▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 141: لقاء
…
مدينة سحب التنين، زقاق في حيّ الدرع.
"ألا تنوي على الأقل أن تدافع عن نفسك؟" تحت ضوء الشمس الغاربة، اضطرب نَفَس كوهين، واشتدّ قبضه على مقبض سيفه.
كان رافاييل واقفًا أمامه بثوبه الأبيض، يبتسم ابتسامة خفيفة. "من أجل الأيام الخوالي يا كوهين، غادر هذه المدينة فورًا—هذه نصيحة رفيقٍ قديم لآخر."
ابتلع كوهين أنفاسه بعمق، يقمع غضبه وفضوله. في تلك اللحظة لم يعد يعلم ما يقول، ولا كيف يواجه صديقه القديم من برج الإبادة.
"ميراندا هنا، قريبة من هذا المكان." كان كوهين يضبط أنفاسه محاولًا إظهار الهدوء. "هل كنت تعلم ذلك؟"
"لا بأس… لقد أُغلقت بوابة المدينة الآن على الأرجح." تجاهل رافاييل كلامه تمامًا، ورفع نظره نحو السماء التي أخذت تَعتِم، ثم زفر. "عليكما إيجاد مخبأ. لا تخرجا مهما حدث ليلًا. وعندما تشرق شمس الغد… غادرا المدينة. كلّما أسرعتما كان أفضل."
"إنها لا تعرف بعد." خفض كوهين رأسه، وقد غمر الظلّ ملامحه. "ميراندا لا تزال تجهل أمرك… ما حدث لك… البرج أرسلنا لكي—"
أعاد رافاييل سيفه إلى غمده. "أيًّا يكن سبب مجيئكما، انسياه. الأيام القادمة ستكون قاسية عليكما. بل كان ينبغي ألا تكونا هنا منذ البداية."
"اللعنة عليك! يا رافاييل ليندبيرغ!"
لم يعد كوهين قادرًا على الاحتمال. رفع رأسه، والغضب يشتعل في كل قسمات وجهه وهو يهدر، "احتفظ بذكائك لنفسك! ألا تفهم؟ لقد جئنا من أجل سيوف الكارثة!"
حدّق رافاييل بحدة.
"لقد واجهت أحد سَيّافي الكارثة في سوق الشارع الأحمر، ورأيت قوته. ورأيت أيضًا ما يمكن لقوتك أن تفعله في قاعة النجوم—" زمجر كوهين وهو يطحن أسنانه. "أتدري ما الذي أمرنا البرج بفعله تجاه سيفي الكارثة؟ التحقيق الشامل، تتبّع الجذور. لا أسرى أحياء. القتل فور الرؤية!"
"أمّا زلت لا تنوي أن تدافع عن نفسك؟"
ظلّ رافاييل يحدّق به بنظرة غامضة لبضع ثوانٍ، ثم ضحك ضحكة قصيرة، وتطلّع إلى كوهين بملامح متهكمة. "وماذا إذن؟ تشكّ بأنني انضممت إلى سيوف الكارثة؟ هل ستلقي القبض علي؟ أم ستقتلني هنا؟"
ظلّ الرجلان يحدّقان في بعضهما حتى رفع كوهين قبضته ولوّح بها بضيق.
"لا!" تنفّس كوهين بقوة وهو يخفض رأسه. "لا يعنيني سيف الكارثة، ولا دين الدم الذي دام قرنًا بيننا وبينهم."
انحنى الشرطي والتقط غمد سيفه من الأرض، ثم أعاده إلى موضعه. تمتم قائلًا: "لكني أهتمّ بأصدقائي؛ أريد أن أعرف ما جرى لك."
"أريد أن أساعدك."
رمقه رافاييل بنظرة ثابتة، قبل أن يضحك ضحكة خفيفة. "لم تتغير قط يا كوهين."
"أخبرني بما حدث، منذ البداية وحتى النهاية. كلّ ما جرى في السنوات الثلاث الماضية—لقاءاتك مع سيوف الكارثة، كيف وصلت إلى دائرة مورّات السرّية. أخبرني بكل شيء." زفر كوهين وتقدّم خطوة. "أيًّا يكن ما حدث، يمكننا إصلاحه معًا. الجميع في البرج الداخلي، السيد شاو، زيدي، لا أحد منهم يعلم أنّك… أما ميراندا، فإن كان الأمر لأجلها، يمكنني كتمان ذلك عنها كذلك." قالها بملامح قاتمة.
شهق رافاييل نفسًا عميقًا، وقبضتاه تنطبقان.
"ثم إن سيوف الكارثة… ليسوا العدوّ اللدود للبرج فحسب." كان كوهين يراقب رافاييل بنظرة نافذة. "نواياهم أعقد مما نظن. لهم صلة بالهجوم على وفد إكستيدت الدبلوماسي، وبمحاولة اغتيال أمير الكوكبة أمام الحصن!"
