▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 125: المُحَارِبَة
…
بيتٌ صغير في قريةٍ خارج مدينة سحب التنين.
"لقد مرّت ثلاثُ سنواتٍ منذ آخر مرة رأيتُكما فيها، كوهين وعزيزتي ميراندا. هل أرسلكما البرج؟" في غرفةٍ مظلمة، كانت فتاةٌ قصيرة الشعر ممدَّدة على سريرٍ خشبي. كان اسمها كروش ميرك، وقد ارتسمت على محياها ابتسامةٌ مُتْعَبَةٌ ولكن هادئة. "إنه لعزاءٌ عظيم أن أراكما الآن."
"شكرًا لك، يا عمّ كاسلان." شكرت الفتاة قصيرة الشعر كاسلان الذي كان بجوارها، دون أي أثرٍ للعاطفة في وجهها.
تقلّصت حاجبا ميراندا بشدة.
حتى كوهين اللامبالي لم يستطع تجاهل التغيير الجارف الذي طرأ على فتاة الشمال، كروش، والتي كانت زميلتهما في السنة ذاتها.
مقارنةً بكروش ميرك المفعمة بالحيوية قبل ثلاث سنوات حين افترقوا في برج الإبادة، لم تصبح أنحف بكثير فحسب، بل غلب عليها الكآبة كذلك. كانت عزيمتها منقوشةً كختمٍ على وجهها المستدير، ولا أحد يعلم متى تحوّل ذلك النقش إلى مرارةٍ وخيبة.
حوّل كوهين نظره إلى يدها، فانقطع نَفَسُه على الفور.
هذه الفتاة من البرج، ذات النظرة الحازمة… هذه الفتاة التي كانت لا تكلّ ولا تتراجع في تدريبها…
يدها اليمنى، التي كانت تقبض بها على سيفها… كانت الآن ملفوفة بضماداتٍ بإحكام.
"كروش…" حاول كوهين قدر المستطاع أن يصرف بصره عن يدها اليمنى وافتعل ابتسامة. ثم قال بحذرٍ وبطء، "هل… أنتِ بخير؟"
(بخير؟)
ما إن نطق السؤال حتى راوده شعورٌ قوي برغبةٍ في صفع نفسه.
نظرت إليه كروش ببطء، دون أي أثرٍ للمشاعر في عينيها.
"أنا بخير." قال كوهين، متألمًا من نظرتها الخاوية. "فقط، يدي اليمنى… لم أعُد أستطيع استعمالها لحمل سلاحي. هذا كلّ ما في الأمر."
صمت.
وقع كوهين في حرجٍ شديد، ولم يعرف كيف يكمل. (تبًا، لو كان رافاييل هنا… لطالما كان ذلك الصعلوك ذو المعطف الأبيض بارعًا في مواساة الآخرين.)
كما كان متوقَّعًا، تقدّمت ميراندا إلى الأمام ورفعت عينيها باستهزاء نحو كوهين.
ثم، كما فعلت مرارًا في الماضي، داسَت بقوةٍ على قدم كوهين البريء دون أن يطرف لها رمش.
شهق كوهين من الألم.
وبينما كان يقبض على فكه من شدّة الألم، جلست ميراندا على حافة سرير كروش. لم يتغيّر تعبير وجهها حين فتحت شفتيها بعزم: "من فعل هذا؟"
(أيُّ مواساةٍ لا فائدة منها الآن)، خطرت الفكرة في ذهن ميراندا. (من الأفضل أن أدخل في صلب الموضوع بدلًا من التفكير في أمورٍ لا طائل منها.)
إلى الجانب، تنحنح كاسلان بقصد.
لم يكن لدى قائد حرّاس النصل الأبيض السابق الكثير ليقوله في حضرة كروش.
لقد رأى جنودًا كثيرين يواجهون المصير ذاته.
تنفّس كاسلان بعمق، متمتمًا في نفسه.
(أولئك الجنود لن يعلموا أبدًا كم كانوا محظوظين إذ أصيبوا وتقاعدوا.)
عادت كروش إلى وعيها وابتسمت ابتسامةً متكلّفة.
