سليل المملكة الفصل 122 — سليل المملكة 122

اقرأ سليل المملكة الفصل 122 — سليل المملكة 122 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 122: حتى بزغ الفجر (الجزء الأول)

…

"يا صاحب السمو، اللورد بيوتراي طلب مني أن أزوّدكم بالحطب." حمل المجنّد الجديد، ويلو كين، حزمةً من الحطب وجلس باحترامٍ إلى جانب تاليس الذي كان قاعدًا عند نار المخيّم شاردًا.

بعيونٍ لامعة الطرف، أومأ تاليس. لم يستطع كفّ تفكيره عن اقتراح الملك نوڤين.

كان هذا آخرَ موقعٍ يتوقفون عنده قبل دخولهم مدينة غيوم التنانين.

خلفه، كان وايا، ورالف، وقدامى محاربي الكوكبة يفحصون عتادهم بقلق تحت إشراف بيوتراي.

أما جنود إقليم الرمال السوداء فكانوا منشغلين بإقامة معسكرٍ ميدانيّ، بينما راقبهم حرّاس النصل الأبيض بوجوهٍ متجهّمة ويقظة، كأن بينهم عداوةٌ عميقة.

ولمّا همّ المجنّد بالمغادرة والعودة إلى جماعته، قال الأمير الثاني بصوتٍ خافت، "يا ويلو، منذ بدأنا رحلتنا هذه، هل شعرتَ بالخوف قط؟ أو بالقلق… على الأقل؟"

كان ويلو يضع حزمة الحطب على الأرض باحترام حين سمع كلمات تاليس، فارتبك لوهلة.

"تعلم…" قال تاليس ببطء، "أن تقضي أيامك تكابد أخطارًا غامضة، وتقلق من البرد، ومن المعارك، ومن الأعداء… ومن كل شيء."

تحيّر ويلو لحظةً، كأنه لم يتوقع من الأمير هذا السؤال.

ثم التفتَ المجنّد الجديد وفكّر مليًّا قبل أن يجيب، "لقد شعرتُ بقلقٍ شديد قبل بداية المعارك. فأنا لستُ مثل العم جينارد الذي يبقى هادئًا حتى حين تهوي الشفرة نحو عنقه."

"لكنني لا أشعر بالخوف." قطّب ويلو حاجبيه وفكّر مليًّا، حتى إنه نسي استخدام نبرة الاحترام. "مع أنه أمرٌ بالغ الخطورة، أشعر أنه أبسط بكثير…"

"أبسط؟" سأل تاليس.

"أقصد أنّ كل شيء يجري بسرعة في ساحة القتال. وبعد أن أطعن بالرماح، فللأمر نتيجتان لا ثالث لهما: إمّا أن أنجو، أو أموت. وهذا أفضل." غامت نظرة ويلو، وارتسمت على وجهه كآبةٌ طفيفة. "على الأقل يُكافأ جهدك، وتعلم ما ستكون عليه النتيجة. وهكذا، لا داعي للخوف."

تمعّن تاليس مطوّلًا في وجه المجنّد.

"يا ويلو، من علمك القتال برمحين؟ والداك؟ كبار عائلتك؟" دفئ تاليس يديه فوق النار وسأل بملامح يصعب تأويلها، "أم أحد المحاربين المخضرمين؟"

مرّر ويلو يده فوق الرمحين المربوطين على ظهره، وحكّ وجهه بحيرة.

"لم يعلّمني أحد، يا صاحب السمو." ولما تأكّد أن الأمير مجردُ محادثٍ له، هز رأسه ببطء. "أمّا والداي… فقد ماتا منذ إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة."

(اثنتا عشرة سنة.)

استعاد تاليس هذا الرقم. وقال ببطء: "إذن، كان ذلك بسبب…"

هزّ ويلو كتفيه بلا تعبير. "تعلم… تلك الكارثة التي سبّبتها الحرب في الشمال. لم يبقَ طعامٌ في القرية. فذهب والداي مع أهل القرية إلى أقرب قرية ليبادلا آخر ما يملكانه لقاء بعض الطعام، لكنهما لم يعودا قط."

رفع تاليس بصره.

