سليل المملكة الفصل 146 — سليل المملكة 146

اقرأ سليل المملكة الفصل 146 — سليل المملكة 146 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 146: الجاني

…

كان ذلك أولَ مرّة يرى فيها تاليس التاجَ الذهبيَّ القاتم فوق رأس الملك نوڤين. كان الملك مرتديًا حُلّةً حمراء مذهّبة، تجمع بين الجلال والرهبة. وباعتماده على سلطته كملكٍ قويّ، وبين حاشيته من أتباعه، هبط درجات السلّم وتقدّم نحو طاولة الاجتماع الطويلة في الوسط، وجلس على العرش المخصّص للملك المُنتخَب.

في نظر تاليس، لم يبقَ على الرجل الذي قارب السبعين أيٌّ من ذلك الانطباع البليد الغامض الذي رآه فيه أولَ مرة. ما حلّ محلّه كان مهابةٌ غير مسبوقة، كأنّه أسدٌ صامتٌ مفترس في عرينه.

نوڤين والتون السابع كان ذا ظهرٍ منتصبٍ متين. أسند يده إلى مسند العرش، وأرسل بعينيه اللامعتين نظرةً نافذة تجوب القاعة. وتحت وطأة تفحُّصه الواضح، أدار الآرشيدوقات الأربعة رؤوسهم بغير إرادة منهم وتجنّبوا النظر نحوه.

وقف اللورد ميرك خلف الملك بوجهٍ مشدود. وكان عشراتٌ من نخبة حرّاس النصل الأبيض مصطفّين عند أركان القاعة، ممسكين بمقابض سيوفهم البيضاء في يقظةٍ تامّة. وكان هناك وجوهٌ أخرى يراها تاليس للمرة الأولى؛ رجالٌ مصطفّون إلى جانبي الملك، بوجوهٍ متباينة وتردّداتٍ ظاهرة، يرتدون أرديةً مخصّصة للنبلاء، ويتبادلون فيما بينهم نظراتٍ مكشوفة.

كانت تلك أيضًا المرة الأولى التي يرى فيها تاليس نُوّاب الملك الخاصّين من البلاط الملكي لمدينة سحب التنين.

وبالمقارنة مع البلاط الملكي المرتّب المنضبط في الكوكبة، فإنّ هيئة ملك إكستيدت ورجاله—في مواقعهم، وهيئاتهم، وحركاتهم، ونظراتهم—كانت تحمل طابعًا فاجرًا جافيًا متوحّشًا، كأنّه متأصّل في عظامهم. بدا عليهم الاسترخاء والفوضى، وهو أمر يزعج كلَّ من يشهد المشهد للمرّة الأولى—كأنّ المرء يقف بين حيواناتٍ مفترسة.

لم يملك تاليس إلّا أن نظر إلى بيوتراي، فبادله الأخير بإيماءةٍ طفيفة.

"انتظار؟"

في قاعة الاجتماع، عبّر الأرشيدوق روكني ذو الشعر الطويل عن شكوكه بصوتٍ مُنخفضٍ أجش: "ماذا تعني، يا صاحب الجلالة؟"

لم يجبه أحد.

رمق الأرشيدوق ترينتيدا أولئك المقرّبين من الملك، أصحاب الشعر الأبيض والعيون اللامعة، وبدى الشحوب على وجهه وهو يقول: "يا صاحب الجلالة! لا أعلم ما الذي تُخطّط له. لكن بوجود الكونت ليشبان، رئيس الكتّاب، والكونت سايلر المسؤول عن الشؤون الخارجيّة… هل جئت بنصف مؤتمر الإمبراطوريّة لتضعه أمامنا؟

"أيمكن أن تكون رغبتُك مناقشة سبب كون الشراب في المأدبة مريرًا إلى هذا الحد؟" نطقها بنبرةٍ نصف ساخرة، نصف مُتّهمة.

لم يتردّد الأرشيدوق أولسيوس الواقف قربه أن يحدّق في الملك أيضًا.

أخذ تاليس يشاهد المشهد بقلق. (كيف ستؤول الأمور؟)

"يبدو أنّ تسامحي طوال هذه السنين قد أفسدكم."

أجاب أحد المقرّبين من الملك، رجلٌ تجاوز الخمسين، الأرشيدوقَ من برج الإصلاح بِلُغةٍ خاليةٍ من أيّ أدب: "اسمعوا جيّدًا، يا أصحاب السموّ، يا أرشيدوقات إكستيدت. الملك الذي أقسمتم له بالولاء، السيّد الذي أقسم أهل الشمال باتّباعه، يُملي عليكم الآن—"

"انتظروا!"

كان وجه الرجل العجوز قاسيًا كالثلج وهو يوبّخهم غير آبهٍ بأقلّ مقدارٍ من اللباقة.

تحوّلت وجوه ترينتيدا وأولسيوس إلى صقيع، بينما بدا على ليكّو التفكير العميق.

أمّا روكني، فبقي على حاله، جالسًا في أقصى يسار الطاولة، كما كان عندما رأى تاليس للمرّة الأولى.

"يا صاحب الجلالة، ألن تُطلعنا على غايتك من هذا الفخّ السخيف؟" بعد ثوانٍ، أطلق الأرشيدوق ليكّو من مدينة الدفاع زفرةً طويلة وجلس ببطء.

"التآمر مع هذا الولد من الكوكبة للسخرية من الآرشيدوقات…" جلس الأرشيدوق أولسيوس بدوره، وأردف ببرود: "أشعر أنّ كرامتي قد دِيسَت."

وفي تلك اللحظة، دوّى طرقٌ متتالٍ في القاعة.

طَق… طَق… طَق…

التفت الآرشيدوقات الأربعة جميعًا نحو رأس الطاولة.

كان نوڤين السابع بوجهٍ صارم. كان ينقر الطاولة بثباتٍ بيده اليمنى.

طَق… طَق… طَق…

ضيّق تاليس عينيه قليلًا. لقد لاحظ خاتمًا فريدًا في خنصر الملك: حجرٌ أسود في وسط معدنٍ فضّي ناصع.

وكان الملك يطرق على الطاولة بذلك الحجر.

"الكرامة لا تمنحك الحقّ في مساءلة ملكك، يا ريبيِن،" قال الملك نوڤين بصوتٍ هادئ. كان بصره معلّقًا على نقطة الضرب، كأنّها تشدّ اهتمامه. "هناك أمرٌ واحد عليكم فعله، كما كان قبل عشرة أعوام.

"أطيعوني."

رفع الملك رأسه ببطء. أشعّت من عينيه حدّةٌ لا تقبل الجدل وهو يخاطب الآرشيدوقات:

"كما أطاع أسلافكم والدي قديمًا، ثم أطاعوني…"

"على الأقلّ حينذاك، كنّا نحيا بسلام."

"ألآن فهمتم؟"

حُبس نَفَس الآرشيدوقات جميعًا في آنٍ واحد.

بعد لحظات، زفر ليكّو وقال: "حسب كلام ذلك الصبي، لقد استخدمتَ كذبًا لاختبار ولائنا؟ ونحن الآن بعيدون عن حرّاسنا وحاشيتنا، وهذا يجعلني أتساءل عن سلامتي…"

"أيّها الأصلع العجوز، لو أردتُ حقًّا القضاء عليك دون اكتراث بالعواقب، أتظنّ أنّ بإمكانك مغادرة قصر الروح البطوليّة—بل مدينة سحب التنين—وأنت تتنفس؟ وعلى أساس ماذا؟ على حفنة الجنود الصغار خلفك الذين يخدمون ذلك القاتل الفائق؟" ارتفع صوت الملك فجأة فبُهت ليكّو.

"هذه ليست مدينة الدفاع."

قطّب الآرشيدوقات حواجبهم سويًّا.

"هلّا أخبرتنا على الأقل بما ننتظره؟" أزاح روكني شعره الطويل وهو يزفر ببرود.

وقف وزيرٌ آخر إلى يسار الملك، وقد علت وجهه ملامح تأمّل. وبنظرةٍ مشوبةٍ بلمحة ابتسام قال: "يا أصحاب السموّ، يا ايها الآرشيدوقات، لقد أظهر جلالته غايةَ السخاء. فلا تقلقوا. ولكن… إن كنتم تدركون مواقعكم وواجباتكم… فالْتَمِسوا لأنفسكم مقعدًا واجلسوا بهدوء."

لم ينبس أحدٌ بحرف.

وغاصت القاعة في صمتٍ متزعزع بلا غاية.

مضت دقائق طويلة.

وأخيرًا، أدار تاليس عينيه في حرجٍ وهو يرقب القاعة.

فجذَب انتباه الأرشيدوق الملتحي.

بوجهٍ متوحّش، صبّ أولسيوس نظرته على تاليس. وفي لحظة، تبعته بقية النظرات تباعًا. "أيّها الوغد، سأنتزع قلبك بعد هذا. هذا ثمنُ عبثك بكرامتنا."

كان روكني، وليكّو، وترينتيدا يحدّقون به، كلٌّ وقد ارتسمت على وجهه مشاعر مختلفة: حذرٌ، وتفكيرٌ، وشكّ.

أغمض تاليس عينيه وأطلق زفرةً طويلة.

(اللعنة.)

(كنتُ أظنّ أنّ الأمر سيكون بسيطًا للغاية… نُحدّد المدبّر، وبمجرد إشارةٍ من يد الملك نوڤين، تنطلق السهام، ويُؤخذ الثأر. ثم أتمكّن من الانسحاب والتخلّص من كل شيء.)

(لكن الآن، من النظرات التي يرمقني بها أولسيوس، تبدو العواقب والتبِعات وخيمة.)

"يا صاحب السموّ، احتفظ ببعضٍ من قوّتك،" سمع تاليس نفسه يقول بفتور. "لا جدوى من ذكر أمورٍ لا تستطيع تحقيقها أصلًا…"

لم يعد يرغب في شرح نفسه.

قبض أولسيوس على أسنانه. وبمجرد أن همّ بالكلام، إذا بشخصٍ آخر ينضمّ إلى القاعة.

ومع وقع خطواتٍ متسارعة، ظهر شابٌ أسمر الشعر. كان مرتديًا عباءةً طويلة ثقيلة مُطرَّزة بحذوة حصانٍ قرمزية. دخل إلى قاعة الاجتماع المكتظّة.

وبمرافقة حاشيته، وقف الأرشيدوق الشاب لمدينة المنارة المُضيئة، كونكراي بوفريت أمام الحشد.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وزفر زفرةً مثقلة.

(أخيرًا…)

"رائع!"

ما إن دخل بوفريت حتى أضاءت عينا ترينتيدا. مسح بنظره وجوه الحاضرين، وظهرت ابتسامةٌ عريضة على محيّاه.

كان روكني وحده يعبس. بينما بدا ليكّو متفاجئًا.

"الآن، نحن جميعًا هنا: الآرشيدوقات الخمسة الذين استدعيتَهم يا صاحب الجلالة، معًا وتحت أنظار حرّاس النصل الأبيض." رفع أرشيدوق برج الإصلاح حاجبيه. "والسؤال الآن: ما الذي تنوي فعله؟ أستُبيدُنا تحت تُهمةٍ سخيفة بالتآمر، أم…"

توقّف صوت ترينتيدا فجأة.

انقطع كلامه في حلقه انقطاعَ وتر القوس.

حدّق أرشيدوق برج الإصلاح مذهولًا في صفّ مرافقي بوفريت.

كان رجالُه مبعثرين، بلا أسلحة، وبهيئةٍ رديئة. حتى المحارب الواقف بجانب الأرشيدوق نفسه كان يحتاج إلى من يسنده. كانت الدماء تنساب من بين أصابعه، ووجهه شاحبٌ وهو مُسنَدٌ على كتفه.

ومن حولهم، كانت الطلقة الباردة لسيوف حرّاس النصل الأبيض المكشوفة تحاصرهم وتحرسهم بشدّة.

أما قاتل النجوم، نيكولاس، فكان يبعث ببرودة الموت. دخل آخرَ واحدٍ إلى القاعة، ثم أدّى التحية للملك.

عاد ترينتيدا إلى وعيه.

لقد جُرّد بوفريت ورجاله من أسلحتهم أثناء اقتيادهم إلى هنا.

كان الأرشيدوق بوفريت نفسه واقفًا بوجهٍ خاوٍ، وجسده باردًا كالجليد، تتساقط قطرات الثلج من شعره الأسمر.

"هل انتهيتم؟" انفجر الأرشيدوق الشاب غاضبًا. رفع رأسه مخاطبًا الجميع. "لا ينبغي لآرشيدوق من النبلاء أن يُعامَل معاملةَ مجرم في قصر الملك وحصنه!"

"ما الذي تحاولون فعله، بإجباري على دخول قاعة الاجتماع بالقوّة العسكريّة؟

"هذا تحدٍّ لتقاليد الشمال العريقة، وتجاهلٌ لوعد رايكارو المشترك!"

ضاق الملك نوڤين بعينيه.

وتباينت مشاعر الآرشيدوقات الأربعة.

وفي زاويةٍ مخفيّة، ارتجف حاجبا تاليس.

(سينتهي كلّ شيء هذه الليلة.)

"يا صاحب الجلالة، أهذا ما أردتَ منّا انتظارَه؟ أن نراك تستعمل كلّ وسيلة لجمعنا نحن الخمسة هنا؟" حدّق ليكّو بالآرشيدوق بوفريت المبعثر الهيئة. ثم قال بلا مبالاة: "الآن، هل تُخبرنا بالسبب والمغزى من هذا كلّه؟"

"أيمكن أن يكون كما قال هذا الوغد، بأنّنا ما زلنا ننتظر لامبارد؟" صرخ أولسيوس.

أطلق ترينتيدا ضحكةً مكتومة.

وتحت أنظار الجميع، توقّف ملك إكستيدت العجوز ثلاث ثوانٍ، ثم قال ببطء: "حسنًا." شبك الملك نوڤين ذراعيه. بدا قاسيًا وهو يُرسل بصره كالسهم عبر القاعة.

لكنّ كلماته التالية فاجأت الجميع تقريبًا.

"تاليس الصغير، ضيفي الذكي."

أدار الملك نوڤين رأسه ببطء نحو أمير الكوكبة.

كان تاليس، الذي تهيّأ لمشاهدة المتعة، مذهولًا.

(ماذا؟)

(تاليس الصغير؟)

(أوصلنا إلى هذه الدرجة من الودّ؟)

"هلمّ، وأنِر أذهان أرشيدوقاتي الأوفياء. أخبرهم لماذا هم هنا."

ومع انحدار صوته، لمع بريقٌ في عينيه.

"أخبرهم… ما يُسمّى بالحقيقة."

في تلك اللحظة، امتزجت الشكوك والدهشة والقتامة في أعين الجميع. وانصبّت نظراتهم على الأمير الثاني للكوكبة.

وقف تاليس جامدًا في مكانه.

(اللعنة.)

ارتجل تاليس بسرعة، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ كريهة. رفع ذراعَيه وبسطهما إلى الجانبين.

"لا رغبة لي في التورّط في صراعات إكستيدت الداخليّة، يا صاحب الجلالة الموقّر." ابتسم تاليس. "الشؤون الداخليّة تُحلّ بأنفسكم. هذا—"

لكنّه لم يُكمل.

"لقد تورّطت بالفعل، يا تاليس." قاطعه صوت الملك نوڤين العميق المتهدّج، يرافقه تلك النظرات المليئة بالمعنى. "لقد تورّطت منذ زمنٍ بعيد. لا يمكنك الفرار الآن، أيها الملك المستقبلي للكوكبة."

وقد وعدتَ أن تُنهي هذا من أجلي. أعطيتني كلمتك، أليس كذلك؟"

قبض تاليس على أسنانه.

كانت أعين الآرشيدوقات مسلّطةً عليه، والشكّ فيها يزداد ثقلاً.

ابتلع ريقه، وقطّب جبينه.

(نوڤين… هذا العجوز الملعون.)

(هل يريد أن يُظهر للأرشيدوقات أنّ وريث الكوكبة يقف في صفّه؟)

ازداد تجعّد حاجبيه.

وشحَذ الملك نوڤين بصره.

"تابع. ما الذي تنتظره، أيها الأمير الصغير؟" استأنف أولسيوس نظرته الضارية نحوه. "بعد أن خدعتنا بأكاذيبك السخيفة، فلتُخبرنا الحقيقة. لقد ظننت أنّ لامبارد سيظهر آنفًا."

تجاهله تاليس.

وعلى وقع تلميحٍ همس به بيوتراي، زفر بلا حيلة.

(حسنًا…)

تقدّم تاليس أخيرًا ليواجه أعينَ مَن في القاعة.

"أعتذر، يا أصحاب السموّ." وتحمّل نظرات الآرشيدوقات الخمسة غير الودّية، واستجمع شجاعته وقال: "هذه الليلة، أغلب ما أقوله سيكون زيفًا، ولن يكون الصادق فيه إلا أمرٌ واحد."

"لقد اغتيل الأمير موريا في الكوكبة." زفر تاليس. "وأحدُ المدبّرين موجودٌ بينكم."

وما إن سقطت كلماته، حتى عبس الآرشيدوقات الخمسة في الوقت عينه.

وتهامس المقرّبون من الملك.

وتجاهل الأمير الثاني ضجّة القاعة التي انفجرت.

"لقد طلب منّي الملك نوڤين أن أعثر على الجاني الذي تعاون مع لامبارد في قتل الأمير موريا،" قال تاليس بوجهٍ خالٍ من التعابير.

"هاه، كنت أعلم…" زفر الأرشيدوق الأصلع ليكّو. "الغرض من دعوتنا لم يكن التعامل مع أمير الكوكبة وحسب."

أدار ترينتيدا رأسه وهزّه استنكارًا. "الجاني المتعاون مع لامبارد؟ ها، الآن فهمت."

"لكن هذا لم يكن تكليفًا لطيفًا…" التفت تاليس نحو الآرشيدوقات الخمسة وأومأ. "تقريبًا كُلُّكم مشتبهٌ بهم."

وأدارت الآرشيدوقات رؤوسهم بتوتّر، متجنّبين نظرة تاليس ونظرة الملك نوڤين.

"وقد أثبت الواقع أنّكم حقًا لا تعرفون مواضعكم." ضحك تاليس بخفة وتابع: "وبصراحة، لم يخطر ببالي أنّ تلك الكلمات ستجذبكم أنتم الأربعة… كنت أتوقّع اثنين فقط."

"يا أرشيدوقاتي الأوفياء، أيّها الحكّام المشتركون لإكستيدت، يبدو أنّ في صدوركم طموحاتٍ وأهدافًا كبيرة." قال الملك نوڤين ببطء.

وتردّد الهمس في القاعة مجددًا.

تغيّرت ملامح أولسيوس وليكّو خجلًا، بينما حافظ روكني على بروده. وضحك ترينتيدا، أمّا بوفريت الشاب فبقي متجهّمًا.

راقب الملك نوڤين الأرض بصمت، ويداه مشبوكتان.

"ولأنّ من المستحيل تقريبًا تحديد الجاني بينكم بالتصرف وفق الأعراف…" زفر تاليس.

"بحثتُ عن طريقٍ آخر. توقّفتُ عن متابعة المشتبهين. وقررتُ البدء من الواقع ذاته… من الطريقة التي سيتصرّف بها القاتل في ظلّ الوضع الحالي."

"أفهم، إذن هذا ما في الأمر." قال الأرشيدوق روكني من مدينة الصلوات البعيدة. "كلّ ما قلته سابقًا كان كذبًا… لا اجتماعًا سرّيًا بين مدينة سحب التنين ومنطقة الرمال السوداء، ولا تحالفًا بين والتون ولامبارد، صحيح؟"

هزّ تاليس رأسه. "بالطبع لا. لقد اخترعتُ هذا الهراء—جلالته لن يتحالف أبدًا مع عدوٍّ دموي قتل أحد أفراد عائلته."

وعلى الطاولة الطويلة، لمع بريقٌ غريب في عينَي الملك نوڤين.

"فهمت." تمتم ليكّو. "المفتاح يكمن في لامبارد، أليس كذلك؟ لأنّ الجاني الذي قتل موريا كان متآمرًا معه في الخفاء؟"

"همف، ما أوقح الخطة—محاولة إقناعنا نحن والجاني في الوقت نفسه." نفخ أولسيوس. "لامبارد يعمل مع جلالته؟ وجَعله يظنّ أنّ لامبارد سيخونه ويفشي هويته لجلالته؟"

"لقد نُفّذت الخطة بخشونةٍ بالغة." اتّكأ ترينتيدا وضحك. "هل يمكن أن ينخدع بها أحد؟"

حدّق تاليس بالثلاثة، وتجولت نظراته ذهابًا وإيابًا لثوانٍ قليلة.

أخيرًا، ضحكَ الأمير الثاني بخفوت.

هزّ تاليس رأسه بحزم قائلًا: "لا، الأمر ليس بتلك البساطة."

"لا تنسوا الكلمات التي قلتها لكم: تلك التي مفادها أنّ لامبارد لم يكن قاتلًا، بل إنّ الاستخبارات السريّة هي التي حمّلته التهمة."

وتابع تاليس بثبات: "ربما يصدّق الأمرَ الآرشيدوقاتُ الأبرياء، لكنّه وحده—الفاعل—لن يفعل. فبصفته شريك لامبارد، وحده يعلم أنّ لامبارد كان بالفعل أحد القتلة! وأنّ لامبارد لن يُبرَّأ أبدًا من تهمة مقتل الأمير. وبالتالي، لا يمكن للامبارد أن يعمل مع جلالته، ولا يمكنه بالتالي أن يخونه."

"وحده الفاعل سيعرف هذا." دار تاليس بنظره حول القاعة متفحّصًا ردود الأفعال. "ذلك ’التحالف بين والتون ولامبارد’ كان الغرض منه فقط إثارة الذعر. لامبارد لن يسعى للتحالف مع جلالته."

سأله الدوق الأصلع ليكّو وهو يحدّق فيه: "إذًا، ما الذي كنتَ تقصده تلك الليلة؟ لقد تحدّثت كثيرًا عن أنّ جلالته سيضع الكراهية جانبًا ويُقدّم المصلحة… فإذا لم يكن بإمكانك إقناع القاتل بتحالف لامبارد وجلالته—"

قال تاليس بفارغ الصبر: "لم أُعِدّ الأمر ليصدّقه أصلًا. أردتُ فقط أن أقول له: إنّ جلالته يشكّ في أنّ لامبارد ليس القاتل، وأنه لا يزال يحاول التواصل معه."

عند رأس الطاولة أطلق الملك نوڤين ضحكة باردة كالحديد.

"وفوق ذلك، لو كنتُ قد بدأتُ الأمر منذ اللحظة التي التقطني فيها نيكولاس، لكان تواصلهما قد بدأ منذ زمن بعيد."

هدر أولسيوس بنفاد صبر: "لقد قلتَ للتو إنّ لامبارد قاتل. لن يملك الجرأة ولا الرغبة ليعمل مع جلالته. ثم إنك لم تستطع استخراج اسم القاتل من لامبارد—"

"لم أنتهِ بعد!"

قاطع تاليس كلامه بصرامة، فارتجف أولسيوس.

"وبحسب تحقيقات الملك نوڤين، اكتشفنا أمرًا محوريًا آخر." قال تاليس بنبرة حادّة: "فالفاعل شاركَ في أمرٍ آخر أيضًا!"

"لقد شاركَ في محاولة اغتيالي، أنا، أمير الكوكبة!"

فتوقفت الهمسات في القاعة فورًا.

"وبينما كان حصن التنين المحطم ولامبارد يلعبان لعبتهما، قام ذاك الشخص برشوة منظمة تُدعى ’سيف الكارثة’. استغلّوا كتيبة البنادق الصوفية التابعة للامبارد ليقتلوني، ساعين إلى إلصاق التهمة بلامبارد." تنفّس تاليس بعمق ونطق كل كلمة بثقل.

"وهذا ما أردتُ أن يعرفه!"

"أردت أن يعرف الفاعلُ أنّ جلالته، الملك نوڤين، يعلم الآن أنّ قاتل الأمير موريا هو نفس الشخص الذي دبّر مؤامرة إلصاق التهمة بلامبارد!"

زفر بيوتراي خلف تاليس، فيما ظلّ المركيز شيليس مبتسمًا.

رفع تاليس كتفيه قليلًا. "في نهاية المطاف، وسط كل الهراء الذي قلته لكم هذا المساء، أردتُ فقط توصيل نقطتين: الأولى، أنّ جلالته يتواصل مع لامبارد. والثانية، أنّ جلالته يعلم بأنّ قاتل الأمير موريا هو ذاته من يحيك المؤامرات ضد لامبارد."

وتحت نظرات الريبة التي ملأت القاعة، هزّ رأسه ببطء.

"وإن كان الأمر كذلك، فسواء استطاع جلالته العمل مع لامبارد أم لا، لم يعُد ذلك هو المهم. المهم هو: حين يتواصل جلالته معه للتحقّق من مقتل موريا، فهل سيكشف له ذلك الأمر؟"

فاهتزّت قلوب الآرشيدوقات الخمسة دفعةً واحدة.

وقد أدركوا الآن السياق كلّه.

"وهو أمرٌ مرجّح للغاية! فكما ذكرت، جلالته، الملك نوڤين، قد تواصل بالفعل مع منطقة الرمال السوداء عبر نيكولاس…"

"وفي ظل هذا الاحتمال، سيقشعرّ جلد القاتل—ذاك الذي قتل ابن الملك وخان لامبارد—من الرعب… إذ إنّ جلالته، لكسب ثقة لامبارد، قد يكشف له بأنّ من دبّر له التهمة هو نفسه قاتل موريا."

"ولامبارد—هو وحده مَن يعلم حقيقة مقتل الأمير موريا، وهو من يعرف هوية الفاعل!"

"وعليه، فالمفتاح لا يكمن في جلالته، بل في لامبارد." راقب تاليس ارتجافة الوجوه، وزفر. "فإن لم يذكر جلالته الأمر، فسيكون محظوظًا. ولكن… إلى متى يدوم هذا الحظ؟ وهل سيتكرر ذكره في الرسالة القادمة؟"

"وإن ذكره… سيدرك تشابمان لامبارد أنّ شريكه دسّ خائنًا داخل جيش الرمال السوداء، وألصق به الجريمة في حصن التنين المحطم!"

"وذلك—خيانة!"

"وفي تلك اللحظة، لو كنتُ لامبارد، لأفصحت فورًا عن هوية الفاعل لجلالته." تلألأت عينا تاليس بيقين، وختم بقوة: "وبيد عائلة رمح التنين، سيدفع هذا الخائن، الشريك الغادر، أثقل الأثمان هنا في مدينة سحب التنين!"

وفور سماع ذلك، أطلق الملك نوڤين ضحكة مجلجلة.

كبرت ضحكته، واشتدّ صداها مع مرور اللحظات.

في المقابل، ساد الصمت القاعة، يراقبون الملك وهو يضحك وحده.

وحين خفتت ضحكته، صوّب نظره نحو الآرشيدوقات —واحد منهم تحديدًا.

"تقدّم." قال الملك نوڤين بصوت مبحوح يقطر قتلًا، وهو يحدّق بالدوق الصامت. "نحن جميعًا ننتظر."

استدار تاليس نحوه وأومأ بخفوت.

تنفّس ببطء ورفع رأسه.

"فإذا حدث ذلك، فلن تبقى هوية الفاعل ولا جرائمه مخفية عن عيني لامبارد وجلالته!"

"فمجرّد فكرة أن يكشف الآرشيدوق لامبارد هويته وجرمه عبر المراسلات…"

"ومجرد فكرة أنّ كل دقيقة يقضيها هنا في مدينة سحب التنين تزيد من احتمال افتضاحه…"

"ومجرد فكرة أنّ الملك نوڤين لن يجد سبيلاً لتهدئة نار انتقامه المشتعلة…"

تقدّم تاليس إلى وسط القاعة. نظر إلى الآرشيدوق البارز أمامه.

"كيف يمكنك أن تظلّ جالسًا؟ كيف تأكل؟ كيف تنام؟ كيف لا تهرب إلى مقاطعتك وتلوذ بأسوارها؟"

وكانت تعابير الآرشيدوقات الخمسة مختلفة، لكن أربعةً منهم رموا بنظراتهم إلى ذلك الآرشيدوق الذي كان يبرز منذ البداية.

تمتم تاليس بصوت منخفض وهو يثبت نظره عليه:

"هكذا إذًا…"

ذاك الذي قابلهم أول مرة هنا، كان لطيفًا، منصفًا، مفعم الحماسة. أما هذه الليلة… فالصمت وحده كان جوابه.

إنه أصغر الدوقات سنًا… ذاك الذي يحمل حافر الفرس القرمزي على ردائه.

ابتسم تاليس ابتسامة ودودة، لكن عينيه كانتا كالشفرة.

"خصمنا المشترك—جلالته، ولامبارد، وأنا. قاتل الأمير موريا، ومَن حاول اغتيالي، وشريك لامبارد وخائنه…"

"كانت الوليمة في أوجها، والبوابات مفتوحة لأول مرة، وقد عرضتُ اقتراحًا بديعًا وانتظرتُ قدومك. فهلا تخبرني لماذا، عند الساعة الرابعة فجرًا، قبل أن يشرق الضوء…"

"لم تستطع حتى إلقاء تحية الوداع، بل هرعت إلى مغادرة قصر الروح البطولية؟ صعدت إلى عربتك وأسرعت نحو بوابة المدينة بلا أدنى اكتراث لمدينة سحب التنين…"

هزّ تاليس رأسه، ثم نطق الاسم بنبرة ثقيلة.

"يا صاحب السمو، أرشيدوق مدينة المنارة المُضيئة—كونكراي بوفريت؟"

ساد القاعة صمتٌ خانق… حتى رنين سقوط إبرة كان مسموعًا.

ثم رفع الشاب ذو الشعر البنيّ رأسه. كان العرق والثلج على جسده، وارتعاش البرد يكسوه.

لم يكن في عينيه إلا الخواء.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