"أعتقد أنّ لديكما بالفعل بعض العلم ببداية الحادث ونهايته." استعادت نبرة الهدوء، ولم تعد تبدو كسَيّافةٍ فقدت كل أملٍ في إمساك سيفها. "ضابطٌ عسكريّ يُدعى هاديل، تسرّب إلى جيش إقليم الرمال السوداء، حاول اغتيال أميركما في الحصن باستخدام بنادق صوفية."
أومأ كوهين.
"شهدتُ ذلك في حصن التنين المحطّم، لكنني لم أر المشهد بوضوح. ظننته مجرد تجربة إطلاق." ردّت ميراندا بهدوء.
"صحيح. ميراندا، أنتِ الآن تابعةٌ بارزة لزهرة الحصن في الكوكبة، أليس كذلك؟" ابتسمت كروش لرفيقة دفعتها، ثم نظرت إلى يدها اليمنى. وتهدّلت ملامحها مع الكلمة التالية. "مباركٌ لك."
ثبتت ميراندا ملامحها، ولم تتفوّه بكلمة. كلّ ما فعلته أنها مدت يدها وأمسكت بيد كروش اليسرى بإحكام.
ارتعشت كروش قليلًا عند لمس يدها.
"بالنسبة لـ… آه!"
لم تتغيّر ملامح ميراندا وهي تركل كوهين بمرفقها حين كان يتهيأ للكلام وهو يحكّ رأسه. أطبقت الضربة على صوته قبل أن يخرج.
تابع كوهين التنهّد من الألم بصمت، وهو يوجّه لميراندا نظرة احتجاج. (حقًا… هل كان ذلك ضروريًا؟)
لم تستطع كروش أن تمنع نفسها من الضحك على هذا المشهد.
ذكّرها هذا بأيامهم في برج الإبادة.
عقد كاسلان ذراعيه ونظر إلى ميراندا بإعجاب. (يا لها من فتاةٍ حسّاسة. نجحت دون أن تشعر في التخفيف عن كروش. هذه الفتاة من عائلة آروند لا ينقصها سوى أن تبتسم أكثر.)
"وفقًا لتعليمات الآرشيدوق، استطعنا تتبّع نقطة اتصال هاديل الخاصة بالأسلحة." حاولت كروش أن تُبقي ابتسامتها. "لقد باع أجزاء من البنادق الصوفية العسكرية التي أزالها وكان يفترض أن يتم تدميرها، نحو الجنوب والغرب. وبواسطة الأموال التي جناها، درّب وحدته وحسّن اتصالاته. في غضون بضع سنوات، كان من الممكن أن تقع وحدة البنادق الصوفية التابعة للآرشيدوق في قبضتهم. لحسن الحظ، اكتشفنا الأمر مبكرًا واعترضنا سبيل ذلك الاتصال."
"ذلك الضابط… ما الذي عرفتموه بشأنه؟" سألت ميراندا بلطف.
"ليس الكثير." أجابت كروش بهدوء.
"هاديل جاء من قريةٍ صغيرة في أقصى الشمال، أرضٌ تتبع للآرشيدوق ليكّو من مدينة الدفاع. قبل أحد عشر أو اثني عشر عامًا، شهد الحرب بين إكستيدت والكوكبة. ورغم نجاته من معركة الهجوم والدفاع، فقد يدًا ونصف وجهه تحت قصف البنادق الصوفية."
شحبت ملامح ميراندا.
(مرة أخرى… حرب الاثني عشر عامًا.)
تنفّس كوهين بعمق وسار خطوة إلى الأمام، متجنبًا مدى ضربات ميراندا. "آرشيدوق مدينة الدفاع، أحد الآرشيدوقات في شمال إكستيدت؟ عائلة ليكو؟ إذن، هل كان الآرشيدوق خلف محاولة قتل أمير الكوكبة باستخدام البنادق الصوفية؟"
هزّت كروش رأسها. "الأمر ليس بهذه البساطة. بعد الحرب، جاء هاديل إلى إقليم الرمال السوداء وبقي هناك حتى اليوم. لم يتصل بأي شخص من مدينة الدفاع، لذا لا نستطيع الجزم."
"ولكن، هناك أمرٌ أثار ريبتنا."
أخذت كروش نفسًا.