"بحسب شيوخ القرية، لم يكن مصيرهم ليكون جيدًا سواء صادفوا جنود إكستيدت أو جنود الكوكبة. فالطرف المنتصر يطلب الجزية، وأما الخاسر فينهبهم مباشرة." قال ويلو بأسى، "كان وقتًا بالغ الفوضى."

ساد الصمت بينهما برهة.

"فكيف نجوتَ أنت؟" سأل تاليس بهدوء.

"قرابينُ الجبال." تنهد ويلو. "مع أن جميع البالغين كانوا يقولون إنّها قرابين للتجسُدات، ولا يأكلها إلا المسافرون…"

"لكن أختي وأنا كنّا جائعَين حدَّ الجنون." أشرق وجه المجنّد بنظرةٍ متحسّرة. "وفوق ذلك… لسنا الوحيدين الذين فعلوا ذلك. ولما مرّ الشتاء، سُرقت حتى القرابين الموضوعة على أعلى أغصان الأشجار."

(المجاعة التي تلت الحرب في الشمال…) استعاد تاليس نوبة الغضب الهستيرية لدوق آروند في قصر النهضة.

"لكن الطعام لم يكفِ حتى حين جاء الربيع، يا صاحب السمو. وكانت أختي الصغيرة من شدّة الجوع تقضم أصابعها…" شرد ويلو نحو النار. "لحسن الحظ، كان النهر الرعوي يمرّ بقريتنا. فتبعتُ أهل القرية، وبذلت جهدي لاصطياد السمك."

"لم نكن نعرف كيف نصنع شباكًا، ولا نستطيع استعارة أي منها. ولم نكن نجد الأماكن التي يكثر فيها السمك."

"فلم أملك إلا الطريقة التي كنتُ أستخدمها حين كنتُ صغيرًا لأصطاد بها السمك؛ كنتُ أرابط قرب النهر كل يوم… في البداية، كنتُ أفشل دائمًا، ولم أعثر على أي سربٍ من الأسماك. وكان البالغون الآخرون هم من يعطوننا بعض ما يصطادونه. وفي كل مرة أصل فيها إلى البيت ومعي سمكة، كانت أختي الصغيرة تفرح…"

"رؤية ابتسامتها كل صباح وأنا أغادر، وأنا لا أدري إن كنت سأجلب ما يكفي من السمك…" اتشح صوت ويلو بقتامة. "غالبًا لا ينفع الجهد مهما بذلت."

تنفّس تاليس. "لكنكما نجوتما."

"بعد ذلك، أصبحتُ أكثر مهارة، وبدأت أجد أسراب السمك." خفّض ويلو بصره إلى يديه وقطّب. "وفي الشتاء، حين يتجمد سطح النهر، كنتُ أحصل على المزيد. فالأسماك تتجمّع بسبب البرد…"

"ومع تقدمي في السن، لم يعد يكفي مجرد إطعام نفسي وأختي. كان عليّ الإمساك بالمزيد لأبادلها ببضائع في السوق. وأحيانًا أحصل على نقودٍ نحاسية."

"فبدأتُ أحاول اصطياد السمك بكلتا يديّ. ومع مرور الزمن، صرتُ أستطيع حتى أن أطعن عبر طبقة الجليد بيدٍ واحدة. ولهذا أحب دائمًا حمل رمحٍ إضافي في ساحة القتال."

(الآن فهمت.) تنفس تاليس نفسًا طويلًا.

قال الأمير الثاني بخفوت، "لكن تطوّعك في هذا الوقت… ماذا عن أختك؟ أهي في البيت؟"

تعابير وجه ويلو اصبحت باهتة.

"لا." حاول المجنّد أن يبتسم، لكن لم يخرج منه إلا مرارة.

"أصابتها الحمى التيفية العام الماضي. لم يكن لدينا مال. ولم يكن هناك مكان نجد فيه دواء — الأدوية لا تتوفر إلا في المدن الكبيرة." ارتجف صوت ويلو. "كل ما استطعت فعله هو أن أسقيها ماءً دافئًا مرارًا."

قطّب تاليس جبينه.

(كوريا.) خُيّل إليه وجه الفتاة الصغيرة المصابة بالحمّى التيفية.

