▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 46: الكارثة الوشيكة
…
يودل، غيلبرت، وجينيس القلقة — التي كانت تلتفت إلى الخلف بين حينٍ وآخر — غادروا القاعة بصمت، بخطواتٍ متفاوتة الإيقاع.
في القاعة المملوءة بمصابيح أبدية، كان يمكن رؤية تاليس جالسًا في مقعد المضيف. جلس مورات على بُعد خلف طاولة المأدبة.
ساد الصمت المكان.
لكن التوتر خيّم في الأجواء.
أرخى تاليس كتفيه متظاهرًا بالارتياح، ورسم ابتسامةً كان يرتديها عادة حين كان متسوّلًا.
ومع ذلك، كان لا يزال يشعر بنظرات الشيخ ذي الثياب السوداء القاطعة كالسيوف، مركّزة عليه دون أن تزيغ.
شعر تاليس بعدم الارتياح إزاء هذا الجوّ الشاذ. كان ذهنه يتشبّث بالمعلومات القليلة المتاحة.
(رئيس إدارة الاستخبارات السرّية.)
(رئيس الاستخبارات.)
(النبي الأسود.)
(الأفعى السامّة.)
(وهو يعلم أيضًا بهويتي السابقة كمتسوّل، وبسوق الشارع الأحمر، و… الصوفي.)
يبدو أنّ مورات قد نفد صبره. تخلّى عن لينه السابق وتكلّم بحدةٍ بصوتٍ صارمٍ.
"سأدخل في صلب الموضوع، أيها الفتى. أريد فقط أن أعرف عن تلك الليلة التي هربت فيها من سوق الشارع الأحمر، وماذا قال لك الصوفي حين التقيته."
(كيف علم أن آسدا كلّمني؟ هل خانني يودل؟)
عمِل عقل تاليس بسرعة، لكن المتغيّرات كانت كثيرة والمعلومات أكثر مما يمكنه استيعابه.
(ماذا قال له يودل؟ إلى أيّ حد؟ كم يعرف مورات عن آسدا؟ عن عصابة قوارير الدم؟ وعن فقداني السيطرة على قوتي الصوفية؟)
توصّل ذهن تاليس القلق إلى استنتاج. (مهما حدث… يجب أن أضمن سلامتي أولًا.)
منذ تلك الليلة التي جاء فيها كوايد إلى المنزل السادس بحثًا عن عملاته النحاسية المخفية، اعتاد تاليس — المتسوّل والوارث — على مصيره اللاإرادي، الهشّ، والوَحيد. كان دائمًا يبذل قصارى جهده للبقاء.
"ماذا؟ آه، ذلك الصوفي! أتقصد الزعيم الأسطوري لعصابة قوارير الدم؟" أظهر تاليس حماسةً مشوبة بالريبة.
ضيّق مورات عينيه بهدوء، وقد بدا عليه الارتباك والتردد.
ثمّ وضع تاليس يده على رأسه وكأنه يستحضر ذكرياتٍ بعيدة.
"أتذكر أن الفوضى عمّت في تلك الليلة. زعيم عصابة قوارير الدم قال—"
لكن الأمور لم تجرِ كما توقّع.
"أيها الفتى!"
قُوطع فجأة.
كان مورات بلا تعبيرٍ وهو يستند إلى عصاه. دوّى صوته في أذنَي تاليس.
اتسعت عينا مورات وهو يحدّق في عيني تاليس مباشرة، فشعر الأخير بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
"لديك موهبة فطرية في الكذب والتمثيل. لكن ما أودّ سؤالك عنه هو… صديقك القديم، آسدا ساكيرن."
تجمّد تاليس.
"سأسأل مجددًا. ماذا قال لك آسدا قبل أن يظهر يودل ويختمه؟"
كانت عينا مورات تتوهّجان بينما ينتظر الإجابة.
توقّف تاليس الذي قوطع لتوّه، وخفّض رأسه.
(ماذا يعرف؟ هل يعلم أنني التقيت بآسدا؟ هل كشف أمري؟)
(في كلتا الحالتين، هذا ليس حسنًا.) شعر بالقلق يتسلّل إلى صدره.
حاول تاليس جاهدًا التماسك. (هذا الشيخ… ربما يكون أصعب شخص تعاملت معه في حياتي. ولكن، طالما أنه يسألني هذا السؤال، فلا بدّ أنه لا يعلم ما الذي قاله لي آسدا.)
شد تاليس على أسنانه. (خصوصًا، أنه لا يعرف أنني من نفس نوع آسدا.)
ومع ذلك، جاءت كلمات مورات التالية لتحطّم أفكاره تحطيمًا.
"دعني أذكّرك مجددًا، أيها الصبي." ضحك مورات ضحكةً بغيضة.
