▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 174: حقيقة 'الإقصاء'
…
مدينة سحب التنين، عند ملتقى منطقة درع الجسد ومنطقة الدرع.
كانت العويلات العاتية تتصاعد من منطقة الدرع، يصحبها اهتزاز خافت لا يكاد يُدرَك.
"ينبغي أن نتفرّق مع أولئك السكان."
وقفت سيّافة شامخة سوداء الشعر على أحد الطرق، ترتدي درعًا خفيفًا وقفّازين سميكين أسودين. وبحاجبين معقودين، حملقت في الشخص الطويل الماثل أمامها. "ليس من واجبنا أن نتدخّل في أمور لا تعنينا، ولا من شيمنا أن نجلب المتاعب لأنفسنا."
غير أنّ ذلك الشخص لم يعر كلماتها أدنى التفات. كان يحدّق من بعيد نحو منطقة الدرع، يتفحّص ذلك الوحش الضخم، الشره، المتفرّد، ذي اللّون الدموي من أعلى إلى أسفل.
"أهذا هو السبب الذي جعل رافاييل يطلب منّا الرحيل؟" عضّ كوهين شفته، وقد بدا عليه القلق؛ كان يعقد حاجبيه ويفكّهما بلا انقطاع. "أهذا ما يفعله قسم الاستخبارات السرّي في المملكة؟
أسمعتِ ما كان يقوله السكان؟ هذا المخلوق هو كيليكا، الهيدرا الأسطورية."
كان كوهين يقبض كفّيه بقوة، وعيناه تلمعان بالاستياء. "إنّه واحد من تلك الكوارث… من أولئك الصوفيين… أسطورةٌ لم نقرأ عنها إلا في سجلات العائلة وأرشيفها."
(رافاييل…)
وأخذ كوهين يحدّق في منطقة الدرع المهدّمة إلى حدّ بعيد، يتسارع نَفَسه.
(أهذا من صنيعك؟
أكنت تخطّط لهذا؟)
وبحاجبين معقودين، نظرت ميراندا إلى رفيقها بنظرة معقّدة.
"لم يُخلِ رجال الانضباط المنطقة عبثًا"
"وليس هذا أمرًا ينبغي أن يقلقك."
"مدينة سحب التنين تملك بلا شك المعرفة لمقارعة الكوارث." وحين رأت الهيدرا تمدّ مجددًا مِجسًّا عملاقًا آخر، تنفّست الصعداء، وهزّت رأسها. "ثمّ، مهما كان ما فعله رافاييل أو يوشك أن يفعله، فليس لنا أن نتدخّل فيه."
ظلّ كوهين يحدّق في الهيدرا. كان شعره الأشقر معلّقًا بالثلج، لكنه لم ينتبه إليه البتّة.
"تلك منطقة الدرع، ورجل الحزام الجلدي الكبير يعيش هناك. وقد جلسنا في بيته الصغير قبل قليل.
ذلك الرجل الذي قاتل الأورك مع حرس الجليد، أتذكرينه؟"
وتحت صدى الدمار، اكتست عينا كوهين بحزن شديد. "هو وابنته."
لم تنطق ميراندا كلمة. كلّ ما فعلته أنها خفّضت بصرها قليلًا.
وبعد حين طويل، همست قائلة: "لا شيء بوسعنا فعله."
ساد الصمت على كوهين.
وازداد الارتجاف قوّة مع احتدام حركة كيليكا الهيدرا.
"أتعرفين ما هو الأمر الأكثر سخرية؟"
وبعد ثوانٍ، قال كوهين بملامح خاوية: "في اليوم الذي… نحن… أنا وأنتِ ورافاييل أصبحنا فيه (بذورًا)، وقف المعلّم شاو فوق تمثال الفارس العملاق وخاطبنا…"
وعند سماع ذلك، أمسكت ميراندا مقبض سيفها لا إراديًا.
"إن مهمة برج الإبادة هي صون آخر شرارة خالصة وقوية من أجل البشرية." قال كوهين بهدوء فيما الهيدرا تعيث الخراب في البعيد. "أن نورّث قوى الإبادة، ومعها روحية أسلافنا ورسالتهم."
وامتلأت نظرات كوهين بمشاعر متشابكة.
"وأن نظلّ دائمًا على يقظة واستعداد."
فحين تعود تلك المخلوقات، ستُستَلّ سيوف الإبادة من أغمادها مجددًا."
رفعت ميراندا رأسها. وهي تحدّق في الهيدرا المفزعة، عضّت أسنانها بخفوت.
