سليل المملكة الفصل 180 — سليل المملكة 180

اقرأ سليل المملكة الفصل 180 — سليل المملكة 180 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 180: طرق الباب

….

فتح تاليس عينيه ببطء.

أين كان؟

لم يكن هذا مهمًّا. ما يشعر به كان أهم.

بدت أفكاره وكأنها قد خضعت لبعض التغيّر؛ كأنها أصبحت مبعثرة، تتدفّق مثل نهرٍ خافت، وكأن حجابًا قد أُلقي فوقها.

وكأنه… لم يعد يهتم بأي شيء؟

(لِمَ يحدث هذا؟)

كان تاليس يعرف بشكلٍ مبهم ما الذي يجري له، لكنه لم يرغب في التخلص من هذا الشعور..

(أليس هذا حسنًا؟ كأني دخلتُ عالَمًا آخر.)

رفع تاليس نظره.

كان هناك الكثير من… المجالات الرمادية؟

نعم، رأى تاليس حصاة رمادية.

لا، ليست واحدة فقط.

كانت حصاة رمادية بين عددٍ لا يُحصى من الحصى.

(مذهل. هذه الحصى بعيدة جدًّا عن بعضها. مهما مرّ الزمن، فلن تستطيع الاقتراب من بعضها مقدار مليمتر واحد.)

(لكنها في الوقت نفسه قريبة جدًّا، أقرب إلى بعضها من معظم الأشياء في هذا العالم، حتى تكاد تكون شيئًا واحدًا. هل ستبقى هكذا لآلاف، أو ملايين، أو حتى مليارات السنين؟ قريبة… بعيدة… في آنٍ واحد.)

(أليس العالم مدهشًا؟ كيف يمكن لحصاتين ثابتتين أن تربطهما علاقة شيّقة ونابضة بالحياة كهذه. ماذا عن الأشياء الأخرى في العالم؟ هل بينها علاقات مماثلة؟ بلا شك.)

(لماذا لم ألاحظ كل هذا من قبل؟ لماذا لم أدرك روعة العالم؟)

(لعلّي كنتُ غبيًّا.) فكّر تاليس بهدوء.

رفع بصره ببطء. كانت الحصى تبتعد عنه أكثر فأكثر… أو ربما تقترب منه أكثر فأكثر؟

ومع ذلك، لم يكن هذا مهمًّا. الأهم أنّ المسافة بينه وبين هذه الحصى كانت تتغيّر. وفي كل لحظة تتغيّر فيها المسافة، تصبح الحصى شيئًا آخر. الأمر يسري في الاتجاهين: موضع الحصى بالنسبة إليه، وموضعه بالنسبة إلى الحصى.

تابع رفع نظره.

(آه، فهمت.) أدرك تاليس فجأة. (هذه الحصى تشكل سطح بلاطة أرضية. سطحًا خشنًا غير مستوٍ. يا لها من تركيبة مذهلة.)

(على الرغم من أنها مجرد حصى، فقد أصبحت شيئًا آخر بسبب مواضعها والمسافة الخاصة بينها.)

(شيئًا يُسمّى "سطح البلاطة". تمامًا مثل البشر. من دون مواضعهم والمسافة بينهم، كل شخص كيان مستقل.)

(لكن حين تتغيّر مواقعهم أو المسافة بينهم… وحين يقفون معًا في بُعدٍ واحد، ومساحة واحدة، ومجتمع واحد… يصبحون شيئًا آخر. شيئًا يُسمّى "حشودًا".)

(انتظر.) قال صوت خافت في وعيه. (ربما يمكن عكس هذا. مواضعهم والمسافة بينهم تتحدّد أصلًا بسبب وجودهم الفردي.)

(ولِمَ أعرف كل هذا؟ لا بأس. لا يهم. المهم… أنّ هذا مثير للاهتمام. سأواصل النظر.)

رأى تاليس ذلك. (هذه البلاطة الرمادية السوداء ثُمانية الأضلاع، وهي متّصلة بعدة بلاطات أخرى من الشكل نفسه.)

(لقد وضعها البشر، أليس كذلك؟ لهذا السبب كانت المسافة بينها غير متناسقة.)