"أثناء استجوابنا لنقطة الاتصال، اكتشفنا أن هاديل ذكر عرضًا أنه لديه ابنة تُدعى لوسي."
لمعت عينا كوهين. "وجدتم ابنته؟ هل كان فيها شيء غير طبيعي؟"
"ليس فقط غير طبيعي." عضّت كروش على شفتيها وهزّت رأسها. "بل… هذه الشخصية لا وجود لها أصلًا."
"لا… وجود لها؟" تساءل كوهين.
"لم يتزوج هاديل قط طوال أربعين عامًا. وأكّد لنا جيرانه أنه لم تكن له زوجة أو أي علاقة مع امرأة، فضلًا عن أن تكون له ابنة." قالت كروش بهدوء.
"تتبّعنا هذا الاسم، ’لوسي’، وواصلنا التحقيق… فاكتشفنا أنه ذكر اسمها أمام أكثر من شخص."
"من سوق السلاح السوداء في إقليم الرمال السوداء إلى فريق النقل في إقليم الأوركيد المرموق… وعندما بلغنا الأثر وصولًا إلى مدينة سحب التنين، واجهنا اعتراضًا." رفعت الفتاة قصيرة الشعر رأسها، وبدا على وجهها تعبيرٌ مخيف. "ظهرت مجموعةٌ من السَيّافين الغرباء."
ميراندا قبضت حاجبيها. "سيف الكارثة؟"
خفضت كروش جفنيها وأومأت.
"كيف كانوا؟ وكم كان عددهم؟" تغيّر وجه كوهين، وتجاهل امتعاض ميراندا، واندفع يسأل، "أي نوع من قوة الإبادة كانوا يستخدمون؟ وكيف عرفتِ أنهم سيوف كارثة؟"
كان كاسلان يصغي بصمت إلى جانبهما، وقد قبض حاجبيه.
"كانوا كثر، وقد غطّوا رؤوسهم ووجوههم. ثم إن الليل كان حالكًا، فلم أتبين هيئاتهم ولا ملامحهم بوضوح. أما قوة الإبادة لديهم… فكانت كما وصفها المعلّم تشارتييه." أجابت كروش بصوت خافت، "باردةٌ لا ترحم. كانت قوة الإبادة تتدفق بعنفٍ لا ينقطع."
"أنا الوحيدة التي نجت وعادت حيّة."
أصيب كوهين بالذهول.
لكنه استعاد حركته على الفور. "هل من معلومات أخرى؟ متى وأين ظهروا؟ مثل طريقة هجومهم…"
"أخبرت العم كاسلان بالتفاصيل عن ظهورهم." عضّت كروش على أسنانها وهزّت رأسها وعيناها تحملان مرارة، "اذهبا وأتما مهمتكما، سواء كان ذلك لأجل برج الإبادة، أو لأجل أمير الكوكبة."
كان كوهين لا يزال يريد سؤالها، لكن ميراندا أمسكت ذراعه وهزّت رأسها له.
"أنا مرهقة"، قالت كروش بهدوء. استدارت ببطء نحو الجدار. "أريد أن أرتاح قليلًا."
تبادل كوهين وميراندا النظرات، ثم رمقا كروش بنظرة أخيرة، وغادرا تحت إشراف نظرة كاسلان.
"كوهين."
قبل أن يرحلوا، نادت كروش فجأة وأوقفت شرطي الكوكبة.
تجمّد كوهين وهو يلتفت إليها.
كانت قد أدارت رأسها ورفعت جفنيها. وفي عينيها مشاعر معقدة لا يمكن تفسيرها. "أنت…"
"كن حذرًا."
تجمّد كوهين لحظة، ثم سحبه كاسلان خارج الغرفة.
"لقد رأيت حالتها الآن… ولأكون صريحًا، مما لاحظته، لا أظن أنها مصابة إلى حدّ يعجزها عن استعمال سيفها. إنما هي عوائق في نفسها تمنعها من حمل السيف مجددًا"، قال كاسلان بهدوء.
"عوائق نفسية؟" قبضت ميراندا حاجبيها وسألت.
