▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 114: أهل الجحيم (الجزء الأول)
…
في مكانٍ ما في مدينة النجم الأبدي.
كان يتألّم بشدّة.
كان الهواء بارداً ورطباً، وقد تجعّد جلده بسبب ذلك. أطرافه الستّ فقدت قوتها، وبطنه قد انكمش، وشفاهه ترتجف، وأسنانه لم تعد حادّة كما كانت.
لم يكن يمنحه السكينة سوى الظلام الذي يحيط به.
رفع يده اليمنى محاولاً تغيير وضعيّته ليستلقي، لكنّه اصطدم بالخطأ بالقفص المعدني.
اندفع الألم الحادّ في جسده بأكمله من الموضع الذي لامس فيه جلده المعدن.
فتح فمه وأطلق صرخاتٍ بلا معنى من شدّة الألم.
(ذلك القفص الملعون.)
كانت الأختام السحرية عليه دقيقة، متقنة، شاملة، كاملة، بلا أيّ خلل. منتجات قياسيّة لبرج الخيمياء.
تساءل إن كانت تلك الأختام صُنعت في "مركز أبحاث الحبس" أم في "مركز تجارب الأختام".
ورجّح أنّها من الأول.
في برج الخيمياء الذي دُمّر منذ زمن، لم يتبقّ سوى تلك المجموعة البحثية التي كانت تتدهور منذ زمنٍ طويل، القادرة على صناعة مثل هذا القفص السحري، الذي لم يكن له سوى وظيفةٍ واحدة.
إبقاؤه محبوسًا بإحكام داخله.
لقد عاش أيّامًا كهذه لسنواتٍ لا يعرف عددها. فقدَ إحساسه بالزمن، ويظنّ أنّه سيأتي يومٌ ينسى فيه حتى اسمه.
في كل شهر، يُطعَم مرّة، وفي كل شهر، يُعرَّض لصدماتٍ كهربائية محدّدة، وكان عليه أداء مهمةٍ دائمة لا تنتهي.
وفي مثل هذه الحال، بدأ يشتاق إلى جسده الأصلي. حتى هذه اللحظة، ما زال يتذكّر ألم انفصاله عنه. صيحات الألم ونواح العذاب التي أطلقها الجسد الأصلي ما تزال حيّة في ذاكرته.
حتى أيّام العذاب التي قاساها، وساعات التقطيع التي تعرّض لها، لم تكن شيئًا أمام الألم المبرّح الذي تملّكه لحظة فصله عن جسده الأصلي.
لقد كان حقًّا… يرغب في العودة إلى جسده الأصلي.
(إن لم تخنّي ذاكرتي، فجسدي الأصلي يجب أن يكون محبوسًا في عاصمة النصر… تلك العاصمة اللعينة التابعة للبشر. تلك الأرض التي قُسّمت منذ زمنٍ طويل ولم يتبقَّ منها سوى جزءٍ صغير من أراضيها. ضعيفةٌ على نحوٍ سخيف، ومع ذلك ما زال أولئك البشر يجرؤون على تسميتها إمبراطورية.)
(الضعفاء يجب أن يموتوا، أليس هذا قانون الطبيعة؟)
حين كان يتأمّل في ذلك، خطرت له فجأة فكرة في ذهنه المشوّش قليلًا بفعل العزلة الطويلة.
(صحيح… لقد مضى وقتٌ طويل منذ أن أرسل جسدي الأصلي أي شيء من عاصمة النصر. لا رسائل، ولا أغراض. لقد مرّ زمنٌ منذ أن انقطعت الصلة التي تربطني بعقل جسدي الأصلي، أليس كذلك؟ هل يمكن أنّ البشر لم يعودوا بحاجةٍ إليّ؟)
مستحيل. لم يكن يصدّق أن أولئك البشر الملعونين قد يمنحونه أو يمنحوا جسده الأصلي عطلة. فهم لا يفعلون سوى استغلاله حتى آخر قطرة، لأنّهم لا يعرفون حدودهم.
(هل يمكن أنّ شيئًا حدث لجسدي الأصلي؟) تردّد هذا الخاطر في قلبه.
(لا… قد يكون الجسد الأصلي أيضًا مسجونًا، لكنّه على الأقل محفوظٌ بأكمله في عاصمة النصر. الإمبراطورية تعرف تمامًا قيمتنا. ذلك الأمير من الإمبراطورية حاول حتى التواصل مع جسدي الأصلي من قبل… لكن، كيف يمكن لجسدي المتكبّر أن يجيب على طلبات هؤلاء البشر الدونيين بعقد صفقة؟ لهذا السبب ما زالوا بحاجةٍ إليّ لإيصال الرسائل.)