(أو ربما، الشخص الذي رصّ هذه البلاطات يظن أنه وضعها بانتظام كبير، لأن البشر لا يدركون جمال التناسق الحقيقي؟)

(أو لعلّ هذا هو ما يعدّونه "منتظمًا". فحين تنظر إليها من بعيد، تبدو الأرض المتكوّنة منها مستوية جدًّا.)

رفع تاليس نظره.

كان يعرف أنّ هذا "نهار"… لأن ظاهرة "النهار" تُعرَّف وفق موقع الشمس بالنسبة إلى الأرض.

كانت شمس الظهيرة، وأشعتها تتعامد على الأرض بزاوية قائمة كاملة.

وكان أمام تاليس منزلٌ فخم، غريب الطراز، غريبًا عليه. كانت أفاريزه مقوّسة نحو الأعلى عند أركانها الأربعة، وبابه الأمامي من خشب العود السميك، ونوافذه من زجاج ملوّن و"قطرات الكريستال". وكان هناك أناس بشعرٍ أسود وعيون سوداء، يرتدون أثوابًا طويلة منسدلة، يدخلون ويخرجون من المنزل.

جميعهم كانوا قلقين.

(لِمَ هم قلقون؟)

خطر شيءٌ في ذهن تاليس، فعرف السبب.

كانت هناك شابةٌ سوداء الشعر سوداء العينين داخل المنزل. تصرخ من الألم وسط بركة من الدم، تحيط بها مجموعة من النساء.

كان أسفل بطنها منتفخًا—كانت في المخاض.

لم يكن عليهم القلق. رأى تاليس الكائن الحي داخل بطنها قويًّا مليئًا بالطاقة، يحرّك أطرافه بلا توقف.

(ستلد بسهولة.)

وفي الخارج، كان رجلٌ يبدو كزوجها، أنيقًا حسن المظهر، يُمسَك خارج البيت من قِبل مجموعة من الرجال. بدا أنه في حالٍ مزرية.

(أرى.) فكّر تاليس. (الداخل والخارج منفصلةن عن بعضهما.)

(لذلك الداخل مليء بالقلق والجدية، والخارج ممتلئ بالعذاب والقلق. لو أنّ كلًّا منهم رأى حال الآخر…)

(أو… رأى تلك الطفلة في رحم المرأة… لربما لم يكونوا بحاجة إلى أن يكونوا قلقين، خائفين، أو معذّبين؟)

بعد قليل، توقّفت المرأة عن صراخها المؤلم. وهدأ ارتجاف جسدها ببطء.

وبينما انطلق بكاء خافت، خرجت طفلة ملوّثة بالدم.

وما إن وصل الخبر، حتى اخترق الرجل الحواجز واندفع إلى الداخل.

راكعًا ومرتعشًا، أمسك بيد زوجته، يواسيها بقلق بلغة لم يفهمها تاليس. وكانت المرأة تبتسم.

وأخيرًا، ناوله أحدهم الطفلة باحترام. كانت الطفلة مغمضة العينين بإحكام.

أخذها الرجل وهو يرتجف.

(يا للهول…)

راقب تاليس المشهد، فنظر إلى الرجل الأسود الشعر والعيون المتحمّس، ثم إلى المرأة السوداء التي بدا عليها الارتياح.

شعر بالرغبة في الضحك.

(ماذا سيفعلون لو عرفوا الحقيقة؟)

فتحت الطفلة عينيها ببطء ونظرت إلى أول شخص في حياتها.

وحين رآها الرجل بوضوح، ارتجف.

رفع رأسه بصدمة، ونظر إلى من حوله في ذعر. وتكلّم بلغة لم يفهمها تاليس، لكنه بدا عاجزًا تمامًا.

تقدّم شخصٌ بوجهٍ متجهّم. وما إن نظر إلى الطفلة، حتى تجمّد في مكانه.

وانفجر المنزل في ضجّة.

تعالى صراخ المرأة المذعورة، وبكاء الطفلة، وتهدئة الخادمات القلقة، وهدير الرجل الغاضب، واحدًا تلو الآخر.

"هاهاها…" انفجر تاليس بالضحك وهو يشاهد.

نظر إلى عيني الطفلة الزرقاوين اللامعتين الصافيتين، المختلفتين تمامًا عن عيني "أبيها" وأمها السوداوين.

(لم يخطر بباله قط أن ابنة زوجته قد لا تكون ابنته. مضحك.)

