▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 126: قصر الروح البطولية
…
ما إن خطا تاليس إلى داخل مدينة سحب التنين، حتى لم تكن الطرز المعمارية الخشنة الجريئة الفخمة هي أول ما استحوذ على انتباهه.
على النقيض من مباني مدينة النجم الأبدي، المشيَّدة اعتمادًا على أحياء المدينة واسوارها، كانت هذه المدينة مبنيةً فوق منحدر لطيف عند قمة الجبل؛ صيغ مخطَّطها تبعًا لطبوغرافية الجبل، ممتدًّا صعودًا في هيئة تبدو طبيعيةً سلسة.
كانت التجربة شبيهة بما اختبره تاليس في معسكر لامبارد العسكري. وما ترك في نفسه أثرًا آخر قويًّا هو الإكستيدتيون الذين احتشدوا عند بوابة المدينة لمشاهدة أمير الكوكبة؛ كأنهم أتوا يشهدون أمرًا مسلّيًا.
"أميرٌ ينتمي لرعايا الإمبراطورية!" هتف صوتٌ أجشّ من بين الحشد، فاشتعلت فورًا ردودٌ صاخبة مضطربة.
وبحسب بيوتراي، كان المكان ينبغي أن يغصّ بعامّة الناس المشغولين بالاستعداد لعبور الشتاء؛ يدخلون المدينة ليقايضوا ويبيعوا ويشتروا ما يلزمهم في آخر فرصة قبل البرد.
لكنّه وصل في هذا التوقيت بالذات.
فلم يملك تاليس إلا أن يُطأطئ رأسه ويتنهّد.
لقد مرّ زمن طويل منذ كان "محبوبًا" إلى هذا الحد.
ومع أن موقف العامة كان أفضل بكثير من موقف الجنود، وأن الإكستيدتيون لم يكونوا يغمرونهم بالكراهية مثلما يفعل أهل إقليم الرمال السوداء، فكان جليًّا أنّ خبر تعرّض وريث مدينة سحب التنين لمحاولة اغتيال في الكوكبة قد انتشر منذ مدّة.
وهو ما جعل تاليس ورفاقه يختبرون التجربة ذاتها مجددًا: من الثرثرة إلى السِّباب وحتى رشقهم بالقاذورات—كان الإكستيدتيون أكثر "حماسة" من أهل الكوكبة.
"إن كان ذاك الملك يملك الجرأة، فليمتنع عن إرسال…" ارتفع صياحٌ غاضب متوتّر من بين الزحام. لم يستطع تاليس رؤية صاحب الصوت بوضوح، إذ سارع المرافقون إلى إبعاده قبل أن يسمع الأمير الشطر الثاني من الشتيمة.
لكنّه التقط خافتًا عبارةً تقول: "ليأتِ ذاك الجبان بنفسه"، مصحوبةً بموجة من التأييد والاعتراض خلفه.
"حافظوا على النظام وابعدوا الحشود! يجب أن نصل إلى قصر الروح البطولية بأسرع ما يمكن!" صرخ نيكولاس بزجر في جنوده وأتباعه. "تعلمون ما تفعلونه بمن يتعمد الاصطدام بنا!"
ولحسن الحظ، كان وجود حرّاس النصل الأبيض وجنود مدينة سحب التنين كافيًا لحبس الجموع. وإلا لكان أمير الكوكبة سيضطر إلى شقّ طريقه إلى داخل المدينة بمظهرٍ مُهين.
وإن لم يكن الفارق كبيرًا على أي حال.
"تلك الوجوه الساخطة…" نظر تاليس إلى وايا ورالف، المستنفرَين كأنهما يواجهان عدوًا عظيمًا، وتنهد بعجز فوق صهوة جواده. "كأنني أنا من قتلتُ أميرهم."
"ضع نفسك مكانهم لوهلة،" صاح بيوتراي وسط الصخب، "إن متَّ اليوم في الشمال، ثم في اليوم التالي أرسلت إكستيدت شخصًا يعتذر في مدينة النجم الأبدي… أظنّ أنني سأبدو بالضبط بذلك الوجه الساخط."
أدار تاليس عينيه نحو بيوتراي، لكن الأخير لم يُعر اهتمامًا لنبوءته السوداء حول الأمير.
