًا عميقًا آخر. وعلى الرغم من أنّ الخوف ما زال ظاهرًا عليه في تلك اللحظة، إلا أنّ قلبه استعاد شيئًا من الثقة.
(إنها مجرد لعبة أخرى) قال لنفسه.
أعاد تركيز بصره الرمادي حتى استقرّ أخيرًا على مورات الواقف أمامه.
عقله، الذي كان متجمّدًا تحت وطأة الصدمة والخوف، بدأ يعمل مجددًا.
(أولًا، لنرتّب المعلومات المتاحة.)
(مورات يكذب.) توصّل تاليس إلى هذا الحكم بعد تذكيره بصوت الفتاة الصغيرة.
(أولًا، لقد قابلت الصوفي.)
(ثانيًا، الصوفي تحدث إليّ.)
(ثالثًا، الصوفي اكتشف أنني سأكون الصوفي التالي.)
كانت هذه هي الطبقات الثلاث المترابطة من الأسرار التي وجب على تاليس أن يخفيها.
(المشكلة أن يودل يعرف كل هذه الطبقات الثلاث. لو أنّ يودل قد أخبر مورات بكل شيء، لما جاء مورات بنفسه إلى هنا أصلًا. من كان سينتظرني آنذاك هو ما وصفه آسدا بالسلاح الأسطوري المضاد للصوفيين.)
(ما كان عليّ أن أشكّ بيودل. من سوق الشارع الأحمر إلى قصر الكرمة، فعل كل ما بوسعه ليضمن سلامتي) فكّر تاليس بأسف.
(قال الصوت: "إنه لا يعلم أن الصوفي قد تحدث إليك." أي إن مورات لا يعلم بأن الصوفي تحدث إليّ.)
(وهذا يعني أنّ مورات، منذ البداية، لم يكن يعرف سوى الطبقة الأولى من المعلومات، أما البقية فكانت أكاذيب ليستدرجني بها.)
(لقد وقعت في فخه. أرعبني حتى فقدت صوابي، وعلى الأرجح استدرجني لأفشي الطبقة الثانية من السر.)
(قال الصوت أيضًا: "إنه لا يعلم سوى ما قاله بنفسه." أي إن مورات لا يعلم إلا بما نطق به أمامي.)
(المؤكد أن مورات يعلم أنّ آسدا قد وجد صوفيًا جديدًا!، لكن لا أكثر من ذلك. يودل أخبره بنصف الطبقة الثالثة فقط. مورات لا يعلم من هو الصوفي الجديد.)
(قال أيضًا: "إنه لا يعرف كيف يقرأ العقول!" إن كان مورات لا يستطيع قراءة العقول، فهذا يعني أنّ ضغطه على جسر أنفه لتفعيل قدرته النفسية لم يكن إلا خدعة! استخدمها لخداعي!)
(رأى صورة الصوفي الهوائي في ذهني… يا لغبائي! لم يُغيّر آسدا مظهره منذ مئات السنين، فكيف لا تعرف الاستخبارات شكله؟)
(الأمر نفسه ينطبق على كرة الطاقة في يده. الجدار الهوائي هو مهارة آسدا المميزة.)
(إنه يحب سحق الناس إلى كُتَلٍ من اللحم. بعد معركة سوق الشوارع الحمراء، لا بد أنهم اكتشفوا تلك "الكرات اللحمية".)
(أما حديثه عن كون السوق مظلمًا في تلك الليلة، فمحض هراء! حتى شرطي من الفئة الخامسة كان ليقول هذا بعد تحقيق بسيط!)
(إن "قراءة العقول" لديه ليست سوى استغلالٍ بارع للمعلومات المتاحة ليصطنع لنفسه القدرة على قراءة العقول.) قطّب تاليس حاجبيه وفكر بمرارة. (إنها مجرد وهم لبثّ الرعب فيّ وإجباري على الخضوع.)
(والآن، حان وقت التحقق.)
رفع تاليس بصره بخوفٍ خافت وارتجف قليلًا.
"اللورد هانسن، بما أنك تعرف كيف تقرأ العقول… فلماذا تسألني إذن؟ يمكنك أن تقرأ ذهني مباشرة…"
ابتسم مورات وهو يمسك بعصاه.
"لست جريئًا إلى هذا الحد. العقول التي استعمل قدرتي عليها تُصاب بأذًى ما، بدرجات متفاوتة. في النهاية، أنت سيدي المستقبلي."
(ومع ذلك، تجرأت على فعلها قبل قليل؟) زمجر تاليس في قلبه.
"لكن، إن كنت تريد اختصار الوقت، يمكنني تلبية رغبتك والدخول مباشرة إلى ذهنك. سأحاول ألّا أؤذي—"
ابتسم مورات ومدّ يده اليسرى نحو تاليس.
لوّح تاليس بيده بذعر. "لا، لا، لا! لا داعي! سأخبرك بنفسي!"
نظر مورات إليه وهزّ رأسه ساخرًا.
(في النهاية، هو مجرد طفل في السابعة.)
"كما تشاء." انحنى النبي الأسود قليلًا، وزاوية فمه ترتسم عليها ابتسامة خفيفة.
في تلك اللحظة، تأكد تاليس تمامًا.
(لقد حاول خداعي مرة أخرى! لكني كشفت خدعته! يا له من ممثل بارع، لِمَ لم تلتحق بقاعة الليل بمثل هذا الأداء؟ ومع ذلك…)
("لكن، يمكنه اكتشاف الكذب.") جعلته هذه الجملة أكثر حذرًا.
(كاشف أكاذيب بشري شرير لا يمكن تفسيره، كأنه من رواية خيال علمي؟)
(أي إنني أمام النبي الأسود لا أستطيع أن أكذب صراحة. عليّ أن أستخدم أنصاف الحقائق لأخفي جوهر الحقيقة.)
(أنصاف الحقائق…) تنهد تاليس في قلبه. (لماذا لم أدرس في قسم الصحافة؟)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