كفّ تاليس عن المشاهدة. وبدأت أفكاره تتدفّق كآلة.

(لو استطاع الرجل أن يرى قبل أشهر أن "ابنته" تملك عينين زرقاوين لا يمكن أن ترثهما عنه…)

(لا، ليس هذا فقط. بشرة الطفلة فاتحة بوضوح، وشعرها مموج، وجسر أنفها مرتفع قليلًا. كل هذا كان واضحًا حتى قبل ولادتها. للأسف، لم يكن الرجل يعلم.)

(لو كان يعلم… هل كان سيختبر هذا الإحباط، والألم، والغضب، بعد كل هذا الانتظار والقلق والترقّب؟)

(لا.)

(لن يمرّ بهذا كله. لكن الرجل لا يستطيع أن يرى عبر بطن زوجته، ولا أن يرى خيانتها. ولهذا كُتِب عليه أن يمرّ بهذه المعاناة.)

(رؤيته ضيّقة، ومعرفته محدودة. هذا ثمن الغباء والجهل.)

(مؤسف… لكنه أيضًا مضحك.)

شعر تاليس بالملل. فأدار رأسه.

(همم؟ هذا غير صحيح.)

كان يتوقع رؤية داخل المنزل. لكن… ماذا رأى بدلًا من ذلك؟

شمس الصباح… و…

أسود تتخلّله لمحات من الأبيض؟

لا.

الأسود لون الماء.

والأبيض رغوته وانعكاسات الضوء على سطحه.

كان ينظر إلى محيط تحت شمس الصباح. بحر لا نهاية له.

(لا نهاية؟ لا. إنه ضيّق. هذا البحر… من طرفٍ إلى آخر… صغير جدًّا.)

كان هناك جزيرة صغيرة في أحد الجوانب، وشاطئ طويل ضيق في الجانب الآخر. وكان البحر واسعًا إلى حد بعيد، يكاد يبدو بلا حدود.

وخاصةً من منظور ذلك المركب الطويل الضيق، يبحر كقارب صغير فوق الماء.

حدّق تاليس بهدوء في العلم المرفرف على السفينة.

كانت صورة طائر نورس أبيض يحمل مرساة في منقاره.

(مثير. النورس والمرساة. السماء وقاع البحر.)

(وكأن بينهما مسافة بعيدة لا تُدرَك… ومع ذلك، هما قريبان جدًّا.)

كان البحّارة على السفينة يقومون بمهامهم بإخلاص.

كان شاب بلا لحية، أنيق المظهر، يحمل هيئة مهذّبة، يقف بجوار الدفّة. بدا غريبًا بين البحّارة الخشنين الملطّخين بالعرق والأوساخ. كان يتحدث مع الملاح العابس، وعيناه تلمعان وهو يحدّق في المياه.

هذه المرة، استطاع تاليس فهم كلامه.

"صدقني، ما حدث لنا من سوءٍ كان مجرد اختبار من إيرول… لقد تجاوزنا الدوامة السوداء. ووفقًا لخرائط الملاحة التي ورثتها من أجدادي، سنجد قريبًا…"

ولكن الرجل كان يتحدث باللغة المشتركة بلكنة غريبة. كانت نبرة صوته وإيقاعه صعودًا وهبوطًا واضحة جدًا. لم تكن كلكنة أهل الشمال الخشنة القصيرة القوية، ولا كنبرة الكوكبة الصافية الدقيقة.

(يبدو أن الشاب ذو مكانة. هل هو القبطان، أم هو من استأجر السفينة؟)

ابتسم تاليس. (للأسف… ما إن يدير رأسه، فسيرى الاحتقار والازدراء في عيون البحّارة.)

"لماذا يصدق الرئيس هذا الصبي؟ سمعتُ أنه ليس نبيلًا، بل واحد من عصابة فاليير؟" قال أحد البحّارة بصوت خافت لبحّار عجوز يلفّ حبلًا. "حتى إن الرئيس استمع له وخاطر بالإبحار إلى هذا… المكان."

الشيخ ألقى نظرة حادّة نحو الشاب. "بالطبع إنه من العصابة. لكن أحد أجداده قبل أجيال كان قد انتُخب للمقعد السادس والثلاثين في البرلمان. وذلك الجد كان مدينًا للرئيس بمبلغ ضخم. ولسببٍ ما، بدلاً من معاقبته، غادر الرئيس مدينة اليشم الكريستالي فورًا وأبحر إلى هذا المكان الملعون. ولم يرد حتى الذهاب إلى جزيرة الخضرة الدائمة، التي كانت جزءًا من الرحلة."