"وفي النهاية قالت أختي إنها تشتهي السمك. ولكن حين عدتُ…"

سكت ويلو، وحدّق في النار. ولم يقل تاليس شيئًا.

مرّت ثوانٍ، ولم يسمعا إلا أصوات الناس في الجوار، وفرقعة الحطب.

… ثم قال ويلو بأسى، "دفنتُها قرب النهر."

رمش المجنّد الجديد مرارًا، كأن شيئًا ما دخل عينيه. وقال بصوتٍ واهن: "يا صاحب السمو، حقًا أتمنى أن يكون في نهر الجحيم بعض السمك."

أدى ويلو تحيّة غير متقنة لتاليس، ثم استدار ليغادر.

عندها ناداه تاليس.

"يا ويلو، في نهر الجحيم سمك." قال الأمير الثاني وهو ينظر إلى ويلو الذي التفت، وابتسم. "قرأتُ ذلك في كتاب."

…..

"أتفكر فيما سيأتي؟" وقف بيوتراي إلى جانب تاليس يراقب ابتعاد المجنّد.

رفع تاليس رأسه وهو جالس عند النار.

"يا بيوتراي، هل تعلم أنّ المجنّد الذي كان هنا للتو يشعر أنّ حياته الآن بسيطة جدًا." قال تاليس شاردًا.

رفع بيوتراي حاجبيه.

"قال: ‘بعد أن أطعن بالرماح، إما أن أنجو أو أموت. وهذا أفضل.’" التفت تاليس وهو يتحدث.

"لكن حياتي معقّدة للغاية، حتى إنها تُتعب قلبي." توهجت نظرة تاليس بشيءٍ من الحزن. "ظننت أنّ السياسة في الكوكبة وحدها معقّدة بما يكفي. ولم أعلم أنّ إكستيدت — المشهورة بخشونتها وجرأتها — هي كذلك أيضًا."

آرشيدوق ينوي الشر، وملكٌ لا يتحرك إلا بروح الانتقام، وتوابعُ لا يتورعون عن التحقير.

كل ذلك لم يتوافق مع الصورة التي رسمها في ذهنه عن الشمال وإكستيدت — المملكة الصادقة التي تقف شامخة وسط الثلوج والبرد القارس.

"فقط أهل الشمال بهذه الخشونة والجرأة." جلس بيوتراي وأخرج غليونه. وهزّ رأسه. "لكن الذين تواجههم الآن هم النبلاء، والحكام، والذين يمسكون بزمام السلطة."

قطّب تاليس. "الملك نوڤين، والأرشيدوق لامبارد، والخمسة الذين سألتقيهم قريبًا… أليسوا هم أيضًا شماليين؟"

"إنهم من فصيلة أخرى." أشعل بيوتراي غليونه وقال بخفوت، "الناس العاديون يعيشون على الطعام والهواء. أمّا هم… فيعيشون على السلطة."

"المجنّد الذي كان هنا قبل قليل شماليّ بدوره. رتبته متواضعة، لكنه على الأقل لا يضطر إلى أن يعيش خائفًا، محاذرًا كل خطوة." قال تاليس بفتور، "أمّا النبلاء والأسياد… ألا يشعرون بأن طريقتهم في الحياة شديدة البؤس؟"

نفث بيوتراي دخانًا كثيفًا. "أنتم تشغلون مواضع أكثر تأثيرًا من العامة. كل حركة منكم ترتبط بأحداثٍ واسعة، ولها أثرٌ بعيد المدى. وهذا ثمنٌ تدفعونه وتضحيةٌ لا بد منها لأجل السلطة."

"يا للهول، بعد أن استعدتُ هويّتي كأمير لوقتٍ قصير فقط، ها أنا أضجر من هذه الحياة." تنهد الأمير ذو السنوات السبع وتحدث كالكبار.

(ربما لستُ معتادًا بعد… ربما إن عشتُ هكذا أكثر، ومررتُ بمثل هذه الأمور…)

(سأستطيع… أن أعتاد؟)

"هذه الحياة التي تضجر منها هي حلم يراود الكثيرين." قطّب بيوتراي، وعاد إلى مخاطبته بلا ألقاب. "أيها الأمير الصغير، اذهب وانظر إلى حياة المدنيين… الذين يكافحون ليحصلوا على ثلاث وجبات فقط. فكّر في القرية التي زرناها قبل دخول أراضي الشمال… ذلك البارون المتصنّع، وأهل إقطاعيته."

