▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 154: سر 'النصر'
….
غادر الجميع قاعة الاجتماع.
ولم يبقَ سوى ظلَّين اثنين، أحدهما أكبر من الآخر، يجلسان جنبًا إلى جنب على درجاتٍ في جانب القاعة.
شعر تاليس ببعض القلق. (ما نيّة هذا الشيخ حين استبقاني هنا؟ أيمكن حقًّا أن يكون كل ما يريده هو «أن يحتسي شرابًا»؟)
ورغم عباءة القطن الثقيلة فوق كتفيه، كان الملك نوڤين يُظهر بوضوح ملامح عضلاته تحتها، وإن كان جلده قد تجعّد. وبوجهٍ متجهم، رمق الضمادات الملفوفة على جسده، ورفع كأس الخمر.
"لقد شخت." ارتشف الملك نوڤين جرعة من الشراب، وحرّك ذراعه اليسرى بانقباضٍ مؤلم. "في الماضي، كنت أستطيع الصمود في معركةٍ بهذه الحِدّة يومًا وليلة، أمّا الآن…"
زفر الملك العجوز ببرودٍ ساخر، وشرب ما بقي في الكأس. ولم ينطق تاليس بكلمة، إذ كان يجاهد لتهدئة أنفاسه.
لم يكن ذلك لكونه لم يجلس قط منفردًا مع حاكم مملكة؛ ففي الحقيقة، كان والده بالاسم، ملك الكوكبة كيسل، يمارس عليه ضغطًا أشدّ حين يكون معه وحيدًا. غير أنّ تاليس شعر بعدم ارتياحٍ غريب وهو يجلس إلى جانب الملك نوڤين، لا سيما مع ذلك العطر… مزيجٌ من الدواء والدم.
ربما كان السبب أنّ نوڤين قتل أحدهم بيديه قبل قليل، أو لأنّ هذا الملك العجوز لا يمكن التنبؤ به—فقد فقد جميع أقربائه ويعيش عزلة كاملة. وربما أيضًا لأن—
"خطتك شديدة المجازفة." قطع الملك نوڤين سلسلة أفكار تاليس. ملأ كأسًا آخر من برميل الخمر، وبصوته العتيق قال ببطء: "لو كان الجاني—لو كان بوفريت حاضرًا وواجه هذا الموقف، لبقي ساكنًا، لا يُظهر أدنى ردّة فعل. ماذا كنتَ ستفعل عندها؟"
زفر تاليس. (وماذا الآن؟)
"ما زال هناك مخرج." حاول أمير الكوكبة أن يرسم ابتسامةً دافئة. "ستحتاج إلى إعلانٍ للآرشيدوقات بأنك تنوي اصطحابهم لمقابلة تشابمان لامبارد بصدق وصراحة، وأنك تعتزم دفن العداوة معه. أعتقد أنّ الجاني لن يرغب بفعل ذلك؛ فهو يعلم أنّك حين تجمع معلوماتك مع لامبارد، سيكون ذلك كافيًا لدفعه إلى الزاوية."
أدار الملك نوڤين الكأس بين أصابعه، يستمع صامتًا.
"بالطبع، لم نكن مضطرين للمخاطرة. كان بوسعنا نصب فخٍ بطيء، وتمرير هاتين المعلومتين إلى الآرشيدوقات شيئًا فشيئًا." هزّ تاليس كتفيه. "لكن لم يكن لدينا خيار. الماركيز شيلس بامرا أبلغني أنّ اثنين من الآرشيدوقات سيغادرون صباحًا. لا نملك سوى ليلة واحدة، ويجب أن نخطط لما سنفعله أثناء المأدبة—"
وفي تلك اللحظة، انفجر الملك نوڤين ضاحكًا فجأة. استمر في الضحك بضع ثوانٍ طويلة. صدى ضحكته الغامضة أفزع تاليس وقطع كلامه.
وفجأةً، ومضةٌ عبرت ذهنه. (لا يمكن…)
"انتظر، لا تقل لي إنّك…" بدا الذهول ممتزجًا بالسخط على وجه تاليس وهو يحدّق بالملك نوڤين.
أمال الملك رأسه، ونظر إلى تاليس نظرة متفحّصة. كانت عيناه الخضراوان الداكنتان تخفيان برودة خالية من العاطفة، فارتجف ظهر تاليس.
