سليل المملكة الفصل 173 — سليل المملكة 173

اقرأ سليل المملكة الفصل 173 — سليل المملكة 173 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 173: نصل التطهير

….

توارى القمر في جهة الغرب.

بانغ!

دَوّى انفجارٌ عالٍ من مركز منطقة الدرع. لقد غاصت الهيدرا المخيفة سابقًا، كيليكا، في الأرض مرة أخرى واختفت.

وسط سحابة الغبار الماثلة، جرّ رجلٌ بأذنٍ واحدةٍ رمحًا معدنيًا طويلًا معه، يترنّح بعَرَج، لكن بخطى سريعة على نحوٍ مريب، صاعدًا فوق تلٍّ من الحطام.

ألقى غليوارد نظرةً حوله. وبطرف عينه لمحَ بعض المجسّات القرمزية وهي تحفر في الأرض بجنون.

رفع قائد منطقة الدرع رمحَ "قاتل الأرواح"، وقلب نصل الرمح.

بدأ رمح قاتل الأرواح يهتزّ حين أشار نحو يساره.

هممم…

لم يتردّد غليوارد أكثر، فاندفع بخطوات واسعة نحو الاتجاه المقصود.

سويش!

بسرعة تفوق ما يقدر عليه البشر، اخترق نصلُ رمحه سحابة الغبار.

بانغ!

انفجرت خرائبٌ مهدّمة. وتجسّدت فتاةٌ رثة المظهر وسط الخرائب المتفجّرة، فتجنّبت نصل الرمح، وانطلقت مبتعدة بخفّة.

لم يُبطئ غليوارد. طارد جيزا بلا هوادة مستهدفًا رأسها.

اندفع نصل الرمح قرب خدّها الأيسر. وارتفع صوت احتراق، وبدأ خدّها يذوب.

"اللعنة."

وبينما كانت صوفية الدم تتمتم بالشتائم لنفسها، خرج عددٌ من المجسّات من تحت حاشية فستانها، دافعةً إيّاها بعيدًا عن رمح غليوارد.

"جيّد جدًا." توقّف غليوارد عن التقدّم، وامتلأت عيناه بالعداء. قال بهدوء: "تابعي المراوغة… تابعي الهرب… تابعي الاختباء… فهذا ما كان يجب أن تفعليه، أيتها الكارثة."

عاضّةً على أسنانها، حدّقت جيزا في غليوارد بنظرة حالكة، حتى انقضّ عليها مرة أخرى.

انخفضت وانطلقت عبر أنقاض مبنى. وتحرّكت المجسّات تحت تنّورتها بسرعة، مانحةً إياها سرعةً كالريح. بينما طاردها غليوارد بلا توقف.

بووم!

فجأة، اندفع من الأرض قرب قدمي غليوارد وحشٌ قرمزيّ بأربع مجسّات ومخلبين شبيهين بمخالب السلطعون.

ثَمب!

توقّف الرجل الأعرج، داس على صخرة ضخمة ليكبح الاندفاع، ونجح في تفادي ضربة لم تكد تبعد عن أنفه.

كان مخلوقًا مقززًا، شاذّ الشكل، مكوّنًا من عشرات الأطراف المبتورة اللزجة، باستثناء الجزء الذي بدا كأنه الرأس، إذ كان عينًا دوّارةً ضخمة.

قطّب غليوارد حاجبيه. "هذا هو ’مقاتلكِ‘؟"

لم تُجِب جيزا، واكتفت بالتحديق إليه ببرود.

تمدّد الوحش، ثم اتّخذ حجمًا وارتفاعًا يعادلان عدّة رجال مكتملين، وانقضّ على غليوارد من ستة اتجاهات مختلفة.

امتدت المجسّات نحو أطرافه. أحد المخلبين انقضّ على منطقة حوضه، والآخر استهدف رأسه. وبرغم هذه الهجمات القاتلة الوشيكة، بقي غليوارد ثابتًا لا يتحرّك، دون أي نية للمراوغة.