(الإمبراطورية لم تعد قوية كما كانت، لكنّ أولئك البشر سيحمون جسدي الأصلي بكلّ تأكيد. ما دامت عاصمة النصر لم تُدمَّر، فسيبقى جسدي الأصلي آمنًا وسليمًا.)
(يومًا ما… سأعود إلى جسدي الأصلي… وحينها، سأصبح قويًّا مجددًا، كما كنت من قبل.)
(ثم سأخفي نفسي بعناية، وأزداد قوّة. لكن الأهمّ من ذلك… عليّ أن أجد طريقةً لأخمد أولئك الصوفيين.)
لم يرغب أبدًا في اختبار مهانة الأسر والعبوديّة مرّة أخرى.
خصوصًا على يد نلك الصوفية العاهرة.
غيـزا ستريلمان… لو لم يذكر الإنسان الأقرب إلى القفص ذلك الاسم، لكاد أن ينساه.
عضّ على أسنانه كارهًا. أمام تلك الصوفية، شعر وكأنّ جسده ولحمه يغليان، وكأنّه على وشك الانفجار. ذلك الإحساس بالانبطاح أرضًا والصراخ من الألم، لن يُمحى من ذاكرته ما عاش.
في تلك اللحظة، عاد إليه الإحساس المألوف بالانتفاخ في بطنه.
(إنه هنا…) فكّر.
الإحساس المهين بأن يُجبَر على العمل كعبدٍ وتنفيذ أوامر الآخرين عاد ليتصاعد في قلبه من جديد.
لم يكن يعرف أيّ فرعٍ هذه المرّة يُرسل الأخبار.
دقّ الجرس المثبّت في أعلى القفص المعدني أجراسَه الغاضبة في الموعد المحدّد.
صرير.
انفتح باب القفص المعدني.
جمع ما تبقّى له من قوّة وزأر في وجه القفص، محاولًا إظهار كراهيته وحنقه.
اجتاح الألم الحادّ جسده من جديد كإبرٍ تخترقه.
كان يعلم أنّ عليه إتمام مهمّته والخروج من القفص، وإلّا سيزداد الألم سوءًا.
وكما في كلّ مرّةٍ سابقة، زحف خارج القفص بصعوبةٍ وبُطءٍ وكراهية.
ثم بدأ الألم يخفت تدريجيًّا.
تحرّك بطنه، وصعد شيءٌ من داخله عبر حلقه حتى بلغ فمه.
واختفى الإحساس بالانتفاخ شيئًا فشيئًا.
فتح فمه المليء بالأنياب الحادّة، وتقيّأ في الظلام قطعة ورق.
(ورقة مجدّدًا…) تمتم في ضجر. (أولئك البشر الأغبياء، ألا يمكنهم إرسال شيءٍ أكثر إثارة هذه المرّة؟)
شابٌّ بثيابٍ بيضاء انتزع الورقة بعنفٍ من فمه.
(بشرٌ وقح.)
عاد الألم الحادّ يتملّكه، فعوى من العذاب، وعرف أنّ الوقت قد حان ليعود إلى القفص.
مُثقلًا بالمهانة والألم، تسلّق القفص من جديد.
واختفى الألم.
أشعل الشابّ مصباحه، فأشعّ الضوء القاسي منه بشدّةٍ جعلته يُظهر أنيابه ويزمجر. رفع مخالبه ليحجب الضوء عن أزواج العيون الثمانية المتشابكة على جسده.
الضوء.
الشيء الذي يكرهه أكثر من أيّ شيء آخر.
ولحسن الحظ، حين أنهى الشابّ قراءة الورقة، كان أوّل ما فعله هو إطفاء الضوء.
"آخر الأخبار من الحصن." في الظلام، وضع الشابّ ذو الرداء الأبيض الورقة أمام ناظريه وتكلّم بصوتٍ أكثر وقارًا من ذي قبل: "الأمور تجاوزت توقّعاتنا قليلًا."
"أوه؟" دوّى صوتٌ عجوز أجشّ في الهواء.
تذكّر ذلك الصوت. فمنذ أن أُخرِج من عاصمة النصر، تولّى الكثير من البشر مسؤولية إدارة قفصه، لكنّ صاحب ذلك الصوت العجوز بدا كأنه اعتنى بالقفص لفترةٍ أطول من سواه.