"ثم فكّر مجددًا في ما قلتَه."

استعاد تاليس ذكريات ويلو، فزفر ساخرًا.

ثم ابتسم بحزن. "بالطبع، آمل أن أحظى بفرصة لرؤية العالم، وأن أخالط شعوبه، سواء في شبه الجزيرتين، أو في الجزر التي لا تُحصى."

"إذن عليك أن تستعد، فبعض تلك الأماكن تحتاج إلى…" هزّ بيوتراي رأسه، ثم توقف عن الكلام فجأة.

تذكر مكانة الطفل الجالس أمامه.

(أخشى أنّك، بوصفك وريث العرش في الكوكبة، أنت…) اطلق في قلبه تنهيدة خافتة.

أدرك تاليس خطأه أيضًا.

"ها، السفر حول العالم… أخشى أنني على الأرجح لن أحظى بمثل هذه الفرصة في حياتي." ضحك بمرارة.

(القتال من أجل الكوكبة. الموت من أجل الكوكبة. العيش من أجل الكوكبة.)

بجوار الموقد، لاذ الاثنان بالصمت لحظة.

"تعلم، كان الملك كيسل دومًا مسرورًا حين يتحدث عن عمّه جون." تمتم تاليس بهدوء. "والآن أدرك السبب."

نفخ تاليس نفحة من الهواء الحار على كفّيه وقال: "لقد صار جون عينيه، يزور الأماكن التي لا يستطيع هو الذهاب إليها، ويجوب العالم."

زفر بيوتراي زفيرًا خافتًا.

"لا حاجة لأن يخيّم الإحباط عليك. ستصبح ملكًا يومًا ما." قال نائب الدبلوماسي الهزيل بصوت خافت. "وحينها، ستستطيع رؤية العالم الفسيح من زاويةٍ أخرى، زاويةٍ لا نستطيع نحن جميعًا تخيّلها."

لم يقل تاليس شيئًا، بل ظلّ يحدّق في النار. ثم ضحك فجأة.

"يبدو أنّ كون المرء ملكًا أمر مملّ للغاية. كيف صمد جدّي لهذه المدّة؟" هزّ الأمير رأسه.

حدّق بيوتراي بتاليس طويلًا دون أن يشيح بنظره.

"الملوك أيضًا يمكنهم أن يحظوا بحياة ممتعة للغاية." قال بيوتراي ببطء وهو يراقب ملامحه. "كل واحد من ملوك الكوكبة التسعة والثلاثين كان فريدًا. وواحدٌ منهم عاش أكثر التجارب غرابة… ربما كان أكثر ملوك الكوكبة أسطوريةً وفرادَة منذ تورموند الأول."

"أوه، ومن يكون ذلك؟" ازداد فضول تاليس.

"يا صاحب السمو، هل تودّ أن تسمعني أُنشِد أغنية؟" سأل بيوتراي ببطء، ثم سحب نفسًا من غليونه.

"بالطبع." أشرق بريق في عيني تاليس. "غيلبرت ذكر أنك كنت مُنشِدًا، وسافرت إلى أماكن كثيرة؟"

المُنشدون. أولئك الناس الذين يجوبون الطرقات، يكسبون رزقهم بالغناء وبعض الحرف الصغيرة.

ومع ذلك، حتى في مدينة النجم الأبدي، لم يرَ تاليس أمثالهم إلا مرتين، وكلتاهما في السوق الكبير.

"آه، الغناء… إنّه أحد المهارات التي أفتخر بها أكثر من غيرها." نقر بيوتراي على غليونه وقال بنبرة خافتة: "والآن، سأُنشِد (حين جاء الفجر)، وهي حكايةٌ عن ثلاثة أصدقاءٍ طيبين خاضوا مغامرة معًا."

أشار له تاليس أن يمضي.