فهم تاليس.
"لا أحد من الآرشيدوقات كان سيغادر، أليس كذلك؟" أغمض عينيه وزفر تنهيدة ممتلئة بالسخط. "كانت تلك معلومات كاذبة دسستها لنا عمدًا."
(بصفتهم آرشيدوقات مرموقين، لن يشدّوا رحالهم هنا فقط لإلقاء نظرة عليّ ثم يغادرون.)
"بعض الإشارات في الوقت المناسب…" هزّ الملك نوڤين رأسه بلا مبالاة. "يبدو أنّها كانت فعّالة للغاية."
(إشارات في الوقت المناسب؟ فعّالة للغاية؟)
استعاد تاليس رهبة اليوم وقلقه وارتباكه، وقمع رغبته في إطلاق تعليقٍ لاذع. التقط أنفاسه. ففي قصر الروح البطولية، يبقى أمير الكوكبة ضيفًا لا يملك شيئًا من السلطة.
"لكن لا بد أن أعترف أنّك… أدّيت عملًا حسنًا." وضع الملك نوڤين كأسه، وحدّق بثبات في تاليس. كان في عينيه شعور معقد. فتجمّد تاليس قليلًا.
حوّل تاليس بصره، وزفر ساخرًا. "شكرًا، لكن… بيوتراي، نائبي الدبلوماسي ومعلمي، هو من ابتكر الخطة. هو من نبّهني إلى أن بإمكاني استخدام لامبارد كورقة—"
"ومع ذلك، أنت من نفّذها." قاطعه الملك نوڤين بنظرة حادّة. "تستحق هذا المديح. من المعجزات بحق أن يملك شخصٌ في عمرك هذه القدرة."
ابتسم تاليس ابتسامة مصطنعة متعكرة. لم يكن يرغب بأن يبدو كوحش—لكن هذا العالم أرغمه على ذلك.
"ربما كانت عائلة جيدستار دومًا مليئة بهؤلاء النوابغ." أطلق الملك نوڤين تنهيدة طويلة.
ارتجف بصر تاليس.
"نوابغٌ في عائلة جيدستار؟" سأل تاليس بحدّة، "مَن أيضًا؟"
ضحك الملك نوڤين ضحكة خافتة، وبدت على وجهه لمسة حنين.
"أخو والدك، وابن جدّك الأكبر، ميدير جيدستار." قال الملك بصوتٍ هادئ. "كان هو الآخر عبقريًا ناضجًا قبل أوانه."
أضاءت عينا تاليس. (ميدير جيدستار.)
استعاد تاليس مواقف غيلبرت والسيدة جينيس تجاه الابن الأكبر للملك الراحل، ذلك الأمير الحكيم الذي تغنّى الجميع بفضله. وفي الوقت ذاته، تذكّر كلمات دوق الإقليم الشمالي، آروند، في قصر النهضة عن ميدير.
"أخي الأكبر المتشائم."
"حين كان في الثالثة عشرة، قدم إلى هنا برسالة اعتماده ليُصلح النزاع حول نطاق الصيد في غابات الصنوبر. كان النزاع بين إقليم أوركيد المرموقة، وإقليم الرمال السوداء، ومدينة المراقبة التابعة لمملكتكم. وكان ذلك قبل عامٍ من تتويجي.
"وفي هذه القاعة، التقى والدي—آرشيدوق أوركيد المرموقة، وآرشيدوق الرمال السوداء." رمق الملك نوڤين قاعة الأبطال المتلألئة بضوء النار، وقال ببطء: "رأيتُ أولسيوس العجوز، الآرشيدوق السابق لأوركيد المرموقة، يُعجزه طفلٌ أمام الجميع."
"أفهم." هزّ تاليس رأسه في حرج. (لا عجب أن أولسيوس… صاحب اللحية الكاملة، قد كرهني من النظرة الأولى. على ما يبدو أنّ عداءنا «متوارث عبر الأجيال».)
"نعم. وأظنّ أنّ موت والدي بعد ذلك بعام يعود جزئيًا إلى ميدير." ابتسم الملك نوڤين.
لم يُجب تاليس وقد شعر بالارتباك.
شدّ الملك العجوز عباءته مجددًا. وكان في نظرته ما لا يُفهم. "هل كنت تعلم أنّني—في الماضي—كنت سأمقت أمثالكم من النوابغ المزعومين، لا سيما وأنت الوريث الأول… لا، الوريث الوحيد لعرش الكوكبة."