"عقدَ البحّارُ الأول حاجبَيه."

"عينُ الإبادة… هل هي حقًا مكانٌ منحوس إلى هذا الحد؟ الجميع يبدون في غاية الانزعاج."

"طبعًا، فكّر في الأمر." تفلَ البحّارُ العجوز، وبدَت ملامحه كريهة.

"الإمبراطورية الأخيرة دُفنت في قاع البحر تحت أقدامنا. لا يعلم أحد ما مدى العمق. ملايين من مواطني الإمبراطورية تحلّلت عظامهم بماءِ البحر، ومزّقتهم الأسماك…"

"وتقول الأسطورة إن أرواحهم الضائعة لم تنل الراحة طيلة ست مئة عام، وهي ممتلئة بالحقدِ والألم… وكل سنة يقع هنا أمرٌ غريب. شيء غريب… وغريب للغاية…"

لم يكن الشابّ قادرًا على رؤية ما يجري خلف ظهره.

وحتى حين يلتفت، كان البحّارة يخفون مشاعرهم ويواصلون أعمالهم ورؤوسهم منحنية. لذا، لم يكن ليدرك مكانته الحقيقية على متن السفينة.

(لِمَ هو غبيّ إلى هذه الدرجة؟ ألا يدرك أن قلب الموجّه الذي يقف بجواره يخفق أسرع؟ وأن دمَه يتدفّق بعجلة، ويزداد اضطرابًا؟ لِمَ يواصل الثرثرة؟)

(لا يدرك كيف تنكمش حدقات معظم مَن على السفينة حين يرونه، وكيف تفور منهم الكراهية والاشمئزاز.)

(لا يعلم أن أحد الأخشاب تحت السفينة لم يعد يحتمل وزنًا إضافيًا، وقد يقذفه موجٌ عاتٍ في أية لحظة.)

(ألا يعلم؟ بالطبع…) تابع تاليس ضاحكًا. (… كما أنّ أحدًا على السفينة لا يرى أنّ داخل الضباب على بضعة آلاف من الأمتار، سفينةً حربية مشوّهة، ترفع على رايتها ببغاءً بلون الدم، تقترب منهم مباشرة.)

في صخب النشوة والخمر والدم، فتح القراصنة أفواههم النتنة وهم يحصون غنائم الأيام الماضية. ولم يتردّدوا في العبث بالأسرى، وخاصة النساء.

وأعلن زعيم القراصنة بحماس أنهم سيعودون إلى الميناء بعد أن ينهبوا سفينة أخرى واحدة فقط.

كانت الشفرات والسيوف المصقولة، والنشاب والأقواس والسهام، جاهزة تنتظر في مستودع القراصنة.

(ذاك الشاب، وتلك السفينة… لِمَ هم حمقى إلى هذا الحد؟)

(لِمَ يواصلون الإبحار إلى الأمام؟ أمرٌ بهذه البساطة والوضوح… كيف لا يدركونه؟)

(مع أنهم يعيشون في عالم عجيب، إلا أنهم لا يشعرون بأيٍّ ممّا يحدث حولهم.)

(يا للأسف؛ ويا لسخفهم.)

تملّك تاليس ضيقٌ لا يمكن كبحه. فأدار رأسه من جديد.

"أه؟" رأى حبّة رملٍ تحت ضوء القمر. "الرمل… صُنعٌ مدهش."

(أجسادٌ لا تُحصى من النوع نفسه، تتكدّس بلا نهاية، وتصنع صحراء كاملة بمجرد مواقعها المتناسقة والعجيبة بعضها مع بعض.)

(هكذا تفرك حبّات الرمل بعضها، وتضغط، وتنبسط؛ ترفض وتتنافر.)

نظر تاليس إلى كلّ حبّة رمل في الصحراء، وتعجّب في داخله. (وتشكّل صحراء لا تقل روعة.)

ثم أدار رأسه مرة أخرى…

…فرأى ورقةً في الظلام.

لكنّه كان قد تمرّس في مثل هذا السلوك.