كانت عيناه مثبتتين على الصوفيّة.

"إنه قرار سيئ." قال غليوارد ببرودٍ وهو على حاله، يراقب خصمه عن كثب.

بعد ثانية، حوّل الأعرج نظره، ثم قذف رمح قاتل الأرواح في قوس. وفي اللحظة التي كانت ضربة العدوّ القاتلة ستلامس جسده، قطع الرمحُ مجسّ الوحش.

شيك!

ارتعش الوحش. واهتزّت مجسّاته ومخالبه التي كانت مدمّرة قبل لحظات، بلا سيطرة.

عندما رأت جيزا ذلك، تشوّه وجهها وبدأ جسدها يرتجف.

وفي تلك الأثناء، اندفع غليوارد بسرعة إلى أسفل التلّ. خلفه، ارتعش الوحش، والتوى، ثم انشقّ مثل جمرة محترقة يابسة، وانهار.

"آآآاااه!!"

على بُعد خمسة أمتار، لم تستطع جيزا منع نفسها من إطلاق صرخة أخرى. ارتجفت وهي تغطي وجهها الذي أخذ يسودّ تدريجيًا من شدة الألم.

"كيف هو الشعور؟" سأل غليوارد بصوت عميق. تقدّم بخطوات سريعة هادئة نحو خصمته غير البشرية. "كيليكا، أو الوحوش الأخرى التي صنعتِها، هي في جوهرها أنتِ، أليس كذلك؟"

صامدةً أمام الألم، رفعت صوفية الدم يدها اليسرى، نحو الوحش المحتضر، وهي تعضّ على أسنانها.

سبلورش!

قبل أن يتحوّل تمامًا إلى رماد أسود، انفجر الوحش، وتناثرت الدماء في كل اتجاه.

ومع تضحية الوحش بنفسه، تلاشى الألم عن وجه جيزا قليلًا. لكن في اللحظة التالية، كان غليوارد قد ظهر أمامها دون أن يغيّر ملامحه أو يكشف عن نيّة قتله. وغرس رمحه بقسوة.

صرخت جيزا وتراجعت بسرعة بوجه عابس. لكن الأوان كان قد فات.

اندفعت قدرة الإبادة عبر جسد غليوارد كما يشاء، وتسارعت هجماته.

هس!

بانطلاقٍ حاد، انحرف نصل رمح قاتل الأرواح الأسود في الهواء كأنه امتلك وعيًا فجأة، وانثنى بزاوية محيّرة، وطعن يد جيزا اليسرى.

"آاااااه!!!"

صرخت صوفية الدم بألم، وهذه المرّة كانت صرخاتها أعلى من قبل. وامتدّت كتلة سوداء مرئية للعين من ذراعها اليسرى نحو كامل جسدها.

أدار غليوارد الرمح برباطة جأش. كان يعلم أن قدرة "الإقصاء" في السلاح قد أظهرت قوّتها الحقيقية.

وفي اللحظة التي لمس فيها رمح قاتل الأرواح جسدها، حوّلت جيزا دون تردّد يدها اليمنى إلى شفرة قرمزية.

كا-شاك!

وقبل أن يمتد السواد إلى جذعها، قطعت صوفية الدم، بوجهٍ صارم، ذراعها اليسرى.

سقطت الذراع على الأرض، ثم تورّمت وانفجرت، قبل أن تتحوّل إلى قطع فحم ورماد. قبضت جيزا على بقية ذراعها المبتورة، واتخذت خطوة إلى الخلف يائسةً من الألم.

"أحسنتِ. هل تشعرين بالألم أصلًا؟" أبدى غليوارد استحسانه، لكنه لم ينوِ التخفيف عنها. كانت هيئة الفتاة ونصل الرمح المتفحّم السابح نحوها منعكسة في عينيه القاتمتين.