عقد تاليس حاجبيه قليلًا. كانت نظرات نوڤين تُقلقه.
"كان موت ميدير مأساة… لطالما تساءلتُ: أيّ ملك كان سيصبح؟" تنهد الملك، ثم نظر مباشرة إلى تاليس. "غير أنّ الأمر ما زال ممكنًا بالنسبة إليك… واحتماله عظيم."
"أؤمن أنّ لحظة تتويجك ستشهد ولادةً جديدة للكوكبة." اشتدّ بصر نوڤين فجأة. "وستواجه إكستيدت خصمًا مُخيفًا."
كان تاليس قد بدأ يشعر ببعض الاسترخاء، فإذا بالقلق يعود ويشتعل بقوة. ارتجف جسده.
(لا يمكن… ما هذا؟ ما الذي يسعى إليه هذا الرجل؟)
لم يكن قادرًا على فهم نيات الملك نوڤين. وأثناء احتماله لنظرات الملك، حاول قدر استطاعته ضبط أنفاسه المتسارعة.
وفجأة، أطلق الملك نوڤين ضحكة غريبة.
تكلّم بلهجةٍ رتيبة، غير أنّ نبرته كانت مشبعةً بما لا يتأتّى إلّا للملوك من سلطان: "لستَ مضطرًا إلى كل هذا القلق. لستُ وحشًا يلتهم البشر."
كبَت تاليس رغبته في الاعتراض، وانتزع ابتسامةً قسرية. ثم رمق مركز القاعة بطرف عينه—هناك بالتحديد لُوي عنق بوفريت قبل برهة.
لاحظ الملك نوڤين نظرة تاليس، فانفجر ضاحكًا.
"بصفتك وريثًا للعرش، فلا بدّ لك من رؤية الدم عاجلًا أم آجلًا." جرع الملك رشفةً من الخمر، وحدّ بصره. "هذا سيعود عليك بالفائدة."
قطّب تاليس حاجبيه. (رؤية الدم…)
استعاد تاليس نظرة كوايد قبل موته، والشعور الذي انتابه حين اخترق خنجره اللحم والدم. وتذكّر ذلك القاتل النفسي الفتيّ القادر على إطلاق ذلك الصفير السحري الحاد، وقلبه الرطب الدافئ المترفّ بالنبض…
تملّكه نفورٌ جارح، فأجبر نفسه على كتمانه.
وضع الملك نوڤين كأسه جانبًا وسأل ببطء: "هل لديك رأي في المبارزة التي جرت قبل قليل؟"
"كانت لا تُنسى." أجاب تاليس القَلِق بصدق. "خصوصًا كيف تمكّن مُخضرمٌ مسنّ من إسقاط شاب يافع قوي."
أطلق الملك نوڤين ضحكةً ساخرة.
انتقى تاليس كلماته بحذر: "كما أنّ العُرف البطولي الشمالي في المبارزات كان تجربة فريدة بالنسبة إليّ. وبطبيعة الحال… شجاعتك حين خطوت بثباتٍ إلى الميدان وأنت حاكم مملكة."
"همف. حين أعلنتُ المبارزة، رأيتُ ملامحك." حدّق الملك نوڤين بتعمّق في وجه تاليس. "كنتَ مستنكرًا لهذا كثيرًا، أليس كذلك؟"
تجمّد تاليس قليلًا. واصل الملك نوڤين النظر إليه بثبات.
"حسنًا." قال تاليس بحرج، وهو يأخذ نفسًا عميقًا. "كما تعلم… بالنظر إلى سنّك—ولأن الأمر يمس مملكةً بأسرها—ماذا لو وقع مكروه؟"
وانقضت ثوانٍ قليلة.
وتحت نظرات تاليس المتوتّرة، قال الملك نوڤين شيئًا لا يمتّ للموضوع بصلة: "تعلم أن الصلة بين عائلة والتون وعائلة جيدستار بدأت منذ زمن بعيد."
ارتبك تاليس.
مدّ الملك نوڤين يده اليمنى ببطء وأبرز الخاتم الأسود في خنصره. "أتدري ما هذا؟"
عقد تاليس حاجبيه، ثم هزّ رأسه بصدق.