"بغضّ النظر عن العِرق، أو منشأ المملكة، أو الخلافة، سنُحيي رسالة أسلافنا، ونستعيد مجد (صائدي الكوارث).
وفي أحلك أيام آخر لحظات البشرية، على أشدّ ساحات القتال جحيمًا؛ مدجّجين بالسيوف والرجاء، سنقاتل لا نبالي بالموت.
وسنهجم على الكوارث التي تكاد لا تُقهَر.
هذه هي مهمة برج الإبادة الأولى والأخيرة.
وكبذرة يحمل عليها آمالًا عظيمة، رافاييل…" وتنهد كوهين. "لقد جلب كارثة—"
"كفّ عن هذه الظنون السخيفة التي لا سند لها." قطعت ميراندا كلامه ببرودة. "نحن لا نعرف مطلقًا ما فعله رافاييل وقسم الاستخبارات السرّي… ولعلّ قسم الاستخبارات له غايات سياسية أهم. ربما لو لم يفعلوا هذا لظهرت الهيدرا في مدينة النجم الأبدي بدلًا من مدينة سحب التنين."
تهكّم كوهين.
"سياسة؟" هزّ الضابط الأشقر رأسه بخيبة.
"برج الإبادة ينقل المهارات لأجل حماية البشرية. إنه يسمو على السياسة. وهذا أنبل ما فيه… ومهما ساءت علاقة البرج بالكوكبة، فإنه لم يرفض يومًا طلابًا من الكوكبة."
"لكنّنا أخذنا هذا الإرث المشترك للبشرية، الممتدّ عبر أكثر من ألف عام، وجعلناه أداةً لاقتتال بعضنا بعضًا." خفّض كوهين رأسه، وصوته متعمّق ثقيل. "كم من سيّافٍ من سيوف الإبادة قضى أمام الكوارث وهو يحمي البشرية؟ وعلى الجانب الآخر، كم منهم قُتل بأساليب السيف وقوى الإبادة التي ورثناها من البرج ذاته؟"
لم تتغيّر ملامح ميراندا، لكن نبرتها تلوّنت بالحرج قليلًا. "ليس كل تلميذ قادرًا على الإفلات من قيود السياسة.
وليس كل تلميذ يشاطر برج الإبادة تطلعاته وغاياته."
"لكن… رافاييل؟" زفر كوهين زفرة عالية. "بقدراته… كان ينبغي أن يكون هو من يسمو فوق كل هذا، لا نحن."
ظلت ميراندا تحدّق فيه في صمت.
وبعد لحظات، خفّ عبوس السيّافة، وبدلًا منه ارتسمت ضحكة خافتة.
"كوهين." قالت وهي تنظر إليه، وما إن التفت نحوها حتى ابتسمت. "أخبرك أحدٌ من قبل…
أنك ربما لست مهيّأ لتكون سيّدًا إقطاعيًا، ولا حتى نبيلًا؟" قالت السيّافة بابتسامة ذات مغزى وعمق. "وارث تل والا، الرحيم، الحالِم."
تجمّد كوهين عند سماع ذلك. وبُهِت وهو يحدّق في ميراندا.
ثم التفت يحملق في السقف تحت قدميه.
وخيّم على عينيه مسحة من القفر والوحدة.
غرق في الصمت طويلًا.
وأخيرًا قال الضابط في خفوت: "أعلم.
منذ اليوم الأول الذي كبرت فيه وصرت أفهم هذه الأمور…
أدركت أنه لا سبيل لأن أصبح سيّدًا صالحًا." وبرغم سكون صوته، هوت تلك الكلمات على قلب ميراندا بثقلٍ لا تدري سببه.
"لا سبيل."
ولم تقل ميراندا شيئًا.
في تلك اللحظة، رفعا رأسهما كأنهما قد استشعرا أمرًا ما.
وفي اللحظة التالية، قفزا من السطح بيقظة. وبسرعة وخفّة، اختبآ خلف جدار.
بعد دقيقة، اندفع شخصان عبر الشارع الذي تمّ إخلاؤه مسبقًا.
كانت إحدى خطواتهما غريبة وخفيفة، كأن صاحبها يركض وقد أبقى قدميه ملتصقتين بالأرض. أمّا الخطوات الأخرى فكانت أكثر انتظامًا وثباتًا.
(من حركاتهما… لا يبدوان من الضعفاء)، فكّرت ميراندا وهي مختبئة في الظلام.
(لكن يبدو أنّ كليهما مصاب، فحركاتهما غير مستقرة.)