"ألم يجد آسدا صوفيًا حديث الولادة؟"
في تلك اللحظة، شعر تاليس بأن قلبه يتجمّد من الخوف.
فكّر الفتى في هلع. (يودل… ماذا قال له يودل؟ لماذا يبدو واثقًا إلى هذا الحد؟)
"هاهاها." انفجر مورات ضاحكًا بضحكةٍ غريبة. "الناس يخافونني لسببٍ وجيه."
تقدّم الشيخ خطوةً بعد أخرى متكئًا على عصاه، مقتربًا من تاليس.
في تلك اللحظة، تملّكه رغبة جامحة في الهرب.
"أنا نفسيّ. رغم أنني لا أحبّ هذه القدرة، إلا أنها أفادتني كثيرًا."
ومضت فكرة مُحبِطة في ذهن تاليس.
"لا داعي لأن تكذب أكثر بشأن صوفي الهواء."
"أستطيع أن أرى بوضوح داخل عقلك. آسدا، ذلك الفتى الوسيم، الجميل، المكسوّ بالأزرق. يا للهول، لا يزال يافعًا!"
كانت كلمات مورات كالمطرقة تهوي على صدر تاليس.
لكن مورات، الذي انغمس في كلماته، لم يتوقف. كانت عباراته التالية تجعل تاليس يرتجف وهو ينطقها واحدةً تلو الأخرى.
"ما ذاك الذي في يد آسدا؟ كرة زرقاء؟ أرى ثلاث كراتٍ من اللحم هناك. لا يزال يحبّ سحق البشر إلى كراتٍ صغيرة من اللحم، أليس كذلك؟"
"لماذا الظلام يكتنفكما؟ أين أنتما تحديدًا؟"
بدا على مورات الرضا، كمن يقرأ سجلّ رحلاتٍ مثيرًا.
غشا عقل تاليس بياضٌ تام، وارتجف لا إراديًا.
(ثوب أزرق؟)
(فتى وسيم جميل؟)
(كرة زرقاء؟)
(لحم بشري مسحوق؟)
(مكان مظلم؟)
(كيف يعلم هذا؟ كيف يمكن أن يعرف؟)
حتى تنفّسه صار متقطّعًا.
بدت ملامح مورات متعبة، خفّض رأسه وفرك أنفه.
"آه، استخدام هذه القدرة مُرهق حقًا. لا أستطيع استخدامها كثيرًا."
ثمّ رفع رأسه وضحك ضحكةً قبيحةً مجعّدة. نظر إلى تاليس، الذي صار وجهه شاحبًا.
"لهذا السبب ينادونني بـ(النبي الأسود)."
أصيب تاليس بصدمةٍ جعلته عاجزًا عن النطق. ثمّ فتح مورات فمه وقال أكثر العبارات خبثًا للفتى.
"أجل، أيها الصبي. أنا أقرأ العقول."
في تلك اللحظة، أدرك تاليس حقًا أنه يواجه كارثةً وشيكة.
…
"ماذا نفعل الآن؟" على الممرّ في الطابق الثاني، نظرت المسؤولة الرفيعة جينيس إلى الرجلين أمامها بتعبيرٍ كئيب.
"أنتم تعلمون جميعًا بقدرات مورات ومهارته. إنه يستخدم الأسرار والمعلومات والفضائح وكل ما يمكنك تخيّله ليتحكّم بأيّ شخصٍ يريد."
خطت جينيس بضع خطوات وتحدثت بازدراء.
"هل ستتركون ذلك الفتى… إنه ذكيّ جدًا، ناضج، ذو موهبة… لكن ذاك هو النبي الأسود معه بالداخل! النبي الأسود العارف بكل شيء!"
"أنا مدرك لقدراته." تحدث غيلبرت بنبرةٍ جادّة "لولا مساعدة إدارة الاستخبارات السرّية، كيف كنا سنتمكّن من توقيع معاهدة الحصن؟"
"ومع ذلك سمحتم له… ذلك الوغد كيسل، بمَ يفكّر؟!" ضربت جينيس الدرابزين براحتها بغضب. كانت الضربة قوية بما يكفي لتترك أثرًا غائرًا في الدرابزين المصنوع من خشب الأرز.
في تلك اللحظة، عبس غيلبرت واستدار.
لاحظت جينيس شيئًا غريبًا فالتفتت بدورها في حيرة.
باستثناء الحراس الجامدين في أماكنهم، لم يكن في الممرّ سواهما.
في وقتٍ ما، كان يودل قد اختفى مجددًا.
…
في تلك الأثناء، عند بوابة المدينة الشمالية لمدينة النجم الأبدي، أنهى الحراس وفريق الدفاع نوبتهم اليومية. كانوا يستعدّون لإنزال الشبّاك الحديدي العملاق وإغلاق بوابة المدينة الحجرية الشامخة.