اندفع نصل الرمح نحو جيزا الرثة بووش!، وكاد يطعن وجهها—

غطّت جيزا جذع ذراعها المبتورة، وعضّت على أسنانها. كان بريق اليأس مشتعلًا في نظرتها الموجّهة لغليوارد.

وفي تلك اللحظة، ارتسمت على وجه غليوارد ابتسامة راضية.

وظهرت خطوط من عروقٍ قرمزية متشعّبة على وجنتَي جيزا.

وواصل الرمح تقدّمه الذي لا يمكن إيقافه.

وفجأة، اندفع جسدٌ من وسط الأنقاض.

بووم!

وقف ذلك الجسد بين جيزا وغليوارد.

ثَمب!

انطلق صوت ارتطام معدني بدلًا من الطعنة التي توقّعها غليوارد. ممسكًا بالرمح بكلتا يديه، قطّب حاجبيه.

توقّف طرف رمح قاتل الأرواح أمام جيزا، على بُعد نصف بوصة فقط من مقدّمة أنفها. وكان السلاح ممسوكًا بإحكام في ذراعي رجل قصيرٍ عريض الجسد، خدشته حدّة النصل، مع أن يدَيه كانتا تنزفان أصلًا وهو يحاول التشبث بالرمح.

لهثت جيزا الضعيفة. وارتعشت البقع القرمزية على وجنتَيها. حدّقت في نصل الرمح أمامها بنظرة غامضة، تحمل ما يشبه نصف ابتسامة.

أمّا غليوارد فقد شحب لونه.

"ما…" حدّق غليوارد بذهول في ذلك الرجل القصير القوي، الممسك بعنادٍ برمحه—رجل بدا في مظهره ولباسه كشماليٍّ عاديّ تمامًا.

"إنه أنت! أنت…" حدّق غليوارد في الرجل الشاحب الواقف أمامه، وناداه بلقبٍ شهير.

"الحزام الجلدي الكبير من حرّاس الجليد؟!"

عند رؤية رد فعل غليوارد، أشرق وجه جيزا للمرة الأولى منذ فترة.

…..

في أطراف منطقة الدرع الخارجية، حوّل نيكولاس مجسًّا عملاقًا إلى رماد بضربة سريعة.

وخلفه، دوّت أصوات الشقّ والطعن. كان محاربو النخبة من حرّاس النصل الأبيض يؤدّون واجبهم في إبادة المجسّات الصغيرة العديدة.

قطّب قاتل النجوم حاجبيه وابتعد عن ساحة القتال.

وعلى بُعد أقدام قليلة، كان الملك نوڤين، محاطًا بعدد من حرّاس النصل الأبيض الشخصيين، يحدّق في قائد حرّاسه.

"جلالتكم!" جاءت أصوات حوافر الخيل من البعيد، تلتها رسالة الفرسان. "وردَ بيان من الغرفة السرّية: كيليكا قد اختفى!"

"رائع!" أشرق وجه الملك نوڤين. وهزّ رأسه وقال لنبيل خلفه: "هذا يثبت أنّ استراتيجيتنا ناجحة. تلك الكارثة… لا تجرؤ على مواجهة رمح قاتل الأرواح!"

تقدّم نيكولاس، الذي كان قد قضى لتوّه على أحد المجسّات. "نحن نستخدم أفضل الخطط—نواجه كارثة الدم بفرق صغيرة نخبوية مزوّدة بتجهيزات مضادّة للصوفيين، بينما تُحكم الفرق الأخرى الطوق عليها وتقطع عنها مصادر طاقتها."

اتّخذ قاتل النجوم هيئة صارمة، وحدّت عيناه. "جلالتكم، لقد قمنا بقمعها!"

هزّ الملك نوڤين رأسه موافقًا بإحكام.

وخلف الملك، وصل فريق صغير من جنود الشمال على صهوة خيولهم، برفقة عدد من الضباط والنبلاء الذين جاؤوا لإيصال رسائلهم. "جلالتكم، لا نزال بلا أي خبر عن أمير الكوكبة وحفيدتكم."

