سليل المملكة الفصل 148 — سليل المملكة 148

اقرأ سليل المملكة الفصل 148 — سليل المملكة 148 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 148: أنا أراقبك، وقد حذّرتك

…

انتهى الملك من الكلام.

امتلأت قاعة الاجتماع بصمتٍ حجريّ. ولم يُسمَع لبرهة سوى فحيح اللهيب المتطاير من المَجامر، وأنفاس الحاضرين المتقطّعة.

تجمّد الجميع تقريبًا أمام إعلان الملك المفاجئ في تلك اللحظة.

ظلّوا بلا حراك لخمس ثوانٍ كاملة، حتى اخترق الصمت صوتٌ طفوليّ لصبيٍّ صغير.

"ما هذا بحق الجحيم؟"

اتّجهت كل الأنظار، بما فيها نظرة الملك نوڤين العميقة، نحو أمير الكوكبة، تاليس جيدستار، الواقف في إحدى الزوايا بملامح مذهولة.

افتعل بيوتراي سعالًا خلف الأمير، فتنبه تاليس المشتّت إلى ما تفوّه به، وسرعان ما أطلق ابتسامةً اعتذارية مرتبكة.

لكنّ أحدًا لم يعبأ بزلة لسان أميرٍ غريب في تلك اللحظة.

نهض الآرشيدوق روكني فجأة، وبوجهٍ متجهم قال ما كان يدور في أذهان بقية الآرشيدوقات.

"جلالتكم، أرجو أن تعيدوا النظر في قراركم. فالأمر لا يتعلق بثأر عائلتكم وحدها، بل بمستقبل إكستيدت!"

حتى رجال مؤتمر المملكة المجتمعين إلى جانب الملك أبدوا ذعرهم. اسودّ وجه المسؤول الواقف خلفه — اللورد ميرك — لحظة بعد أخرى. حاول أن يهمس بشيء في أذن الملك نوڤين، لكن الأخير لوّح له بيده في إشارة رفض، فأخرسه على الفور هو وأتباعه المقربين.

"هذا قراري." نطق الملك بصوت خافت يخاطب خاصّته.

في تلك اللحظة تحديدًا، خُيّل إلى تاليس أن هيئة الملك نوڤين الهرِمة الواهنة تتداخل مع ظِلّ الرجل القوي الذي رآه في قصر النهضة.

لاحظ تاليس أيضًا أن شخصين فقط في القاعة بدَوا غير مكترثَين: قائد حرّاس النصل الأبيض، الملقّب بقاتل النجوم، بوجهٍ جامد؛ والساحرة الحمراء كالشان، رئيسة الغرفة السرية، وهي تحافظ على ابتسامة لطيفة وودودة.

أما الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع، جويل هولم، التي وصلت حديثًا، فلم يتمكن حتى من رؤية ملامحها المختبئة تحت الحجاب.

"كم يبلغ عمر الملك نوڤين هذا العام؟" همس تاليس نحو بيوتراي.

"تسعةٌ وستون، إن لم تخنّي الذاكرة." أجابه المركيز شيليس بامرا الذي كان بجوار بيوتراي. عقد الضيف القادم من كاموس جبينه. "أما اللورد بوفريت فهو في الثالثة والثلاثين، ما يزال في عنفوان شبابه… تبًا، وقد وقعنا لتونا عقدًا للتعدين مع إكستيدت."

"الوضع ينفلت من السيطرة… كن على حذر، يا سمو الأمير." بدا بيوتراي قلقًا ومتوترًا. "إن أصرّ الملك نوڤين على المبارزة…"

هز تاليس رأسه بجدية. كان يعلم ما يقصده بيوتراي تمامًا.

إن مات الملك نوڤين هنا، فسيزول آخر ركيزة تحفظ السلام بين عائلة جيدستار وعائلة والتون. وسيخسر هو — أمير الكوكبة — حليفه الوحيد في مدينة سحب التنين… في عموم إكستيدت.