"كروش هي ابنة أحد قدامى رجالي في حرس النصل الأبيض." تابع كاسلان وهو يرافق الشابين خارج المنزل. رمق مدينة سحب التنين البعيدة وهزّ رأسه. "وأنتما تعرفانها من برج الإبادة، وتعلمون أن لديها طموحًا كبيرًا. أظن أن هذا أيضًا ممّا تغرسونه أنتم أبناء الكوكبة…"
"مهلًا!" احتج كوهين. "ماذا تعني بقولك إن هذا ممّا نغرسه نحن؟ كروش دائمًا كانت—"
لكن كاسلان تجاهله وتمتم حديثه.
"لقد كانت صلبة العزم منذ صغرها، وكانت تريد أن تصير فارسة أسطورية مثل ’قلب المطر’."
"قلب المطر لورين؟ سمعت أنها كانت رفيقة المعلّم تشاو وأسلافك، وكانت المرتزقة التي حملت الراية في حرب ميراث هانبول؟" سأل كوهين بفضول.
"نعم." توقّف كاسلان لحظة، وقد أثار الحديث ذكرياتٍ بعيدة، ثم ابتسم، "دائمًا توجد نساء لا تجرؤ على إغضابهن طيلة حياتك."
ثم أطلق الشيخ، مزلزل الأرض، تنهيدة. "وبعد أن أنهت تدريبها في برج الإبادة، ازدادت طموحًا. وعندما عادت، رشّحت نفسها لتقييم حرس النصل الأبيض، معلنةً رغبتها في الانضمام…"
رفعت ميراندا رأسها ونظرتها متّقدة. "لكنها لم تنجح؟"
رفع كاسلان حاجبه. "رفضها حرس النصل الأبيض، وقد كان ذلك صدمة كبيرة لها."
أظهرت ميراندا حيرتها. "صدمة كبيرة؟ على حد علمي، إن حرس النصل الأبيض لديهم معايير عالية جدًّا في اختيارهم—"
"الرفض نفسه لم يكن الصدمة الكبرى." قاطعها كاسلان وأدار وجهه. "بل السبب خلف الرفض."
"السبب خلف الرفض؟" حدّقت ميراندا فيه.
"ما هو؟"
أخذ كاسلان نفسًا، لكنه لم يُجب.
"أعرف." كان كوهين أول من رد قبل أن تنطق ميراندا.
تنهد الشرطي. "لأنها امرأة، أليس كذلك؟"
رمق كاسلان ميراندا بنظرة ذات مغزى وأومأ. "صحيح."
"لأنها امرأة."
قبضت ميراندا أسنانها لا إراديًا.
قهقه كاسلان ساخرًا. "يقول الكثيرون إننا أهل الشمال أشدّاء، حتى إن النساء والأطفال يمكنهم حمل سلاحهم إذا استثارهم الغضب، لكن زوجتي تقول إن الكثير من أهل الشمال ما زالوا يرون أن أمور الأرض والسلطة والحرب ووراثة ألقاب النبلاء من شأن الرجال. وأن النساء عليهنّ البقاء في المنازل ينتظرن أزواجهن."
"وهكذا، حملت كروش سيفها وطافت على كل ذا سيادة، لكنها قوبلت بالرفض في كل مكان. امرأة اجتازت تدريب برج الإبادة كاملًا، وسَيّافة من الفئة العليا… لم تستطع أن تنال منصبًا، ولا حتى من أحد الكونتات…"
"كان هناك عدد من النبلاء من طبقة الفيكونتات والبارونات ممن كانوا مستعدين لقبولها، لكن بشرطٍ واحد: أن تتزوجهم بعد انتهاء عقدها… ومن غير شك، إنما منحُوها ذلك المنصب لأن والدها كان في حرس النصل الأبيض."
كانت ميراندا تلامس مقبض سيفها القابع عند خصرها بخفة.
(مقارنةً بطريقي السلس في الكوكبة، برعاية والدي وحماية سونيا… أهذا ما واجهته كروش في الشمال وفي إكستيدت؟)
"وبحسب والدها… فكروش حتى فكرت في التوجّه جنوبًا إلى ثورنلاند أو حوض قبلة التنين، أو حتى إلى الصحراء الكبرى لتصير مرتزقة."