(ليست مجرد ورقة… إنما غابة. غابة مظلمة تحت السماء الليلية.)

وكانت أزواجٌ من العيون اللامعة تشعّ بين الأشجار بغير وضوح. وكانت تلك الحيوانات لا تُعد ولا تُحصى، منها المفترس، ومنها الفريسة.

(ومع ذلك… فكم هم بائسون.) همس تاليس ساخرًا في قلبه.

كان غريرٌ منهمكًا بسعادة في نبش عشّ نملٍ قرب الطين الرطب. وكان في المستعمرة خنفساء ضخمة، ما أثار شهية الغرير الجائع. غير أنه لم يعلم أن أحد شركائه في التزاوج، على بُعد مئات الأمتار، صار فريسةً لذئبٍ وحيد.

أما الذئب العجوز الذي اصطاد الغرير، فكان يحتفل بصيده. لكنه لم يكن يعلم أن ذئبًا آخر كان من قطيعه ذات يوم، صار فريسةً لِنَمِرٍ انقضّ عليه من شجرة. ولم يكن النمر يعلم أن جروا أنجبه قبل ست سنوات، كان يحتضر الآن تحت حافر وحيد قرنٍ غاضب.

أما ذلك الوحش الضخم، فلم يكن يعلم أن مجموعة من البشر المدججين بالسلاح كانوا يقشّرون جلد أحد أقاربه، ويُبقون العظام واللحم، في مكان أعلى النهر.

ولم يكن أولئك البشر يعلمون أن مئات العيون البنفسجية تتربّص بهم في الغابة الكثيفة خلفهم. وأن تلك المخلوقات تُطلق سهامها بصمتٍ في الظلام.

ولعلّ تلك الكائنات ذات الأعين البنفسجية والآذان الحادّة لم يخطر ببالها أن أحد أفرادها في نقطة مراقبةٍ قريبة صار وجهاً لوجه مع مخلوق آخر من نوعها، لكنه ذو بشرة فاتحة اللون. كانا يتواجهان منجل مقابل سيف رفيع. وفي اللحظة الأخيرة، غرس الكائن ذو البشرة الفاتحة النصل في صدر خصمه.

وبصق الكائن المنتصر بازدراء، وغادر غير مكترث، تاركًا الجثة المتفاجئة لتتعفّن، وتكون طعامًا لمستعمرة نمل بجانبه.

وكانت تلك المستعمرة قد هاجرت حديثًا. مذعورةً، طُردت من موطنها في معركةٍ ماضية. غير أنها كانت ستسعد لو علمت أن أعداءها القدامى الذين طردوها، قد أُبيدوا تمامًا على يد غريرٍ لعوب، بعدما جلب النملُ جثة خنفساء مسنّة.

راقب تاليس بصمت هذه السلسلة الغذائية الذي تملي مصائر كل شيء هنا.

(ألا تعي هذه المخلوقات كل هذا؟ إنه أمرٌ مُدهش، لكنه محزن.)

وهنا، شعر تاليس فجأة بدفء غريب يغمره… في أنحاء جسده… لحظة، جسده؟

أدرك تاليس فجأة مشكلة: أين جسده؟

ثم انساب شعورٌ رائع إلى كلّ حاسة من حواسه. وظهر أمامه مناظر عدة في آنٍ واحد، تتعاقب كمياهٍ جارية… أفاريز غريبة… سفن تمخر البحر… صحارى صامتة تحت ضوء القمر…

وغابة تنبض بالحياة.

راقب تاليس كل هذا بكل تركيز.

(مثير… ممتع… بديع.)

ثم ظهرت المزيد من المشاهد. نهر جليدي وسط عاصفة ثلجية، قلعة على جرف بحري، أرض رطبة دافئة، سهول تحت شمس الغروب، سهل واسع في المساء، قلعة ليليّة، سطح محيط يعكس القمر…

سرعان ما شعر تاليس بأن العالم أمامه يزداد وضوحًا… وغرابة…

وازداد هو نشوةً وامتلاءً. كان كلّ شيء في العالم أمامه، يراه ويسمعه بجلاء.

لا. بل أكثر من ذلك.

كان يعرف كل شيء.

كأنه واقفٌ في الأماكن كلّها حيث تجري الأحداث. حاضرٌ في كل شيء.

بل… هو كل شيء!

ازداد تاليس فرحًا.