"هذا هو النصر‘." ابتسم الملك ابتسامةً غامضة. "وهو أيضًا أحد الرموز التي شهدت ولادة هاتين العائلتين العظيمتين."
ردده تاليس رغماً عنه. (النصر؟)
راح الملك نوڤين ينزع الخاتم ويقلبه ليُريه الجانب الداخلي. ضيّق تاليس عينيه… بدا له نقشٌ محفورٌ داخل الحلقة. شيء يشبه… حصانًا مجنّحًا؟
"هذا هو شعار البيغاسوس." قال الملك نوڤين ببرود. "لقد كان شعار العائلة الإمبراطورية الكارلوسية منذ أن أسّس الإمبراطور العظيم كاميلوت الإمبراطورية."
دهش تاليس للحظة. (البيغاسوس… العائلة الإمبراطورية؟ كارلوس؟)
"قبل أكثر من ستّمئة عام، حين تأسّست إكستيدت والكوكبة لأول مرة، وبسبب الأساليب الوحشية التي اتّبعها الملك تورموند تجاه بقايا نبلاء الإمبراطورية القديمة أثناء توسّع مملكته، اندلع أول صدام بين إكستيدت والكوكبة." ارتفع صوت الملك نوڤين آتيًا من بُعدٍ سحيق.
استعاد تاليس شيئًا ما في ذهنه. (أساليب تورموند الوحشية…)
"رايكارو وتورموند؛ ملك فرسان التنّين وملك النهضة؛ شماليٌّ وابنُ الإمبراطورية، قادا جنودهما النخبة—بمن بقي منهم من معركة الإبادة—والتَقيا عند أطراف القلعة الباردة.
"وفي النهاية، تراجع الملكان خطوة، ووقّعا أول معاهدة بين المملكتين، متعهّدَين بحكم الشمال والجنوب كلٌّ في مجاله، دون أن يعيق أحدهما توسّع الآخر.
"تلك كانت أول مرة تتلاقى فيها إكستيدت والكوكبة." زفر الملك نوڤين زفرة طويلة.
ضيّق تاليس عينيه. تذكّر ما رآه وسمعه في مكتبة الأمس.
(قطعًا يتحدّث الملك عن المعاهدة التي حوت توقيعي تورموند ورايكارو. "السنة الحادية عشرة، تقويم الإبادة: معاهدة حدود إكستيدت-الكوكبة". لا شك أنها ذاتها.)
"ما لم تدوّنه كتب التاريخ هو أن الملكين تبادلا إرثًا عائليًا على انفراد بوصفه عهدًا للتحالف." أعاد الملك نوڤين ارتداء الخاتم. "هذا الخاتم هو الإرث الذي منحه تورموند لرايكارو."
تنفّس الملك نوڤين بعمق وقال لتاليس: "ثم أورثه رايكارو لابن أخيه من عائلة والتون. وورثه جميع آل والتون من الآرشيدوقات جيلاً بعد جيل، رمزًا لمرتبتهم."
"ولا يعلم أحد من الغرباء أصله ولا حكايته، كما أنه لم يكن يحمل اسمًا. لكن جميع الآرشيدوقات السابقين أطلقوا عليه ’النصر‘." خفَّ صوت الملك، وبدت نظراته شاردة.
(النصر.) ضمّ تاليس حاجبيه قليلًا.
قال بحذر: "إنه اسم حسن… ذو وقعٍ باعث على السموّ والانشراح."
"السموّ والانشراح؟" لم يتمالك الملك نوڤين نفسه من الضحك. ثم راح يمرّر إصبعه على الخاتم وقد اشتدّ بريق عينيه: "قلتُ لك إنه كان إرثًا لعهد النهضة الذي خلّفه تورموند. وقد جاء من أول أباطرة الإمبراطورية الأخيرة—وهو أيضًا أحد أسلافك…
"كيسل كارلوس السادس."
ارتعشت أنظار تاليس. (كيسل؟ إمبراطور يحمل الاسم نفسه الذي يحمله والدي؟)
رفع الملك نوڤين عينيه. "كان الخاتم يومًا للإمبراطور الشهير كيسل السادس، ثم آل إلى تورموند. ومن ثمّ أهداه تورموند لرايكارو عهدًا بينهما.