"لكنها في النهاية وصلت إلى إقليم الرمال السوداء. واستعانت باسم والدها لتذهب إلى ابن أخي عديم الفائدة. وهناك، حصلت على منصب تحت وصاية نائب يُدعى كينتفيدا." تنهد كاسلان.
"كنتُ أظن أنّ هذا واحد من الأساليب التي استخدمها تشابمان لامبارد لاستمالتي… لكن بعدما رأيتُ حال كروش…"
"وفوق ذلك، هذه المرة…"
هزّ كاسلان رأسه.
"على أي حال، الآن تعلمين السبب يا ابنة آروند." رفع العجوز بصره نحو ميراندا. "هيئتكِ في اللباس، بصراحة، فاضحة جدًا في الشمال."
لم تنطق ميراندا بكلمة، وظلّت تحدّق في مدينة سحب التنين البعيدة.
"حين كنت في الجبهة الغربية، كان هناك بعض الجنديات أيضًا، لأن النقص في الجنود كان يحدث أحيانًا." قال كوهين ببطء.
"ولأسباب شتى، مثل انعدام سبل العيش، كانت كثيرات من نساء ’فرقة الانتحاريين’ يُجندن في الجيش. الكثير منهنّ كنّ مرتزقات من دول الجنوب الغربي، لكنهن… لم يكنَّ مرحّبًا بهن عادة."
كانت عينا كوهين تلمعان وهو يقول: "قوتهن البدنية واحتمالهن للوزن أقل من الرجال بطبيعتهم. فضلًا عن المتطلبات الخاصة لدرع الصدر من الجسدالصدر، وقامتهن القصيرة التي تضعهن في موقعٍ شديد الخطر عند مواجهة الأورك، لأن عليك أن تقفز عاليًا لتضرب أعضاءهم الحيوية.
"وطبعًا، هناك الأمر الشهري… أنتما تعرفان."
خفض كوهين رأسه وقبض حاجبيه. "مكانتهن في المعسكر كانت متدنية جدًا. أحيانًا كنّ يُجبرن على… إرضاء الضباط وزملائهن."
"وإن وقعن في يد العدو، وخصوصًا قوم العظام القاحلة… فكانت نهايتهنّ دائمًا أشدّ مأساوية مما يصيب الرجال."
"ولهذا، عندما تختار فرقة الصدمة جنودها، حتى أنا كنت عادةً أتجنب الجنديات."
ما تزال ميراندا صامتة.
"أظن أنّ هذا، بصورة أو بأخرى، هو ما أخذه حرس النصل الأبيض بعين الاعتبار." تنهد كاسلان. "فتعلّم مهارات السيف في برج الإبادة أمر… لكن طبيعيًا، النساء غير ملائمات لساحة القتال."
"ذرائع."
رفعت ميراندا رأسها فجأة وزفرت بحدة. "أنتم الرجال لا ترون سوى مساوئ الجنديات، وتتعمدون غضّ الطرف عن مزاياهن."
"مزايا؟" قبض كاسلان حاجبيه.
رفع كوهين حاجبه وقد بدا عاجزًا، ثم لوّح بذراعيه لكاسلان بصمت من زاوية لا تراها ميراندا.
"استهلاك طاقة أقل من الرجال؛ صبر يفوق صبرهم بكثير؛ خفة، وليونة، وقوة تتجاوز ما تتخيلونه؛ قوة ملاحظة دقيقة وحادة؛ قدرة على الثبات عند احتدام الموقف… كل هذه مزايا تمتلكها النساء." قالت ميراندا محتدة، "وحتى لو أردنا مقارنة القوة والطول، فخذ ’غضب المملكة’ مثالًا. لقد رأيتُ بعينيّ أنّ طوله وقوته لا يقارنان بالسيدة سونيا! فضلًا عن أننا نملك قوة الإبادة!
"وأنا أيضًا امرأة." قالت ميراندا ببرود. "وفي برج الإبادة، كنت أقوى منك، ومن رافاييل، ومن ميسادون، ومن كل أفراد الدفعات."
"ثم لا تنسوا الفالكيري الأسطورية—’قلب المطر’، الفارسة لورين قبل عشرين عامًا!"
[م.م: عالمطبخ يا ولية]
سعل كوهين سعالًا محرجًا.