(لقد كان يومًا هادئًا آخر.) فكّر قائد الحرس وهو يلوّح بيده استعدادًا لتبديل المناوبة.
لكن الحراس اليقظين على الأسوار لمحوا في البعيد عدّة خيولٍ تعدو نحو العاصمة بسرعةٍ فائقة.
وراءهم، ارتفع علمٌ أبيض.
صرخ أحد الحراس من فوق السور نحو زملائه عند أقفال البوابة بأعلى صوته.
"انتظروا! لا تغلقوا البوابات! هناك خيّالة مسرعون! لا بدّ أنهم رُسُل!"
شعر القائد بالارتياب وصعد إلى الأسوار. رأى الفرسان من بعيد.
وحين اقتربت المجموعة أخيرًا، فوجئ القائد برؤية رايةٍ تحمل نسرًا أبيض.
(نسر أبيض؟ الحامية التي تبعد خمسة أميال لم توقفهم، إذن فلا بد أنهم رُسُل مهمّون، ولكن…)
بوجهٍ مهيبٍ تقدّم إلى الأمام وصاح، "العاصمة أمامكم! أبطئوا فورًا!"
"فريق الدفاع، تشكيل اعتراض!"
صرخ عشرات الجنود تحت السور بصوتٍ واحد، رفعوا سيوفهم وشكّلوا حاجزًا بدروعهم اللامعة كالنجوم، يسدّون المدخل كصفّ معركةٍ ضد الفرسان القادمين.
"أيها الفرسان! أبطئوا فورًا! أعلنوا هويتكم ومهمّتكم!" صاح القائد من البوابة.
رفع الفرسان أنظارهم نحوه، لكنهم لم يبطئوا. رفع أحدهم لفافةً وهو يهتف.
"هذه رسالة عاجلة من عمدة القلعة الباردة، دوق الحراسة في الإقليم الشمالي، ڤال أروندي! إنها حالة طوارئ من المستوى السابع!"
"الرجاء تسليم الرسالة مباشرة إلى الملك!"
"لا أحد يعترض الطريق! الدوق في طريقه!"
"هذا ختم أوامره الشخصية!"
وبينما يتحدث، رفع يده، فانطلقت اللفافة المربوطة بحجر نحو البوابة، وأمسكها القائد ذو الفئة العليا بقبضةٍ ثابتة.
(هذا الرجل محاربٌ بارع، جديرٌ حقًا بأن يكون فارس الإقليم الشمالي.) فكّر القائد وهو يشعر بالقوة التي ارتدّت إلى كفه من اصطدام اللفافة.
نزع الختم المشمع، ثم نظر إلى التوقيع والطابع. أومأ برأسه، وركض إلى أعلى المتراس ليصرخ نحو التشكيل في الأسفل.
"فُكّوا التشكيل فورًا! دعوهم يمرّون!"
"لا يسعنا شكركم كفاية!" صاح الفرسان من تحت السور وهم يندفعون عبر الجنود الذين أفسحوا لهم الطريق، يجلدون خيولهم بعنفٍ ويهرعون نحو قلب العاصمة، مثيرين دهشة المارة.
"بسرعة! أسرعوا، أسرعوا!" صرخ الفارس المتقدّم بجنون وهو يحثّ فريقه بلا اكتراثٍ بحال الخيول.
نظر القائد نحو الفرسان البعيدين بتعبيرٍ حانق.
"لا تغلقوا البوابات بعد. إن كان ما قاله صحيحًا، فما زال علينا استقبال دوق الحراسة للإقليم الشمالي."
(طوارئ من المستوى السابع؟. منذ أن تولّيت هذا المنصب، كانت أشدّ الرسائل استعجالًا تلك التي أرسلها جيش الملك المتحد. أذكر أن تقرير الحرب عن النصر الحاسم على شعب العظام الجافة والأورك كان من المستوى السادس. فما الذي حدث الآن؟) تساءل في حيرة.
تردّد القائد للحظة، ثم التفت وسأل أحد زملائه خلفه.
"متى كانت آخر مرة تلقّينا فيها تقريرًا يُعلن حالة طوارئ من المستوى السابع؟"
تبادل أفراد فريق الدفاع النظرات في ارتباك.
"هل لدينا أصلًا حالة طوارئ من المستوى السابع؟" سأل جندي شاب وهو يحكّ رأسه.
ساد الصمت.
"كانت هناك حالة من المستوى السابع." جاء صوتٌ عميقٌ وجاد. التفت الجنود جميعًا نحو المحارب المخضرم في آخر الصف.
كان وجه المخضرم شاحبًا كمن استعاد ذكرى مرعبة.
شحبَت شفتاه وهو يتمتم.
"آخر مرة… كانت قبل اثنتي عشرة سنة."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بدأت القصة تتحرك؟ اتمنى…