"شكرًا لك على كلماتك المبروكة، يا نائب الدبلوماسي." ردّ تاليس بمرارة. "إذا خسرت منصبك يومًا، أنصحك بأن تجرب حظك في الصحراء الغربية. أعتقد أن الدوق فاكينهاز سينسجم معك جيدًا."
"أهو ذلك السيد صاحب جمجمة الأربع عيون، وصاحب الشعبية المنعدمة، حامي الصحراء الغربية؟" هزّ بيوتراي كتفيه ساخرًا. "شكرًا على الترشيح."
لم يجد تاليس إلا أن يزفر بسخرية جوابًا.
لكن الاثنين كانا يعلمان أن الامتحان الحقيقي ليس هنا، ولا بين هؤلاء البسطاء.
"هل أنت مستعد، يا مواطن الإمبراطورية؟" دوّى صوت نيكولاس من الأمام، ملوّثًا بالازدراء. "سيكون هذا مُنهِكًا."
"ماذا؟" حدّق تاليس فيه متفاجئًا.
وعرف السبب فورًا.
إذ كانت مدينة سحب التنين مبنيةً وفق تضاريس الجبل ومنحدره، متدرجةً طبقة فوق طبقة، صاعدةً في مسار حلزوني.
ولم يكن أمامهم بدٌّ من تسلّق المنحدر طوال المسير داخل المدينة، متجاوزين طبقات من الحواجز المتمثلة في بوابات المدينة الداخلية المتينة. كان بين كل حي وبوابة داخلية، وبالمجموع سبعٌ أو ثمانٍ من هذه البوابات.
"لقد سمعتُ عن مخطّط مدينة سحب التنين من قبل." قال وايا وهو يضغط على أسنانه مراقبًا ما حوله بتوتر. "يُقال إن هذه البنية الداخلية أكثر فعالية في حماية المدينة. حتى لو اخترق العدو باب المدينة الرئيسي، يستطيع الرماة فوق الأسوار والبوابات أن يستديروا ويُنفذوا هجمات متدرجة على كل من يقتحم عمق المدينة. كذلك يمكن للمحاربين صدّ مدّ الهجمات خلف البوابات الداخلية.
"وبحكم المنحدر، لا خيار أمام المهاجمين إلا خوض قتال من موقع أدنى، وهذا يضعهم في موقف شديد الوهن.
"أجرؤ على القول إن هذا التخطيط كان له الفضل الأكبر في صمودهم خلال الحرب القارية الثالثة حين واجهوا حصار جيش شبه الجزيرة الشرقية."
"إذن، فهذه المدينة ليست أدنى شأنًا من حصن التنين المحطم." تمتم تاليس بامتعاض وهو ينظر إلى حصانه الذي جلس يلهث من الإرهاق. وكان ضجيج المتفرجين خلف خط الحرس يزيد ضيقه. "حتى سكان المدينة أنفسهم مضطرون لتسلق هذا المنحدر حين يخرجون للنزهة، فكيف بالعدو الذي يهجم على المدينة؟"
"وفوق ذلك، يملك النبلاء ذريعةً أو سببًا يختبئون به داخل المدينة ويتوارون." خطت آيدا فوق البلاط الحجري بقوامها الرشيق اللدن، لكنها لم تمنع نفسها من إطلاق نفخةٍ خفيفة مستاءة. "إنهم يتركون شعبهم خارج الأسوار يتحمّل العناء."
"أظنّ أن الدفعة الأولى ممّن بنوا هذه المدينة إنما شيّدوها لأغراض عسكرية محضة. لكن لم يتوقع أحد أنّها ستصبح يومًا عاصمةَ إكستيدت." ألقى تاليس نظرة على المارّة الذين يعبرون أو يتوقفون. "ألا يشعر من يعيش هنا بالإرهاق؟"
"إلى حدٍّ ما، هذه المدينة تنفّر التجار بطبيعتها. فهذا النوع من التخطيط لا يناسب الباعة ولا فتح المتاجر، سواء من ناحية نقل السلع أو توسيع الأعمال. هل تتخيل كلفة نقل حمولة من الحطب إلى قلب المدينة الداخلي؟ إنها تساوي نقل ثلاثة أحمال إلى أي مكانٍ آخر." بدا مركيز اتحاد كاموس، شيليس، معتادًا على هذا الطريق، لكنه هزّ رأسه مع ذلك وقد خيّم عليه العجز عن وصف الأمر. "وطبعًا، حينها تدخّلنا نحن الكاموسيين."