وفوق ذلك، لم تكن نظرة الآرشيدوقات نحوه ودّية أصلًا، وبخاصة اللورد بوفريت، الذي كان يحتقره بوضوح.

قبض تاليس على أسنانه.

في الأثناء، ترك الملك نوڤين مقعده، وتقدّم وهو يبتسم نحو الآرشيدوقات.

"ما بالك، أيها النبيل المتعالي يا روكني؟" دوّى صوت الملك الهرِم، لكنه قويّ كالهدير، عبر أرجاء القاعة الواسعة. "أخائفٌ أنت من أن يعجز شيخ مثلي عن هزيمة شاب؟"

لم يجب الآرشيدوق طويل الشعر، لكنّ هزّة خفيفة برأسه أوضحت رأيه.

"لا أظنه تخوّفًا بلا سبب يا جلالتكم." قال الآرشيدوق ترينتيدا وهو يفرك يده اليمنى بفظاظة، ملقيًا نظرة مرتبكة على اللورد بوفريت. "قتال شاب من أجل النساء شيء… أما المبارزة فشأن آخر تمامًا."

"أنتم تدركون سنّكم جيدًا يا جلالة الملك." كان الآرشيدوق أولسيوس أكثر مباشرة. "اعتقاله خيارٌ أفضل بكثير… هل تدركون أن لهذا عواقب؟"

"هذه هي العواقب!"

رفع نوڤين صوته، وصاح في القاعة الموجّهة أنظارها إليه.

"هذه هي العواقب التي يتحمّلها كل من يجرح أحد أبناء عائلة والتون، ولو بأدنى درجة!"

ارتجف الجميع في القاعة.

(هذا لا يبشّر بالخير.)

راقب تاليس المشهد بقلق.

(هل دفع الغضب والحقد الملك نوڤين السابع إلى الجنون؟)

مرّت نظرة الملك الثائرة فوق الآرشيدوقات الثلاثة. "تعلمون جيدًا أنه من يُغضِب عائلة رمح التنين فعليه أن يدفع الثمن. نحن آل والتون نضع كل شيء على المحكّ من أجل الثأر… هذا نحن."

تغيرت وجوه الآرشيدوقات في دهشة وارتباك. وتحت نظرات الملك القاسية، خفّضوا رؤوسهم وصمتوا. كانوا كلبؤاتٍ خضعت لزعيم السرب.

(لكن هناك خطب ما.) أدرك تاليس ذلك.

(الأمر ليس حقدًا أعمى فقط… هذا تحذير يصدر من الملك… من مدينة سحب التنين… من عائلة والتون.)

"هاها." ضحك الآرشيدوق ليكّو ضحكة متوترة. كان الأكبر عمرًا بينهم، وجالسًا في الطرف البعيد. "جلالتك تحب المزاح… أليس كذلك؟"

استدار الملك نوڤين وألقى عليه نظرة.

تجمّدت ابتسامة الآرشيدوق ليكّو، وإن بدا كأنه لم ينتبه.

"مزاح؟"

أطلق الملك نوڤين زفرة ساخرة، وتقدّم نحو بوفريت، وعيناه تتقدان غضبًا لا حدّ له.

"ما رأيك يا كونكراي بوفريت؟ هل أبدو كمن يمزح؟"

تركزت جميع الأنظار على الآرشيدوق بوفريت وقد وُجّه إليه التحدي.

"أنت… أنت مختل. مبارزة؟" تمتم الآرشيدوق الشاب مذهولًا، يحدّق في الملك نوڤين النحيل المريض من رأسه حتى قدميه. ارتعشت شفتاه وهو يتمتم: "باسم الانتقام… أنت مستعد للمخاطرة بحياتك—"

لكن الملك قاطعه.

"ولِمَ كل هذا الذهول؟" قال الملك ببرود. "إنها فرصتك الأفضل — وربما الوحيدة. إن قتلتني، فلن تواجه أي عقاب. ستُسقَط التهم عنك."

