▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 40: ستدوم الإمبراطورية ما دامت النجوم
….
"غرقت الإمبراطورية، وسقطت السماء، وتصدّعت الأرض.
عاصمة النصر، عاصمة الإمبراطورية التي امتدّ تاريخها لأكثر من ألفين وثلاثة آلاف عام منذ عهد الملوك الإقطاعيين، والتي شهدت صعود وسقوط سلالتي الإمبراطورية كلتيهما، دُفنت بالكامل في قاع بحر الإبادة، مع زوال الإمبراطورية الأخيرة."
كانت نبرة غيلبرت المفعمة بالأسى كفيلة بأن تمسّ قلوب الحرس الواقفين على جانبي القاعة. استطاع تاليس أن يلحظ ارتجاف أيديهم وهي تضغط على مقابض سيوفهم.
ضغط غيلبرت على كتفي تاليس وهو يحدّق في الفارس الشاب المرسوم على الجدار، ذاك الذي يندفع إلى الأمام في صرخةٍ أبدية، وكأنه لن يبلغ النهاية أبدًا.
"أما تورموند الأول، ففي ذلك الوقت، لم يكن ملكًا بعد؛ كان واحدًا من الناجين من الإمبراطورية الأخيرة."
شعر تاليس بقوّة قبضة غيلبرت عليه. وفتح الوزير السابق للشؤون الخارجية فمه بهدوء، تاليًا بعض الأبيات من مجموعة كاهيل لأشعار الأوراق الهاوية:
«رفع البطل رايته، ورفع الملك رمحه. سقطت الإمبراطورية، وعمّ الظلام العالم.
ارتعب الأحياء، وتاهوا في الوحدة، بلا مأوى ولا وطن.»
تابع غيلبرت وهو شارد البصر.
بعد عشر سنواتٍ من الدم والنار، عاد الجنود مهلّلين بالنصر، لكنهم لم يستطيعوا أبدًا العودة إلى حياتهم السابقة. فالأرض التي قاتلوا لأجلها دون انقطاع، لم يبقَ في بيوت نبلائها دمٌ واحد، فقد أبيدوا جميعًا."
"تاليس… يا سيدي الشاب، هل تستطيع أن تتخيّل ذلك الشعور؟"
تأمّل تاليس صورة تورموند الشجاع، ذاك الفارس الذي بدا جسورًا لا يهاب شيئًا.
(كم بدا مهيبًا ومتألّقًا وسط أهوال ساحةٍ لا تُحتمل… تُرى، هل كان يعلم آنذاك أنّه لن يعود إلى موطنه أبدًا؟)
لم ينتظر غيلبرت إجابة، بل تنهد بهدوء.
"لا… على الأقل، أنا لا أستطيع."
لزم تاليس الصمت، لكن إحساسًا غريبًا غمر قلبه.
(«ارتعب الأحياء، وتاهوا في الوحدة.»)
تمتم تاليس في نفسه البيتين التاليين، بصوتٍ خافتٍ يحمل رهبة الشعر.
وفي خياله، ظهرت مدينةٌ عظيمة شامخة، تغوص ببطءٍ في الأعماق.
كان الناس يركضون في كل اتجاه، يصرخون بجنون، تملؤهم الفوضى والفزع، لكنّهم لم يستطيعوا سوى النظر بعجزٍ إلى المحيط وهو يبتلع كلّ شيء.
رفع تاليس رأسه فجأة وسأل بصوتٍ حزينٍ مفعمٍ بالأسى والغضب لما حلّ بتلك الأرواح البائسة، "وماذا عن أولئك الناس؟"
أدار غيلبرت رأسه بدهشةٍ طفيفة، وقد كان غارقًا في ذكريات ملك النهضة.
"همم؟"
كان تاليس يحدّق فيه بثبات، وقد هدأت انفعالاته.
"أفراد العائلة المالكة، النبلاء، الفرسان، والجنود… كانوا جميعًا أطرافًا في الحرب، لكن كان هناك أيضًا من عاشوا على تلك الأرض — المزارعون، والتجّار، والشيوخ، والأطفال." قال الفتى بنبرةٍ وادعة.