وأحبّ هذا الإحساس أشدّ الحب. أراد المزيد.

المزيد!

أن يرى أكثر، ويعرف أكثر، ويَحوز أكثر.

المزيد!

وأخذت المشاهد تتتابع أسرع فأسرع، أشدّ فأشد، أقصر فأقصر.

وفجأة—

بوووم*!*

كأنّ صاعقة هائلة انفجرت قرب أذنيه.

أظلمت رؤيته لحظة. ولم تعد المشاهد تتبدل. بل تجمّد كل شيء أمامه إلى الأبد.

وكأنه يشاهد آلاف الأفلام دفعةً واحدة—وتعرض كلها كل ما في العالم—وكأنه قائم في كل ركن من أركان العالم في الوقت ذاته.

لا، بل أكثر.

شعر تاليس بأن حواسه كلها تُضغط بقوة. ثم في اللحظة التالية…

شعر برجّة عنيفة!

ودوّى صوتٌ كئيب في وعيه الفارغ—كأنّ وعيه اصطدم بشيء.

**بانغ!**

ذلك الصوت… كأنه أحدهم يطرق بابًا.

*بانغ!*

ارتجّ وعيه من جديد.

*بانغ!*

دوى الصوت لثالث مرة. وارتجف تاليس قليلًا.

ومع مرور الوقت، أحسّ بأن كل ما حوله يتحرّك. وفي تلك اللحظة، كان كأن بابًا قد فُتح.

ودخل إلى عالمٍ جديد.

في هذا العالم، استطاعت حواسه أن تلمس كل شيء بوضوحٍ لا يُضاهى.

من أصغر حبّة، إلى أعمق نقطة في الأرض، إلى البحر الممتد، والسماء الفسيحة. لم يكن فقط يرى كل شيء… بل كأنه هو العالم في آنٍ واحد.

لكن حادثًا وقع في الوقت نفسه.

أصبح واعيًا لموجةٍ من الوخز تخدش بشرته. اهتز تاليس قليلًا وارتبك.

(ما الذي يحدث؟)

وكأنّ وعيه صعد فجأة إلى حيّزٍ مظلمٍ ساكن.

وبمجرد دخوله، أحس بشيء غريب… كأنه غريزة.

نعم.

كأنه هناك مَن يتجسّس عليه.

لم يعرف كيف علم، لكن غريزته أخبرته أن خلف ظلمة هذا الحيّز، أزواجًا لا تُعدّ من العيون تراقبه بنظرات غريبة. فرفع تاليس بصره بغير وعي، محاولًا اختراق الظلام.

وبمجرد أن فكّر في رؤية ما وراء الظلام، أحس فجأة بأقرب كيانٍ إليه.

كان كرةً من الضوء. كرة بلا لون.

*بانغ!*

طرقةٌ قوية أخرى.

كانت كرة الضوء التي ظهرت في الظلام ضبابية مشوّشة، كأنها لا تُمسّ. وقبل أن يفهم تاليس شيئًا، تحركت الكرة قليلًا.

ثم دوى صوتٌ عديم الحياة بجوار أذنيه:

"وقِح."

اهتزّ مجال رؤية تاليس.

(ماذا؟ هذه الكرة… واعية؟)

"أه؟" سأل نورٌ بلا لون، وكانت نبرته فاسدة بلا مشاعر. "لم أرَك من قبل. ما هو اسمك الأصل؟"

(اسم الأصل؟ الصوفية… الطاقة الصوفية… التصريح الأول بين الصوفيين…)

استعاد تاليس كلمات مألوفة من ذاكرة بدت له وكأنها تفصله عنها حجاب.

فارتج جسده كله قبل أن يغوص في أي تفكير. وبعكس توقعه، أخذت كرة الضوء تبتعد عنه أكثر فأكثر.

"هيه!"

وتلاشى الصوت البارد كأنه ينادي من البعيد:

"مَن أنت؟"

لم يبالِ تاليس. شعر بأن وعيه يتلاشى.

*بانغ!*

اهتزّت رؤيته مجددًا.

وواجه كومة من الحطام الرمادي المعدني… اللامع؟

على خلاف كرة الضوء، بدا هذا الحطام بلا حياة ولا وعي. لكن بينما هو محتارٌ من أمره…

ظهر ضبابٌ بنيّ أمامه.