ارتجف بوفريت. رفع رأسه، يحدّق في الملك.

"وبالطبع، يمكنك أيضًا أن تعلن استسلامك منذ بداية المبارزة، وتعترف بجريمتك." قال نوڤين بابتسامة باردة، وعيناه تلمعان بالحقد.

ومن دون أن ينتظر ردّ بوفريت، التفت الملك نحو الآرشيدوقات الأربعة الآخرين.

"أليس هذا ما تنتظرونه أكثر من أي شيء؟" دوّى صوت الملك كأنه تنّين غاضب.

"إن متّ هنا…"

"ستوفّرون على أنفسكم وقت المؤامرات الحقيرة، أليس كذلك؟"

تصلّب الآرشيدوقات في أماكنهم.

مسح الملك القاعة بنظره، وهو يضحك ضحكة مجلجلة. "عندها ستشهد إكستيدت اختيارًا آخر للملك… ربما اختيارًا مستعجلًا."

"لكنها ستكون فرصتكُم لاعتلاء العرش… والهيمنة على المملكة." ضيّق عينيه. "إنها فرصة قريبة… قريبة جدًا، أليس كذلك؟"

بقي الآرشيدوقات صامتين. وساد القاعة سكون ثقيل، وقد ثقلت أنفاس الجميع.

"أنت الملك." قال الآرشيدوق روكني متنهّدًا. "وأنت صاحب القرار."

ضحك الملك نوڤين ضحكة مكتملة، ثم استدار نحو الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع.

"الكاهنة العليا هولم؟"

ردّت الكاهنة المحجّبة بإيماءة خفيفة، ورفعت ذراعيها بوقار؛ قبضت يدها اليسرى على كوعها الأيمن، بينما كانت راحة يدها اليمنى ممدودة إلى الأعلى كأنها تحمل طبقًا.

أغمضت الكاهنة العليا هولم عينيها وخفّضت رأسها بينما راقبها الجميع في صمتٍ ثقيل.

فجأةً، سمع تاليس رنينًا غريبًا في أذنيه.

انتفض تاليس.

لقد جرّب هذا من قبل في قاعة الكوكبة، أمام سيّدة الطقوس في قاعة الغروب، ليسيا، خلال طقس السلالة.

لكنّه شعر هذه المرة بحالٍ أفضل بكثير. على الأقل لم تكن ردّة فعله قوية كما كانت آنذاك.

ربما… كان مقدَّرًا له أن يتأثر بكل طقس مقدّس يرتبط بالتجسُدات؟

حافظ تاليس على رباطة جأشه، وشعر بالامتنان لأن وضعه أفضل من السابق، لكنه ما لبث أن سمع صوتًا وسط ذلك الرنين.

"أنا أراقبك."

رفع تاليس رأسه بسرعة، لكنه لم يرَ سوى سقفٍ خاوٍ.

(ماذا؟)

تفحّص المكان حوله، فلم يجد إلا وجوهًا جامدة تنتظر نهاية الطقس.

كان بيوتراي وشيليس خلفه بملامح قاتمة.

لم ينطق أحد بكلمة.

(ما الذي كان ذلك…؟) حك تاليس رأسه مرتبكًا. تابع تفقده للقاعة، ولم يجد شيئًا غير مألوف، فتنهد تنهيدة عاجزة.

(حسنًا… إن كنت أتوهم أصواتًا، فثمّة خلل بأذني… عليّ أن أرى طبيبًا…)

"لقد حذّرتك."

شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. استدار لا إراديًا ونظر حول القاعة بقلق.

(لقد تكرّر الأمر!)

(من؟)

(من المتكلّم؟)

كان الصوت حقيقيًا. كان متيقّنًا أن أحدًا يخاطبه—كان الأمر أشبه بسماعة عند أذنه.