"إذًا، الأراضي الأعلى في المدينة الداخلية لا يسكنها إلا ذوو النفوذ؟ أليس كذلك؟" تنهد تاليس. "حقًا… تمايز الطبقات الاجتماعية هنا بالغ الوضوح، سهل الفهم للغاية."
وبمساعدة بيوتراي في الشرح ("مقارنةً ببضع سنوات مضت، لا أظن أن تغييرات كبيرة طرأت. في الواقع، أشك أن مدينة سحب التنين لم تتغيّر كثيرًا طوال المئة عام الماضية." قال بيوتراي.) مرّوا في رحلتهم على أحياء تختلف اختلافًا تامًا: حيّ الدرع، الذي يبدو كالأكواخ الفقيرة؛ حيّ المطرقة، حيث يقطن العامة؛ حيّ السيف، حيث السوق والساحة؛ حيّ القوس، الذي تبدو مبانيه شتّى؛ حيّ السهم، الذي تتجمّع فيه المعابد ودور العبادة؛ حيّ الرمح، وفيه الدوائر كالمحكمة والسجن؛ حيّ الدروع، حيث تتقارب الورش والدكاكين؛ وأخيرًا حيّ الفأس، موطن النبلاء.
"لماذا لم يبنوا قسمًا آخر ويُسمّوه (حيّ البنادق الصوفية)؟" أطلق تاليس سخطه ساخرًا من أسماء الأحياء، المأخوذة كلّها من أسلحة.
"أظن أن البندقية الصوفية لم تكن قد اخترعت حين سمّى رايكارو مدينة سحب التنين وأعاد بناءها." أجاب بيوتراي بلا اكتراث.
"ومتى اختُرعت البندقية الصوفية إذًا؟" سأل تاليس بفضول. "ومن اخترعها؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟"
"البندقية الصوفية موجودة منذ ما يقارب الثلاثمئة عام، وقطع غيارها يسهل الحصول عليها." بدا بيوتراي كأنه يعرف ما سيبحث عنه تاليس، لكنه بدا كمن يتعمد معاكسته، إذ ضحك قائلًا: "فقط الجزء الأعمق في جوفها يحتاج إلى موارد استراتيجية. أمّا أصلها… فستعرفه عاجلًا أم آجلًا."
"وأمّا الاسم… فلا أحد يعرف كذلك."
ارتعشت شفتا تاليس.
(البندقية الصوفية…)
(الصوفيّون.)
(الطاقة الصوفية.)
(السحر.)
قمع الشكوك التي اضطربت في داخله، وبذل جهدًا ليركّز على الأمر الراهن.
"حسنًا… حقًا، يفتقر الإكستيدتيون إلى الخيال في تسمية أحياء مدينتهم.
"ولديّ اقتراح لهم إن نفدت لديهم الأسماء." وحين رأى جواده يكابد صعود المنحدر، شعر بثقل يخبو في قلبه. تنفّس بأسى وقال: "حيُّ العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين."
"إن سألتني، فأنت تهذر دون توقف منذ قليل." أخرج بيوتراي غليونه أخيرًا. نظر إلى تاليس بنظرة ذات معنى قليلًا، وكشف الحقيقة بعد أن استنشق دخانًا عميقًا. "أهو الوضع الذي ستواجهه الآن…"
"هو ما يجعلك قلقًا؟"
بُهِت تاليس فجأة.
(اذهب إلى الجحيم.)
تحت أنظار بقية أفراد الوفد الدبلوماسي، لزم تاليس الصمت في حرج.
وأخيرًا، "تسلّقوا" الطريق الأخير من حيّ الفأس.
وأينما ذهبوا، كان علم النجمتين المتصالبتين خلف تاليس أضخم هدف للأنظار. كان جينارد يحمل ذلك العلم ذي الخلفية الزرقاء السماوية، وفي كل خطوة ازدحم الناس لرؤية تاليس. وكاد جنود مدينة سحب التنين المكلّفون بضبط النظام يعجزون تمامًا عن المهمة، بينما تضاعفت الفوضى بفعل صوت أهل الشمال الجهير وطباعهم المتأججة.
ولم يترك هذا لتاليس أي فرصة لمعاينة هيئة المدينة. فقد سيق بسرعة إلى أعلى نقطة في المدينة الداخلية بواسطة حرّاس النصل الأبيض. ثم أُغلقت بوابة المدينة الداخلية لتحجب طوفان الناس في الخارج.
قطّب تاليس جبينه وشهق نفسًا عميقًا.
وبمساعدة وايا، ترجل عن جواده، وطأ بلاط الشمال الأسود الخشن الصلب، ثم رفع رأسه ببطء.
كان أمامه… قصر.
(إذًا هذا هو…) صُعق تاليس في نفسه.
"اسمح لي أن أودّعك هنا، يا صاحب السمو الأمير تاليس." قبل أن يتسنى له تأمل القصر جيّدًا، تقدم مركيز اتحاد كاموس شيليس، وانحنى بخشوع وهو يهمس: "ينبغي أن تُعِدّ نفسك ذهنيًا."
أطلق مركيز اتحاد كاموس ضحكة ماكرة. "حسب الخطة… قد تكون معاملة الملك نوڤين لك…"
"قاسية قليلًا."
رد تاليس بابتسامة متكلّفة، ثم أخذ نفسًا باردًا عميقًا وأومأ.
(قاسية؟)
(طبعًا.)
دارت عيناه في خفية.
(منذ أن جئت إلى هذا العالم…)
(هل عاملني أحد بلين؟)
(يشبه هذا روايةً تُضطهد فيها شخصية البطل، أليس كذلك؟)
تبادل المركيز شيليس ونيكولاس النظرات، ثم قادا رجال اتحاد كاموس وجيادهم نحو اتجاهٍ آخر.
وما إن همّ تاليس برفع رأسه ليتأمل القصر، الذي قد يكون القصر الملكي لإكستيدت، حتى بدأت أبواب القصر تنفتح ببطء.
خرجت مجموعة من أهل الشمال من تلك الأبواب، بزيّ فخمٍ منسق، لكنهم كانوا مع ذلك مسلحين بالكامل.
وشدّ تاليس نفسه لا إراديًا.
وكما توقّع، ارتفع صوت جهير واضح من بين صفوفهم.
"باسم الملك المنتخب شعبيًا لإكستيدت، الملك نوڤين والتون السابع…"
"أرحّب بضيوفنا الأجانب بأمر الملك."
كان رجل بارد الملامح، مفتول العضلات، حليق الرأس، يضم شفتيه وهو يحدّق في تاليس ويضيّق عينيه يفحصه لبضع ثوانٍ.
"الملك يتطلع إلى وصولك،" قال بخفوت، "يا أمير الكوكبة."
قبض تاليس قبضتيه بقوة.
(لقد بدأ الأمر.)
قهقه نيكولاس وتقدّم ليعانق الرجل الذي يتقدّم المجموعة.
"أيها القائد العزيز للحرس، هل أتممت المهمة، يا صديقي؟" سأله بصوت لين ينطوي على معنى عميق.
"بالطبع،" قال نيكولاس ملمّحًا لمعنى مختلف، "أمير الكوكبة الذي نريده قد وصل بالفعل."
قطّب تاليس حاجبيه وهو يراقب تبادل الحديث بينهما.
ثم تقدّم الرجل الحليق الذي في المقدمة نحو تاليس وانحنى له.
"مرحبًا بك في إكستيدت، وفي جوهرتها الأبهى والأكثر روعة—مدينة سحب التنين، يا تاليس من الكوكبة."
استعاد تاليس تعاليم غيلبرت ونصائح بيوتراي في رحلتهما إلى هنا، فردّ التحية على الفور بابتسامة.
(يبدو كموظّف بيروقراطي، لكن بنيته أقرب إلى محارب.)
(أو لعلّ رجال الشمال جميعهم يبدون كمحاربين؟)
"أنا اللورد بايرن ميرك." كان رجل الشمال الحليق الرأس في الأربعين أو الخمسين من عمره. يرتدي معطفًا ثقيلًا، وعلى وجهه ملامح صارمة. "قبل نَيْلي لقبي، كنتُ أحد رجال حرس النصل الأبيض. وأنا الآن إداريّ الملك نوڤين والمسؤول عن ترتيب كل ما يتعلق باستقبالك في مدينة سحب التنين."
"أشكرك على حسن الاستقبال، يا لورد ميرك." أومأ تاليس، مؤكّدًا في سرّه حكمه الأولي.
"اسمح لي أن أعرّفك بهذا المكان بما أنّها زيارتك الأولى." استدار ميرك بوجه جاد ورفع يده مشيرًا إلى القصر المهيب. "لقد كان هذا مقرّ أسياد الشمال منذ الأزمنة الغابرة حتى اليوم؛ من ذلك البناء المتداعي على الجبل في عصر الملوك الإقطاعيين، إلى الحصن الحجري في عهد الإمبراطورية، وصولًا إلى القصر المهيب الذي تراه الآن."
"على مدى آلاف السنين، شهد تاريخ الشمال، وولادة إكستيدت. ورأى أبناء الريح الشمالية والتنين يزدهرون وينمون بلا انقطاع."
ثم نطق ميرك بوقار: "قصر الروح البطولية."
(قصر الروح البطولية؟ هل معنى اسمه… لائق حقًا لسيدٍ حيّ أن يقيم فيه؟)
تجمّد تاليس لوهلة، ثم رفع رأسه ببطء.
كان قصرًا ضخمًا. بسيط الأسلوب، لكنه غزير الألوان. جليل البنية، غير أنّ تصميمه خشن. بُني على هيئة الجبل، ومع ذلك، وإذا ما قيس من أرض المدينة الداخلية التي يقف عليها، فقد ارتفع القصر نحو ثمانية أو تسعة طوابق. أما مواده ففريدة: أخشاب ضخمة، حجارة خشنة، جلود، معادن، وكثير من مساحاته مصقولةٌ صقلًا خشنًا.
ذلك هو طراز الشمال—قويّ، عارم، جريء، متمرّد.
أمام أبواب القصر العظيمة، انتصبت عشرة أعمدة رواق يتجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، تحمل سقف القصر الشاهق. وكانت تلك الأعمدة منقوشة بقصص أبطال الشمال من السلالات الماضية. النقوش بسيطة… لكنها جريئة.
وعلى الطريق الممتد من المدينة الداخلية إلى بوابة القصر، كانت ثمانية أفران شاهقة، يبلغ ارتفاع كل منها بضعة أمتار، وما تزال مشتعلة حتى في وضح النهار. كأنما تُنير الساحة الصغيرة أمام البوابة طوال اليوم.
وكانت تحيط بها فرقة حرس النصل الأبيض وحرس مدينة سحب التنين، طوال القامة، شديدي الملامح. وعلى خلاف جنود الكوكبة المنتظمين بدقة، بدا موقع وقوف جنود إكستيدت عشوائيًا قليلًا، لا يلتزم بصرامة الدوريات. لكن تاليس، بعد تذكير من آيدا، أدرك أنهم "متراخون" فقط في الطبقة الخارجية من الدفاع؛ أما الدفاع الداخلي فكان محكمًا بلا أدنى فجوة.
وبالمقارنة مع قصر النهضة في الكوكبة، الذي بدا مبتكر الشكل (يشبه نصف هرم)، كان قصر مدينة سحب التنين أقرب إلى القصور المهيبة في الأساطير—سواء في طرازه المعماري أو توزيع القوى داخله.
وكان علم التنين الأحمر ذو القاعدة السوداء يرفرف عاليًا فوق القصر.
وتحت العلم الخفّاق، راية أخرى: رمح تنين يخترق الغيوم—شعار والتون. إنها راية رمح سحب التنين.
الأحمر والأسود، مع تساقط الثلج الطبيعي. في تلك اللحظة، أحسّ تاليس ألا قصر أليق بعودة الأرواح البطولية من هذا المكان.
هزّ تاليس رأسه. (قصر الروح البطولية جديرٌ باسمه حقًا.)
(أما الأسياد والآرشيدوقات والملك الذين يقيمون هنا…)
وفي تلك اللحظة بالذات، انصرف بصر تاليس فجأة نحو شيء في أعلى القصر، فلم يستطع إلا أن يرفع رأسه.
جسر حجري يمتد من أعلى مستوى في القصر، معلقًا في الهواء، نحو قمة جبل آخر.
وثبتت عينا تاليس عليه.
كان ذلك هو الجسر الحجري.
الجسر الحجري الذي يقود إلى جرف السماء—الجناح الملكي لـ"ملكة السماء".
ولم يلحظ إلا حينها تمثالًا ضخمًا منصوبًا عند نقطة بدء ذلك الجسر الحجري. ولعلّ زاوية رؤيته سابقًا جعلته غير واضح من بعيد.
كان تمثالًا حجريًا ضخمًا، أسود اللون، لمقاتلٍ ذكر.
بدا المقاتل بطوليًا ومهيبًا، يحمل في يديه رمحًا طويلًا للغاية. كان ذا بنية قوية، مرتديًا درعًا محكمًا، ويبدو شامخًا وهو يطلّ من علٍ على قصر الروح البطولية.
فكّر تاليس في نفسه: (لا شكّ أنه من ذلك الموضع يستطيع أن يرى مدينة سحب التنين كاملة في نظرة واحدة.)
كان اللورد ميرك، المسؤول عن الاستقبال، صبورًا للغاية. ظلّ ينتظر الأمير الغريب بصمت حتى لاحظ اتجاه نظرات تاليس.
"ذلك هو الجسر الحجري المؤدي إلى جرف السماء، وفوقه تمثال رايكارو الأول. بُني بعد وفاة رايكارو منذ أكثر من ستمائة عام." رفع ميرك رأسه وعرّف التمثال بجدية. "وقد جرى ترميمه قبل أسبوع فقط."
اشتدّ تعبير تاليس.
(ذلك هو…) حدّق في تمثال الرجل الشجاع.
(بطل الجنس البشري في معركة الإبادة…)
(هو أحد الذين هزموا الكارثة والصوفيين…)
(مؤسس إكستيدت وملكها الأول…)
(رايكارو إكستيدت؟)
كان التمثال مغطّى بالثلج. وكانت هيئة المقاتل وهو يحمل الرمح مفعمة بالقوة، وتعطي انطباعًا ببناء يفيض توترًا محتدمًا.
لا شكّ أنه طوال ستمائة عام، ظلّ رايكارو يحدّق في شعبه، وفي أرضه، وفي أمّته، بنظرة ثابتة وعمقٍ شديد.
أومأ تاليس بخفة في ردٍ مقتضب على ميرك.
عبرت سحابة، وتغيّر اتجاه أشعة الشمس قليلًا.
ومن بعيد، بدا تعبير بطل إكستيدت وكأنه يتبدّل من إصرارٍ إلى حزن.
ضيّق تاليس عينيه وتنهد في سرّه إعجابًا بمهارة النحاتين قبل ستة قرون.
(لقد رُمّم قبل أسبوع. أكان ذلك لأجلي؟)
(غير محتمل.)
(ربما ما يزال أهل إكستيدت ينتظرون ملكة التنين العظيمة الأسطورية، التي اختفت بلا أثر بعد معركة الإبادة؟ هل ينتظرون عودتها لزيارة تمثال زوجها؟)
(هل ينتظرون منها زيارة هذه الأمة التي ما تزال تضع صورتها على الراية؟ أم لعلّهم ينتظرونها لتحرس نصل شبه الجزيرة الغربية، الذي تركته خلفها مع رايكارو؟)
"لقد أُعدّت غرفة لك في قصر الروح البطولية. ستكون مقرّ إقامتك المؤقت ريثما تبقى في مدينة سحب التنين." أشار ميرك بيده نحو بوابة القصر ليحثّ تاليس على التقدّم.
ابتسم تاليس. "بالطبع، أشكر الملك نوڤين على ضيافته."
"والآن، تفضّل بالقدوم معي." كان الرجل الحليق يحتفظ بالعبارة ذاتها، لكن ما نطق به جعل قلوب بعثة الكوكبة الدبلوماسية تهوي.
"الملك نوڤين والآرشيدوقات الخمسة حاضرون الآن في قاعة الأبطال، ينتظرون وصولك."
تبادل تاليس النظرات مع بيوتراي.
لقد شارف الأمر على البدء.
ولكن، ما إن همّ تاليس وبيوتراي وآيدا بالتقدّم خطوة حتى رفع ميرك يده قليلًا وأوقف نائب الدبلوماسي النحيل.
"مرافقي الأمير، من فضلكم اتبعوا رجالي وتوجّهوا إلى غرفكم مسبقًا." قال ميرك بصوت منخفض.
"لا أفهم." توقف بيوتراي، ونظر إلى ميرك بهدوء. "أنا مساعد الأمير في هذه الرحلة، ويجب أن أبقى إلى جانبه."
"أفهم واجبك…" قال ميرك بلا تعبير، "لكن لهذه الدعوة حدًا."
"إنها محادثة مهيبة ورفيعة، من سيدٍ إلى سيد، ومن عائلة ملكية إلى عائلة ملكية."
"من جيدستار إلى والتون والعشائر الخمس الكبرى. الملك والآرشيدوقات الخمسة لا يرغبون في رؤية سوى الأمير، كما أنّ الأمير لن يرى سوى الملك والآرشيدوقات الخمسة."
"وعليه… يرجى حضور الاجتماع بمفردك، يا أمير الكوكبة."
تغيّر وجه تاليس.
(مواجهة نوڤين السابع والآرشيدوقات الخمسة… وحدي؟)
قال بيوتراي بخفوت: "على حد علمي، هذا ليس من أعراف التعامل بين بلدينا."
ورغم أنهم توصّلوا إلى اتفاق أولي مع الملك نوڤين…
إلّا أنّهم لا يمكن أن يخاطروا بأمن الأمير…
لقد تعلّمت الكوكبة ما يكفي في هذا الجانب.
"إنه وقت حرج للغاية." هزّ ميرك رأسه.
"تريدون منا أن نسلّمكم الوريث الوحيد للكوكبة، وأن نتخلى عن حمايته، ونتركه معزولًا بلا سند تحت سيطرتكم؟" أشار بيوتراي بذكاء إلى النقطة الحاسمة.
خلف تاليس، بدأت آيدا، ووايا، ورالف، والبقية يتوتّرون، وامتدت أيديهم لا إراديًا نحو أسلحتهم.
وعلى الطرف الآخر، رفع نيكولاس يده قليلًا، فأحاط بهم حرس النصل الأبيض.
ازداد شحوب بشرة قاتل النجوم. "كما قلتَ من قبل، ليس لديكم خيارات عديدة. أليس كذلك، أيها الأمير الشاب؟"
ضيّق تاليس عينيه.
"رجاءً صدّقني. هذا ضروري." حدّق ميرك في تاليس بنظرة متقدة. "ثم، وبصراحة…"
"منذ اللحظة التي دخلتم فيها حدود إكستيدت…"
"ألم تكونوا… معزولين بلا سند؟"
تنهد تاليس بلطف.
لم ينبس بيوتراي بكلمة أخرى.
وجعل هذا الأمير يدرك أن شراكتهما الصيّادية مع نوڤين قد بدأت بالفعل.
(حسنًا.)
(نوڤين، الملك الذي يشاع عنه أنه "قاسٍ"، أليس كذلك؟)
ابتسم تاليس سرًا ابتسامة هادئة.
(سنرى.)
وبين وجه بيوتراي الشاحب وتعابير ميرك المتغيّرة، كبح تاليس شعوره بالقلق وابتسم.
"حسنًا، لا أطيق الانتظار لرؤية الملك نوڤين."
استدار تاليس نحو الذين رافقوه في رحلته.
أومأ وقال: "لا تقلقوا."
"سأعود قريبًا."
وبعد أن أنهى حديثه، خطا تاليس خطوة إلى الأمام. مضت هيئته الصغيرة نحو قصر الروح البطولية، المختلف كل الاختلاف عن قصر النهضة، ولكنه كان هادئًا وساكنًا بالقدر ذاته.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