لم يتغيّر تعبير الملك نوڤين، كأنّ مسألة نجاة حفيدته لا تعنيه.

"وأيضًا، فإنّ النبلاء والمواطنين في المقاطعات الأخرى يتداولون الأمر بحماسة. والأحاديث متزايدة خصوصًا بين المواطنين الذين قمتم بإجلائهم. كثيرون رأوا ذلك الوحش، والثرثرة حول الكارثة التي اقتحمت المدينة لا تهدأ. العديد من الميليشيات المتطوّعة يطلبون تسليحهم فورًا لينضمّوا إلى المعركة. الوضع مضطرب قليلًا. فرق الدورية تجد صعوبة في السيطرة على الموقف."

استدار الملك نوڤين وهو يقطّب حاجبيه. فكّر قليلًا ثم أصدر أمره: "أبلغوا السيدة كالشـان أن تراقب ذلك الشيء، وأن يظلّ الجميع على اتصال! وأبلغوا قائد الحامية أن يرسل كل فرق الدورية المتاحة إلى الشوارع لتهدئة المواطنين. قولوا لهم، باسم الملك، إنّنا سنسيطر على الوضع في وقت قصير. القوات العادية التي بلا تجهيزات مضادّة للصوفيين لن تكون ذات فائدة تُذكر. ومن الآن فصاعدًا، يُمنع أي شكل من أشكال التجنيد!"

أومأ عدد من الكتبة والاداريين، وتابع أحدهم: "وأثناء إجلاء الناس في منطقة الدرع، وصلتنا أيضًا أنباء من خارج المدينة. ستّة من الكونتات ومعهم أتباعهم أرسلوا مبعوثيهم وثلاث دفعات من الغربان الزاجلة، يرجون السماح لهم بإرسال قواتهم كتعزيزات—"

"إرسال آلاف آخرين إلى فم تلك الكارثة؟" قاطعهم الملك ساخطًا. "أبلغوهم: إنّ عائلة والتون تُقدّر ولاءهم، لكنّ هذه ليست معركة عادية. جيش ضخم لن يزيد الأمر إلا سوءًا!"

كان كاتب يُسجّل خطاب الملك. وقال آخر بقلق، "من ناحية أخرى، فإنّ الآرشيدوقات الأربعة يتوسّلون إليكم أن تضعوا سلامتكم أولًا، وأن تعودوا إلى قصر الروح البطولية، وربما توضحون—"

هزّ الملك نوڤين رأسه وأومأ بإشارة صرف. "دعوا ليسبان يتولّى أمر هؤلاء النبلاء، بمن فيهم الآرشيدوقات. قولوا: ’الملك في رحلة صيد.’ وفي وقت كهذا، من الأفضل أن يحجموا عن تقديم ’نصائح’."

وما إن تلقّى الرسل أوامرهم حتى انطلقوا بخيولهم.

"جلالتكم، أنتم تعلمون أنهم على حق؛ ينبغي أن تبقوا في القصر"، قال قاتل النجوم بهدوء.

هزّ الملك رأسه نافيًا.

"معظم حرّاس النصل الأبيض خرجوا في مهمّات. ولا نستطيع استدعاء قوات إلى المدينة. تريدني أن أبقى في قصر يكاد يكون خاليًا، برفقة أربعة آرشيدوقات أصحاب نوايا مريبة، ومعهم حرسهم الشخصي؟" أطلق الملك نوڤين نفخة ساخرة. "ملككم ذبح أحد الآرشيدوقات قبل مدة قصيرة… وأنا أفكّر أي الخيارين أكثر أمانًا."

أومأ نيكولاس، ونفح الدم عن نصل قاطع الأرواح’.

في تلك اللحظة.

"جلالتكم! يا رئيس! انظروا!" صرخ أحد حرّاس النصل الأبيض، مشيرًا إلى السماء.