لم يستطع تاليس تذكّر نبرة الصوت، لكن الكلمات كانت واضحة تمامًا!

(أيمكن أن يكون…) انتابه الذعر.

(يودل… الحارس المقنّع السري؟)

(لا… مستحيل.)

(الصوت مختلف تمامًا عن نبرة يودل الخشنة!)

بدأ الاضطراب يتملّكه. وبعد أن تأكد أن لا أحد تحدّث، وجّه نظرة مذهولة نحو الكاهنة العليا لقاعة القمر الساطع، التي ما تزال مغمضة العينين.

(هل يعقل؟)

أثارت تصرّفاته الغريبة انتباه بعض الحاضرين. حدّق فيه شيليس باستغراب، بينما عبس بيوتراي كما لو كان يوبّخه.

انتبه تاليس لذلك، فارتاع، ثم اعتدل واقفًا واتخذ هيئة جدّية.

تلاشى الرنين الغريب أخيرًا.

لكن حيرته وقلقه لم يتلاشيا.

"لقد أجابت القمر الساطع." فتحت الكاهنة العليا هولم عينيها الصافيتين الهادئتين. "التجسدات لا تعترض."

تنفّس معظم من في القاعة بارتياح، لكن الآرشيدوقات بقوا صامتين.

"يبدو أن المبارزة لا مفرّ منها." قالت الكاهنة بصوت عميق. "وسأكون شاهدة التجسدات."

لم يعلُ أي اعتراض آخر.

أطلق الملك الهرم ابتسامة راضية، ثم أعاد نظره إلى خصمه.

في ذلك السكون، استعاد الآرشيدوق بوفريت بعض هدوئه تدريجيًا وسيطر على أنفاسه المضطربة.

حدّق في الملك نوڤين، وعيناه تلتمعان بشعورٍ غامض.

"هاه… حسنًا." ظهرت ابتسامة غريبة على شفتي الآرشيدوق الشاب. "هذا هو عرضك، أليس كذلك؟"

"أن تتحدّاني باسم الملك… لا أملك حقّ الرفض، ولا أنوي ذلك."

رفع بوفريت ذقنه، كاشفًا عن نظرة حادّة دامية. "فما الذي ننتظره إذن؟"

ابتسم الملك نوڤين ابتسامة عريضة، وتألّقت عيناه ببريقٍ ساحق.

أما تاليس، فكان يزداد حيرةً.

("أنا أراقبك.")

("لقد حذّرتك.")

(ما معنى كل هذا؟)

أجبر تاليس مشاعره على الهدوء، محاولًا ألا يفكر في ذلك الصوت الغريب.

هز رأسه بقوة، كأنه يحاول طرد الكلمات من ذهنه.

فمشكلاته الآن كثيرة بما يكفي. وكان عليه أن يواجهها واحدةً بعد أخرى.

نظر تاليس نحو حرّاس النصل الأبيض وهم يزيحون الطاولة الطويلة الثقيلة من وسط القاعة. تراجع الحضور مفسحين ساحةً للمبارزة.

وبينما تبع الآخرين نحو مكان قرب المَجامر في الزاوية، لاحظ وجود خمس أو ست درجات على جانبي القاعة البيضاوية المسماة قاعة الأبطال. كان وسط القاعة فارغًا.

وبحسب شذرات الذاكرة من حياته السابقة، فقد بدا المكان كأنه مدرّج قتال. وخطر له فجأة:

(هل من الممكن أن تكون قاعة الاجتماع في قصر الروح البطولية قد بُنيت أصلًا للمبارزة؟)

"أهو الحظ أم الشؤم؟" تمتم بيوتراي بسخرية. "هذا أول وصول لك إلى إكستيدت، وتحظى فيه بمشاهدة مبارزة نادرة."

تجهم تاليس. "هل يجب على الملك أن يدخل الساحة بنفسه؟"

"في عصر الإمبراطورية، كان المقاتل يحق له اختيار من ينوب عنه." همس بيوتراي. "أما الآن فنحن في الشمال—شمال ما بعد سقوط الإمبراطورية. كلٌ يقاتل بيديه… حتى الملوك."