أوّلًا، تنحنح بيوتراي، ودندَن ببضع نغمات قصيرة يبحث بها عن الطبقة المناسبة. ثم بدأ نائب الدبلوماسي يُنشِد بلحن رخيمٍ رشيق، يضرب الإيقاع بأصابعه.

حين جاء الفجر، وطلعت شمس الصباح من جديد.

ثلاثة رجال ساروا جنبًا إلى جنب.

سنواتٍ عرف بعضهم بعضًا فيها، وقلوبهم كانت موصولة.

سيفٌ وفأس، وعصاٌ ومصباح، وثقةٌ وعهود، وفضيلةٌ وامتنان.

كان الإخوة واحدًا، توحّدت أجسادهم.

عبروا القرى، واستحمّوا بضوء القمر، وولجوا القلاع العتيقة، وتخطّوا الجبال.

أرضُ الخفاء للجان، موطن الأقزام، عشُّ الشياطين، وعرين الوحوش.

بعد أن أفلتوا من الموت، ونجوا من الكوارث، وحدّقوا في وجه الرعب؛ لم ييأسوا.

مغامرات كثيرة كانت بانتظارهم، وحكاياتٌ وُجِب أن تُروى.

حتى طلعت شمس الصباح من جديد.

حتى جاء الفجر.

جرت نبرة بيوتراي الغنائية رخيةً بطيئة، فاستوقفَت الكثير من الجنود الذين أخذوا يحدّقون. وتقدّم الماركيز شيليس بخطى هادئة نحوهم، بينما عقد نيكولاس حاجبيْه وهو يراقب النار من بعيد. حتى آيدا رفعت رأسها.

أدار تاليس المعاني في ذهنه. خلاصة الأغنية أنّ ثلاثة أصدقاء مقرّبين تقاسَموا مغامراتٍ عديدة وأساطير كثيرة.

وفي تلك اللحظة، تغيّر إيقاع بيوتراي ونبرته فجأة، ليصبحا هابطين عميقين، مفعَمَين بالاضطراب.

في ليلةٍ داميةٍ كالدم، هدر البحر، واختبأ الأعداء بين الأمواج الهائجة.

هناك، ملكٌ دمويٌ شره، وجنراله الذي لا يُهزَم، وجناح الليل الذي شقّ السماء بجيشه الخالد، وجحافل تزحف فوق امتداد الأرض بعيون جائعة.

ظلالٌ مشؤومةٌ غشّت الشمس والسماء.

أشباح الأعداء تتربّص بلا انقطاع.

خصومٌ فاجعون من الشرق، يزلزلون الأرض ويهدمون المدن حيثما مضوا.

واحدًا تلو الآخر، نهضت خيل شبه الجزيرة الغربية للقتال.

وحين حلّ الليل، خمد صوت الميدان.

الريح الشمالية، باردةٌ موحشة.

سيف الملك، تحطّم إربًا.

نوحَت الجبال، وانكسرت رماح الفرسان.

شظايا السيوف، وتروسٌ محطّمة، تنوحُ التنّين العظيم، وتخبو الكوكبة.

فوضى، وحزن، ويأس، وكارثة.

رعبٌ لا ينقطع، ورجفانٌ مسعورٌ لا يُضبَط، وموتٌ لا نهاية له.

ضاعت الآمال جميعها، وخبا الضوء.

ومن بقي عاش تعيسًا.

ولم تَعُد شمس الصباح تطلع، وابتلع الظلام العالم.

لم يأتِ الفجر، وتلطّخ الأفق بالدم."

بلغ لحن بيوتراي قرارتِه الأعمق، ومعه هبط مزاج السامعين. أما تاليس فقد انشغل باستنباط المعاني.

(جناح الليل… الشرق… الريح الشمالية… الجبال… التنّين العظيم… الكوكبة… هذه المصطلحات… لكلٍ منها أصلٌ ما.) ضاق بعينيه، يوزّع المعاني في ذهنه واحدًا واحدًا.

وبدأ لحن بيوتراي يرقّ من جديد.

حين كانت تلك اللحظات الجميلة توشك أن تتلاشى، وحين لم يعد المستقبل مشرقًا،

عند أحلك ساعة، حين انتصف الليل.

بدأ الأصدقاء الثلاثة أخيرًا رحلتهم.