في سماء الليل، ارتفع وميض مضيء فوق منطقة الدرع، تبعه طرقة حادّة.

ارتبك بقية حرّاس النصل الأبيض.

"سهم الإشارة!"

"هذا يعني…" حدّ نيكولاس نظره. "إنّه الوحدة الأولى في الجهة الشرقية. لقد وجدوا وغدًا مزعج! علينا التحرّك فورًا…"

وفي أثناء ذلك، فوق ناحية أخرى في الجهة المقابلة من المنطقة، انطلق بريق آخر في الهواء مع صفير حاد.

قطّب الملك نوڤين حاجبيه. "موقعان؟"

ثم ارتفع سهم الإشارة الثالث من البعيد.

"انتشار متزامن؟ ثمة خطب ما." حدّق الملك نوڤين في الوميض وعقد حاجبيه. "لقد وزّعنا المسارات بدقة، وقسّمنا القوات لتطويق منطقة الدرع تدريجيًا من الشرق والغرب. وبينما تقوم الوحدة الأولى والخامسة بتطهير الطرق كطلائع، يستحيل أن تلتقي الوحدات الخلفية بذلك الوحش."

وما إن قال ذلك حتى انطلق سهم الإشارة الرابع.

شحب وجه نيكولاس.

"إشارات متعددة في الوقت نفسه. هناك تفسير واحد فقط، جلالتكم!" قال وهو يلهث، "هناك وحوش جديدة تشقّ طريقها خارج الأرض. ولذلك، فبالإضافة إلى الوحدة الأولى والخامسة، فقد اصطدمت بقية الوحدات أيضًا—"

لم يُكمل جملته.

بووم!

دوّى انفجار مرعب.

ومن داخل سحابة الغبار، اندفع مخلوق عملاق يلوّح بمجسّاته التي لا تُعدّ في قلب منطقة الدرع.

شهق كل من في المكان أمام ذلك الوحش: الهيدرا، كيليكا.

"كيف يحدث هذا؟" عضّ الملك نوڤين على أسنانه، محدّقًا في ذلك الكابوس الذي عاد للظهور. استنشق عميقًا، ناظرًا إلى المحاربين حوله. "إنّه… بالنظر إلى ضخامة الهدف، أليس من المفترض أن يخشى رمح قاتل الأرواح؟ غليوارد—"

وتوقّف الملك نوڤين عن الكلام. تقطّب وجهه العجوز، وقد أدرك شيئًا واضحًا.

ساد الصمت لثوانٍ، إلى أن أعاد نيكولاس نصل ’قاطع الأرواح’ إلى غمده، وجثا ببطء، وشدّ رباط حذائه، وأومأ بوقار.

"جلالتكم، أطلب الإذن بالمغادرة فورًا."

تكلّم قاتل النجوم بصوت خافت هادئ: "علينا أن نؤجّل عمليات التطهير الآن.

"لا بدّ لي من أن أحمل قاطع الأرواح… لأنقذ غليوارد!"

…..

في ناحية أخرى من منطقة الدرع، دوّى صراخ السيف الأسود: "انحنِ!"

حملق تاليس في المجسّ الدموي الذي اندفع نحوهما، وعضّ على أسنانه، وفرّ مع الصغيرة الشقية.

لكن سرعتهما لم تكن كافية.

كان المجسّ الزاحف على الأرض سريعًا كالريح. وفي لحظة، وجداه أمامهما.

ثم اندفع فجأة، وانطلق نحو تاليس بصافرة حادة. وكان بطول رجل ناضج تقريبًا.

سسووش!

(اللعنة!) شتم تاليس في نفسه، وهو يرى المجسّ يطير نحوه. (لا يمكن التملّص منه هذه المرة!)

وبينما صرخت الصغيرة الشقية، تصاعدت التموجات الغريبة من جديد في جسد تاليس. أحسّ تاليس وكأنّ الزمن يبطؤ.