"كلّ أولئك الذين، بلا اختيارٍ منهم، جُرّوا إلى محرقة المعركة، لا يفرّق بينهم مولدٌ ولا منزلةٌ ولا عِرق.
أثناء الحرب، وحين غاصت الأرض في البحر، كانوا أبرياء أكثر من الكوارث، وأكثر من الإمبراطور والنبلاء وسواهم. ومع ذلك، كانوا هم الغاية الحقيقية من وجود الإمبراطورية. ألم ينجُ أحدٌ منهم؟"
ضيّق غيلبرت عينيه وهو يتأمّل تاليس كما لو كان يراه لأول مرة.
"أنت حقًا تشبه جدّك، يا سيدي الشاب، في تعاطفك مع عامة الناس." تنهد بأسى.
"قلبك رقيقٌ مليءٌ بالرحمة."
(تعاطف مع العامة؟! حتى في تعبيره هذا، لا يضع نفسه ضمنهم. أما الرحمة والطيبة؟) هزّ تاليس رأسه في نفسه بصمت.
لكن غيلبرت خفّض رأسه على الفور، وانعكست في عينيه كآبةٌ عميقة.
"لا، لم ينجُ أحد. جميع مواطني الإمبراطورية الأخيرة، من النبلاء إلى العامة، غرقوا في البحر.
لم يبقَ سوى تورموند وجيشه دليلًا على أنّ الإمبراطورية القديمة والأخيرة لم تكونا أسطورة، بل وُجِدتا حقًا."
خفض تاليس رأسه وأغمض عينيه، مطلقًا تنهيدةً خفيفة.
في تلك اللحظة، شدّ غيلبرت قبضتيه على كتفيه ببطء، وقال بوضوحٍ تامٍّ،
"وفي ذلك الزمن، كان الأمير تورموند الابن غير الشرعي، والأكثر كراهيةً في العائلة الملكية للإمبراطورية الأخيرة."
ارتعد جسد تاليس، والتفت بحدةٍ إلى غيلبرت، مذهولًا.
لقد فهم الآن لماذا أخبره غيلبرت بكلّ هذا.
"انسَ الألقاب، والأراضي، والثروات. لم يكن يمتلك حتى الحقّ في وراثة اسم عائلته. حتى لقب (الأمير) لم يكن سوى مجاملةٍ شكلية."
رمقه غيلبرت بنظرةٍ حادّةٍ وثابتة.
"مقارنةً بك، لم يكن يملك شيئًا يُذكر. وكانت الظروف التي أحاطت به أشدّ خطرًا مئة مرّةٍ مما أنت فيه الآن."
تأمّل تاليس غيلبرت في صمت، ثم نظر إلى صورة ذلك الابن غير الشرعي على الجدار، الذي أصبح ملكًا فيما بعد.
أبعد غيلبرت يديه عن كتفيه وهزّ رأسه قبل أن يتابع، "لقد انتصروا في معركة الإبادة. احتفل البشر والعالم المتمدّن أجمع بالنصر العظيم. وتغيّر ميزان القوى في العالم تغيّرًا كبيرًا.
في الشرق، حمل سينجيم، ملك الجبال، آمال أهل الشرق البعيد، وأقام سلالة الفجر والظلام بعد أن أطاح بالسلالة السابقة.
وفي الجنوب، رفع أمّا ميمو هانبول رايته، ناشرًا شهرة سلالة هانبول العظيمة بين جموع المؤمنين.
وفي الغرب، تُوّج البطل رايكارو إكستيدت ملكًا وسط صيحات الجماهير، ومنذ ذلك اليوم وُلدت مملكة إكستيدت القوية الفخورة.
لكن بالمقارنة مع كلّ ذلك…"
نظر غيلبرت إلى لوحة المعلّم كولفن بعينين مملوءتين بالوقار والأسى.
"فإنّ الإمبراطورية الأخيرة، التي ورثت مجد الإمبراطورية القديمة، فقدت أرضها وشعبها في ليلةٍ واحدة، ولم يبقَ منها سوى آخر نسلها."