"لم تكن سمعة كيسل السادس حسنة. ولم يطل عمره كثيرًا ولا قصر، بل كان مضطربًا. وخلال عهده، سقط خصومٌ كثرٌ ضحية مكائده وتدابيره." استنشق الملك نفسًا، واتشح صوته بالوقار.
"وأعظم مناقبه إحياءُ هيبة العائلة الإمبراطورية الكارلوسية في الفوضى التي أعقبت سقوط الإمبراطورية القديمة. فقد استعاد عاصمة النصر من أيدي المتمرّدين والأتباع. ومن هناك وُلدت الإمبراطورية الأخيرة التي دامت ثلاثمئة عام."
هزّ تاليس رأسه. (الإمبراطور الذي استعاد عاصمة النصر. مؤسس الإمبراطورية الأخيرة. إذن لهذا سُمّي الخاتم بالنصر.)
"أتعرف ما لقب هذا الإمبراطور؟" رفع الملك نوڤين رأسه فجأة ونظر إلى تاليس متأمّلًا.
تلكّأ تاليس، ثم هزّ رأسه. ازدادت ملامح الملك غموضًا، مما زاد تاليس اضطرابًا.
تنهّد الملك نوڤين وهو يدير الخاتم ببطء: "هذا الخاتم صغير… لكن استخداماته كثيرة."
ارتجف تاليس، وقد شلّته الدهشة. (له… استخدامات كثيرة؟)
حدّق في الخاتم مذهولًا. سالت إلى ذهنه فكرة مُفزعة. ثم جاءت كلمات الملك لتثلج ظهره برعب بارد.
"يمكن للخاتم أن يُخفِي داخله ثلاثة أنواع مختلفة من الرغوة السامة، ونوعين من الغاز، وحتى إبرةً مسمومة."
(إبرة… مسمومة؟)
كاد تاليس ينسى أن يتنفّس وهو يصغي لكلمات الملك المسنّ، لكن نوڤين واصل الكلام.
"لنفترض أن متبارِيَينِ بلغا حدّ الجمود…"
ارتجّ تاليس بعنف.
"… ما عليك إلا إدارة الترس ببطء. وسيفرج ’النصر‘ عن الغاز السام المُعَدّ، عشب السِّحر، على مسافة قريبة." في تلك اللحظة، تجمّدت نظرات الملك نوڤين حتى صارت كحدّ السيف. وخرج صوته في غاية الفظاعة.
"إن استخلاصه وتنقيته مكلفان، لكنه يخدّر عضلات الضحية ووعيها دون أن يشعر. وأثناء الجهد العنيف ينتشر السمّ في دمك. فيفقد الجسد قوّته، وتتخدّر العضلات، ويشتدّ الاضطراب والنزق."
(فقدان القوّة… خَدَر العضلات… نزقٌ وعنف…) تيبّس وليّ العهد الثاني. ثم استدار إلى الملك نوڤين بعينين يتّسع فيهما الذهول.
بادل الملك تاليس النظر.
ثم أقرّ الملك العجوز شكوك تاليس بابتسامةٍ يغلّفها الريبة:
"لِم هذا الذهول؟"
حدّق الملك المنتخب لإكستيدت، أرفع حاكمٍ بين أهل الشمال، نوڤين والتون السابع، في تاليس بنظرة عميقة: "أكنتَ تظن حقًا أنّ شيخًا يناهز السبعين… يستطيع بسهولةٍ أن يهزم رجلًا في ذروة عمره، مكتمل ردّاته وقوّته وسرعته، مدرَّبًا على فنون الشمال سنين طوالًا؟"
شخص تاليس مذهولًا، والملك يجيبه بابتسامةٍ ذات مغزى.
اضطربت أفكار تاليس. راح يعيد شريط المبارزة في ذهنه، يلتقط الشذرات التي تنطبق تمامًا على الوصف.
لهاث بوفريت الثقيل… وعجزه عن إصابة هدفه معظم الوقت… وانفلاته الهستيري في النهاية…
(لا يعقل…) لم يدر تاليس ما الذي ينبغي أن تبدو عليه ملامحه، ولا ما آل إليه وجهه أصلًا. كل ما استطاع فعله هو التحديق بالملك.
"هل نسيتُ أن أخبرك؟ لقب مؤسس الإمبراطورية الأخيرة، كيسل السادس، كان…"
ابتسم الملك نوڤين، وانسدل الغموض على محيّاه.
"إمبراطور السم."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