"سمعت قليلًا عن مبارزات الشمال، لكن…" قال المركيز شيليس الواقف بجانبهم وهو يتنهّد. "هذه أول مرة أراها بعيني. يا للهول، ملك في السبعين يتحدى دوقًا في الثلاثين… مهما كانت النتيجة، فهذه قصة سأرويها لعامٍ كامل عند عودتي."

"هل المبارزة حدث نادر؟ أليست جزءًا من اختيار الملك؟ كنت أظن أن الآرشيدوقات الطامحين للعرش يستعدون لها." سأل تاليس.

"مبارزة اختيار الملك تحدث فقط حين يتعادل الطرفان في عدد الأصوات. تُجرى لتحديد الفائز الأخير. ولم يحدث ذلك منذ زمن بعيد." هزّ بيوتراي رأسه. "قيل إنه خلال مؤتمر اختيار الملك قبل ثلاثين عامًا، حاز نوڤين السابع دعم الآرشيدوقات الستة جميعهم. فلم تكن هناك حاجة لمبارزة."

"سمعت أن الكونت لامبارد من إقليم الرمال السوداء هزم شقيقه الأكبر في مبارزةٍ لينال حق الوراثة. هل هذا صحيح؟" سأل تاليس بوجهٍ قاتم وهو يشاهد الرجلين في الساحة يخلعان أرديتهما، بينما كان اللورد ميرك يهيئ أرض المبارزة بوجهٍ شاحب.

هزّ بيوتراي رأسه.

"ذلك النزال جعله معروفًا في أرجاء البلاد كلها، بل وحتى في الكوكبة"، نطق بيوتراي بصوت قاتم "نادراً ما تحظى إكستيدت بسيدٍ إقطاعي متوحّش، مرعب، ومتعطشٍ للدماء كهذا، وله أتباع متحمّسون. وبعدها أُسندت للامبارد مهام كبرى، ثم ابتُعث في مهمة دبلوماسية إلى الكوكبة."

"لكن السادة الإقطاعيين الآخرين يتحفّظون منه لأنه رجل عديم الرحمة. فقد كان قادرًا على قتل شقيقه بيده." ضمّ المركيز شيليس شفتيه. "هذا كل ما أعرفه عن الشمال بعد أن جبتُ كل مدنه."

"بعيدًا عن ذلك، قرار هذا النزال متعجّل للغاية… هل كل الشماليين مجانين؟" عضّ تاليس على أسنانه. "ألم يفكّر في عواقب هزيمته؟"

وفجأة، دوّى صوت بارد. "في الشمال، النزال طقسٌ مُقدّس."

ظهر قاتل النجوم، نيكولاس، من العدم ووقف إلى جانبهم. كانت عيناه معلّقتين بالرجلين في الحلبة. "إنه وسيلةٌ لإثبات ما إذا كنت جبانًا ماكرًا أنانيًا يختبئ خلف جيشه وحراسه، أو محاربًا قويًا شجاعًا يخاطر بروحه من أجل الهدف الذي يحمله في قلبه."

تنفّس تاليس بعمق ورفع كتفيه.

في وسط القاعة، كان الملك نوڤين يقف مرتديًا عباءة قتال بأكمام مشدودة. كانت العباءة مطرّزة بشعار رمح سحب التنين، وكانت الأكمام تمنحه حرية حركة واسعة. والأمر ذاته بدا على بوفريت، وقد رُسم على كمّه الأيسر رمز الحذاء الدموي.

"النزال من فكرتي. أمّا السلاح، فلك أن تختار." حدّق الملك نوڤين في بوفريت بدقة.

أخذ بوفريت نفسًا عميقًا وتردّد لبضع ثوانٍ.

"الفأس الحربي."