"انظري، العم قال سابقًا إن ساحة القتال مسألة أخرى… لا يمكنك أخذ بعض الاستثناءات للمقارنة." رفع الشرطي يده باستسلام. "’قلب المطر’ حالة فريدة. والسيدة سونيا كذلك، فهي شخصية أسطورية تحت يد دوق بحيرة النجم. وأنتِ يا ميراندا ابنة عائلة آروند. منذ ولادتك، دُربتِ لتكوني محاربة ونبيلة وقائدة—"
وما إن أنهى كوهين كلامه حتى وجّهت ميراندا نحوه نظرة قاتلة، شعر أن بردوتها تخترق قلبه.
قطع ذلك أيضًا النصف الثاني من عبارته في حلقه.
"أرى أنّ الصحراء الغربية والشمال حالتان فريدتان نسبيًا." أطلق كاسلان ضحكة قصيرة. "فالصحراء الغربية على الجبهات منذ سنين، تعيش في دوامة من الفوضى والاضطراب بلا انقطاع. أما نظرة الشماليين للنساء… فهي قديمةٌ ضاربة في الجذور."
"وأنا أيضًا من أهل الشمال!" ردّت ميراندا ببرود يكسو ملامحها.
قادهم العجوز كاسلان نحو الإسطبل، فانحنى أمامه اثنان يبدوان كجنديين.
"أنتِ من أهل الشمال في الكوكبة، وأنتِ أيضًا من آل آروند. عائلتكِ تسمح للنساء بوراثة لقب الدوق. وأذكر أنّ لكم ملكة قبل بضع مئات من السنين."
تنهد كاسلان. "أما في الشمال… فقبول فارسةٍ، أو امرأة كسيادية، أو حتى ملكة…"
"ما يزال أمامه طريق طويل."
(لا. حتى في الكوكبة، لا تزال المرأة ذات السلطة محل ازدراء.) قالت ميراندا في سرّها. (وملكة الكوكبة قبل قرون لم تكن نهايتها حميدة.)
رفعت رأسها وأظهرت نظرة حازمة. "سيأتي اليوم الذي لا يكون فيه المحاربات، والسيّافات، بل والملكات قِلّة نادرة. سنُثبت للعالم أنّ ما يقدر عليه الرجال…"
"تقدر عليه النساء كذلك."
[اوك عالمطبخ يا ولية]
هزّ كاسلان كتفيه ودخل الإسطبل.
أخرج كوهين لسانه وتنهد في عجز وهو يتذكر شقيقتيه الصغيرتين الشرسَتين في بيته.
(ميراندا… كيف استطاع رافاييل أن يحبها؟)
ازداد ثقل صدره ما إن خطر بباله رافاييل، ووضعه الحالي، وقوة الإبادة في داخله.
"من أجل مرافقة الأمير، فإنّ جيش إقليم الرمال السوداء يقيم الآن في قرية قرب مدينة سحب التنين، وسيعيدون كروش معهم." جرّ كاسلان جوادين ونظر إلى الشاب النبيل السيّاف وإلى السيّافة النبيلة. "سأُسلّمكما المهمة التالية."
"ألست آتيًا معنا؟" رفع كوهين حاجبه.
"ظهوري هناك ليس فكرة صائبة." غامت ملامح كاسلان. "سيسبب الكثير من اللغط."
ناول العجوز اللجامين لكوهين وميراندا. "لحسن الحظ ما زلت أعرف بعض رجال مدينة سحب التنين. لدي أصدقاء قدامى هناك، ويمكنهم تزويدكما بالمعلومات. أما التحقيق والتعرّف على سيوف الكارثة من بين سيوف الإبادة، فلا أحد أكفأ منكما. أنتما بذور هذه الدفعة من برج الإبادة—سواء في مهارات المراقبة التي ولدتما بها كأبناء نبلاء، أو قدراتكما القتالية من الفئة العليا الملائمة للمعركة، أو قدرتكما على التعامل مع سيوف الكارثة."
"تعرف بعض الأشخاص في مدينة سحب التنين؟" نظر إليه كوهين بريبة. "يا عم، أليس أنك فتحت حانة في إقليم الرمال السوداء لعشرين سنة؟"
"آه، ذاك." حكّ كاسلان شعره الرمادي بإحراج. "على أي حال، عشتُ في مدينة سحب التنين سنين طويلة من قبل."