"أولًا، أُعيق طريق الأمير، ثمّ تعرّض لهجومٍ من لامبارد عند الحدود… لكن يبدو أنّه لم يتأذَّ رغم خطورة الموقف. والآن، تتّجه البعثة الدبلوماسية إلى مدينة سُحب التنين تحت حماية لامبارد."
"أنت تعلم أنّ هذا ليس ما يقلقني." قال الصوت العجوز الأجشّ بنبرةٍ هادئة، "وماذا عن تلك المجنونة القاتلة؟"
"غيزا ستريلمان لم تتّبع خطّتنا. ذهبت لتطويق رامون مع عصابة قوارير الدم رغم أنّنا ألمحنا لهم مرارًا عبر قنواتٍ عدّة إلى أهميّة رامون بالنسبة للأخوية." قال الشابّ بصوتٍ خافت.
غيزا ستريلمان.
اهتزّت أعصابه كلها من جديد لذلك الاسم المألوف.
عدوّته، الصوفية.
كانت عدوّة حياته؛ العدوّة التي تتحرّك بحرّية بين اللحم والدم.
"ماذا حدث؟" عاد الصوت العجوز الأجشّ يُسمع ثانيةً.
"لقد ظهرت علنًا… ووفقًا لمخبرينا في حصن التنين المحطَّم، يبدو أنّ غيزا هدّدت سلامة الأمير تاليس أثناء طريقه إلى الحصن." قال الشابّ.
ارتفع في الظلام صوت عصًا تُضرب على الأرض.
"همم؟" تساءل العجوز في حيرة. "وفقًا للمعلومات السابقة، ألم تكن ملكة الليل هي من اعترضت طريق الأمير؟ ولهذا ذهب إلى حصن التنين المحطَّم طلبًا للمساعدة، أليس كذلك؟"
"بلى، لكنّ هناك مستجدّات. يبدو أنّ الأمور أصبحت أعقد قليلًا." رفع الشابّ رأسه مبتسمًا، لكن لم يستطع أحد رؤية ملامحه بوضوح في الظلام. "الصوفية الدموية ظهرت من أجل شيءٍ في حوزة عشيرة الدم. ماذا يسمّونه… التابوت الأسود لليل المظلم؟"
فتح عينيه على الفور.
رغم أنّه عاش سنواتٍ طويلة مقطوعًا عن جسده الأصلي، في حالةٍ من الخمول والتبلّد، إلّا أنّ ذكريات أيامه مع الجسد الأصلي ما زالت راسخة في ذهنه.
(الليل المظلم… يا له من مصطلح مألوف. أين سمعت به من قبل؟)
صمتٌ تام.
لم يتكلّم الصوت الأجشّ.
رفع الشابّ ذو الرداء الأبيض حاجبيه. "أتذكّر أنّ هذا الشيء كان مدرجًا ضمن قائمة المعدات الأسطورية المضادّة للصوفيين… لكن بناءً على ردّ فعلك، يبدو أنّه أمر استثنائي للغاية، أليس كذلك؟ كما تعلم، إن أرسلنا الخبر الآن وجمّعنا قواتنا، قد نتمكّن من اعتراض ملكة الليل…"
تجمّد الهواء في ذلك الظلام فجأة.
وبعد صمتٍ طويل، ارتفع الصوت الأجشّ ببطء: "لا تسأل. ذلك التابوت شيء لا يمكننا لمسه، لا التابوت نفسه، ولا ما بداخله."
قطّب الشابّ حاجبيه في ارتباك، لكنه في النهاية أومأ برأسه. "غيزا أُجبرت على التراجع بيد زهرة الحصن باستخدام الدرع الفائق. ولم تظهر بعد ذلك… لكنّ رامون ما زال قد أُرسل إلى إكستيدت وفق خطّتنا الأصلية."
نهضت الهيئة العجوز ببطء.
"حسنًا. إن عجزت عصابة قوارير الدم عن العثور على رامون، سنمنحهم تلميحًا آخر… علينا أن نغوي الصوفية الدموية لتتوجّه إليه، مهما كان الثمن—"
"بصراحة، هذا بالضبط ما كنتُ سأقوله." قاطع الشابّ صوته. "اختبارك الأخير يبدو أنه أثمر."
رفع مورات هانسن، صاحب الصوت العجوز، والنبيّ الأسود، رأسه ببطء في الظلام.
"رغم أننا نراقب مقرّ الأخوية مراقبةً مستمرة، إلّا أنّهم لم يتحرّكوا بعد… لكن السيف الأسود ظهر على حدود البلدين." ارتسمت ابتسامة على شفتي الشابّ. "أظنّه هناك لإنقاذ رامون… يبدو أنّ ثمّة خطبًا ما في رامون فعلًا، وأنّ قيمته في الأخوية قد تفوق كلّ تصوّراتنا."