رفع الآرشيدوق الشاب رأسه نحو الملك نوڤين بثبات. "الفأس الحربي مزدوج النصل. هذا هو السلاح."

انكمشت حدقتا الملك نوڤين.

وانفجر الجمع في القاعة بصافرات استهجان.

"هاه." ضحك الآرشيدوق ترينتيدا موجّهًا كلامه للآرشيدوق أولسيوس. "غلام ماكر."

هدر الآرشيدوق روكني باحتقار. "ضعيف."

"فأس حربي؟ أهو ما أفكّر به؟" دار هذا الخاطر في ذهن تاليس فالتفت ليسأل.

"استخدام الفأس الحربي ذي النصلين يتطلب قوةً هائلة وصبراً. يستطيع القطع في الاتجاهين، وقوّته التدميرية كبيرة. ومع وجود شوكة في أعلاه، يمكن استخدامه للطعن أيضًا. كان هذا السلاح شائعًا في معارك الأورك قديماً"، أجاب نيكولاس بهدوء. "لكن هذا السلاح الثقيل نادر الاستخدام الآن. معظم سيّافي الشمال يفضّلون الفأس الأحادي الخفيف."

"اختيار ذكي." ضيّق بيوتراي عينيه وهو يهز رأسه. "إنه يستغلّ تقدّم الملك نوڤين في السن."

بعد وقت قصير، وصلت الأسلحة.

حدّق تاليس في السلاحين الضخمين اللذين حملهما الحرس إلى الحلبة. الفأس كان ذا مقبضٍ سميك يُمسك بكلتا اليدين. وكان ارتفاعه يصل إلى نصف طول رجل بالغ، وله شفرتان على شكل هلال، كل واحدة بحجم صدر إنسان تقريبًا. كانت الشفرتان تلمعان ببريقٍ مخيف، وفوقهما شفرات صغيرة للطعن. كان سلاحًا رهيبًا بكل معنى الكلمة.

ابتلع تاليس ريقه. هذا الفأس ربما يزن ضعفي وزنه.

وخطر بباله الفأس العملاق الذي استخدمه خصم آراكّا في معركة حصن التنين المحطم. ومع ذلك، فقد انتزع "غضب المملكة" ذلك السلاح منه في النهاية وشقّ وجهه به.

ألقى بوفريت نظرة نحو الملك نوڤين الواقـف قبالته وأطلق ضحكة خفيفة.

انتزع الفأس العملاق من يد الحارس بذراعٍ واحدة، يزنُه بكفّه.

ثم، بحركة خاطفة، رفع الآرشيدوق الشاب السلاح عاليًا.

ابتسم بوفريت راضيًا. استدار ولوّح بالفأس العملاق في الهواء محدثًا صفيرًا حادًا قويًا.

كما لو أنّ الأمر في غاية البساطة.

راقب تاليس حركاته السهلة المستريحة وهو يحدّق بدهشة.

"هذا الشيء اللعين متعب فعلًا." وضع بوفريت الفأس العملاق على كتفه. رفع رأسه وحدّق بالملك نوڤين، الذي كان واقفًا أمام سلاحه. "انتبه لظهرك، يا صاحب الجلالة."

لم يُعره الملك اهتمامًا.

اكتفى بأن مدّ يده ووضعها برفق على مقبض الفأس، ضاغطًا على نقاط محددة. ثم أخذ نفسًا عميقًا، وقبض على المقبض بكلتا يديه.

قطّب تاليس حاجبيه.

(توقّعه كان قريبًا من توقّع بوفريت.)

(فالملك نوڤين قد بلغ السبعين.)

وقبل أن يُتمّ تاليس حديثه الداخلي، كان الملك العجوز قد قبض على أسنانه ورفع الفأس العملاق بثبات.

بل ورماه في الهواء. دار ١٨٠ درجة قبل أن يعود إلى قبضته.

شهق تاليس وهو يحدّق في الملك العجوز، الذي بدا ما يزال قويًا بحق.

ومثل بوفريت، وضع الملك نوڤين الفأس العملاق على كتفه (ويبدو أنها الوضعية القياسية لحمل الفأس). زفر زفرة طويلة، والعواصف تتجمّع في عينيه الجامحتين. "لا تقلق عليّ. حين كنت أقاتل الأورك في الحرب… كان والدك ما يزال يرضع من أمّه."

ابتسم الملك نوڤين ابتسامة شيطانية.

"يا ابن الـ…"

اسودّ وجه بوفريت.

"يبدو أن ملكنا ما يزال مهابًا كما كان دائمًا." قال الآرشيدوق الأصلع ليكّو وهو يزفر. "لو كنت مكانه، لكنتُ… بفعل هذا الفأس…"

"ما يزال الوقت مبكرًا لأي حكم." هزّ الآرشيدوق ترينتيدا رأسه وتعالّت وجهه ملامح غريبة. "إن حدث شيءٌ سيّئ لملكنا المبجّل…"

"أليس هذا ما تريده؟" زمجر الآرشيدوق روكني بحدّة. "اختيار الملك الملعون."

خفض ترينتيدا رأسه بصمت.

أمّا الآرشيدوق أولسيوس فكان يمرّر أصابعه خلال لحيته الكثّة وهو يقطّب حاجبيه، مأخوذًا بذكرى نزال الوراثة في إقليم الرمال السوداء قبل اثنتي عشرة سنة.

وبينما كان تاليس ما يزال مضطربًا من احتمال هزيمة الملك نوڤين، تقدّمت الكاهنة الكبرى هولم نحو مركز الحلبة، جاذبة أنظار الجميع.

توتر الحاضرون دفعة واحدة.

وقفت الكاهنة الكبرى بين الخصمين، وعيناها اللامعتان خلف الحجاب تتنقلان بينهما.

رفعت يدها اليمنى، مشيرةً إلى الملك نوڤين.

وأعلنت بصوت صافٍ بارد: "من أجل الثأر، دعا هذا الرجل إلى النزال."

حدّق الملك نوڤين بعدوّه ببرود.

ورفعت الكاهنة ذراعها اليسرى، مشيرةً إلى بوفريت الشاب.

"ومن أجل الهيبة والمجد، سيقبل هذا الرجل التحدي."

زفر بوفريت بوجهٍ متجهّم.

"باسم تجسيد القمر الساطع، سأكون شاهدة." تراجعت الكاهنة خطوات قليلة بخفة. وكل خطوة تلتها آية:

"ترقص السيوف والدروع تحت زخّات ضياء القمر الساطع."

"وفي الدم المسفوك توًّا يسطع نور المجد السماوي."

"الشجاعة لهيب، يحرق أرواح الشرفاء."

"والموت بابٌ للعودة إلى الديار البعيدة."

تصلّبت ملامح الملك نوڤين والآرشيدوق بوفريت. ورفعا فأسَيهما العملاقين عن اكتافهما.

انحنى الملك نوڤين للأمام بذراعين ممدودتين، وانزلقت يده اليسرى نحو موضع اتصال نصل الفأس بمقبضه. أمّا الآرشيدوق بوفريت فوضع سلاحه إلى جانبه، ممسكًا بالنصل قريبًا من وجنته، متهيّئًا لأفضل وضعية للضربة.

وتبادلا النظرات المشبعة بالعداء.

ضيّق تاليس عينيه ورأى في نظراتهما كل شعور سلبي يمكن أن تملكه نفس بشرية.

تراجعت الكاهنة إلى زاوية الحلبة، أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت ذراعيها نحو السماء كما لو أنها تلقي الدعاء الأخير.

حبس الجمهور أنفاسهم.

وبعد ثانية، أنزلت الكاهنة ذراعيها، وضعت يديها على كتفيها، وأحنَت رأسها قائلة: "لقد بدأ النزال."

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