"أعتقد أنّ علينا أن نبحث عنه في منطقة الدرع… رغم أنّ ذلك الشيء هناك…" بدا أحد الصوتين شابًا نافد الصبر، شديد الاستياء من مرافقه. "ألا يمكنك أن تقول شيئًا… أوه، حسنًا، نسيت… ولكن، ألا يمكنك أن تُظهر أي ردّة فعل… يا للهول، لا تقم بتلك الإشارات التي لا أفهمها!"
(مهلًا.)
وحين رأت ميراندا ملامحهما بوضوح، تجمّدت.
وفي اللحظة التالية، نهضت فجأة، ما أثار دهشة كوهين، وغادرت مخبأها لتوقف الرجلين!
وعلى الفور، توقّف الضيفان غير المرغوب بهما عن الركض واتخذا وضعية قتالية هجومية.
غير أنّ عِدائيتهما سرعان ما تبدّدت.
"أنتِ…
أنتِ التي كانت بجوار السيّدة ساسيري ذلك اليوم…"
كان مساعد تاليس، وايا كاسو، يحدّق بالسيّافة وهو ممسك بسيفه، واتّسعت عيناه دهشة. "الآنسة ميراندا من حصن التنّين المحطم!
لماذا أنتِ هنا؟" سأل وايا بصدمة.
"الأمر طويل… ماذا عنكما أنتما؟" عقدت ميراندا حاجبيها. "ما الذي تبحثان عنه؟ هل الأمر مرتبط بتلك الكارثة؟"
"أم…" تجمّد وايا قليلًا، وأدار رأسه بتردّد.
(إنها من عائلة آروند… وهي وريثة الآرشيدوق لإقليم الشمال، ذاك الذي حاول اغتصاب العرش.
واختفاء الأمير…)
لكن في اللحظة التالية، عقد وايا حاجبيه قليلًا؛ فقد لاحظ أن شيئًا ما غريب في ملامح ميراندا أيضًا.
وفي الوقت نفسه، أحسّ الاثنان بالتوتّر يملأ الجو.
فالتفتا.
كان الرجل الواقف خلف وايا، مرتديًا نصف قناع فضّي وأطرافًا اصطناعية فضيّة، يرتجف.
كان رالف متتبع الريح الشبح يحدّق بثبات في الضابط الأشقر، وأنفاسه متسارعة، ويداه ترتجفان بلا توقف بينما يثبّت ذراعه المكسورة بجسده.
مرّر يده على عنقه، لكن كأنّ النار قد لسعته، فسحبها فورًا.
ولم تلبث نظرات رالف أن امتلأت بالكراهية والغضب.
وبحيرة، ضيّق كوهين عينَيه. حكّ رأسه وهو يحدّق بالرجل الغريب قصير الشعر المرتدي القناع الفضي، ثم نظر إلى نصفه السفلي الذي بدا واضحًا أنه مثبت بأطراف اصطناعية رغم أنّ ثيابه تخفيها.
(لماذا ينظر إليّ هكذا؟
هل يكنّ لي ضغينة؟)
"عفوًا…" تجرّع الضابط مرارة النظرات العدائية الحادّة، وقال في حيرة: "هل التقينا من قبل؟"
ولم يحتج كوهين للتساؤل طويلًا.
ففي الثانية التالية، لوّح رالف بيده اليمنى، فانطلقت نصلٌ مخفيّة من كمّ ذراعه!
وبمجرد رؤية تلك النصل المألوفة، ثبّت كوهين نظره عليها.
وانداح في ذهنه ذكرى من زمن غير بعيد.
تلك الليلة.
سيف الكارثة، غرودون.
الفتاة ذات النصلين.
هو نفسه.
و…
قطّب الضابط حاجبيه، ثم انحنى قليلًا وضغط كفّه على مقبض سيفه.
كانت ميراندا ووايا مذهولين للحظة، يراقبان بذهول الرجلين وهما على وشك الانقضاض على بعضهما.
"إذن لم تَمُت بعد، يا صديقي القديم من سوق الشارع الأحمر." قال كوهين بحذر وهو يتراجع نصف خطوة.
وبنظرة حادّة كالشفرة، تكلّم بنبرة جليدية: "وغدٌ من عصابة قوارير الدم."
وازداد الجزء المكشوف من وجه رالف قتامة لحظة بعد لحظة. أطلق زمجرة خافتة، وقبضته تشتد.
…..
كانت الأصوات اللزجة لارتطام الدماء واحتكاك اللحم تتصاعد من كل صوب. بدت كأنّ آلاف الأفاعي تندفع بجنون من كل اتجاه.
يا تُرى، كم تهديدًا وعدوًّا وخطرًا كانت تشير إليه تلك الأصوات الحافرة؟
وسط تلك الأصوات العجيبة، فتح نيكولاس عينيه بهدوء تحت سقف مهشّم.