ومع تهادي الثواني، استطاع أن يميّز ما الذي يُكوّن ذلك المجسّ المنقضّ عليه: أجزاء بشرية متعدّدة، من الجلد إلى العضلات، والعروق، والعظام.

وفي الهواء، بدأ المجسّ ينشقّ، كاشفًا عن صفّ من الأسنان الحادّة بداخله، حتى بدا كأفعى غريبة جائعة.

ساد الغثيان على معدة تاليس. (ما هذا الشيء بحقّ الجحيم؟!)

وفي تلك الأثناء، تصاعدت طاقة جديدة داخل جسده.

أحسّ تاليس بالقوة التي دبّت في جسده وهو يحاول استباق مكان سقوط المجسّ. ثم دفع الصغيرة الشقية بعيدًا، وانطلق في الجهة المعاكسة. مرّ المجسّ محتًّا يد تاليس اليمنى ومنزلقًا قرب نظّارة الصغيرة الشقية. تدحرج الطفلان بعيدًا عن طريقه، وارتطما بالأرض.

باانغ!

أخطأ المجسّ القرمزي هدفه واصطدم بلوحٍ خشبي وسط الخرائب. ولم تَتَح له أي فرصة أخرى، لأنّ سيفًا صغيرًا أحمر شقّ الهواء في اللحظة التالية، مندفعًا نحوه وهو يدور.

طخ!

كان المقذوف قويًّا ومحكمًا. ثبّت المجسّ على اللوح، مشلًّا حركته في الحال. وما يزال مقبض السيف الأحمر الصغير يرتجف.

تلوّى المجسّ بعنف، لكنه لم يقدر على الإفلات.

استلقى تاليس على الأرض، يلهث، مذهولًا ومصدومًا. وكانت يده اليمنى تؤلمه من فرط الإجهاد.

أدار رأسه، وألقى نظرة على السيف الأسود الملقى على الأرض مغطّى بالجراح. وكانت يده اليمنى معلّقة في الهواء، متجمّدة في الوضع الذي قذف فيه سيفه قبل لحظات.

أطلقت الصغيرة الشقية صرخة متأخّرة ملؤها الاشمئزاز. دفعَت نفسها للخلف بساقيها وهي تتفادى النظر إلى المجسّ. جلس تاليس وراح يحدّق ببلاهة في المجسّ المتلوّي عند قدميه.

"حركة موفّقة، يا فتى." تنفّس السيف الأسود بضعف، ثم أسند رأسه إلى الأرض. "ردود فعلك—"

لكن قبل أن يُكمل السيف الأسود كلمته، انشقّت المجسّات من الموضع الذي ثُبّت فيه النصل على اللوح، وانفلتت في لحظة.

ارتبك تاليس.

(اللعنة.)

"انتبه!" صرخ السيف الأسود.

لكن تاليس هذه المرة لم يتمكّن من الردّ بسرعة؛ إذ انقضّ عليه المجسّ وأطبَقَه.

ابتلع المجسّ ساقه اليسرى، وخصره، وصدره، ورأسه. غطّى عينيه، وانتزع منه رؤية العالم.

"لا!" صاحت الصغيرة الشقية.

ارتجف تاليس. كان المجسّ لزجًا، دهنيًّا، دافئًا، يرتجّ وينقبض مرارًا… بل كان يبعث شعورًا… بالدوار.

أحسّ براحةٍ غريبة، قبل أن يتدحرج جسمٌ دائريٌّ دافئٌ رطبٌ لزجٌ فوق وجنته اليسرى، ويتوقّف عند منتصف جبهته. وبدأ ذلك الجسم الدائري يرتجف، كما لو كان يمنحه تدليكًا لوجهه.

فكّر تاليس وهو شبه فاقد للوعي: (هذا الإحساس… يشبه وضع كفٍّ على الجفن والشعور بالعين ترتجف أسفلها…)

وما إن خطرت له الفكرة، حتى اقشعرّ بدنه. لقد أدرك ماهية ذلك الشيء الدافئ اللزج الذي يُدلّك جسر أنفه بلا توقف.