وصنعت مغامراتهم تاريخًا، وآن أوان ملاحمهم البطولية.

من غير تردّد، ومن غير التفات إلى الوراء.

حتى أشرق شمس الصباح من جديد. حتى بزغ الفجر.

ثمّ امتلأت نغمة بيوتراي فجأة بالحمية والحماسة، كأنّ مشهدًا جديدًا انفتح داخل الأغنية.

غمر الدم الأرض وطهّر تاج الأمير، صانعًا وعدًا كريمًا صادقًا.

ميدير لوّح بسيفه وترسه.

والليل المظلم شوّش بصيرة النبي.

هام مترنّحًا، ضائعًا، والمصباح المشرق بيده.

كابلان قبض على عصاه ومشى مبتسمًا.

والتضحيات التي لا تنتهي صقلت روح البطل. وصنعَت هيئته الوحيدة قسمًا بالدم.

وصيحة شارا دوّت في الليل.

حتى أشرقت شمس الصباح.

حتى بزغ الفجر.

تجمّع أكثر فأكثر من الجنود حول بيوتراي وتاليس. حتى آيدا الجنية مشت إليهم ببطء.

وعلى الجانب الآخر، لمّا التقط تاليس بضع كلمات، أدرك فجأة شيئًا ما: لقد عرف الآن أيّ مشهد تُصوّره الأغنية.

تابع بيوتراي الغناء.

قوة الثلاثة تكافئ قوة الملك. واتّحاد الإخوة يقاتل الموت.

انتشرت الأخبار في كل مكان. وثارت الثقة من جديد، فتجمّع الناس تحت رايات الحرب.

والشجاعة نفذت إلى العظام، والرجاء دفع أجسادهم.

متّحدين عقلًا وجسدًا.

فأس شارا الضخم شقّ الطريق للمستقبل، وسيف ميدير وترسه حميا الناس.

ونظرة كابلان اخترقت كل شيء، وقادتهم إلى ساحة الوغى الأخيرة.

وفي ظلّ نظرة الملك الدموية، كان أعداء الليل في كل مكان.

نيران الحرب ملتهبة، وصيحات القتال مدوّية. وبدأت المعركة الأخيرة.

حتى أشرقت شمس الصباح.

حتى وافى الفجر.

توقّف الغناء فجأة. أغلق بيوتراي فمه ببطء.

رفع تاليس رأسه على نحو حاد.

"لِمَ توقفت؟" سأل، وقد بدا عليه شيء من التيه.

"الجزء التالي طويل جدًا، وحلقي لم يعد كما كان." هزّ بيوتراي رأسه أسفًا وأعاد إشعال غليونه المنطفئ.

(والجزء التالي من الحكاية ليس سارًّا)، فكّر بيوتراي.

وبينما ظهر إلى جانبهم من حيث لا يعلمون، بدأ المركيز شيليس بالتصفيق. ثم تبعه الجنود الذين توقّفوا للاستماع كذلك.

"كان عرضًا رائعًا. صوتك جميل. أخشى ألا يوجد أمثالُك كثيرون حتى في أكاديمية قبلة التنّين في دوقية آنلينزو!" قال شيليس مبتسمًا.

انحنى بيوتراي قليلًا إظهارًا للشكر.

ثم قطعهم صوتٌ غير مناسب للمشهد: "عودوا إلى مواقعكم!"

اندفع نيكولاس، قاتل النجوم، نحوهم مؤنّبًا الجنود بنبرة مُنفّرة: "هل يُغَنّي ذاك الكوكبي بهذا الجمال؟ أهذا مقدار اهتمام أهل منطقة الرمال السوداء بالفنون؟"

أطلق كثير من الجنود هتافات مستاءة، لكن معظمهم تفرّق.

وبعد أن تفرّق الجنود، رمقهم نيكولاس بنظرة كريهة. "أعليكم حقًا أن تثيروا هذا القدر من الانتباه قبل أن تبدأ الأمور؟"

"أليس هذا ما تريدونه جميعًا؟" هزّ تاليس رأسه. "ألا يجدر بكم أن تبدوا كأنكم على وشك قتلنا جميعًا؟"

تقدّم نيكولاس خطوةً نحوهم بفظاظة.