“في ليلةٍ واحدة، أصبح الطفل غير الشرعي التافه سابقًا القائدَ الأعلى الوحيد المتبقي — للإمبراطورية التي مُحيت من الوجود.
لم يكن لدى تورموند أرضٌ، ولا شعب، ولا مؤن، ولا ثروات. باستثناء الفرسان الستة الذين معه، لم يكن يملك سوى جيشٍ من ألفي رجل. تقدّموا إلى الأراضي الأجنبية بخوفٍ ووجل، بآمالٍ مقطوعة ومستقبلٍ قاتم أمامهم.
كان تورموند، البالغ من العمر أربعةً وعشرين عامًا، يتنقّل بين القوى المختلفة والإقطاعيين، مستخدمًا كل وسيلةٍ ممكنة ليحصل على أدنى قدرٍ من العلف، أو أقل كميةٍ من المؤن، أو مكانٍ للمبيت، أو حتى دفعةٍ من الأسلحة — من التذلل والتوسل إلى الجدل المستند إلى المنطق، ومن الكلمات اللطيفة والمديح إلى الاحتيال والنهب. لقد ضمن بقاء أتباعه على قيد الحياة بشكلٍ مستقل، وحافظ على آخر ما تبقى من كرامة الإمبراطورية.
كل يوم، كان الأمير الوحيد تورموند يصارع وسط المعارك، والمؤامرات، والأحلام الطموحة، والسلطة، مجاهدًا للبقاء وسط أولئك الذين يسخرون منه، ويهزؤون به، ويستغلونه، ويكِنون له الحقد. وعندما بلغ السادسة والعشرين، كان شعر رأسه قد شاب بأكمله.
وضع غيلبرت يديه خلف ظهره، وامتلأت عيناه بإجلالٍ عميق.
“الأمير الأخير للإمبراطورية الأخيرة”.
هكذا كان الناس في كلا شبهَي الجزيرة يسخرون منه ويهزؤون به.
نظر تاليس مطولًا إلى الأمير الشجاع المتوهج دون أن ينطق بكلمة.
مضت عشر سنوات. تقلّص عدد المجموعة شيئًا فشيئًا، ومعه تقلّصت آمالهم. وأخيرًا، بعد معركةٍ مثقلةٍ بالخسائر والموت، احتضن الأتباع اليائسون جثث رفاقهم، وأحاطوا بالأمير تورموند المرهق، وسألوه وهم يذرفون الدموع.
“ما الغاية من مواصلة هذا القتال؟ لقد هلكت الإمبراطورية ولم تبقَ لها شبرُ أرض. نحن كالأشجار بلا جذور، رمادُ التاريخ، وسنفنى أخيرًا بلا أثر. لِمَ نقاتل بعد؟ لِمَ لا نستسلم فحسب؟!”
ارتعش تاليس قليلًا، ونظر إلى الأمير. كانت نظرة السلف قد تغيّرت.
“حين لا يبقى لك شيء، وكلُّ شيءٍ قد فنى، فلأي شيءٍ تقاتل؟”
نظر غيلبرت إلى تعبير تاليس وتنهد بأسى، لكنه سرعان ما اتخذ ملامح العزم والثبات.
"تاليس!"
للمرة الأولى خاطبه غيلبرت بصرامةٍ دون ألقاب.
"أنصت جيدًا إلى كلماتي التالية."
تحت مساء تلك الليلة، وبينما كان أتباعه يلومونه والدموعُ تنهمر من عينيه، خلع تورموند درعه البالي، وأطلق أعظم نذرٍ في حياته، مشيرًا إلى النجوم التي لا تُحصى في السماء!
في تلك اللحظة، رأى تاليس الحراس الواقفين على جانبي القاعة باحترام، رؤوسهم مرفوعة وصدورهم منتفخة. ارتفعت في القاعة الرحبة أصوات تصادم الدروع بعضها ببعض.
وبوجهٍ مهيب، تكلّم غيلبرت بصوتٍ مملوءٍ بالرهبة والاحترام:
“ستدوم الإمبراطورية ما دامت النجوم.”
اخذ تاليس نفسًا عميقًا.