ساد صمتٌ غريب آخر.
واستمرّ حتى بدأ مورات يضحك ببطء بصوتٍ مظلمٍ حادّ.
"ههه…" ضحك النبيّ الأسود، "لقد ظننتُ للحظةٍ أنّ تلميذي وتلك العجوز يتواطآن لخداعي… للحظةٍ فكّرتُ في التخلّي عن شكوكي بشأن هوية رامون وشطبه من القائمة السوداء."
"لكن، لا يهمّ مدى إحكام التنكّر، فلن يتجاوز شكّك أبدًا. شكّك أقوى حتى من حصن التنين المحطَّم، يا معلّمي." رفع رافاييل ليندبيرغ رأسه في الظلام وقال بابتسامةٍ خفيفة، وكأنه يسخر من مورات.
"انشر الخبر." لم يُعر مورات سخرية رافاييل اهتمامًا. اختفت الابتسامة من وجهه وقال بنبرةٍ منخفضة: "الأمير يجب أن يكون في إكستيدت الآن، صحيح؟"
أومأ رافاييل. "إنهم في آخر امتدادٍ من أرض منطقة الرمال السوداء."
"أعد تشورا." أومأ النبيّ الأسود وتنفس بعمق. "بما أنّه أكمل مهمته ونجح في استدراج رامون إلى بعثة الأمير الدبلوماسية…"
أدار رافاييل الورقة بيديه ومزّقها إلى شظايا صغيرة، ثم نثرها بلطف فوق رسمٍ غريب على الأرض. بدأت الأوراق الممزّقة تشتعل بنارٍ غريبة ما إن لامست الرسم، ثم اختفت تمامًا.
"هل ننتقل إلى المرحلة التالية من الخطّة؟" سأل الشابّ بصوتٍ خافت.
"نعم. حان الوقت لنقدّم للغرفة السرية وللأخوية هديةً كبيرة." توقّف النبيّ الأسود عن تحريك عصاه. "استعدّ للانطلاق. هذه أوّل تجربةٍ كبرى لك قبل أن تتسلّم منصب رئيس قسم الاستخبارات السرّية. تأكّد من أن يدخل السيف الأسود وغيزا مدينة سُحب التنين في الوقت نفسه ويجدا رامون."
ابتسم رافائيل ابتسامةً مشرقة.
"معركة بين السيف الأسود والصوفية الدموية؛ ستكون مشهدًا مذهلًا حقًّا." أخذ مورات نفسًا عميقًا وجلس مجددًا. "إنه مشهد يثير حماسي بحق."
"لهذا السبب أنت المسؤول عن سحب اثنين من المعدات الأسطورية المضادّة للصوفيين من مدينة سُحب التنين؟" ابتسم رافائيل بسخرية. "صوفيّة لا تخشى شيئًا في عاصمة دولةٍ أخرى… سواء انتهى الأمر بمشهدٍ باهر أو لا، فسيظلّ منظرًا كريهًا على أيّ حال. هل أنت متأكد أنك تريد فعل هذا؟"
(خصوصًا… وأنها المجنونة القاتلة التي ترصدها جميع وكالات الاستخبارات.)
فكّر رافاييل مبتسمًا في سرّه.
"اعتبرها هدية ردّ من الكوكبة إلى إكستيدت. نحن ننتقم لكلّ الخسائر التي تكبّدها جلالته وأنا في الأشهر الماضية." قال النبيّ الأسود بتنهدٍ مشوبٍ بالعاطفة. "فكلّ هذا لأجل التعامل بفعاليةٍ أكبر مع الخطر الذي تمثّله الصوفية الدموية…"
"وأنا حقًا أرغب برؤية كيف ستتصرّف تلك العجوز في مدينة سُحب التنين حيال هذا الموقف."
(وأيضًا،) فكّر مورات بهدوءٍ في قلبه، (تحت التواطؤ الصامت لقسم الاستخبارات السرّية في المملكة، تمتّعت أخوية الشارع الأسود بعصرٍ من المجد لسنواتٍ طويلة جدًّا.)
(وبما أنّ عصابة قوارير الدم تلقّت ضربةً ساحقة أجبرت آسدا وغيزا على الظهور…)
(فقد حان الوقت لتدفع الأخوية ومؤيّدوها من خلف الكواليس ثمنًا بسيطًا.)
(كلّ هذا من أجل أمان الكوكبة، أليس كذلك؟)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