بدأت قوة الإبادة في جسده تدور داخله بطريقة غريبة، وتندفع عبره كموجات متدفّقة.
وفي اللحظة التالية، اخترق قاتل النجوم السقف كصاعقة تهوي إلى الأرض بزخم مذهل!
دوي!
ومع ظهور هيئة نيكولاس، كان ما أمامه نحو عشرة مجسّات قرمزية مختلفة الأحجام.
ارتجفت المجسّات معًا، وهجم بعضها عليه من جهات متعدّدة.
وكان نيكولاس في الهواء، وهو وضع لا يتيح له تفاديها عادة.
لكن جسده بدأ يتوهّج بصورة عجيبة، وصار ضبابيًا.
فكلّ المجسّات الممتدّة نحوه انكمشت أوّلًا، ثم اندفعت لتجلده وتضربه وتخترقه.
غير أنّ هذه المجسّات التي جاءت لتنتزع حياته مرّت قرب أذنيه، وتحت إبطيه، وأسفل قدميه، وعن خصره في الهواء… لكنها، دون استثناء، لم تلامس جسده إلا بفارق لا يتعدّى بضعة ملليمترات!
مزّقت المجسّات الهواء، وانزلقت الريح الصارخة بمحاذاة جسد قاتل النجوم.
وفي تلك الثانية، لوّح نيكولاس بنصل قاطع الأرواح في الهواء بعينين ثابتتين.
اتّصلت مسارات النصل وأقواسه التي رسمها خلال ضرباته لتشكّل عددًا لا يُحصى من القطع البيضوية في الهواء بينما كان يهبط نحو الأرض.
هبوط مكتوم.
حطّ نيكولاس على الأرض بثبات.
وخلفه تناثرت مجسّات كثيرة مبتورة، وكلّها تحوّلت إلى رماد.
اعتدل نيكولاس واقفًا، ومن دون أن يرمش، غرس نصل قاطع الأرواح مباشرة في المجسّ الكبير أمامه.
وسرعان ما اختفى ذلك الطرف العائد لكيليكا من الوجود.
(مقارنةً بالتعامل مع الأسلحة المتدفقة من كل الجهات في ساحة المعركة، فهذا أسهل بكثير)، فكّر نيكولاس. (ففي النهاية، ما عليّ سوى التعامل مع "عدوّ واحد".)
ومنذ لحظة دخوله من طرف منطقة الدرع وصولًا إلى هنا، لم يقل القلق في قلبه، بل ازداد.
كان "الأعداء" الذين واجههم يزدادون كثافة، وكان جسد الهيدرا يزداد ضخامة. ومن الواضح أنّه بات أقرب إلى غليوارد.
ليته كان بخير.
فباعتباره واحدًا من قلّة من محاربي الفئة الفائقة الذين وُلدوا من قلب المعارك بين الجثث، كان درو غليوارد يمتلك إرادة لا تلين، وخبرة واسعة، وعزمًا راسخًا يوازي مهاراته القتالية المتقنة. هؤلاء المحاربون بدا كأنهم خُلقوا للمعارك الواسعة النطاق. لا فارق بين معارك سلسة، أو شدائد، أو فرص سانحة، أو مواقف ميؤوس منها… فجميعها تستطيع أن تُنجب من بين أيديهم معجزات لا تُصدّق.
وما إن خطرت صورة ذلك الرجل في ذهنه، حتى لم يستطع نيكولاس إلا أن يقطّب حاجبيه. (تمامًا مثل… غضب المملكة في الجنوب.)
وهذا أيضًا هو سبب أنه مهما كان مزاج غليوارد سيئًا، ومهما كانت علاقته بمسؤولي مدينة سحب التنين متوترة، فقد اختير قبل عقد من الزمان ليكون حامل رمح قاتل الأرواح؛ رغم أنه في اللحظة الأولى التي أمسك بها الرمح أقسم وشتم الملك نوڤين، وآل والتون السابقين الذين خدموا كآرشيدوقات، وكل آبائهم.
وبطبيعة الحال، كان مزاجه السيئ هو السبب وراء أنّ هذا السيّاف الثقيل المعتزل، غليوارد، لم يُلحق اسمه بأي لقب بعدها—لا ألقاب النبلاء، ولا المناصب الرسمية، ولا حتى بين "خمس جنرالات الحرب".
بل أصبح قائدًا سيّئ الصيت في منطقة الدرع كما في منطقة المطرقة.
كانت الهيدرا في الجهة الأمامية تمامًا.
عضّ نيكولاس على أسنانه.