إنه… عين أحدهم.

(تبا! تبا! تبا! تبا!)

اجتاحه الغثيان، وتعافى من هذيانه على الفور.

ومنهارًا تحت وطأة الرعب والاشمئزاز، راح تاليس يلوّح بيأسٍ بذراعه اليمنى—التي تُركَت وحدها بلا قيد—محاولًا انتزاع نفسه من ذلك الشيء النجس.

فشدّ المجسّ قبضته عليه.

حاول تاليس جاهدًا تخفيف الضغط، لكن بلا جدوى. اشتدّ تنفّسه وتشوّشت رؤيته.

وصلته أصوات الصغيرة الشقية والسيف الأسود القلقة، لكنها بدت له غير حقيقية.

وكانت… العين… ترتجّ أسرع فأسرع؟

(تبا!)

خفق قلبه بقوّة. سمع دمه يندفع ويقرع شرايينه. كاد يختنق، وظلّ يتهاوى نحو اللاوعي.

(ما الذي أفعله؟!)

خطر له خاطر.

(صحيح! ما يزال عندي…)

امتدّت يده اليمنى نحو أسفل خصره، باحثًا عن خنجر «ج.ت» الذي أعطته إيّاه جالا.

(الخنجر… الخنجر!)

لكن ما إن لمس خصره حتى وجد الدفء واللزوجة فقط. لقد التفّ المجسّ حول خصره أيضًا.

في تلك اللحظة، أحسّ تاليس بقلبه يبرد. غمر اليأس صدره.

(اللعنة. ماذا أفعل؟)

ظلّت يده اليمنى تتحسّس أسفل ظهره، فلم تجد شيئًا.

(ماذا أفعل؟!!)

عندها شقّ جسمٌ حادٌّ راحة يده اليمنى وهو يتحسّس حوله. وخز الألم أعاد إليه ذرة وعي. حشد ما تبقّى من قوته، وتشبّث بذلك الشيء الغريب الشبيه بالعصا، وانتزعه، ورفعه قرب رأسه.

وهكذا وقع الحادث.

رفع تاليس ذلك الشيء الغريب، فانطلقت حرارة من داخله—من قلبه نحو يده اليمنى—تتدفّق بسرعة!

انتشرت في جسده كلّه، تحرقه كاللهيب.

شعر بالألم والحرارة والتقلّصات تغزو كل جزء من بدنه، ظاهرًا وباطنًا، في كل نسيج، وكل خلية!

بدأ يسمع أصواتًا غريبة. أولها كان يشبه خفقان الدم في عروقه، ثم تشوّهت الأصوات وتحولت إلى هدير أمواج، ثم إلى انفجار بركان، ثم عواصف.

فتح تاليس فمه ليصرخ، فلم يخرج شيء إلا طعمٌ مالحٌ كريه، وطرف عضوٍ مقزّزٍ مشكّل من أجزاء مجهولة من جسد إنسان ينزلق فوق لسانه.

ومع ذلك، لم يعد يهتم بالمجسّ المقزّز الذي يقيّده؛ إذ لم يشعر إلا بالاحتراق.

وفي الثانية التالية، ارتجّ تاليس حين شعر بالضغط من حوله يخفّ، ورؤيته تعود.

عاد تنفّسه ينتظم. اختفى الثقل عن صدره ووجهه. كان المجسّ قد أطلق سراحه وانسحب بصمت.

وفي تلك اللحظة، خمدت حرارة صدره ويده اليمنى تدريجيًا.

كان تاليس يلهث بعنف، يصارع ليجلس وهو يلتقط أنفاسه بعد تلك التجربة التي قاربت موته.

ورأى زوجين من العيون المذهولة.

كان السيف الأسود والصغيرة الشقية يحدّقان فيه بأفواه مفتوحة، كأنهما شهدا أمرًا لا يُصدّق.