وعندها، وقد اقتربت في لحظة ما، وقفت آيدا أمام تاليس.

"لا تفعل هذا، أيها الصغير. لا رغبة لي في ضربك." قالت الجنية بخمول.

"حسنًا، حسنًا." وقف المركيز شيليس بينهما مبتسمًا. ومن بعيد، بدا كأن مبعوث اتحاد كاموس قد منع صراعًا آخر. "إنها مجرد أغنية… ثم إنه كان يغنّي عن أسطورة تفخر بها ممالكنا الثلاث جميعًا، أليس كذلك؟"

رمق نيكولاس شيليس بنظرة امتعاض.

"أسطورة تفخر بها ممالكنا الثلاث جميعًا؟" أشرق بصر تاليس. "بيوتراي، أحد الرجال الثلاثة الذين غنّيت عنهم كان أحد أسلافي، أليس كذلك؟" وتلألأت عيناه.

"نعم. لا بد أنك رأيت صورته في قاعة مينديس." تنفّس بيوتراي بعمق، ساحبًا جرعة من غليونه، وابتسم.

ضيّق تاليس عينيه.

وفي ذهنه ظهر مشهدُ السيف والترس، والمحارب المهيب المتوَّج، الواقف تحت شجرة شاهقة. ذاك المحارب كان في أقصى يسار لوحة "ملوك الكوكبة الثلاثة" في قاعة مينديس.

قال بيوتراي بنبرة خافتة: "صائن القَسَم في الكوكبة، الملك الأعلى الثالث والعشرون، ميدير جيدستار، الملك ميدير الرابع في أسرتكم."

أدرك تاليس فجأة. "العملة النحاسية… تشير إليه؟"

في عملة الكوكبة، نُقشت صورة رأس مؤسس المملكة، تورموند الأول، على ظهر قطع الذهب. أما صورة "الملك الصالح"، مينديس الثالث، فكانت على ظهر الفضة؛ وصورة ميدير الرابع على النحاس.

ملوك الكوكبة الثلاثة.

أومأ بيوتراي. "أسطورته مذكورة في الأغنية."

"ليس وحده. رغم عظمته، فإن صائن القَسَم واحد من الثلاثة فحسب." ذكّر المركيز شيليس مبتسمًا.

ضحك بيوتراي قليلًا. "حسنًا." ثم تابع، تحت نظرات تاليس المتطلعة: "قبل أن يصبح ملكًا، قضى الأمير ميدير عشر سنوات مغامرًا في الخارج مع صديقيه — شارا من إكستيدت، وكابلان من اتحاد كاموس."

"مغامرات؟" قال تاليس في دهشة.

(ملكٌ مستقبليٌّ يغامر في الخارج؟)

"نعم. الأجيال اللاحقة كانت تسعد بذكر صداقتهم المتينة وحيواتهم الباذخة." تنفّس بيوتراي بإحساس، وقال: "شَارا يُعدّ ’بطلًا’ في نظر أهل شبه الجزيرة الغربية. وفي ألف عام مضت، لم يُمنح هذا الشرف إلا لمؤسس إكستيدت، رايكارو إكستيدت.

"وأما ’النبي’، كابلان نيكولا، فكان مستشارًا عسكريًا يتنبأ بالأمور بدقةٍ تكاد تكون مقدسة. وقيل إن التجسُدات نفسها غارت من حكمته. وكان يستطيع قراءة عقول البشر.

"وأما صائن القَسَم’، ميدير جيدستار، فكان أميرًا نبيلاً شجاعًا، ومثالًا يُقتدى به، مستعدًا لأن يتخلى عن عرشه في سبيل الصداقة ووفائه بالعهد."

سرت قشعريرة في ظهر تاليس.

ولم يفُته أنه عند سماع هذه الأسماء الثلاثة، خفت صوت المركيز شيليس. حتى نيكولاس اتخذ هيئة متجهّمة.

وحتى آيدا الهادئة بطبيعتها خفضت رأسها في صمت.

تنفّس بيوتراي بأنفاس هادئة. "هذه حكاية أبطال شبه الجزيرة الغربية الأسطوريين الثلاثة… ولحظتهم الأبهى…

"معركة الفجر."

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