"وهل يمكن الثقة بأناس منذ عشرين سنة؟" قبض كوهين حاجبيه.
"نحن على تواصل دائم…" نظر كاسلان حوله، ثم أطلق ضحكة ماكرة. "وفوق ذلك، فإنّ كثيرًا من جنودي القدامى من حرس النصل الأبيض استقروا في مدينة سحب التنين بعد تقاعدهم. وقد ساعدتهم حين بحثوا عن طرق للعيش…"
"البحث عن طرق للعيش؟ مساعدتكَ لهم؟" ازداد ارتباك كوهين.
"حين لم يكن بعضهم بخير بعد التقاعد، رتبتُ لهم… بعض الأعمال." سعل كاسلان بنبرة غير طبيعية. "أنت تعرف، هناك دائمًا أعمال تحتاج لمن يجيد القتال…"
"قل إنك أدخلتهم العصابة فحسب." قالت ميراندا باستياء. "ذلك أسهل للفهم."
سعل كاسلان بصوتٍ عالٍ ليغطي كلامها. "هذه السنوات العشر، عصابتكم تلك في الكوكبة—تلك… الأخوية—أحدثت ضجّة كبيرة. حتى أنهم وسّعوا أعمالهم إلى مدينة سحب التنين. وكان بعض أصدقائي القدامى يعانون من نقص الرجال، وطلبوا مني ترشيح بعض الأشخاص، فــ—"
"ماذا؟" اتسعت عينا كوهين. "بعد كل هذا… يا عم، أنت… أنت الوسيط لعصابة مدينة سحب التنين؟"
ازداد سُعاله حدةً وعلوًا. وتحت نظرات الشابين المشككة، رفع رأسه بثقة مصطنعة وربّت على كتفيهما. "بالمختصر، سواء كانت مهمة برج الإبادة، أو لإعطاء كروش جوابًا، أو لكشف حقيقة محاولة اغتيال أمير الكوكبة، فسأترك المهمة في عهدتكما!"
أحدهما أظهر احتقارًا، والآخر هز رأسه وهو ينقر بلسانه.
"تذكّرا، مهمتكما التحقيق فقط. لا تُضحّيا بنفسيكما من أجل أخبار غير مؤكدة." قبل رحيلهما، أصبح كاسلان جديًا. "لكن كلاكما قادر على مواجهة سيوف الكارثة، بل والنجاة منهم."
"طالما لا تصادمان سيّافًا من الفئة الفائقة… فأنا واثق من قوتكما."
تبادل الاثنان النظرات، ثم أومآ برصانة.
"رجالي سيساعدونكما… لكن إن تفاقم الأمر، تذكّرا التخفي… فرغم أنّ أميركما جاء إلى إكستيدت في بعثة دبلوماسية وخفف التوتر بين البلدين، فأنتم من أبناء الكوكبة، بل من عائلات نبيلة. وليس من الحكمة كشف هوياتكم فجأة هناك."
"وبخلاف ذلك، فإن ما عليكما الحذر منه ليس مجرد السيف الظاهر على السطح." ضيّق كاسلان عينيه. "فمن المحتمل أن يكون سيف الكارثة يعمل مع ذوي السلطة في إكستيدت—مع آرشيدوق مثلًا. وإن تعمّدوا التعاون معه لتنفيذ محاولة اغتيال أمير الكوكبة، فدوافعهم ليست بسيطة."
"فهمت." شهق كوهين وصعد صهوة جواده. "سنبحث عن المعلومات الداخلية والحقيقة، سواء كانت محاولة اغتيال الأمير، أو الإضرار ببرج الإبادة."
لم تُطِل ميراندا الحديث. اكتفت بإيماءة خفيفة، وانطلقت بجوادها.
وتبعها كوهين عن كثب.
ظلّ كاسلان يراقب ظهرهما المبتعد، ثم نظر إلى مدينة سحب التنين البعيدة. ولمعت عيناه بذكريات قديمة.
(ذلك العام… دخلتُ مدينة سحب التنين من هنا.)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