“الإمبراطورية… ستبقى؟ ما دامت النجوم؟”
فكّر تاليس في معنى هذه الكلمات.
وما إن أنهى النبيل متوسط العمر حديثه، حتى بدأ جميع الجنود والحراس في القاعة بالسير ببطءٍ وثقل، وصدى خطواتهم يتردد في الأرجاء.
دَمدَمة!
ثم رفعوا قبضاتهم وضربوا الدرع الفضي الذهبي الذي يحمل نجمةً ذات تسع رؤوس!
طَنين!
وامتلأت القاعة الرحبة على الفور بصدى صافٍ واضح!
تجمّد تاليس، المذهول من التاريخ والغارق في شروده، حتى ارتد خطوةً إلى الوراء من الفزع.
"تاليس!"
قبل أن يتمكن من استيعاب الموقف، انحنى غيلبرت فجأة، وأمسك كتفي الصبي، ونظر في عينيه على مستواه.
"لا تستهِن بنفسك، ولا بدمك، ولا بالمعنى الكامن وراء مكانتك وسلالتك"
"إن وجودك، ووجود عائلة جيدستار، يجسّدان العصر الذهبي للبشرية. إنهما الدليل الأقوى على أنّ الإمبراطورية العظمى القديمة، الإمبراطورية الأخيرة البطولية، لا تزال قائمةً في هذا العالم!"
كانت عينا غيلبرت في تلك اللحظة متقدتين بالحماسة، ويداه ترتجفان بعنفٍ لسببٍ مجهول، مما جعل تاليس يشعر بالقلق.
واصل غيلبرت كلامه بصوتٍ جهوري، “في السابع والعشرين من سبتمبر، في السنة العاشرة من تقويم الإبادة — وُلدت الكوكبة."
"أشار الأمير تورموند إلى السماء ونذر قسمه بأن يغيّر اسم عائلته إلى «جيدستار»، ويصبح الملك المؤسس للكوكبة، تورموند الأول."
"وبعد عقود، أصبحت الكوكبة أقوى دولةٍ في شبه الجزيرة الغربية! عُرفت مع إكستيدت بـ"سيف شبه الجزيرة الغربية ودرعها".
"نهضت الإمبراطورية من رمادها، وباسم الكوكبة عادت إلى الوجود! أشرق مجدها من جديد، وتجدّدت عظمتها! ،وعندما تحدّث الناس عن تورموند جيدستار، لم يَعُد أحدٌ يذكر «الأمير الأخير». لقد عرفوه فقط باسم «ملك النهضة».”
ارتجّ شارب غيلبرت، وتألّقت عيناه ببريقٍ حاد كأن نارًا مشتعلة فيهما.
“لقد وُلد شعار عائلة جيدستار من تلك اللحظة!”
شعر تاليس ببعض الارتباك، رغم أنّ قصة تورموند هزّت أعماقه.
لكن حين نظر إلى غيلبرت المشتعل حماسةً أمامه، وجد صعوبةً في أن يقلد تلك المشاعر.
(هل وُجدت الكوكبة فقط من أجل إمبراطوريةٍ كانت موجودةً في الماضي؟ هناك شيءٌ خاطئ في هذا الدافع لتأسيس مملكة. شيءٌ بالتأكيد غير صائب.)
غزت قلب تاليس مشاعرُ تنافرٍ واضطراب. غير أنّه، عندما رأى أعين غيلبرت المتقدة بالتوقع، وسمع أنفاس الحراس وقد غدت أثقل وأقصر، لم يسعه إلا أن يعضّ على أسنانه ويهزّ رأسه بعمق.
قطّب تاليس جبينه وردّد معهم تلك العبارة.
“ستدوم الإمبراطورية… ما دامت… النجوم.”
في تلك اللحظة، دوّى في القاعة صوتٌ جميل لكنه غاضب، مفعمٌ بالتوبيخ: “كفى!”
استدار تاليس وغيلبرت في آنٍ واحد، لتقع أعينهما على جينيس بايجكوفيتش، وهي تنظر إلى التلميذ والمعلّم بنظرةٍ باردةٍ متجهمة.
وقالت ببرود، “حان وقت العشاء.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