وتقدّم بسرعة دون توقّف قبل أن تتكاثر الوحوش الجديدة والمجسّات في وجهه من جديد.
دار حول حطام يشبه طاحونة منهارة، فتجمّد في مكانه.
لقد رأى غليوارد.
لم يكن الرجل محطم القوى كما تخيّل، عاجزًا عن المقاومة، ولم يكن مطروحًا أرضًا—وهو أسوأ ما توقعه.
كان غليوارد واقفًا في حالة سليمة تمامًا أمامه، مولّيًا نيكولاس ظهره.
وكان رمح قاتل الأرواح ما يزال في يده، والإهتزازات عند رأس الرمح لم تتوقّف.
لكن ما صدم نيكولاس حقًا لم يكن غليوارد… بل ما يحيط به.
فقد كانت هناك جثث كثيرة خلف غليوارد.
بالغون، أطفال، شيوخ، رجال، نساء…
أغلبهم كانوا يرتدون ملابس بالية، وعلى وجوههم ابتسامات هادئة… لكن وجوههم كانت سوداء.
تمامًا كقطع الخشب المجفّف بالهواء.
حدّق نيكولاس في الموتى المبعثرين على الأرض بوجه قاتم. لقد رأى هذا النوع من الموت من قبل.
هكذا تكون الهيئة بعد أن يُضرب المرء بتأثير "الإقصاء".
لكن…
حدّق نيكولاس في غليوارد بعدم تصديق.
"غليوارد!" صرخ نيكولاس.
ارتجف جسد غليوارد قليلًا، ثم استدار ببطء.
قبض نيكولاس على نصل قاطع الأرواح بقوّة. لم يلاحظ غليوارد حتى ظهوره خلفه—وهو أمر لم يكن ليصدّقه في الماضي.
(حالته الذهنية غير طبيعية الآن.)
فكّر قاتل النجوم في نفسه.
استدار السيّاف الثقيل المعتزل، العاجز والمرتجف، وحدّق في قاتل النجوم.
وصُعق نيكولاس حين اكتشف أنّ وجه غليوارد… مبلّل بالدموع.
"أنت." عضّ غليوارد شفته، وسالت دمعة أخرى على خده. نطق بصوت مبحوح وواهٍ: "كلب والتون الأبيض."
وحين سمع نيكولاس هذا اللقب الوقح المألوف، شعر بقليل من الارتياح.
لكنّه ظلّ يحدّق بالجثث حوله وسأل بحيرة: "ما الذي حدث؟ هؤلاء الناس…"
"ما الذي حدث." ارتجف غليوارد، وارتفع صوته بسرعة.
"ما الذي حدث؟"
عضّ غليوارد على أسنانه وأغمض عينيه بألم شديد.
"ألست قد رأيت بنفسك…؟"
تقدّم نيكولاس ووقف إلى جانب غليوارد، ينظران معًا إلى تلك الفتاة أمامهما.
كانت فتاة تتناثر البقع القرمزية على وجهها، تحمل ابتسامة لطيفة آسرة.
"أوه؟" ضحكت صوفية الدم. "هل جاء واحد آخر منكم؟"
ارتسمت الحيرة على وجه نيكولاس النحيل الشاحب.
"لا بأس." هزّت غيزا رأسها، وفي عينيها ارتخاء يدل على أنها غير مبالية إطلاقًا. "لديّ ما يكفي من الاحتياطيّات~"
وفي تلك اللحظة، مسحت الصوفية برفق على كيليكا خلفها.
فارتجفت الهيدرا مجددًا، وأطلقت مجسّين عملاقين.
اهتزّت المجسّات على الأرض، ثم انشقّت ببطء لتفتح فمين عموديين بارتفاع عدة رجال بالغين.
اتسعت حدقتا نيكولاس!
أمام عينيه مباشرة، واحد، اثنان، ثلاثة… عشرات الأشخاص خرجوا ببطء من هذين الفمين.
كانت تتقدّمهم امرأة عجوز، يملأ وجهها أثر السنين. ظهرت عليها أولًا الحيرة، ثم التيه، ثم الخوف، وهي تحدّق في جسدها كله.
كان أولئك العشرات من مختلف الأعمار، رجالًا ونساء، كبارًا وصغارًا… وقد بدأت عليهم جميعًا علامات الارتباك أولًا، ثم الذهول.
ثم… بدأوا جميعًا بالسير نحو غليوارد في الوقت نفسه!
أدار نيكولاس رأسه وحدّق في غليوارد. "هل يمكن أنّ…"
هزّ غليوارد رأسه بصعوبة. كانت عيناه ممتلئتين بدموع الأسى والغضب والعذاب.
"غليوارد؟" فتحت العجوز التي تقودهم عينيها المذعورتين على اتساعهما. كانت تبدو كمن يعرفه. "يا ولدي، ما الذي يحدث؟ أتذكّر أنّني…"
"آه!" انحنى الرجل العجوز بجوارها في ذهول، يحدّق في ساقيها الذابلتين النحيلتين وهما تتحرّكان خطوة بعد خطوة إلى الأمام. "كيف أستطيع الوقوف الآن؟! لقد شُفيت ساقاي؟!"
"الجدة دافول…" تمتم غليوارد وهو يحدّق في العجوز، ثم أغمض عينيه حزنًا، وغرس الرمح في الأرض. "اللعينة…"
"لا." وكأنّ العجوز أدركت الحقيقة فجأة، فتحدّثت بذعر: "أنا… لا أستطيع التحكم بجسدي؟ لماذا أتحرّك؟!"
ولم تكن الجدة دافول الوحيدة؛ فكل فرد تقريبًا من أولئك العشرات عاش ردّة الفعل نفسها. وما إن ظهرت علامات الذعر والخوف والصدمة عليهم…
"ما الذي يحدث؟"
"يدي…"
"آه! لا تسيروا بسرعة! أنا مسنّة… سأقع…"
"يا للهول، انظروا! إنه الوحش! ذلك الوحش الذي رأيناه قبل أن نفقد الوعي!"
لكن الحشد واصل التقدّم.
وفي تلك اللحظة، بدا على نيكولاس أنه أدرك الحقيقة.
"إنهم لا يملكون السيطرة…" انهمرت الدموع من عيني غليوارد المغمضتين. وكانت كلماته متقطّعة. "هم… هؤلاء السكان في منطقة الدرع… التهمهم ذلك الوحش—تلك العاهرة، وبعد ذلك… لا أعلم ماذا فعلت…
"لكنها الآن تتحكّم بأجسادهم…"
حدّق نيكولاس في الحشد وهو يتقدّم خطوة بعد أخرى نحوهم، بنظرة غير مصدقة.
راقبهم وهم يواصلون إصدار الضجيج، والتساؤل، والجدال، بل والبكاء، والصراخ، والهدير.
تمامًا كما قد يتصرّف أبسطُ مواطنٍ في حيّ الدرع.
"يا للعجب، لم آكلهم."
"جميعهم سالمون تمامًا، مستقلّون، كيانات منفردة." تنهّدت صوفية الدم. "كلّ واحدٍ منهم كائنٌ حيّ…"
حدّق نيكولاس بالجثث إلى جوار غليوارد، وأدرك تمامًا ما الذي حدث.
تقدّم خطوة إلى الأمام، وتحركت يده بلا وعي تحت وطأة غضبه. "رمحُ قاطع الأرواح؟"
ابتلع غليوارد ريقه بصعوبة، وهزّ رأسه بألم.
"الأمر مختلف عن الوحوش الثمانية الأخرى…" كتم الرجل الأعرج ذو الأذن الواحدة حزنه. "الإقصاء وحده لا يؤذيها مباشرة… الشيءُ الوحيد الذي قتلته هو الأجساد الحقيقية لهؤلاء الناس."
ابتسمت صوفية الدم كزهرةٍ يانعة. "بالضبط!
"ألم تقل إنك تحمي هذا الحيّ؟" في تلك اللحظة، ابتسمت الفتاة الشيطانية، وكانت البقع القرمزية على وجهها شديدة الغرابة والرعب. "فلأرَ إذن عزيمتك…
"لديّ هنا آلاف الأشخاص!"
ازدادت سرعةُ الناس المذعورين، وسدّوا الطريق بين النُخبويَّين الفائقَين والصوفيّة.
"آرغ—" زمجر غليوارد غضبًا!
تنفّس نيكولاس بعمق واستعاد هدوءه.
"إنهم مجرد مواطنين عاديين… ربما إن اندفعنا بلا توقّف وشققنا طريقنا عبرهم دون اعتبارٍ لأي كلفة، سنقضي على ذلك الوحش!"
لكن تحت نظرة "قاتل النجوم"، ظلّ غليوارد يهزّ رأسه بصعوبةٍ شديدة.
قطّب نيكولاس جبينه. فجأة لاحظ أنّ في جسد غليوارد عددًا كبيرًا من الجراح.
وأجابته الصوفيّة على سؤاله.
"مواطنون عاديون؟" ضحكت غيزا بخفوت. "هذا غير صحيح…"
أمالت صوفية الدم رأسها قليلًا، ومسحت بأصبعها شفتيها، وابتسمت ابتسامة فاتنة.
"إنهم آلاف… من دمى اللحم ذات الفكر الواضح، والعقول الجليّة. يمكنهم حتى التكلّم بأنفسهم… لا يخافون الموت، ولا الألم. لا يتراجعون، لا يتوقفون، وسيتقدّمون بلا تحفظ، وبغير أيّ تردد!"
فور أن أنهت كلماتها، صرخت الجَدّة دافول فجأة بخوف وهي في مقدّمة المجموعة!
وفي اللحظة التالية، انحنت العجوز فجأة، وهوت على أطرافها الأربعة.
وانفجرت الجموع خلفها في فوضى عارمة.
وبينما أطلقت صرخةَ ذهول، بدأت الجَدّة دافول تحرّك يديها وقدميها معًا كقطّةٍ رشيقة، وبسرعةٍ لا تليق بعمرها ولا بجسدها، فوثبت ما يزيد على عشرة أمتار خلال ثوانٍ قليلة، وكأنها صيّادة تهجم على فريستها، وانقضّت على غليوارد!
"لا!" صرخ غليوارد بوجع. حوّل رأسَ الرمح، وضرب جسد الرمح على الجَدّة دافول!
صرخت الجَدّة دافول من الألم، وسقطت سقوطًا قاسيًا فوق حطام.
دوّي!
بدت عظام العجوز هشّة للغاية. فبمجرد تلك السقطة، كان ذراعها الأيسر قد انحنى على نحوٍ مُريع!
اتّسعت عينا نيكولاس غضبًا، وهو يراقب الجَدّة دافول وهي تصرخ ألمًا، مستخدمةً ذراعها المحطّم لتدفع جسدها وتنهض، قبل أن تنقضّ من جديد على غليوارد.
ترددت صرخاتُ العجوز المؤلمة في أذني نيكولاس.
(أنا آسف.
أنا آسف.)
رفع غليوارد رأسه فجأة وزمجر:
"آآآآه!!!"
هذه المرّة، اتّسعت عيناه غضبًا، ومع انهمار دموعه، دفع بطرف الرمح إلى الأمام، وهو يرتجف.
تمزّق!
وبطعنةٍ واحدة، اخترق الجَدّة دافول!
"غليوارد… يا بُني…" بدا الذهول غامرًا وجه الجَدّة دافول.
ثم بدأت ملامحها تسوّد، وتسرّبت الحياة من جسدها، وسقطت ببطء.
وانطلقت أصواتُ فزع الجماهير كلّها دفعةً واحدة.
عضّ غليوارد على أسنانه، يلهث بلا توقّف.
"هيه… هؤلاء الناس ليسوا نفعاء مثل صغاري." وضعت صوفية الدم يدها على فمها وضحكت. وبدأت البقع القرمزية على وجهها تتمايل كأعواد القصب في مهبّ الريح. "وبالطبع، حين تواجههم أنت أيضًا تصبح أضعف… أيها الفاني البائس."
حدّق نيكولاس فيما أمامه بذهول.
"هم…" امتلأت عينا غليوارد بالحمرة. عضّ بشدّة على شفته السفلى، وما إن ارتجف جسده كله حتى سحب رأسَ الرمح من جسد العجوز. "لن يتوقفوا…"
قبض الرجل الأعرج على الرمح بقوة، كأنه يريد أن يطبع كفّه عليه.
"ومهما أصبتُهم أو آذيتهم، سيعاودون النهوض…"
هذا كان حيّ الدرع الذي يحميه.
"سيتدافعون نحوي كالأمواج…"
هؤلاء هم الناس الذين ينبغي له أن يحميهم.
"سيصدّونني، وسيمزّقونني…"
وهؤلاء… مواطنون أبرياء لا حول لهم.
"إلا إذا…"
صرخ غليوارد وقد سالت دموعه مدرارًا. رفع ذراعيه، ورفع الرمح.
"إن قتلتُ…"
اقتربت الجموع.
والوجوه المذعورة، الراجفة، المألوفة حدّ الألم، ظهرت أمام عينيه.
"إن قتلتُهم…"
بدت ملامح غليوارد المحطّم كوحشٍ محاصر دُفع إلى أقصى الزوايا، فزمجر غضبًا، وحزنًا، ويأسًا:
"إلا إذا قتلتُهم جميعًا، اللعنة!!"
راقب نيكولاس أمواج الناس وهي تضغط عليهم، ثم الجثث التي تملأ الأرض جانب غليوارد.
ولم يشعر سوى ببردٍ يزحف من أسفل قلبه.
نقرَت صوفية الدم لسانها. "تسك تسك، رمحُ قاتل الأرواح… نعم؟"
واندفع غضب غير مسبوق في عينيها. "أعرف من قوّة هذا الشيء أكثر مما تعرف…
"في يد رايكارو، كانت قوّته المنفّذة أعظم بكثير مما قد يُظهره هاوٍ مثلك…"
"ومع ذلك ما زلتُ واقفة هنا سليمة." رفعت صوفية الدم يديها، والابتسامة على وجهها، لكن كلماتها كانت باردة. "خمن ما يعنيه هذا."
ابتسمت الساحرة ابتسامة واسعة، ثم أطلقت ضحكة عالية.
(جيّد جدًّا.)
تحت ذلك الهياج الغريب الذي استبدّ بها، راحت غيزا تفكّر بسرعة. (يمكنني شراء قدرٍ هائل من الوقت بهذه الطريقة. سيكون كافيًا لأبحث عن ذلك الصبي.)
(سأجده، ثم أقتله!)
(سأُنقِذه!)
وبينما تواصل التفكير، أطلق كيليكا مزيدًا من المجسّات من عمق الأرض.
ظهر خطّان محمومان من الأحمر على وجه نيكولاس الشاحب. نطق ببطءٍ وبمشقة:
"إذن، يعني هذا أنكِ فكرتِ منذ البداية في كيفية التصدّي لرمح قاتل الأرواح…؟ منذ اللحظة التي امتصصتِ فيها ’احتياطاتكِ’…؟"
ابتسمت صوفية الدم ببهاء.
لم يستطع غليوارد وقف ارتجافه. رفع رأسه، يراقب الجموع تقترب تدريجيًا. تأمّل وجوههم، وامتلأت عيناه بالجمود والعزم.
حدّق نيكولاس بعدوّهما غير البشري، وثقل قلبه يزيد مع كل لحظة.
(ماذا نفعل؟ هل ينبغي لنا أن نقتل كل هؤلاء المواطنين الأحياء من حيّ الدرع؟ نقتل هؤلاء الآلاف، بل عشرات الآلاف؟ ثم فقط نتمكن من مقاتلتها؟)
"كيف يمكن لهذا أن يكون؟" تنفّس قاتل النجوم بعمق، وهزّ رأسه ببطء. "لقد ذكر ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’ رمح قاتل الأرواح، وسجّلت أيضًا عنكِ وعن الهيدرا، فلماذا لم يُدوَّن هذا المشهد…؟"
"حسنًا، لستُ متأكدة تمامًا من ذلك." نفخت صوفية الدم نفخة ساخنة، ولم تمحُ الابتسامة من شفتيها. "لكن يمكنني تخمين بعض الأسباب…"
قطّب نيكولاس وغليوارد حاجبيهما معًا.
"هل تعلمان أنّ قدرةَ رمح قاتل الأرواح كانت تُدعى في الأصل ’إفناء الحياة’؟" ابتسمت الصوفيّة قليلًا. "لكن لاحقًا، غُيّر اسمها إلى الإقصاء."
ارتجف غليوارد!
ضحكت غيزا بخفوت. رفعت رأسها تحدّق إلى تمثال البطل على جرف السماء. كان يمسك بالرمح، ويطالع الأرض. ذاك الرجل الذي اجتمعت فيه الإرادة الراسخة، والشجاعة، والرأفة، والتسامح، والعظمة.
"في البداية، كان لرايكارو وريثٌ بالدم…" قالت الصوفيّة بخفوت. "ابنه، وأخوه الأصغر، وابن أخيه، وعمّه…
"كانوا يشكلون العائلة المُحِبّة لإكستيدت."
حدّق نيكولاس وغليوارد ببعضهما، وقد غمرتهما الصدمة.
"حتى التقينا في ساحة المعركة…"
أغمضت صوفية الدم عينيها قليلًا، ورفّت رموشها الخفيفة.
"ذاك الذي تسمّونه بطل البشرية، ذلك القاسي، المتجرّد، العنيف، المخيف، البارد القلب… رايكارو إكستيدت…"
شاهدا تلك الكارثة الدموية المفزعة ترفع أصابعها الرشيقة، وتشير ببطء نحو الجموع المتقدمة.
"لقد رفع بنفسه رمح قاتل الأرواح…"
تألّقَت في عيني غيزا حمرةٌ خفيفة، غامضة ووخّازة. فتحت شفتيها الورديتين قليلًا، لتكشف عن سرٍّ يقشعرّ له الجلد.
"وقتلهم جميعًا… ذبحهم دون أن يُبقي منهم واحدًا…"
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