وأعطاه الضباب الشعور نفسه الذي بثّه الحطام: لا حياة، ولا صوت.

وبمجرد أن خطرت الفكرة في بملك، ابتعد الحطام والضباب ببطء.

*بانغ!*

طرقة أخرى. وكان تاليس قد بدأ يعتاد عليها.

ثم ظهر شعاعٌ أخضر أمامه. لكنه شعاعٌ حيّ. كان يتغيّر شكله من دائري، إلى مربع، إلى أسطواني، إلى مستطيل.

"يا للهول!" جاء صوتٌ لطيف لكنه وقح من الشعاع الأخضر، خفيفًا كالهواء. "أيّ أحمق هذا؟ هل أنت متخلف؟ لماذا تطرق الباب؟"

"الرئيس فريولاند؟ الصغير الأحمق آسدا؟ الشبح العجوز زاركل؟ الشرس كيري؟ التلميذ الظريف إل؟ أم صاحبة الصدر المسطح جيزا؟"

(هذه الأسماء… أعرفها؟)

لمعت أسئلة في ذهن تاليس.

(هذا هو…؟ أين أنا؟ ماذا أفعل؟ لماذا… لا أتذكر شيئًا؟)

"هيه، هيه." واصل الصوت الأخضر ضحكه. "لا تقل لي أنك تاوروس، العملاق الأسطوري!"

ولمجرد أن فكّر تاليس بهذه الأسئلة، اضطرب تفكيره فجأة. وفي دوامة الارتباك, اختفى الضوء الأخضر.

"هاه… لماذا ذهبت؟ لا تقل لي أنك حقًا تاوروس…"

وبقي صوته يتلاشى من بعيد:

"لا ترحل… أنت قدوتي… على الأقل أعطني توقيعك…"

وبعد طرقتين أخريين، ظهر كيانان غريبان بلا صوت: جدار فضي من الضوء، ومكعبٌ ذهبي.

وبينما تاليس ضائعٌ مذهول، بزغ ضوءٌ بنفسجي باهت أمامه.

كان هذا الضوء يلمع بخفة، لكنه بدا حادًا، حتى إن تاليس عجز عن النظر مباشرة إليه. وكان ردّه بسيطًا.

"ارحل!" بدا كائنًا سيّئ الطباع.

"اختفِ!" صرخ الصوت الحاد، ثم تلاشى الضوء البنفسجي.

تجمّد تاليس، وترددت في وعيه اللامتناهي تساؤلات:

(ما الذي يجري؟)

وفي اللحظة التالية—

*بانغ!*

وبعد طرقة أخرى، وقف تاليس أمام هيئة بشرية متلألئة.

(هيئة بشرية؟) كانت تتوهج بضوءٍ أزرق مألوف. (واحدة أخرى؟

وهذا الإحساس… كأني أتدفّق بلا توقف… وفي الوقت ذاته موجود في كل مكان؟)

وانطلق صوت مألوف من تلك الهيئة ببطء:

"توقف عن طرق الباب… تاليس."

خطف خاطر ذهن تاليس: (يعرفني؟ هذا الصوت… أعرفه…)

"كلنا شعرنا بوجودك."

(كلهم؟ وجودي؟ أنا؟)

وفي تلك اللحظة، بدا وكأن الذكريات تعود إلى تاليس دفعة واحدة.

وخطَرَ له خاطر آخر.

"انتظر، أنت…" نظر تاليس إلى الهيئة المتلألئة محاولًا التركيز. وبرز اسمٌ غامض وسط ضباب ذهنه:

"أنت… آسدا؟"

وتلألأ الضوء الأزرق قليلًا. فأيقن تاليس حدسه.

"أنا عالق تحت الأرض. لا أعرف ماذا حدث لك، ولماذا تقدر على طرق الباب مباشرة…"

جاء صوت آسدا، صوفي الهواء، هادئًا ومتماسكًا بلا انفعال، "لكن هذا خطير للغاية. يجب أن تغادر هيئتك الأساسية حالًا."

ارتبك تاليس. "ماذا؟"

لكن "آسدا" لم يُجبه. بل أردف بقلق، "اسمع جيدًا! لقد شعروا بك أيضًا. وسيأتون إليك حتمًا! قبل أن تُختم بالكامل… اهرب الآن!"

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