تلاشت ابتسامة رافاييل، وحلّ محلها عبوس.
تابع كوهين بنبرة ثابتة، يحدّق مباشرة في عينيه: "هذه الحوادث… لست متأكدًا إن كنت تعلم بها، أو تعلم حقيقة من تتعامل معهم، لكنني على استعداد لأثق بك. أؤمن بأن لديك تفسيرًا معقولًا!"
"لذا، قبل أن تقع الكارثة، قبل أن تبلغ نقطة اللاعودة—"
"وهذا إذن سبب مجيئك إلى مدينة سحب التنين؟" قاطعه الشاب ذو الثياب البيضاء. "سيوف الكارثة خطّطوا لاغتيال أميرين متتالين؟"
"يُزعم أنهم متحالفون مع أحد آرشيدوقات إكستيدت"، قال كوهين بصرامة وهو يومئ. "ولذلك لم يعد الأمر مجرد ثأر بين البرج وبين سيوف الكارثة، بل بين الكوكبة وإكستيدت! إنه أمر حرب وسِلم!"
"ولماذا أرسلوكما أنتما الاثنان؟" رفع رافاييل رأسه ونظره هادئ كالمرآة. "لماذا أنتما؟"
"لأن لدينا خبرة في التعامل مع سيوف الكارثة!" ضرب كوهين صدره. "لأننا خضنا ساحات القتال، لأننا نحن البذور!"
"هَه. البذور." سخر رافاييل وهزّ رأسه. "أنا أيضًا بذرة، وكذلك ميسادون، وكروش، وإكلين من لومبيا، وإدغار وبيكهام من شبه الجزيرة الشرقية… لماذا لم يرسلونا نحن؟ لماذا يرسلانكما أنتما النبيلان؟"
"وبالمناسبة، يا رجل، ظننت أنّ جدال النبلاء والعامة انتهى منذ معركتك مع ميسادون." تنهد كوهين. "كروش… يدها اليمنى أُعيقت أثناء مطاردة أحد سيوف الكارثة… أعتقد أن ذلك أحد أسباب إرسال ميراندا."
انعكس آخر ضوء للشمس على وجه رافاييل. لم يجب، بل غرق في تفكير عميق.
وعند ذكر مأساة رفيقتهم القديمة، خفض كوهين نظره نحو قدميه، وقال بثقل: "نعم… الفتاة التي كانت تواصل الركض حين تُعاقَب والسيف بين أسنانها… الفتاة التي حلمت أن تصبح سيّافة… الفتاة التي كان مقدّرًا لها أن تكون ’قلب المطر’ القادم… لم تعد قادرة على رفع سيف."
شهق نَفَسًا، وتقدّم خطوة واسعة، ووضع يديه على كتفي رافاييل. "لا أريد أن ينتهي بك الحال هكذا. لذا دعني أساعدك، كما كنت أفعل دائمًا!"
"أيًّا يكن ما تفعله… وإن كان أمرًا لا يُغتفَر… فدعني أكون شريكك!
"معًا نستطيع إصلاحه! أنت لست وحدك!"
ظل رافاييل صامتًا لثانيتين… ثم تغيّر وجهه.
"عليكما المغادرة الآن، فورًا! تسلّقا أسوار المدينة أو احفرا نفقًا." تسللت ابتسامة باردة إلى شفتيه. "ثمة أمر مريب… وليس مما تستطيعا التعامل معه…"
حاول أن يحرّر كتفيه، لكن كوهين لم يتركه.
"أتعرفني جيدًا يا رافاييل." خفض كوهين رأسه، وكلماته تخرج بثقل. "إن رفضت أن تشرح…"
"فلن تذهب إلى أي مكان."
كان كوهين أطول منه بكثير، لكن الشاب بثوبه الأبيض لم يرفع ذقنه. بل رفع عينيه ليقابل نظرة كوهين، فتعمّق ظلال الكآبة على ملامحه.
"تحذيرٌ أخير، يا كوهين كارابيان، يا كونت تلة والا المستقبلي." وعلى الرغم من حدّة صوته ونظراته، كانت ابتسامة رافاييل مشرقة، دامغة. "بعض الأمور لم تعد كما كانت. اتركها… خصوصًا ما يتصل بشؤون الاستخبارات السرّية."
امتدت ذراعاه فجأة، وانطبقتا على ذراعي كوهين بقوة.
دونغ! صوت ارتطام عنيف.
ارتجّ الاثنان، لكنهما لم ينفصلا.
ظلّ كوهين ممسكًا به بثبات لا يتزعزع.
"حقًا يا شرطي كارابيان؟" أحسّ رافاييل بضغط كوهين يتصاعد. غلظ صوته. "أتظن أنني كنت أمزح بشأن القضاء عليك؟"
أظلم وجه كوهين.
"لقد تصرّفت هكذا في قاعة النجوم، والآن في مدينة سحب التنين." طحن كوهين أسنانه، مشدّدًا قبضته. "تظهر فجأة بوجه غامض… تأمرني بأن ’أترك الأمر’؟
"أصبحتَ سَيّاف كارثة… وانضممت إلى الاستخبارات… هل غيّرتك هذه الأمور كليًا؟" اشتدّ صوته. "أتُراك عاجزًا حتى عن أن تعطيني تفسيرًا بسيطًا، يا صديقي القديم؟"
في الزقاق، أخذت مبارزة القوّة بين الرجلين، بأيدٍ عارية، تزداد رهبةً كلّما ضغط كلٌّ منهما على ذراعي الآخر أكثر فأكثر.
"كما قلت، نحن أصدقاء قدامى." ومع ابتسامةٍ ما زالت تتخذ مكانها على شفتيه، ضيّق عينيه وقال بنبرةٍ مرِحة: "كلٌّ منّا اختار طريقًا مختلفًا لا أكثر."
وعندما حدّق في رافاييل، اجتاح كوهين شعورٌ بالخذلان لا يملك له وصفًا.
(ما الذي حوّل صديقي العزيز إلى هذا؟)
أضحى نَفَس كوهين ثقيلًا. "إن كان سببه أنّ أمرًا سيئًا قد وقع لك… لم أعاين ما عاينته أنت، ولست قادرًا على فهم مشاعرك كاملة. ولكن إن كنتَ راغبًا في البوح لي، فما زلنا نستطيع—"
صرخ رافاييل ببرود: "كوهين كارابيان، يا من سيصبح يومًا كونت هضبة والا، هل يبدو عليك أنني مررتُ بـ أمرٍ سيّئ؟"
"أبدًا." جاءه صوتٌ أنثوي غريب… مألوف في الوقت ذاته.
ارتبك الرجلان. استدار كوهين. وارتسمت على محيّا رافاييل ابتسامةٌ كاملة.
فكلاهما كان يحدّق في ظلٍّ أنيق تحت نور القمر الذي ارتفع في السماء دون أن يدركا متى.
رئيسة بُذور البرج الثمانية في برج الإبادة، ميراندا آروند، كانت تخطو إلى داخل الزقاق تحت ضياء القمر الفضي.
وسيفٌ في يدها، ترمقهما بنظرةٍ باردة وهما في تلك الهيئة المتعانقة.
"أهناك شيء تودّان شرحه؟"
(شرح؟) فكّر كوهين، ثم التفت إلى رافاييل الذي لم يفصله عنه سوى بضع بوصات.
وللحظة أدرك الوضعيّة التي جمعتهما معًا…
أفلت الضابط كتفي رافاييل على عجل، ودفعه مبتعدًا.
"ميراندا، دعيني أشرح." رسم كوهين ابتسامةً محرجة، حكّ رأسه، وقال: "لا تغضبي، لسنا…"
قاطعتْه ميراندا ببرود: "اصمت، كوهين." كان وجه سيّافة آل آروند متجمّدًا. "لم أكن أسألك."
تجمّد تعبير كوهين وكلماته.
حدّقت ميراندا في الشاب الأبيض، ذاك الذي اختفى لثلاث سنوات كاملة.
وتحت وطأة نظرتها القاتلة، طأطأ رافاييل رأسه… ثم ضحك بخفّة.
"لقد مرّ وقت طويل، ميرا." هزّ الشاب الأبيض رأسه ببطء. "أأنت… باردة كعادتك؟ باردة إلى حدّ يفتت القلب."
في تلك اللحظة، أدرك الضابط كوهين كارابيان، وهو ما يزال يحكّ رأسه، أنّ وجوده هنا غير ضروري إطلاقًا.
اقتربت ميراندا بخطوات ثابتة، ووقفت إلى جانب كوهين. خرج صوتها خاليًا من الانفعال، كما لو أنّ الرجل الذي تحادثه ليس من كان يومًا محبوبها القديم. "ميرا؟ توقّف عن مناداتي بهذا الاسم، يا رافاييل ليندبيرغ."
تنفّس كوهين بعمق.
"هيه…" قال بتردّد وهو ينظر إليهما بخجل، "ربّما علينا إيجاد مكانٍ نجلس فيه، فهناك أمور ينبغي أن نتباحث فيها…"
"نعم، وبالمناسبة يا ميراندا." غمز كوهين لرافاييل بيأس، علّه يلتقط الإشارة. "أنتِ لا تعلمين بعد أنّ… رافاييل أصبح عنصرًا رفيع المستوى في قسم الاستخبارات السرّية للمملكة… أليس كذلك؟"
وقوطع هذه المرة من رافاييل.
"أنتِ لستِ غاضبة." تجاهل الشاب الأبيض كوهين تمامًا، وحدّق في ملامح ميراندا الصغيرة قائلًا بابتسامة: "هذا مفاجئ. كنتُ أتوقع شيئًا أكثر… انفعالًا."
وللمرة الثانية، أدرك كوهين أنّ وجوده هنا بلا معنى.
"ثمّ أرتمي بين ذراعيك، وأضرب صدرك بقبضات واهنة، وأصرخ: ’أين كنت؟ ولماذا لم تبحث عني؟ أتعلم كم اشتقتُ إليك طوال هذه السنين؟’ ثم أغمض عينيَّ منتظرةً قبلك؟" أطلقت ميراندا ضحكة ساخرة. "كفّ عن قراءة الروايات الرومانسية—تعبث بعقلك."
قهقه رافاييل: "سرقتِ كلماتي."
وقف كوهين يحدّق فيهما بعجز، وجهه غارق في الارتباك.
"علاوة على ذلك، لستُ من تلك النسوة الضعيفات التافهات—فلماذا أغضب؟" نقرت ميراندا على مقبض سيفها. "ما الذي يمنح الرجل الذي امتلك القدرة على العودة، ثم اختفى ثلاث سنوات كاملة، الحقَّ في أن أغضب لأجله؟"
(إنها غاضبة جدًا.) ومِن خلف ميراندا، أرسل كوهين نظرةً مُوحية لرافاييل.
وظلّ رافاييل مبتسمًا. حدّقت فيه ميراندا، فلم تجد في عينيه أثرًا من الألفة الماضية. فضاقت أنفاسها.
ورفع رافاييل حاجبًا أخيرًا.
"حسنًا." قال بهدوء وبرود. "توقفا عمّا تفعلانه هنا في مدينة سحب التنين، اختفيا، ثم غادرا عند بزوغ الفجر… إن وافقتما على ذلك، فسأشرح لكما كلّ شيء عندما ينتهي الأمر."
"وفي هذه الأثناء، ومهما حدث—"
قطعه كوهين هذه المرّة وقد عبس، رافعًا سبّابته: "هيه، يا رافاييل، أقسم، إن واصلت الحديث بهذا الأسلوب—"
قاطعتْه ميراندا بدورها: "لا ضرورة لذلك. لن أستمع، ولن أصدّق أيّ شيء ستقوله."
كان وجهها خاليًا من التعبير، صوتها هادئًا، خالٍ من الانفعال، غير أنّ قشعريرة زحفت في ظهر كوهين. وللمرة الثالثة، اقتنع تمامًا بأنه يجب ألا يكون هنا.
"أوه؟" ارتفعت زاوية شفتي رافاييل قبل أن يقول ساخرًا: "وماذا ستفعلين إذن؟"
خطت ميراندا نحوه، تحدّق في الرجل الذي عرفته يومًا أكثر من نفسها.
ظلّ رافاييل ثابت النظرات.
ضيّقت ميراندا عينيها، وقالت بأبرد وأخفّ صوتٍ نُطق على لسانها في حياتها: "سأسقط سيفك من يدك أوّلًا… ثم أُحطّمك دهسًا على الأرض."
عقد كوهين حاجبيه. "ماذا؟"
تابعت سيدة آل آروند: "أكسر ساقيك الاثنتين… أخلع مفاصلك… أحطّم أنفك… أطيح بأسنانك الأماميّة… وأدهسك في الوحل…"
"وحين تتمرّغ على بطنك، باكيًا مسترحمًا…" انخفض صوتها حتى صار كالنصل، "سأنتزع الحقيقة… من فمك، شطرًا بعد شطر."
ساد الصمت لثوانٍ.
"هاه." التفت رافاييل إلى كوهين بابتسامة مُرّة، أغمض عينيه، وزفر قائلًا: "يبدو… أنها غاضبة حقًّا."
لم يشعر كوهين إلّا بصداعٍ رهيب.
وتحت ضوء القمر، تحرّكتُ الأجساد في اللحظة ذاتها.
استلّت ميراندا سيفها ببطء.
وأطلق رافاييل ابتسامة لا مبالية، ومدّ يده نحو مقبض سيفه أيضًا.
"أمم… يا رفاق، إن كان هذا واحدًا من شجارات العشّـ—" حاول كوهين إخراج رأسه بحذر من خلف ميراندا.
وفي اللحظة التالية، وجهت إليه ميراندا ضربة مرفقٍ خلفيّة عنيفة، فتفجّر الدم من أنفه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