ارتجف تاليس، ثم أدرك أنهما لا ينظران إليه. فنظر إلى يده اليمنى وحدّق.

كانت في يد تاليس نفس السيف الأحمر الصغير الذي قذفه إليه السيف الأسود سابقًا. إلا أنّ طرفه المعتم الآن يشعُّ بوهجٍ أحمر ساطع.

"هذا…"

حدّق تاليس في السيف الأحمر الصغير كدمية جامدة. رأى طرفه الأصلي الباهت بلا لمعان. ثم أخذ الضوء الأحمر يخفت، ثم يقوى، ثم يكتسب لونًا مماثلًا للحدّ، حتى بدا وكأنه قد شُحِذ للتو.

ولم يكن ذلك وحده الغريب.

فالجزء من المجسّ الذي ردّه السيف الصغير بدأ يتغيّر.

وقد رأى تاليس هذا المشهد من قبل، في غابة أشجار البتولا، حين قاتلت زهرة الحصن صوفية الدم.

بدأ المجسّ على جسد تاليس يذوب، ويذبل، ويسودّ، ثم يتحوّل إلى غبار يتلاشى في الهواء—كما لو أنه واجه عدوّه الطبيعي.

وفي النهاية، لم يبقَ على تاليس سوى طبقة من الرماد الأسود.

"ماذا فعلت؟" تمتم السيف الأسود وهو يقطّب حاجبيه، محدّقًا في السيف الصغير. "أيمكن أن يكون هذا… الأسطورة…"

رمشت الصغيرة الشقية في حيرة.

وقبل أن يتمكّن تاليس من فهم الأمر، دوّى في أذنيه صوتٌ كهدير الموج، كأنه يتردّد في عروقه.

هسّس…

بدت وكأنها تأتي من مكان بعيد. وبعد لحظات، تحوّل هدير الأمواج إلى همهمة عميقة.

"اسمي…"

ارتجف تاليس خوفًا.

رفع نظره إلى السيف الأسود والصغيرة الشقية، اللذين كانا ينظران إليه فحسب.

كانت نظرات الأول تتنقّل بين وجه تاليس والسيف في يده بشكٍّ ظاهر، وكأنهما لم يسمعا الصوت إطلاقًا.

كان المشهد… مألوفًا على نحو مزعج.

رمق تاليس ما حوله في هلع، ولم يرَ إلا الخرائب، وسماء الليل، وتوهّج السيف الصغير.

(ما هذا؟ ما الذي يحدث؟)

حدّق تاليس بالسيف المتوهّج في يده، مذهولًا. همّ بالكلام حين بدأ الصوت الرتيب يتضح. تشكّلت كلمات وجُمل.

"اسمي…"

كان الصوت صوت شيخٍ من مكان سحيق، كأنه يعبر طبقات من الألواح الخشبية.

لم يدري تاليس ماهيّة اللغة، لكنه فهم الكلمات.

"اسمي… نصلُ التطهير."

انفتح فم تاليس، يحدّق في السيف المتوهّج بين يديه.

(نصل… نصل التطهير؟)

ذهل تاليس، لكن ذلك لم يكن أدهى ما سمعه.

إذ انطلقت الكلمات الأخيرة وسط هدير الأمواج.

"لقد مرّ زمن طويل"، قال الصوت ببطء، "يا… شقيق دمي."

ارتجف تاليس.

(شقيق… دمي؟)

وفي اللحظة التالية، اختفى الصوت، وذوى توهّج السيف الصغير.

تساقط الثلج البارد، كما لو أنّ شيئًا لم يكن، سوى تغيّرٍ واحدٍ في طرف السيف الصغير—إذ أصبح لونه من الأحمر القاتم الصدئ إلى الأحمر القاني اللامع، كلون الدم الطازج.

وتحت سماء الليل، حدّقت العيون الثلاث المذعورة بعضها ببعض، وكلٌّ يحمل في وجهه تعبيرًا مختلفًا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